Archive for the ‘تاريخ’ Category

الفيديو التالي فيه ترجمة عربية للسلام الوطني للاتحاد السوفييتي السابق.

أنا لا أجيد الروسية ولكنني اعتمدت على ترجمة إنكليزية للنص الروسي.

جودة الفيديو رديئة لأن هذا هو أول فيديو أصنعه بنفسي. سأحاول في المستقبل أن أحسن الجودة.

الحلقة الأخيرة من برنامج الاتجاه المعاكس تدخل في إطار الحرب العبثية (التي ليس لها نهاية) بين النظام السوري ومعارضيه:

 

المعلومات التاريخية التي وردت في هذه الحلقة هي جديرة بالمعرفة، ولكن أنا أتحفظ على الأسلوب الذي طرحت به هذه المعلومات.

الأسلوب الذي طرحت به المعلومات التاريخية في هذه الحلقة هو أسلوب انتقائي هدفه استثارة العواطف وتحريض الناس ديماغوجيا.

هذه الطريقة هي التي يتبعها المعارضون السوريون دائما. هم ينتقون بعض الحقائق التاريخية ويفصّلون على أساسها تاريخا وهميا مزيفا لا علاقة له بالتاريخ السوري الحقيقي.

أي شخص لديه اطلاع على التاريخ السوري يعلم أن علاقة الدروز بالنظام السوري في الأربعينات والخمسينات كانت سيئة.

الدروز كانوا رأس الحربة في معارضة النظام السوري آنذاك. شكري القوتلي كان يمقت الدروز وكان يعتبرهم التهديد الأخطر لنظامه. هو كان يكره العلويين أيضا، ولكن العلويين كانوا بعيدين عن دمشق، بخلاف الدروز الذين يسكنون على مقربة من دمشق ويشكلون تهديدا مباشرا للنظام. شكري القوتلي كان يخشى أن يهاجم الدروز دمشق كما حصل في زمن الثورة السورية الكبرى. لهذا السبب شكري القوتلي (وبقية أعضاء “الحزب الوطني” الحاكم) كان يصر بشدة على أن يضع الجيش السوري (الذي كان يعرف آنذاك بـ”القوات الخاصة”) تحت سيطرته. الفرنسيون كانوا يرفضون وضع الجيش السوري تحت سيطرة شكري القوتلي ونظامه. هم كانوا يقولون أن شكري القوتلي ونظامه سوف يستخدمون الجيش لقمع الأقليات وإلحاق الضرر بها. شكري القوتلي وجماعته كانوا يردون بأن هذا الكلام هو مؤامرة فرنسية هدفها إبقاء سورية ضعيفة وممزقة وتابعة للهيمنة الفرنسية.

النظام السوري الحاكم آنذاك كان يقول أن فرنسا تحرض الدروز وغيرهم من الأقليات على رفض الانصياع للنظام السوري، وفي نفس الوقت فرنسا كانت ترفض وضع الجيش السوري تحت سلطة نظام دمشق بحجة أن النظام سوف يضطهد الأقليات. في رأي النظام السوري أن فرنسا كانت تستخدم الأقليات كذريعة لإبقاء استعمارها لسورية.

البريطانيون قبلوا منطق شكري القوتلي، ليس بالضرورة لأنهم اقتنعوا به، ولكن لأن أجندتهم في ذلك الوقت كانت تقضي بتصفية الوجود الفرنسي في سورية ولبنان.

هناك أكثر من نظرية تفسر الموقف البريطاني آنذاك. رأيي الشخصي هو أن البريطانيين ربما كانوا يخشون أن تستغل فرنسا ظروف الدولة الصهيونية لوضع هذه الدولة تحت هيمنتهم. لو فرضنا أن فرنسا بقيت في سورية ولبنان تحت شعار “حماية الأقليات” فهذا كان سيؤهلها للعب دور حامي الصهاينة في فلسطين. كان من الممكن لفرنسا أن تنسج حلفا مع الصهاينة بحجة أنهم أقلية مهددة وبحاجة لحماية.

المحصلة ستكون إخراج فلسطين من النفوذ البريطاني ووضعها تحت النفوذ الفرنسي، أي أن فرنسا ستكون قد نجحت في وضع “سورية الكبرى” تحت سيطرتها. هذا المطلب هو المطلب الفرنسي التاريخي الذي يعود إلى زمن الحرب العالمية الأولى والقنصل جورج بيكو. البريطانيون رفضوا أثناء الحرب العالمية الأولى أن يضعوا فلسطين تحت الهيمنة الفرنسية. البريطانيون في أربعينات القرن العشرين كانوا يعتزمون الخروج من فلسطين لكي يفسحوا المجال أمام إنشاء إسرائيل. لو أن البريطانيين خرجوا من فلسطين وتركوا فرنسا في سورية ولبنان فكان من المتوقع جدا بعد ذلك أن تقوم فرنسا بمد نفوذها على فلسطين، وهذا ما لم يرده البريطانيون. لهذا السبب هم حرصوا على إخراج فرنسا من سورية ولبنان قبل أن ينسحبوا من فلسطين.

البريطانيون أرادوا ربما أن تبقى فلسطين منطقة نفوذ لهم حتى بعد انسحابهم منها. من الممكن أيضا أن العامل الديني والعاطفي له دور في الموضوع. فلسطين هي أرض مقدسة بالنسبة للأوروبيين وهم كانوا مهتمين بها منذ القرن 19 (إذا لم نقل منذ الحملات الصليبية).  من الممكن أن البريطانيين كرهوا أن يسلموا هذه الأرض المقدسة للفرنسيين، خاصة وأن الفرنسيين ينتمون لمذهب مسيحي مختلف عن مذهب البريطانيين (وهناك تاريخيا تنافس بين هذين المذهبين).

هذه النظريات هي طروحات شخصية من عندي، رغم أنني قرأت ما يشبهها في بعض الكتب والمؤلفات. المهم هو أن بريطانيا في أربعينات القرن العشرين كانت تحرص على إخراج فرنسا من سورية ولبنان، وهي لهذا السبب قبلت طروحات شكري القوتلي وساعدته على بناء دولته المركزية المجنونة. أنا لم أقرأ (حتى الآن) ما يثبت موافقة شكري القوتلي على إنشاء إسرائيل، ولكن قراءة السياق العام الذي رافق قيام دولة القوتلي توحي بأنه كان على الأغلب متواطئا في مشروع بيع فلسطين. هناك نص تاريخي يدل على أن رياض الصلح (رئيس وزراء لبنان آنذاك) كان متورطا بعلاقات سرية مع الصهاينة. رياض الصلح ينتمي لـ”الكتلة الوطنية” التي هي نفس حزب شكري القوتلي. شكري القوتلي كان من الناحية النظرية رئيس رياض الصلح. إذا كانت هناك علاقات سرية بين رياض الصلح والصهاينة فمن باب أولى أن تكون هناك علاقات سرية بين شكري القوتلي والصهاينة.

شكري القوتلي وجماعة “الحزب الوطني” لعبوا دورا محوريا في ترسيخ الجمهورية اللبنانية. قبل أربعينات القرن العشرين لم يكن غالبية المسلمين في لبنان يعترفون بالدولة اللبنانية. غالبية المسلمين في هذه الدولة كانوا يعتبرون أنفسهم سوريين. المزاج الشعبي في لبنان كان لا يختلف عن المزاج الشعبي في دولة اللاذقية وغيرها من الدويلات السورية. السكان عموما (ما عدا المسيحيين الموارنة) كانوا يعتبرون أنفسهم سوريين تحت الاستعمار الفرنسي. زعماء المسلمين في لبنان كانوا ينتسبون إلى “الكتلة الوطنية”، التي هي نفس الحزب السياسي الذي كان يضم السياسيين السوريين المناوئين للاستعمار الفرنسي.

“الكتلة الوطنية” قررت في أربعينات القرن العشرين الاعتراف باستقلال لبنان. رياض الصلح لعب الدور الأساسي في هذا الموضوع، وهو حظي بدعم كبير من شكري القوتلي. شكري القوتلي أرسل إلى لبنان رئيس الوزراء السوري (سعد الله الجابري) لكي يطوف على المدن اللبنانية ويخطب في اللبنانيين ويطلب منهم أن يعترفوا باستقلال لبنان. سعد الله الجابري ألقى خطابات في لبنان دعا فيها المسلمين اللبنانيين إلى أن يكونوا “رسل العروبة في لبنان” (على أساس أن سعد الله الجابري ومعلمه القوتلي يمثلان العروبة وهما مخولان بإرسال “رسل العروبة” نحو البلاد المختلفة).

