ما يحدث في لبنان الآن هو أمر طبيعي في ظل المناخ الإقليمي والدولي. المنطقة تعيش منذ سنة حالة حرب شاملة بين المحور السعودي-الإسرائيلي والمحور الإيراني. الحرب كانت تدور على عدة جبهات أهمها الجبهة السورية. في الآونة الأخيرة الجبهة السورية أصيبت بالجمود (reached a stalemate) ولهذا السبب كان من الطبيعي أن تفتح جبهات جديدة.
الحرب العالمية الأولى بدأت في صيف عام 1914. الفرنسيون قبل الحرب كان يراهنون على حلفهم مع روسيا لتحقيق التوازن في ميزان القوى بينهم وبين الألمان. الحلف الفرنسي-الروسي كان يعني أن الألمان سيضطرون للقتال على جبهتين في نفس الوقت، وبالتالي قوتهم على كل جبهة ستنخفض إلى النصف.
للتغلب على هذه المعضلة اعتمد الألمان على خطة شليفن Schlieffen. هذه الخطة تقوم على فكرة غزو بلجيكا (البلد المحايد) والنزول من هناك مباشرة نحو باريس بدلا من التقدم عبر الجبهة الألمانية-الفرنسية شديدة التحصين، وبذلك يمكن حسم الحرب على الجبهة الفرنسية خلال أسابيع قليلة والتفرغ بعد ذلك لمحاربة الروس.
ولكن خطة شليفن لم تنجح عندما اندلعت الحرب فعلا في آب 1914. الألمان فشلوا في تنفيذ الخطة بحذافيرها ولذلك وجدوا نفسهم في نهاية العام 1914 عالقين إلى الشرق من باريس وغير قادرين على التقدم غربا، وفي نفس الوقت هم كانوا يخوضون حربا صعبة ضد الروس على الجبهة الشرقية. لهذا السبب وصلت الحرب إلى طريق مسدود وحصل ما كان الألمان يخشونه قبل الحرب.
بعد أن وصلت الحرب في أوروبا إلى طريق مسدود (deadlock) في نهاية العام 1914 بدأت الأطراف المتصارعة تبحث عن جبهات جديدة لإشعالها، فقامت بريطانيا بالهجوم على إسطنبول (حملة غاليبولي) وتم إقحام إيطاليا وبلغاريا في الحرب، وهكذا بدأت الحرب تتوسع وتتمدد حتى تحولت إلى حرب عالمية.
هذا السيناريو يحدث في كل الحروب الشاملة. عندما تعجز الأطراف المتصارعة عن التقدم فإنها تلجأ إلى فتح جبهات جديدة.
المحور السعودي-الإسرائيلي كان يراهن على نصر سريع وحاسم ضد سورية. هم كانوا يتصورون أن سورية ستنهار خلال أسابيع أو أشهر وبعد ذلك سيتفرغون للحرب ضد إيران، ولم يكن يدور بخلدهم أبدا أن الجبهة السورية ستصمد حتى الآن. هم كان لديهم جدول زمني معين وحسب هذا الجدول كان المفروض أن تكون إيران الآن تحارب لوحدها.
صمود سورية والعراق قلب موازين آل سعود والصهاينة. هم خلال الفترة الماضية كانوا عاجزين عن إحداث أي تقدم أو اختراق على الجبهتين السورية والعراقية. آل سعود وآل ثاني والصهاينة وأميركا وأردوغان لم يتركوا ثغرة إلا وحاولوا استغلالها لضرب سورية والعراق، ورغم جهودهم المسعورة إلا أن بشار الأسد ونوري المالكي ما زالا صامدين، والمحور الممتد من طهران إلى بيروت ما زال متماسكا.
أمام هذا التماسك اضطر المحور السعودي-الإسرائيلي للتصعيد في لبنان. هم زادوا من إرسال السلاح إلى لبنان وبدؤوا يتآمرون في الأسابيع الأخيرة لإسقاط الحكومة اللبنانية، وهذا كان واضحا من زيارة جيفري فيلتمان إلى لبنان. تيار الحريري بعد هذه الزيارة صار يطالب بقوة بإسقاط حكومة ميقاتي. هم يرون أن هذه الحكومة تخدم سورية ولذلك يريدون إسقاطها.