سعد الله الجابري هو حلبي الأصل، ولكنه أحد الحلبيين الذين اختاروا الانضمام إلى نظام القوتلي وتخلى عن قضية الوحدة العربية وقضية فلسطين.

في أربعينات القرن العشرين حصل في سورية انشقاق داخل صفوف “الكتلة الوطنية”. كثير من أعضاء الكتلة الوطنية (خاصة الحلبيين) طالبوا بتحقيق الوحدة العربية وتحرير فلسطين، ولكن هناك فريق آخر (يقوده شكري القوتلي) رفض الوحدة العربية وقرر أن يتبنى الرؤية البريطانية للمنطقة. الفريق الثاني هو الذي كان في السلطة، وهو تعاون مع البريطانيين على تحقيق رؤيتهم للمنطقة.

البريطانيون طلبوا من شكري القوتلي أن يساعدهم على ترسيخ استقلال لبنان، وهو تجاوب معهم وأرسل سعد الله الجابري إلى لبنان لهذا الغرض. سعد الله الجابري هو من الحلبيين القلائل الذين التحقوا بنظام القوتلي وتخلوا عن قضية الوحدة العربية وقضية فلسطين. لهذا السبب كافأه القوتلي بأن عينه رئيس حكومة. سعد الله الجابري كان أشبه بواجهة حلبية لنظام القوتلي، ولكنه لم يكن يعبر عن التوجه الشعبي في حلب. حاليا أهم ميدان في مدينة حلب يحمل اسم هذا الشخص، وهذه على ما أظن ليست مصادفة.

شكري القوتلي تعاون مع البريطانيين في ترسيخ استقلال لبنان. لا شك أن البريطانيين طلبوا منه أيضا (كما طلبوا من غيره) أن يتعاون معهم في إنشاء إسرائيل. لو قرأنا في الكتب السورية التي تباع حاليا فلن نجد فيها ما يشير إلى تورط القوتلي في بيع فلسطين، ولكن المفارقة هي أن الشعب السوري في عام 1948 حمل القوتلي وحكومته مسؤولية بيع فلسطين. المؤرخون السوريون يحرصون دائما على تبرئة القوتلي ونظامه من هذه التهمة. هم يقولون أن الشعب السوري كان عاطفيا وأبلها وأن القوتلي كان مظلوما. أنا لا أدري ما هو سر الثقة الكبيرة التي يبديها المؤرخون بالقوتلي. أنا بصراحة لا أثق بما يقوله المؤرخون السوريون عن تلك الحقبة (وغيرها). كلام المؤرخين السوريين هو نفس وجهة النظر الرسمية التي كان يروجها إعلام النظام (وما زال يروجها حتى الآن).

النظرية التي يطرحها المؤرخون هي عجيبة للغاية. هم يقولون أن المطالبين بالوحدة العربية وتحرير فلسطين كانوا عملاء للمخابرات البريطانية، وأما شكري القوتلي وأديب الشيشكلي فهما البطلان اللذان أحبطا مؤامرة المخابرات البريطانية لتوحيد المشرق العربي. العجيب هو أن هذه النظرية ما زالت مطروحة بجدية حتى يومنا هذا.

من الذي أتى بالقوتلي للسلطة؟ هل القوتلي كان ليصبح رئيسا لولا البريطانيين؟ هل القوتلي كان يقوى على فعل أي شيء دون استئذان البريطانيين؟

التاريخ السوري الحديث تم تشويهه وتزييفه على نحو عجيب. هذه ليست مصادفة. التاريخ السوري الحديث هو مرتبط على نحو مباشر بمؤامرة بيع فلسطين للصهاينة. هذا هو سبب التزييف الرهيب الذي لحق بالتاريخ السوري الحديث.

المطالبون بالوحدة العربية لدى المؤرخين السوريين هم عملاء للمخابرات البريطانية، والشخص الذي نصبه البريطانيون رئيسا لسورية والذي انخرط في جميع المشاريع البريطانية في المنطقة هو الوطني الشريف الذي قاوم المؤامرات البريطانية.

القوتلي انخرط في إنشاء دولة لبنان، وانخرط في إنشاء جامعة الدول العربية في عام 1945. هذان المشروعان هما مشروعان بريطانيان يهدفان في العمق لإبقاء المشرق العربي مقسما وبالتالي ترسيخ وجود إسرائيل. عندما قامت دولة إسرائيل في عام 1948 كان القوتلي ما يزال حديث عهد بالاستقلال عن الاحتلال البريطاني المباشر، وكان ما يزال يتلقى الأوامر من البريطانيين. أنا لن أستغرب إن ثبت يوما ما أن القوتلي كان على علاقة سرية بالصهاينة (كرياض الصلح والهاشميين) وأنه أمر الجيش السوري بالانسحاب من فلسطين نحو الحدود الدولية التي رسمها البريطانيون.

لا أستطيع أن أصدق أن شكري القوتلي كان جادا بالفعل في خوض حرب ضد الصهاينة في فلسطين. هذا الرجل كان يتلقى التعليمات من البريطانيين، وهو كان يعتبر الوحدة العربية “مؤامرة”. هل هكذا إنسان يمكن أن يفكر جديا في محاربة الصهاينة؟

عقلية القوتلي الحقيقية تشبه عقلية الإخوان المسلمين والوهابيين ونحوهم من الطائفيين. هو لم يكن مشغول البال بفلسطين بقدر ما أنه كان مشغولا بإخضاع الدروز والعلويين وغيرهم من مناوئي نظامه. هو لم يكن يريد الحصول على الجيش لكي يحرر به فلسطين، ولكنه كان يريد الجيش لكي يهاجم به الدروز والعلويين والأكراد والبدو. هو كان يعتبر هذه الأقليات “مؤامرة فرنسية”. جميع أعضاء الحزب الوطني كانوا يحملون هذا التفكير. هم كانوا يعتبرون الأقليات من “بقايا الاستعمار”، وكانوا يرون أن “دعوى الأقليات هي دعوى باطلة من أساسها”.

البريطانيون سلموا الجيش السوري للقوتلي وطلبوا منه (شفهيا) أن يتعامل مع الدروز والعلويين على نحو أخلاقي، ولكنه لم يستجب لهذه المطالبة النفاقية وبدأ يعد العدة لمحاربة الدروز والبدو والأكراد وغيرهم من المتمردين.

هو كان يخشى كثيرا من سلمان المرشد في اللاذقية، ولهذا السبب قتله، وكان يخشى أيضا من سلطان باشا الأطرش في السويداء.

الجيش السوري احتل السويداء عدة مرات في أواخر الأربعينات والخمسينات. أديب الشيشكلي بالذات اشتهر في التاريخ السوري بعداوته للدروز. هو قصف القرى الدرزية بالمدفعية، وكان يحرض بشكل دائم على الدروز في الإعلام، إلى درجة أنه طلب من الإعلام المصري أن يساهم في الحملة التحريضية على الدروز وأن يتهمهم بأنهم كفار وعملاء للصهاينة ونحو ذلك. الحملة التي شنها الشيشكلي على الدروز تشنه الحملة الوهابية المعاصرة على الشيعة.

الشيشكلي بعد الإطاحة به في عام 1954 هرب إلى لبنان، ولكنه اضطر لمغادرة لبنان بعدما تلقى تهديدات من كمال جنبلاط. هو ذهب بعد ذلك إلى أميركا الجنوبية وقتل هناك على يد رجل درزي.

من الغريب أن يتجاهل شخص كل هذا التاريخ وأن يحاول تصوير حقبة الأربعينات والخمسينات على أنها العصر الذهبي للدروز. ما ظهر في حلقة الاتجاه المعاكس هو مجرد تضليل وتزوير للتاريخ. هذا هو الديدن الدائم للمعارضين السوريين. هم يطرحون دائما صورة مزيفة للتاريخ السوري لا علاقة لها بالصورة التي نجدها في كتب التاريخ (المكتوبة باللغتين الإنكليزية والفرنسية).

صحيح أن حافظ الأسد أساء للدروز (كما أساء لغيرهم)، ولكن هذا لا يعني أن من قبله كانوا أفضل منه. المشكلة في سورية لا تنحصر في حافظ الأسد. المشكلة تتعلق ببنية وفلسفة النظام السوري. النظام السوري أسس في الأربعينات على عقيدة مركزية معادية للأقليات ولمدينة حلب. في عهد حافظ الأسد الأمور أصبحت أسوأ بسبب النهج الاشتراكي للدولة. النهج الاشتراكي يسبب الفقر والبؤس واليأس، وهذا هو سبب الهجرة الكبيرة من مناطق الأرياف (وهذه الهجرة أدت بدورها لانتشار الفكر الوهابي نتيجة عودة المهاجرين من السعودية ودول الخليج).

أساس كل المشاكل في سورية هو المركزية بشقيها الإداري والاقتصادي. المركزية سببت الفقر واليأس، وهذا بدوره أدى للهجرة، والهجرة أدت لانتشار الوهابية، وانتشار الوهابية أدى للثورة السورية.

طبعا الجهل له أيضا دور جوهري في انتشار التعصب والوهابية. لو كانت العقلية العلمية تتحكم بالمجتمع لما كان هناك عنف على نطاق واسع. في المجتمع الأميركي هناك تعدد طائفي، ولكن العنف الطائفي هو قليل، لأن العقلية العلمية تتحكم بالمجتمع. العقلية العلمية تنشأ من نظام التعليم. نظام التعليم في سورية يقوم على أساس منطق اشتراكي تعريبي تجهيلي. الأساسات التي يقوم عليها نظام التعليم السوري تتعارض مع التفكير العلمي. نظام التعليم السوري هو مسؤول بصورة مباشرة عن نشر التعصب والتطرف.

هذه الأمور أنا تحدثت عنها بالتفصيل في مقالات سابقة.

مشاهد جديدة من فيلم “ملك الرمال” الذي يروي سيرة “عبد العزيز بن سعود” مؤسس مملكة بني سعود:

هذا المقال دلني عليه الأخ Dani. المقال فيه اقتباس من كتاب رحالة سماه كاتب المقال “روتير”:

 
مملكة الرمال: التاريخ الأسود منذ القرن الثامن عشر إلى اليوم
 
ناجي صفا

لم يكن التاريخ يوما ليعيد نفسه بالقذارة نفسها كما هو الحال مع عائلة آل سعود. اللافت أن المجزرة نفسها التي نفذها محمد بن سعود وابنه عبد الله بالتعاون مع أبناء محمد بن عبد الوهاب ضد أهل نجد والحجاز وبعض أجزاء شبه الجزيرة العربية في القرن الثامن عشر، عندما استولوا على السلطة بالسيف وقطع الرؤوس، ينفذها احفادهم اليوم في سوريا، كأن التاريخ لم ينقطع بين الماضي والحاضر.
في سياق الإضاءة على تاريخ آل سعود ومملكة رمالهم، التي بدأها المفكر السعودي التقدمي ناصر السعيد، ودفع حياته ثمنا لها، بتآمر سعودي لبناني فلسطيني مشترك للأسف، حيث جرى اختطافه من أمام صحيفة «السفير» في الحمرا، حيث جرى تخديره ووضعه في نعش وتسليمه إلى الاستخبارات السعودية لقاء مبلغ خمسة ملايين دولار، ونقل بطائرة سعودية خاصة عبر مطار بيروت، وألقي به من الطائرة على ارتفاع ثلاثين الف قدم فوق منطقة الربع الخالي.
في سياق المتابعة لتاريخ هذه العائلة الأسود ثمة عشرات المحطات التي ينبغي التوقف أمامها في عصرنا الحاضر كما في التاريخ؛ فليس من فارق بين ما قام به محمد بن سعود وابنه عبد الله، بالتعاون مع الوهابيين، وما يقوم به سعود الفيصل وبندر بن سلطان وتركي الفيصل في سوريا اليوم. لقد اخذت هذه العائلة على عاتقها منذ تنكبها السلطة بدعم استعماري بريطاني، أسهم في استيلائها على الحكم في الثلث الأول من القرن العشرين، ومن ثم الانتقال الى التبعية الأميركية بالوقوف بوجه كل ما هو عروبي وتقدمي، والعمل بكافة الوسائل على إجهاض اي تقدم او تطور او ارتقاء لهذه الأمة. لعل ذلك بدأ مع الإقرار لليهود «المساكين» كما وصفهم عبد العزيز آل سعود في رده على الطلب البريطاني بالموافقة على إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، مرورا باستعانتهم بالجيش الإسرائيلي لمواجهة عبد الناصر في اليمن، ومحاولة منع اليمن من التحول من حكم الإمامة الى جمهورية ديمقراطية، الى إرسال مذكرة للرئيس الأميركي ليندون جونسون يدعونه فيها للقضاء على عبد الناصر، الى تمويل حرب عام 67 ضد عبد الناصر ومحاولة تدمير مصر كرد على الحقد التاريخي على مصر، التي أجهض قائدها محمد علي باشا استكمال إقامة دولتهم الوهابية مطلع القرن التاسع عشر، واعتقل زعيمهم عبد الله بن محمد بن سعود بن عبد العزيز آل سعود، وأرسله الى تركيا، حيث جرى اعدامه بقطع رأسه، ووضعه على فوهة مدفع ومن ثم إطلاقه ليصبح هشيما، ومن ثم أخرج قلبه ووضع فوق جثته ووضع حكم اعدامه في نصل خنجر جرى شكه في القلب.
ولعل ما ذكره الرّحالة روتير، في شهر تشرين الثاني ( نوفمبر) عام 1818 م، في كتابه « رحلة من تبليسي إلى إسطنبول» ، يصف فيه مشهد إعدام عبد الله بن محمد بن سعود آخر حكام الدولة السعودية الأولى في الجزيرة العربية يعطي انطباعا عن الحقد الذي ما زال يعتمل في صدور هذه العائلة ..
كتب روتير في كتابه «رأيتُ بأم عيني إعدام عبد الله ملك السعوديين الوهابيين، بقطع الرأس في ساحة آيا صوفيا، مقابل قصر حدائق السرايا، بعدما طيف به ذليلاً في شوارع إسطنبول لثلاثة أيام. ولقد وضع الأتراك رأس عبد الله آل سعود بعد قطعه في فوهة مدفع، ثمّ أشعلوا باروده، فانقذف الرأس بعدما صار هشيماً، أما جسده، فقد وضعوه على خازوق، ثمّ ستروه بقطعة قماش كُـتبَ عليها «تركيا فوق الجميع». وأخرجوا قلبه من صدره، وثبـتوا بخنجر غرز في قلبه المنزوع، ورقة كانت تتضمن حكم الإعدام بحقه».
ولعلّ من المهم استعراض الأسباب التي حدت بالأتراك إلى تنفيذ حكم الإعدام بهذا الشكل المريع، بسبب ما قام به عبد الله بن محمد بن سعود هو وزبانيته من اتباع محمد بن عبد الوهاب عندما غزوا عام 1801، مراكز التشيّع في جنوب العراق، حتى وصلوا كربلاء، فأعملوا في رقاب أهلها السيف، ولم ينج من مقتلة «المشركين الروافض» (كما سموا الشيعة) إلاّ من هرب ! ودخل الوهابيون إلى مقام الإمام الحسين فهدموا القبة فوق ضريحه، ونهبوا ما وجدوه من ذهب ومال ومتاع. وعام 1802، اتجهت جيوش الوهابيين غرباً نحو مراكز التسنن في الحجاز، فبدأوا بغزو مدينة الطائف التي قاومتهم، فكان مصيرها مروّعاً «إذ ذبحَ كل فرد ذكر من سكانها، وسُبيت نساؤها . ثمّ دخل الوهابيون مكة التي استسلم أهلها، تحت أثر الرعب والهلع اللذين انتاباهم، وكذلك كان الحال في المدينة المنورة! وحين احتل أتباع ابن عبد الوهاب مكة، هدموا المعالم النبوية التاريخية فيها، وعملوا على تدمير كل القباب والأضرحة والمقامات وكل ما وجدوه من آثار قرون من التعمير الاسلامي حول المسجد الحرام».
لم تتوان السعودية بقيادة آل سعود يوما عن الوقوف بوجه كافة محاولات التغيير في الوطن العربي، والعمل على تدمير الثورات التي يمكن ان تنال من العدو الصهيوني، سواء بإغراقها بالمال كما حصل مع الثورة الفلسطينية، أو محاولات القضاء على حزب الله والمقاومة الإسلامية في لبنان بالتنسيق مباشرة مع اسرائيل والغرب، وإضافة إلى ما تقوم به السعودية من جرائم وتدمير في سوريا، فإنها تسعى ايضا الى اغراق العراق بدمه عن طريق السيارات المفخخة التي بلغت بحسب آخر الإحصاءات 300 سيارة مفخخة.
يصر تركي الفيصل بحسب ما ذكرت الصحافة على تدمير سوريا ببنيتها المجتمعية ومؤسساتها وجيشها الوطني، وصولا الى تقسيمها، كل ذلك بسبب تحالف سوريا مع المقاومة ودعمها لها بوجه إسرائيل، ويقوم بجهود مستميتة لتخريب الإتفاق الإيراني ـ الدولي، فيزور وفد اسرائيلي المواقع الحساسة التي يمكن ان تستخدم لضرب ايران وتدمير برامجها النووية السلمية والتنموية بالتحالف والتنسيق مع السعودية، كل ذلك بسبب وقوف ايران ودعمها للشعب الفلسطيني وقضيته العادلة ودعم المقاومة في لبنان.
هذا التاريخ الأسود لتلك العائلة، ولمملكة الحقد الوهابي، لا يمثل سوى الجزء اليسير من الدور الخطير الذي تؤديه في الأمة حاجزة لتطورها ومانعة لارتقائها وتحررها من الاستعمار وعلى نحو اساسي الحفاظ على الكيان الصهيوني، الذي اصبح التنسيق معه علنا، وعلى عينك يا تاجر. ولعل لقاء تركي الفيصل مع مائير شطريت في موناكو، ولقاء بندر بن سلطان مع بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي للتنسيق في ما يتعلق بتدمير سوريا، على ما افادت التسريبات الإعلامية، والتأثير المشترك على الولايات المتحدة لإفشال الاتفاق النووي الإيراني الغربي، ما يؤكد استمرار التاريخ الأسود.