التصعيد السعودي-الإسرائيلي في لبنان قابله رد فعل من سورية. سورية زادت من ضغوطها على الحكومة اللبنانية لكي تتحرك ضد مهربي السلاح، وعندما تحركت الأجهزة الأمنية اللبنانية واعتقلت زعيم إحدى العصابات الوهابية انفجر الوضع في لبنان، وهذا أمر متوقع لأن الوهابيين هم عبارة عن برميل بارود قابل للانفجار بأي صدمة بسيطة.
الوهابيون في لبنان هم صناعة سعودية-إسرائيلية بامتياز. السعودية أوجدت هؤلاء الوهابيين وربتهم وشحنتهم حتى صاروا برميل بارود قابل للانفجار في أي لحظة، والهدف من تفجيرهم هو الإطاحة بحزب الله كما قلت سابقا (هذه تدوينة كتبتها سابقا عن هذا الموضوع).
الخطة السعودية-الإسرائيلية سارت بنجاح بالغ. عندما انفجر الوضع في شمال لبنان سارع صديق سورية نبيه بري إلى الاتصال بالسفير السعودي في لبنان بهدف حل المشكلة بالحوار، ولكن الرد السعودي جاء عبر سعد الحريري الذي قال أنه لن يتحاور إلا حول نزع سلاح حزب الله. القوى الصديقة لسورية في لبنان كانت تسعى بجهد كبير لإطفاء الوضع في الأيام الماضية، ولكن الإعلام السعودي كان يحرض طائفيا ويسعى لتأجيج الوضع. قناة صفا وقناة العربية كلتاهما تحرضان طائفيا. بالأمس عندما قتل الشيخ في شمال لبنان أذاعت فناة العربية الخبر كما يلي “مقتل شيخ سني في شمال لبنان”. قناة العربية تستخدم ألفاظ “سني” و”علوي” و”شيعي” وتستخدم ألفاظ “أنصار النظام السوري” و”مناوئوا النظام السوري” بهدف تأجيج الوضع ومد الحرب السورية إلى لبنان.
دول الخليج منعت رعاياها من السفر إلى لبنان وهي تقول أن ذلك بسبب موقف الحكومة اللبنانية المؤيد للنظام السوري. هم يريدون الضغط اقتصاديا على لبنان لكي يتخلى عن سورية أو تسقط حكومته، وهذا دليل واضح على أنهم حسموا أمرهم ويريدون فتح جبهة جديدة في لبنان.
أنا تحدثت من قبل عن موضوع الاقتصاد اللبناني وقلت أنه نقطة الضعف التي سيستغلها المحور الأميركي. لا حل لهذه المشكلة سوى استخراج النفط والغاز اللبناني وبيعه، ولكن هذه المسألة سوف تستغرق وقتا طويلا على ما يبدو.
لبنان هش جدا وهو بالكاد فيه كيان دولة. حافظ الأسد أراد بعد اتفاق الطائف تقوية الدولة اللبنانية وهو نجح في بناء جيش لبناني متماسك نسبيا، ولكن المشكلة في اتفاق الطائف هي أنه أوكل إدارة الدولة اللبنانية لرفيق الحريري. رفيق الحريري لم يستخرج النفظ والغاز ولم يقم بأي جهد لبناء اقتصاد لبناني إنتاجي. هو فقط اعتمد على المشاريع السياحية والعقارية وأغرق الدولة اللبنانية في الديون، والأدهى من ذلك هو أنه رفض بناء جيش لبناني قوي. الجيش اللبناني حاليا قليل العدد جدا (هو ربما 30 أو 40 ألف رجل فقط على ما أذكر) وهو يفتقر بشدة إلى السلاح. هذا الجيش الضعيف المهلهل لا يمكنه أن يحمي الدولة اللبنانية التي هي أصلا هشة جدا وضعيفة.