أنا قرأت أكثر من مرة رواية إعدام عبد الله بن سعود في إسطنبول، ولكنني لم أتمكن أبدا من التحقق من هذه القصة بنفسي لأن لا أحد من الذين رووها ذكر المصدر الذي اعتمد عليه بشكل واضح. مثلا كاتب هذا المقال نسب القصة إلى الرحالة “روتير”. كيف يمكن لي أن أعرف من هو “روتير” هذا؟ الكتاب العرب لديهم عادة سيئة للغاية وهي أنهم لا يكتبون الأسماء الأوروبية بشكلها الأصلي ولكنهم يكتبونها بالأحرف العربية. هذا يعني أن علينا أن نتحزر حتى نعرف ما هو الاسم الأصلي. هذه المسألة تستغرق وقتا وجهدا. أنا حاولت أن أبحث قليلا عن “روتير” على الإنترنت ولكنني لم أتمكن من إيجاد كتابه ولم أتمكن حتى من معرفة اسمه الحقيقي. الكاتب عمليا لم يذكر لنا مصدر معلوماته ولكنه روى القصة مرسلة دون سند. هو نسبها إلى شخص غامض اسمه “روتير”.

أنا بصراحة لا أملك خلفية في هذا الموضوع ولست مختصا في تاريخ الوهابية. لو كنت مختصا فإنني ربما كنت عرفت من هو “روتير”، ولكن المقال هو موجه إلى عامة الناس وليس إلى المختصين. كان يجب على الكاتب أن يذكر (على الأقل) اسم الكتاب والمؤلف بلغتهما الأصلية حتى نستطيع الرجوع إليهما والتأكد من وجودهما فعلا.

من يذكر معلومة ولا يذكر مصدرها بشكل واضح هو فعليا لم يذكر شيئا ولم يفدنا بشيء.

عموما أنا أظن أن قصة إعدام ابن سعود في إسطنبول هي صحيحة لأنني قرأتها عدة مرات. حسب ما فهمت فإن محمد بن عبد الوهاب (مؤسس الوهابية) مات في نجد قبل سقوط الدولة السعودية. هذا الأمر مؤسف. لو أن ابن عبد الوهاب نفسه أعدم في إسطنبول لكانت القصة درامية أكثر.

في رأيي أن قصة الدولة الوهابية الأولى (الدولة السعودية الأولى) تستحق تمثيلها في فيلم سينمائي أو مسلسل تلفزيوني. الوهابيون كانوا في الأصل مجرد نكرات ولكنهم تحولوا إلى آفة كبيرة وعاثوا فسادا في الجزيرة العربية والعراق، وفي النهاية تم تدمير دولتهم وقتل زعيمهم قتلة شنيعة في إسطنبول. هذه القصة لها طابع درامي وهي يمكن أن تتحول إلى فيلم سينمائي أو مسلسل ناجح.

المسلسل يجب أن يركز على شخصية محمد بن عبد الوهاب، لأن هذا الرجل هو أساس البلاء وهو على ما أظن كان مريضا نفسيا. هناك قصة تروى عنه وهي أنه دخل قرية وطلب من المؤذن أن يكف عن الصلاة على النبي بعد الأذان (لأن هذه بدعة في الدين حسب رأي ابن عبد الوهاب). المؤذن لم يمتثل واستمر في الصلاة على النبي، فأمر ابن عبد الوهاب بقتله. تخيلوا ما هو هذا الداعية الذي يقتل مؤذنا لأنه… يصلي على النبي! حتى المغول لم يفعلوا هذه الفعلة على ما أظن.

رسم من عام 1920 يظهر مجموعة من النياندرثال، وأحدهم يحمل رمحا موسترية Mousterian

 

تحدثت في الأجزاء السابقة من هذا الموضوع عن الأجيال البشرية الأولى. من الممكن أن نلخص هذه الأجيال كما يلي:

الجيل الأول (الباكر) هو جيل الإنسان الماهر Homo habilis وإنسان رودولف Homo rudolfensis. هذا الجيل عاش تقريبا من 2,5 مليون سنة قبل الوقت الحالي إلى 1,5 مليون سنة قبل الوقت الحالي. هذا الجيل عاصر القرود الجنوبية النحيلة gracile australopithecines حتى 2 مليون سنة قبل الوقت الحالي، وبعد ذلك عاصر القرود الجنوبية الغليظة robust australopithecines (المسماة أيضا Paranthropus) والإنسان العامل Homo ergaster في الفترة الممتدة بين 2 مليون و1,5 مليون عام قبل الوقت الحالي. هذا الجيل كان صغير الدماغ لا يزيد حجم دماغه في أحسن الأحوال عن 600-700 سم مكعب، وهو كان يعتاش أساسا من صناعة الأدوات الألدوية Oldowan التي كان يستخدمها في نهش الجيف ونبش الفطور والجذور من باطن الأرض، وربما كان يمارس الصيد أيضا بشكل محدود. هذا الجيل لم يخرج من أفريقيا.

الجيل الثاني (المتوسط) يشمل الإنسان الجورجي Homo georgicus والإنسان العامل Homo ergaster والإنسان المنتصب Homo erectus والإنسان الموريتاني Homo mauritanicus والإنسان الطليعيHomo antecessor . هذا الجيل ظهر تقريبا قبل مليوني عام في أفريقيا، وبعد ذلك انتشر نحو غرب آسيا ومن هناك نحو شرق آسيا وأوروبا. هذا الجيل انقرض من أفريقيا في الفترة الممتدة بين 800,000-500,000 عام قبل الوقت الحالي. بالنسبة لشرق آسيا فالإنسان المنتصب ربما ظل موجودا هناك حتى 50,000-30,000 عام قبل الوقت الحالي (أو حتى 550,000-143,000 عام قبل الوقت الحالي وفقا لرأي آخر). في أوروبا الصناعة المسماة Clactonian ظلت موجودة حتى 100,000 عام قبل الوقت الحالي. هذه الصناعة قبل-الأشولية تنسب عادة للإنسان المنتصب، ولكنها في رأيي ربما تعود للإنسان الطليعي (الذي هو نفسه الإنسان المنتصب على أي حال).

حجم أدمغة الجيل البشري الثاني اقترب من 1000 سم مكعب. هذا الجيل استخدم كلا من الأدوات الألدوية والأدوات الأشولية Acheulian (وأيضا الأدوات الألدوية الشبيهة بالأشولية التي استخدمت في شرق آسيا وسورية وأوروبا). هذا الجيل تخلى تدريجيا عن حياة النهش والنبش وصار يركز على الصيد وجمع الثمار hunting and gathering.

الجيل الثالث (المتأخر) يشمل إنسان روديسيا Homo rhodesiensis وإنسان هايدلبرغ Homo heidelbergensis وإنسان نياندرثال Homo neanderthalensis والإنسان الحكيم الحديث Homo sapiens sapiens. هذا الجيل ظهر تقريبا قبل 800,000-600,000 عام، ويعتقد أن أصوله تعود إلى أفريقيا وأنه انتشر من هناك نحو جميع أنحاء العالم على عدة دفعات. أولى هجرات هذا الجيل من أفريقيا هي ربما الهجرة التي أوصلت إنسان هايدلبرغ إلى أوروبا قبل حوالي 600,000 عام، وآخر الهجرات هي هجرة الإنسان الحكيم الحديث قبل حوالي 100,000 عام.

حجم أدمغة الجيل الثالث هو نفس حجم أدمغة البشر المعاصرين (أكثر من 1000 سم مكعب). هذا الجيل استخدم الأدوات الأشولية منذ البداية ولم يستخدم الأدوات الألدوية، وهو كان يعتاش من الصيد وجمع الثمار. هذا الجيل بدأ باستخدام الصناعة الأشولية الموروثة من الجيل السابق ولكنه طور هذه الصناعة قبل حوالي 600,000 عام إلى صناعة أكثر إتقانا تسمى أحيانا “الأشولية المتأخرة” Later Acheulian. الفؤوس الأشولية المتأخرة تتميز بأنها أرق وأكثر تناظرا وتشذيبا من الفؤوس الأشولية الأقدم.

الفترة الأشولية المتأخرة (بين 600,000-300,000 عام قبل الوقت الحالي) شهدت انتقالا تدريجيا نحو الصناعة الموسترية Mousterian (نسبة إلى موقع Le Moustier في فرنسا). الصناعة الموسترية بدأت تقريبا قبل 300,000 عام وانتهت قبل 30,000 عام. فترة الصناعة الموسترية تسمى الحقبة الباليوليثية الوسطى Middle Paleolithic.

الصناعة الموسترية تعتمد على تقنية تسمى التحضير المسبق للقلب prepared-core technique. المقصود بهذه التقنية هو تحضير الحجر الخام (الذي يسمى “القلب” core) قبل طرقه.

صناعة الأدوات الحجرية عموما تعتمد على طرق حجر صوان خام بحجر آخر (الحجر المطروق يسمى “قلب” core، والحجر الطارق يسمى “حجر مطرقة” hammerstone، وعملية الطرق تسمى knapping). طرق القلب يؤدي إلى تشظيه. الشظايا تكون ذات أطراف حادة وتسمى رقائق flakes. الرقائق كانت تستخدم كأدوات للتقطيع ونحو ذلك، وأيضا القلب المطروق كان يستخدم أحيانا كأداة تقطيع.

هذا المقطع يبين شخصا يطرق قلبا من الصوان بحجر مطرقة بهدف الحصول على رقائق:

 

الصناعة الأشولية كانت تستخدم رقائق كبيرة (أو القلب بعد طرقه) كفؤوس حجرية عبر تركيبها على عصي خشبية (العصي الخشبية التي تحمل فؤوسا أو أنصالا تسمى hafts). ما يلي صورة تبين كيفية صناعة فأس أشولية:

 

البشر في الزمن الألدوي والأشولي كانوا يأخذون الحجر الخام (القلب) من الأرض ويطرقونه كما هو. النتيجة هي أن الرقائق الناتجة كانت ذات أشكال متغيرة وغير معروفة سلفا (وغير متناسقة). مبدأ الصناعة الموسترية هو تهذيب القلب وتشكيله بشكل معين قبل طرقه لاستخلاص الرقائق منه. النتيجة هي أن الرقائق الناتجة عن طرقه كانت ذات أشكال متناسقة ومعلومة سلفا.

أشيع أشكال تقنية التحضير المسبق للقلب هي التقنية المسماة Levallois. القلب المحضّر بهذه التقنية يسمى “قلب السلحفاة” tortoise core لأن شكله يشبه صدفة السلحفاة.

هذا المقطع يبين شخصا يقوم بتحضير قلب وفق تقنية Levallois:

 

الصورة التالية تبين قلبين محضرين وفق تقنية Levallois. القلب الذي بالأعلى طرق للحصول على رقاقة flake، والقلب الذي بالأسفل طرق للحصول على نصل مقذوف projectile point:

Levallois technique

القلوب المحضرة بتقنية Levallois كانت كثيرا ما تستخدم لإنتاج أنصال المقذوفات projectile points (أنصال الرماح والسهام). إنتاج أنصال المقذوفات شاع خلال العصر الباليوليثي الأوسط وأصبح بديلا للفؤوس الحجرية الأشولية. الباحثون يرون أن أنصال المقذوفات التي أنتجت خلال العصر الباليوليثي الأوسط كانت تركب على عصي خشبية طويلة لإنتاج رماح كانت تستخدم في الصيد. الرماح هي أنفع في الصيد من الفؤوس. بالنسبة للسهام أو النبال فغالبية الباحثين يرون أنها شاعت خلال العصر الباليوليثي الأعلى Upper Paleolithic (الذي هو العصر التالي للعصر الباليوليثي الأوسط وبدأ قبل حوالي 50,000-40,000 عام).

نصل سهم من الحجر

 

الباحثون تقليديا يربطون الصناعة الموسترية (والعصر الباليوليثي الأوسط) بإنسان نياندرثال، ويربطون العصر الباليوليثي الأعلى بالإنسان الحكيم الحديث. عندما كانوا يجدون أدوات موسترية في موقع ما كانوا يفترضون أنها من مخلفات إنسان نياندرثال، وعندما كانوا يجدون أدوات من العصر الباليوليثي الأعلى في موقع ما كانوا يفترضون أنها من مخلفات الإنسان الحكيم الحديث. كان هناك أيضا اعتقاد بأن الإنسان الحكيم الحديث تطور من إنسان نياندرثال (أو على الأقل بعض البشر المعاصرين تطوروا من إنسان نياندرثال). لهذا السبب إنسان نياندرثال كان يصنف ضمن فئة “الإنسان الحكيم العتيق” Homo sapiens archaicus.

هذه المقاربة لم تعد مقبولة حاليا. غالبية الباحثين حاليا يرون أن الإنسان الحكيم وإنسان نياندرثال عاشا معا خلال العصر الباليوليثي الأوسط. إنسان نياندرثال هو كائن أوروبي الأصل تمدد إلى آسيا بسبب تقلبات المناخ في أوروبا، والإنسان الحكيم هو كائن أفريقي الأصل. إنسان نياندرثال والإنسان الحكيم كلاهما متحدران من أصل مشترك هو إنسان هايدلبرغ/روديسيا الذي هاجر من أفريقيا إلى أوروبا قبل حوالي 600,000 عام. بالإضافة إلى ذلك الباحثون حاليا يرون أن الإنسان الحكيم استخدم الأدوات الموسترية خلال العصر الباليوليثي الأوسط، وبالتالي هذه الأدوات لم تكن حكرا على إنسان نياندرثال. أيضا هناك باحثون يرون أن إنسان نياندرثال قبيل انقراضه استخدم أدوات العصر الباليوليثي الأعلى.

تصنيف الأجيال البشرية

كما قلنا في الأعلى فإن الجيل البشري الثالث (إنسان هايدلبرغ/روديسيا وأولاده) يتميز بحجم دماغ كبير يفوق 1000 سم مكعب. حجم أدمغة البشر المعاصرين يتراوح بين 1000-1900 سم مكعب. حجم أدمغة إنسان هايدلبرغ/روديسيا وإنسان نياندرثال يتراوح بين 1100-1400 سم مكعب، وكما ذكرنا في مقال سابق فإن بعض الباحثين الآن يقولون أن حجم دماغ إنسان نياندرثال (والإنسان الحكيم الباكر) كان في المتوسط أكبر من حجم دماغ البشر المعاصرين.

الخلاصة هي أن أحجام أدمغة الجيل البشري الثالث لم تتغير بقدر مهم منذ 800,000 عام وحتى يومنا هذا.

الباحثون تقليديا كانوا يصنفون إنسان هايدلبرغ/روديسيا وإنسان نياندرثال تحت عنوان “الإنسان الحكيم العتيق” (Archaic Homo sapiens أو Homo sapiens archaicus)، وكانوا يسمون البشر المعاصرين “الإنسان الحكيم الحديث” (modern Homo sapiens أو Homo sapiens sapiens). هذه التسميات تعني أنهم لم يكونوا يعتبرون كائنات الجيل البشري الثالث أنواعا species مختلفة عن البشر المعاصرين.

وفق المنطق القديم جميع الكائنات البشرية يجب أن تصنف في أربع فئات:

  • الإنسان الماهر Homo habilis
  • الإنسان المنتصب Homo erectus
  • الإنسان الحكيم العتيق Homo sapiens archaicus
  • الإنسان الحكيم الحديث Homo sapiens sapiens

 

الإنسان الحكيم العتيق هو ليس نوعا منفصلا عن الإنسان الحكيم الحديث، وبالتالي جميع البشر هم مصنفون ضمن ثلاثة أنواع فقط. كل نوع يعبر عن جيل من الأجيال التي ذكرتها في الأعلى.

الإنسان المنتصب ظل يعيش حتى بعد ظهور الإنسان الحكيم العتيق، ولو قبلنا منطق نظرية الأصل المتعدد (التي تقول أن التزاوج بين الإنسان المنتصب وبين الإنسان الحكيم العتيق كان أمرا ممكنا) فهذا يوصلنا إلى أن الإنسان المنتصب هو أيضا صنف من أصناف الإنسان الحكيم العتيق.