رفيق الحريري لم يبن اقتصادا لبنانيا ولا جيشا لبنانيا، وبالتالي لبنان حاليا يفتقر لمقومات الدولة الحقيقية وهو معتمد بالكامل على السعودية وأميركا. السعودية وأميركا لم يكونوا يريدون للبنان الواقع تحت الوصاية السورية أن يتحول إلى دولة قوية أو على الأقل متماسكة، ولهذا السبب هم عملوا مع الحريري على جعل لبنان بهذه الصورة الهشة والمتداعية.
هم الآن يجنون ثمار ما زرعوه. هم يستغلون ضعف الجيش اللبناني ويحاولون إغراق لبنان في الفوضى الأمنية، ويستغلون ضعف الاقتصاد اللبناني ويحاولون ضرب لبنان اقتصاديا. هم يريدون تحويل لبنان من داعم لسورية إلى عبء عليها، ويريدون أن يشغلوا حزب الله في الداخل اللبناني لكي يمنعوه من لعب دور إقليمي داعم لسورية وإيران في هذه المرحلة الحرجة.
من الصعب جدا على الحكومة اللبنانية ضبط الأوضاع في لبنان لأنها لا تملك المقومات اللازمة لذلك. الدولة اللبنانية هي دولة ضعيفة جدا وهشة وهي تستند إلى مبادئ وفلسفات فاسدة وغير مجدية. هي لا تملك ما يمكنها من الصمود، وبالتالي لبنان هو مرشح بشكل جدي للانهيار خلال الفترة القادمة. مناخ المنطقة هو مناخ حرب، والمحور السعودي-الإسرائيلي يريد منذ البداية زج لبنان في الصراع وتحويله إلى منصة لضرب سورية. طالما أن المحور السعودي-الإسرائيلي يريد ضرب سورية انطلاقا من لبنان فهذا يعني أن لبنان مقبل على انهيار وفوضى، وهو أمر كنا نتوقعه منذ البداية.
استخدام لبنان لدعم “الثورة السورية” هو دليل على وجود نية لدى المحور السعودي-الإسرائيلي لتفجير لبنان. هم يريدون تفجير لبنان لأنهم يريدون أن يشغلوا حزب الله ويتخلصوا منه. هذه هي سياستهم منذ بداية الأزمة السورية.
المنطقة الآن تعيش حالة الفوضى الخلاقة التي أعدت لها أميركا منذ سنوات، ومشروع الفوضى الخلاقة يشمل لبنان ولا يستثنيه. تفجر الأوضاع في لبنان هو أمر متوقع ومنتظر، وأصلا المحور الأميركي لم يكن يخفي منذ البداية مراهنته على نتائج الحرب في سورية لتغيير الأوضاع في لبنان. هم منذ البداية كانوا يقولون أنهم ينتظرون سقوط النظام السوري لكي ينقضوا على حزب الله، أي أنهم لم يكونوا يخفون نيتهم في مد الفوضى السورية إلى لبنان.
وضع المنطقة معقد جدا، والأمور بدلا من أن تهدأ تتجه إلى التصعيد. هذا هو ما أغضب الروس ودفعهم لإصدار بيان شديد اللهجة بالأمس. البيان الروسي اتهم القوى التي عجزت عن إسقاط النظام السوري بمد الصراع إلى لبنان. هذا الكلام الصريح جدا هو تعبير عن حجم الغضب والاستياء الروسي. روسيا تسعى منذ البداية لإطفاء الحرب وإخماد الفوضى في المنطقة، ولكن السعودية وإسرائيل مصرتان على التصعيد والفوضى، وهذا ما يجعلهما في صدام مباشر مع روسيا لأن روسيا تعتقد أن هذه الفوضى لن تنحصر في المنطقة بل هي ستصيب في النهاية روسيا نفسها.
فتح الجبهة اللبنانية الآن يعني أننا ما زلنا في العام 1915 من الحرب العالمية الأولى، أي أننا ما زلنا بعيدين عن نهاية الحرب. أميركا في عام 1976 فجرت لبنان لأسباب مشابهة للأسباب الحالية، ونحن نعلم أن سورية في تلك المرحلة ظلت مضطربة حتى العام 1982 (ولبنان حتى العام 1991)، أي أن نهاية الصراع ما تزال بعيدة. نحن نعيش حربا كبيرة وطويلة الأمد. الأميركان صريحون وكل تصريحاتهم ومقالات كتابهم تدل على أن الصراع ما زال طويلا. هم لا يفكرون أبدا بإنهاء الحرب بل ينظرون لها على أنها حرب طويلة ومفتوحة. هم يحرصون دائما على وصف مهمة عنان بالفاشلة وغير المجدية، وهذا بحد ذاته دليل على رغبتهم في مد الحرب.