هذا الأسلوب في التصنيف تعرض لهجمة إعلامية كبيرة في أواخر القرن العشرين، وبعد ذلك سادت النزعة التشطيرية التي أنتجت مصطلحات من قبيل Homo ergaster و Homo neanderthalensis إلخ.

في الآونة الأخيرة منطق التشطير بدأ يشهد تراجعا (بسبب اكتشاف مستحاثات جديدة وبسبب ظهور نتائج دراسات جينية لا تدعم طروحات المشطرين). أنا أظن أن الباحثين سوف يعودون في النهاية لنفس المنطق القديم في التصنيف.

وفق المنطق القديم اسم إنسان نياندرثال يجب أن يكتب هكذا Homo sapiens neanderthalensis. هذه الكتابة تعني أن إنسان نياندرثال هو مجرد “عرق” (subspecies) من أعراق الإنسان الحكيم. الإنسان الحكيم الحديث Homo sapiens sapiens هو في الأصل عرق أفريقي انتشر في جميع أنحاء العالم. إنسان نياندرثال هو عرق أوروبي الأصل.

بالنسبة لي فأنا غير مقتنع بأسلوب التشطير ولكنني أستخدمه بهدف تسهيل الكتابة وزيادة الوضوح. عندما أكتب مصطلحات من قبيل Homo mauritanicus أو Homo rhodesiensis فأنا لا أقصد أن هذه تصنيفات بيولوجية صحيحة.

في الأسفل سوف أستمر في استخدام المصطلحات التشطيرية بهدف زيادة الوضوح ليس أكثر.

ذكاء الجيل الثالث

الجيل البشري الثالث (إنسان هايدلبرغ/روديسيا وإنسان نياندرثال والإنسان الحكيم) يتميز بحجم دماغ متماثل. السؤال البديهي الذي يطرح نفسه هو هل كان إنسان هايدلبرغ/روديسيا وإنسان نياندرثال والإنسان الحكيم العتيق يملكون نفس مستوى ذكاء البشر المعاصرين؟

إجابة هذا السؤال هي غامضة ومحل جدل. الباحثون عموما يتفقون على أن سلوك البشر القدماء كان يختلف كثيرا عن سلوك البشر المعاصرين. البشر الذين عاشوا قبل العصر الباليوليثي الأعلى Upper Paleolithic (الذي بدأ قبل 50,000-40,000 عام) كانوا يستخدمون الرموز بشكل محدود جدا، وهذا يدل على أن ثقافتهم كانت بدائية ومتخلفة جدا عن ثقافة البشر المعاصرين.

الثقافة culture تنقسم إلى ثقافة مادية material culture وثقافة غير مادية. أنا ذكرت سابقا ما هو معنى الثقافة المادية وغير المادية. كل البشر القدماء (منذ زمن الإنسان الماهر) يملكون ثقافة مادية تتمثل في أدواتهم، وأما الثقافة غير المادية فهي كانت ضعيفة جدا وشبه غائبة قبل العصر الباليوليثي الأعلى، بدليل أن البشر قبل هذا العصر لم يكونوا يستخدمون الرموز إلا بشكل محدود، والثقافة غير المادية تقوم على الرموز (اللغة والطقوس والفنون إلخ هي كلها عبارة عن تعابير رمزية).

الباحثون يتفقون على أن الثقافة الرمزية (الثقافة غير المادية) لم تظهر لدى البشر بشكلها المعاصر إلا قبل حوالي 50,000 عام عندما بدأ العصر الباليوليثي الأعلى. الخلاف بين الباحثين هو حول سبب هذه الطفرة الثقافية التي حصلت قبل 50,000 عام. بعض الباحثين يرون أن ما حدث هو طفرة بالمعنى البيولوجي، بمعنى أنهم يرون أن القدرات العقلية للبشر تطورت في ذلك الوقت وظهر عرق بشري جديد يمتلك قدرات عقلية شبيهة بقدرات البشر المعاصرين. هذا يعني أن البشر الذين كانوا يعيشون قبل العصر الباليوليثي الأعلى كانوا أغبياء أو متخلفين عقليا مقارنة بالبشر المعاصرين. هناك مدرسة أخرى ترفض هذا الطرح وترى أن ذكاء البشر لم يتغير “بيولوجيا” عندما بدأ العصر الباليوليثي الأعلى ولكن ما حصل هو مجرد طفرة ثقافية-اجتماعية شبيهة مثلا بالثورة الصناعية في أوروبا قبل 200 عام، أو ببداية عصر الزراعة في الشرق الأوسط قبل حوالي 10,000 عام.

إذن هناك اختلاف في النظرة لذكاء البشر القدماء الذين عاشوا قبل العصر الباليوليثي الأعلى.

سأكمل غدا.

في مقال سابق تحدثت عن موضوع البطريركية (حكم الذكور) وذكرت النظرية التي تربط ظهور البطريركية بظهور مفهوم الأبوة قبل بضعة آلاف من السنين.

هيمنة الذكور على الإناث هي موجودة لدى الكثير من الحيوانات، بما في ذلك الرئيسيات (هي موجودة لدى كل القرود الكبيرة great apes).

هل ظهور الهيمنة الذكورية لدى القرود هو مرتبط باكتشاف الأبوة؟

لا أظن ذلك. هذا الكلام ليس له معنى.

على ما يبدو فإن الهيمنة الذكورية في عالم الحيوان هي فرع من ظاهرة أعم هي ظاهرة الطبقية dominance hierarchy.

المجتمعات الحيوانية عموما لا تقوم على مبدأ المساواة بين الأفراد egalitarianism، ولكنها تقوم على الطبقية.

إذا كانت هناك عدة طبقات في المجتمع فهذا يسمى linear dominance hierarchy، وإذا كان هناك فرد واحد يتحكم بكل المجتمع فهذا يسمى despotism.

القرود لا تعرف شيئا اسمه المساواة. هناك دائما تفاوت طبقي في مجتمعات القرود.

ما يحدد طبقة القرد هو خصائصه الجسمانية (حجمه وقوته إلخ). القرد الأقوى يتحكم بالقرد الأضعف.

القرد الأقوى يحصل على حصة أكبر من الغذاء، ويحصل على فرص أكبر للتزاوج مع الإناث.

هيمنة الذكور على الإناث في مجتمع القرود هي مرتبطة ربما بثنائية الشكل الجنسية sexual dimorphism. القرود الذكور هم أقوى بدنيا من الإناث، وهذا ربما هو سبب هيمنتهم على الإناث.

الباحثون يرون أن ثنائية الشكل الجنسية تنشأ في مجتمع لا يطبق الزواج الأحادي monogamy.

معنى الزواج الأحادي هو أن يتزوج الذكر من أنثى واحدة فقط. في حال عدم تطبيق الزواج الأحادي فإن الذكر يسعى للتواصل جنسيا مع عدد كبير من الإناث.

الإناث في أغلب أنواع الحيوانات هن أكثر انتقائية من الذكور في موضوع التزاوج، بمعنى أن الأنثى تضع معايير عالية نسبيا للذكر الذي يمكن أن تقبل بالتزاوج الجنسي معه. هذه الظاهرة تسمى mate choice.

السؤال هو لماذا تضع الإناث معايير أعلى من معايير الذكور للتزاوج الجنسي؟

الجواب هو نظرية تسمى parental investment. هذه النظرية تقول أن الإناث ينفقن من الوقت والجهد في موضوع التكاثر أكثر مما ينفقه الذكر، وبالتالي الأنثى يجب أن تكون أكثر حذرا من الذكر في اختيار شريكها الجنسي لأن هناك كما أكبر من المخاطرة في عملية التكاثر بالنسبة لها.

تشارلز داروين ميز بين ظاهرتين تتحكمان في عملية التطور:

  • الانتخاب الطبيعي natural selection
  • الانتخاب الجنسي sexual selection

معنى الانتخاب الطبيعي هو أن التطور evolution يفضل الخصائص التي تناسب بقاء النوع survival of species. مثلا التطور يفضل زيادة الذكاء عند البشر لأن الذكاء يناسب بقاء البشر. أيضا التطور يفضل البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية لأن البكتيريا التي لا تقاوم المضادات الحيوية هي عرضة للفناء. التطور يفضل الحشرات المقاومة للمبيدات الحشرية لأن الحشرات التي لا تقاوم المبيدات الحشرية ستفنى، وهكذا.

الانتخاب الجنسي يتعلق بمعدل تكاثر الفرد reproductive success. التطور يفضل الأفراد القادرين على التكاثر بشكل أكبر من غيرهم.

الفرد الذي ينجب أكثر من غيره هو “أنسب” في منظور الانتخاب الجنسي. مفهوم المناسبة fitness هو جوهري في نظرية التطور (شعار نظرية التطور هو “البقاء للأنسب” survival of the fittest). أي شيء إيجابي من منظور الانتخاب الطبيعي أو الانتخاب الجنسي يجعل الفرد أنسب من غيره.

الذكر الأنسب في منظور الانتخاب الجنسي هو الذكر الأقدر على إنجاب الأبناء. لهذا السبب ذكور الحيوانات يسعون للتزاوج مع أكبر عدد ممكن من الإناث، لأن هذا يزيد من تكاثرهم وبالتالي “مناسبتهم”.

الأمور التي تجعل الذكر أنسب يمكن أن تجعل الأنثى أقل مناسبة. مثلا التزاوج المكثف يجعل الذكر أنسب لأنه يزيد من احتمالات تكاثره، ولكن التزاوج المكثف يمكن أن يضر بالأنثى، وبالتالي لدينا هنا تضارب في المناسبة بين الذكر والأنثى. مثل هذه الحالة تسمى sexual conflict أو sexual antagonism.

التزاوج المكثف هو من حيث المبدأ يفيد الأنثى كما الذكر، لأن مصلحة الأنثى هي إنجاب أكبر عدد ممكن من الأبناء، ولكن الإنجاب بالنسبة للأنثى هو مسألة عالية المخاطرة لأنه يتضمن عدة مراحل طويلة (حمل وولادة وإرضاع). لو فرضنا أن الأنثى خسرت طفلها أثناء الولادة فهذا يعني أنها أضاعت شهور الحمل التسعة دون أن تستفيد منها شيئا (ناهيك عن الأضرار البدنية والصحية). الذكر خلال تسعة شهور يمكنه نظريا أن يتزاوج مع آلاف الإناث (وبالتالي ينجب آلاف الأبناء) دون أن يخسر شيئا يذكر من الناحية البدنية والصحية، أما الأنثى فهي تعطل نفسها لمدة تسعة شهور على أمل إنجاب طفل واحد فقط، أي أن هناك فرقا كبيرا في نسبة المخاطرة.

هذا هو معنى نظرية الاستثمار الوالدي parental investment. فرص التكاثر بالنسبة للأنثى هي محدودة مقارنة مع الذكر، وبالتالي الأنثى يجب أن تكون أكثر حرصا في استثمار الفرص. لو تزاوجت الأنثى مع ذكر مريض أو ضعيف فهذا يزيد من احتمالات موت الطفل أو فشله تكاثريا، وبذلك تكون الأنثى قد خسرت مناسبتها (فشل الأنثى في التكاثر يعني أنها غير مناسبة).

بما أن الإناث هن أكثر انتقائية من الذكور فهذا يؤدي إلى ظهور التنافس بين الذكور على الإناث. التنافس بين الذكور هو محفز تطوري من شأنه تغيير أشكال الذكور نحو أشكال تساعد على كسب الإناث، وهذا هو سبب ظهور ثنائية الشكل الجنسية.

ما يلي من ويكيبيديا:

The sexual selection concept arises from the observation that many animals evolve features whose function is not to help individuals survive, but help them to maximize their reproductive success. This can be realized in two different ways:

  • by making themselves attractive to the opposite sex (intersexual selection, between the sexes); or
  • by intimidating, deterring or defeating same-sex rivals (intrasexual selection, within a given sex).

Thus, sexual selection takes two major forms: intersexual selection (also known as ‘mate choice’ or ‘female choice’) in which males compete with each other to be chosen by females; and intrasexual selection (also known as ‘male–male competition’) in which members of the less limited sex (typically males) compete aggressively among themselves for access to the limiting sex. The limiting sex is the sex which has the higher parental investment, which therefore faces the most pressure to make a good mate decision.

الصراع بين الذكور للوصول إلى الإناث يتجسد بشكلين، شكل سلمي يقوم على مبدأ السعي لكسب إعجاب الإناث (هذا الشكل يسمى intersexual selection)، وشكل آخر غير سلمي يقوم على مبدأ إقصاء المنافسين بالقوة (هذا الشكل يسمى intrasexual selection).

طاووس ذكر يستعرض جماله أمام أنثى بهدف إغرائها جنسيا. مثال الطاووس هو من الأمثلة التي طرحها داروين في كتابه The Descent of Man and Selection in Relation to Sex الذي شرح فيه مفهوم الانتخاب الجنسي. ريش الطاووس المزركش ليست له فائدة في موضوع بقاء النوع بل على العكس هو يعيق بقاء النوع بسبب حجمه الكبير وصعوبة التصرف به، بالتالي داروين رأى أن هذا الريش لا يمكن تفسيره وفق مبدأ الانتخاب الطبيعي. داروين رأى أن هذا الريش هو مثال على الانتخاب الجنسي لأن وظيفته في الأصل هي إغراء الإناث بهدف إقناعهن بالتزاوج مع هذا الذكر دون غيره.

الذكر على اليمين والأنثى على الشمال. هذه الصورة تبين ثنائية الشكل الجنسية لدى الطائر المسمى Common Pheasant

الصراع السلمي لكسب إعجاب الإناث يؤدي في المحصلة إلى “تحلية” الذكور وجعلهم أكثر جاذبية للإناث، أما الصراع غير السلمي فيؤدي إلى تنمية القوة البدنية للذكور وجعلهم أكثر قدرة على القتال والعراك. النوع الثاني تحديدا هو الذي أدى إلى هيمنة الذكور على الإناث، لأن الصراع البدني المستمر بين الذكور جعلهم أقوى بدنيا من الإناث، وفي عالم الحيوان الأقوى بدنيا يتحكم بالأضعف.

ما سبق هو نظرية تقليدية تفسر ظهور الهيمنة الذكورية على الإناث. هناك نظريات أخرى غير هذه النظرية، ولكن الآن أنا لن أتطرق سوى لهذه النظرية.

الزواج الأحادي

الزواج الأحادي monogamy هو ظاهرة نادرة نسبيا في عالم الحيوان. من مميزات الكائنات التي تمارس الزواج الأحادي أنها لا تبدي قدرا كبيرا من ثنائية الشكل الجنسية. بعض الباحثين يقولون أن ثنائية الشكل الجنسية قلت تدريجيا في مستحاثات الجنس البشري منذ زمن القرود الجنوبية وحتى يومنا هذا، ما يدل على أن الزواج الأحادي ليس ميزة أصلية في عائلة القرود الكبيرة ولكنه بدعة ظهرت لدى الجنس البشري.

أنا في السابق ورطت نفسي وذكرت نظرية تتعلق بسبب ظهور الزواج الأحادي لدى البشر. هذا الموضوع ما كان يجب أن أخوض فيه لأنه موضوع جدلي وفيه كلام كثير.

النظرية التي ذكرتها سابقا حول سبب ظهور الزواج الأحادي هي نظرية تقليدية شائعة، ولكنها ليست محل إجماع. هناك باحثون يرفضون هذه النظرية ويطرحون نظريات أخرى.

بعض الباحثين يرون أن هناك علاقة بين نمط ترحال الإناث female ranging patterns وبين ظهور الزواج الأحادي. في رأي هؤلاء أن الزواج الأحادي يظهر عندما يعجز الذكر عن مجاراة ترحال الإناث وتنقلاتهن، خاصة وأن هناك ذكورا آخرين ينافسونه عليهن. عندما يكون انتشار الإناث واسعا فإن المحافظة عليهن تصبح صعبة والأسهل هو الاكتفاء بأنثى واحدة (وفقا لمنطق هذه النظرية).

هناك باحثون يرون أن السبب الرئيسي لظهور الزواج الأحادي هو حماية الأطفال الرضع من القتل:

http://www.pnas.org/content/early/2013/07/24/1307903110

Although common in birds, social monogamy, or pair-living, is rare among mammals because internal gestation and lactation in mammals makes it advantageous for males to seek additional mating opportunities. A number of hypotheses have been proposed to explain the evolution of social monogamy among mammals: as a male mate-guarding strategy, because of the benefits of biparental care, or as a defense against infanticidal males. However, comparative analyses have been unable to resolve the root causes of monogamy. Primates are unusual among mammals because monogamy has evolved independently in all of the major clades. Here we combine trait data across 230 primate species with a Bayesian likelihood framework to test for correlated evolution between monogamy and a range of traits to evaluate the competing hypotheses. We find evidence of correlated evolution between social monogamy and both female ranging patterns and biparental care, but the most compelling explanation for the appearance of monogamy is male infanticide. It is only the presence of infanticide that reliably increases the probability of a shift to social monogamy, whereas monogamy allows the secondary adoption of paternal care and is associated with a shift to discrete ranges. The origin of social monogamy in primates is best explained by long lactation periods caused by altriciality, making primate infants particularly vulnerable to infanticidal males. We show that biparental care shortens relative lactation length, thereby reducing infanticide risk and increasing reproductive rates. These phylogenetic analyses support a key role for infanticide in the social evolution of primates, and potentially, humans.