هم يريدون استمرار الحرب إلى ما بعد الانتخابات الأميركية. هم ينتظرون أن تستلم قطر رئاسة الجامعة العربية في آذار 2013 لكي يجددوا الهجوم على سورية في مجلس الأمن. هم يعتقدون أن روسيا في ذلك الوقت ستكون أيست من سورية وأصبحت جاهزة للتفاوض حولها وفق الشروط الأميركية.
في العام 2013 هناك استحقاق الانتخابات اللبنانية واستحقاقات أخرى يراهنون عليها. هم سينتظرون للسنة القادمة وربما أبعد منها. لا يوجد حاليا ما يجبرهم على وقف الحرب.
الحرب العالمية الأولى انتهت عندما انهارت ألمانيا. في السنة الأخيرة من الحرب (1918) ألمانيا كانت محاصرة والاقتصاد الألماني كان منهارا تماما. الألمان كانوا يقتلعون مواسير المياه من أراضي مدنهم ويذيبونها لكي يصنعوا منها الذخائر. ألمانيا لم تكن مهزومة عسكريا بل كانت قواتها لا تزال داخل فرنسا، ولكن قادة الجيش الألماني أعلنوا بشكل مفاجئ أنهم لا يستطيعون مواصلة القتال، وهذا ما صدم الشعب الألماني الذي كان يعتقد حتى اللحظة الأخيرة أن ألمانيا ستربح الحرب ولم يكن احتمال الهزيمة يدور في خلدهم.
أميركا تراهن على نهاية مماثلة لسورية. هي تنتظر أن تنهار سورية من الداخل، وهي تراهن على عامل الزمن وزيادة الضغط بشكل تراكمي على الشعب السوري إلى أن يصل إلى مرحلة الانهيار.
لا يوجد حل لسورية سوى التكيف. يجب أن يتكيف الاقتصاد السوري على الوضع الحالي وعلى الحصار الأميركي. الحصار الاقتصادي لوحده يمكن التكيف معه ولكن المشكلة هي بالعصابات الأميركية (عصابات الكونترا) التي تعمل على الأراضي السورية. هذه هي المشكلة الكبرى ورهان أميركا هو بالأساس على هذه العصابات. بدون هذه العصابات فإن أميركا لا تملك شيئا قي سورية وهي ستضطر لإيقاف الحرب في اليوم التالي.
الفوضى في لبنان تقوى العصابات السورية لأن الفوضى ستشغل الجيش اللبناني وحزب الله عن ملاحقة خطوط تهريب السلاح إلى سورية وستزيد من تقاطر الأسلحة إلى سورية.
“رفعت عيد” الموالي لسورية قال في بداية الأحداث اللبنانية أن الأحداث لو استمرت فإن الجيش السوري سيدخل إلى لبنان. أيضا رسالة بشار الجعفري إلى مجلس الأمن تسير في نفس الاتجاه. هذا التلويح السوري بالدخول إلى لبنان هو تهديد للوهابيين في لبنان لكي يرعووا ويستكينوا، ولكنهم إن استمروا في أعمالهم فلا أستبعد أن يتدخل الجيش السوري فعلا في لبنان. كم من القوات يلزم للسيطرة على شمال لبنان؟ لا أعتقد أنه عدد كبير لأن هناك حزب الله وفئات أخرى صديقة لسورية سوف تساعد أيضا. أنا أعتقد أن عددا محدودا من القوات يمكنه التدخل في شمال لبنان وتأمين المنطقة إن انفلتت الأوضاع، وأميركا لن تستطيع أن تفعل شيئا في مجلس الأمن سوى إصدار قرار يطالب سورية بالانسحاب. روسيا والصين لن تسمحا بأكثر من ذلك، وبالتالي الوهابيون يخوضون معركة خاسرة ومن الأفضل لهم الهدوء.