ظاهرة قتل الأطفال الرضع infanticide هي شائعة في عالم الحيوان (راجع مقالات ويكيبيديا). هذه الظاهرة كانت شائعة أيضا لدى البشر إلى وقت قريب. الباحثون يرون أن هناك أكثر من سبب وراء هذه الظاهرة. أحد الأسباب هو الخوف من الإملاق (الفقر).

في كثير من المجتمعات البشرية كان يتم تقديم الأطفال كقرابين وأضاحي للآلهة. هذه الممارسة كانت شائعة لدى الكنعانيين في سورية الكبرى والمغرب العربي. اليونانيون والرومان كان يرفضون التضحية بالأطفال ويعتبرون هذا عملا بربريا، ولكن رغم ذلك فإن ظاهرة رمي الأطفال الرضع على قارعة الطريق كانت شائعة نسبيا في اليونان وإيطاليا. السبب وراء هذه الظاهرة هو في الأساس سبب اقتصادي. إذا كان الإنسان لا يحتمل كلفة تربية طفل فإنه كان يلقيه على قارعة الطريق (إذا كان الطفل محظوظا فإن الآلهة تنقذه وتهيء له شخصا يربيه كما ورد كثيرا في القصص اليونانية القديمة).

المصريون القدماء كانوا لا يقبلون قتل الأطفال الرضع وكانوا يلتقطون الأطفال المرميين في الشوارع والمزابل ويربونهم. الكاتب اليوناني إسطرابون قال أن من خصائص المصريين أنهم يربون جميع الأطفال بلا استثناء. حسب معلوماتي فإن مصر القديمة كانت ربما أغنى بلد في العالم بالغذاء، وهذا ربما يكون السبب الذي جعل المصريين يهتمون بحياة الأطفال.

قتل الأطفال الرضع كان موجودا لدى عرب الجاهلية، بدليل الآية القرآنية التي تقول {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ}. من المعروف أيضا أن العرب كانوا يئدون البنات الرضع لسبب مركب اقتصادي-اجتماعي. بما أن عرب الجاهلية كانوا في الغالب فقراء فمن المتوقع أنهم كانوا يمارسون قتل الأطفال بكثرة نسبية.

قتل الأطفال لسبب اقتصادي هو موجود أيضا في عالم الحيوان. إناث القرود من الممكن أن يقتلن أطفالهن عندما لا يكون هناك غذاء كاف (ومن الممكن حتى للأم أن تأكل طفلها)، ولكن هذا نادر.

قتل الأطفال الرضع في عالم الحيوان يحدث في الغالب لسبب جنسي. الذكور في الغالب هم الذين يقتلون أطفال الإناث، لأن الأنثى في فترة الإرضاع لا تكون قادرة على التزاوج.

إناث غالبية الثدييات لا تمتلك الرغبة الجنسية سوى في فترة محددة من الدورة الشهرية هي الفترة يبلغ فيها إفراز الإستروجين ذروته قبيل الإباضة ovulation. هذه الفترة تسمى فترة النزو أو الشبق estrus. خلال هذه الفترة الأنثى تكون خصبة (مهيئة للحمل والإنجاب).

طبعا الدورة الشهرية لدى إناث غالبية الثدييات لا تأتي في كل شهر. بعض الثدييات تأتيها الدورة مرة واحدة في العام، وهناك ثدييات تأتيها الدورة مرتين أو بضعة مرات في العام. هذه الدورات لا تنتهي بالضرورة بالنزف الطمثي الذي يحوي بطانة الرحم الساقطة (كما هو الحال لدى البشر) ولكنها في الغالب تنتهي دون نزف طمثي. النزف لو حصل فهو يكون خلال فترة الشبق وهو لا يحوي بطانة الرحم (سقوط بطانة الرحم يحصل عند الرئيسيات وبعض أنواع الوطاويط والفيلة). الدورات التي تنتهي بسقوط بطانة الرحم تسمى دورات شهرية menstrual cycles، والدورات التي لا تنتهي بسقوط بطانة الرحم تسمى دورات شبقية estrus cycles. غالبية الثدييات تملك دورات شبقية وليس دورات شهرية. (المعلومة التقليدية التي يعرفها جميع الناس هي أن إناث البشر لا يمتلكن فترات شبق، ولكن في الآونة الأخيرة ظهرت عدة دراسات تقول أن الرغبة الجنسية لدى إناث البشر تزداد قبيل الإباضة، ما يعني أن فترة الشبق هي موجودة لدى البشر ولو بشكل أثري vestigial).

خلاصة ما سبق هي أن الرغبة الجنسية لدى إناث غالبية الثدييات لا تظهر سوى في فترات محدودة من العام. طبعا الشبق لا يمكن أن يحصل لدى الإناث المرضعات. لهذا السبب الذكور كثيرا ما يقتلون الأطفال الرضع بهدف تسريع ظهور الشبق لدى أمهاتهم.

حسب الدراسة التي أشرت إليها في الأعلى فإن طول فترة الرضاعة لدى الرئيسيات أدى إلى زيادة ظاهرة قتل الأطفال الرضع، وهذا بدوره أدى إلى ظهور الزواج الأحادي بهدف التقليل من ظاهرة قتل الأطفال الرضع.

هذه الفكرة لا تتعارض مع النظرية التي طرحتها سابقا. أنا قلت أن هدف الزواج الأحادي هو توفير المساعدة للمرأة خلال الحمل والولادة والإرضاع. حماية طفل المرأة من القتل هو شكل من أشكال المساعدة (هو في الحقيقة أهم أشكال المساعدة لأن المرأة احتاجت للمساعدة أصلا بسبب هذا الطفل).

إنجاب الطفل البشري هو مسألة صعبة من عدة نواح. المرأة لكي تنجب الطفل تحتاج للغذاء والراحة لمدة طويلة، وهي تحتاج لحمايتها وحماية طفلها. ظاهرة قتل الأطفال (سواء لسبب جنسي أم بسبب الإملاق) هي ظاهرة شائعة في تاريخ البشر كما تدل على ذلك الآثار والكتابات التاريخية (بما في ذلك الكتاب اليهودي والقرآن). هذا يدل أكثر على أن إنجاب الأطفال البشريين وتربيتهم لم يكن مسألة سهلة. بالتالي الزواج الأحادي كان ضرورة لحفظ النوع البشري.

البشر عندما انتقلوا إلى الزواج الأحادي خسروا ثنائية الشكل الجنسية، والمتوقع هو أن هيمنة الذكور على الإناث خفت أيضا. المجتمعات البشرية القديمة كانت قريبة من مبدأ المساواة egalitarianism، ولكن التمييز والطبقية وهيمنة الذكور على الإناث هي أمور عادت من جديد بعد ظهور المجتمعات الزراعية قبل بضعة آلاف من السنين. ما هو سبب عودة هذه الأمور؟ أظن أن السبب هو اقتصادي. اكتشاف الزراعة وقيام المجتمعات الإقطاعية أدى إلى زيادة الثروة لدى بعض الأشخاص. هؤلاء الأشخاص صاروا يسعون للتحكم في غيرهم، ومن هنا نشأت الطبقية.

الطبقية تنشئ عندما يكون بعض الناس أقوى من غيرهم. من يمتلك الأراضي الزراعية هو أقوى من الذين لا يملكون شيئا.

بالنسبة للأبوية أو هيمنة الذكور على النساء فهي ظهرت بعد ظهور الإقطاع كما يقول بعض الباحثين. من الممكن أن سبب ظهورها هو اكتشاف فكرة الأبوة. هناك دلائل على أن البشر قديما لم يكونوا يفهمون أن كل طفل له أب وحيد. هم كانوا يظنون أن الطفل الواحد يمكن أن يكون له أكثر من أب (أو ليس له أب مطلقا). عندما فهموا أن الطفل الواحد له أب وحيد تغيرت مقاربتهم لقضايا النساء والزواج.

والله أعلم،

هذا المقال هو خارج السياق الذي كنت فيه ولكنه متعلق بموضوع تطور الإنسان.

________________________________________________________________________________

الرئيسيات

الإنسان ينتمي لرتبة الرئيسيات Primates التي تنتمي لطائفة الثدييات Mammalia.

المقصود بالرئيسيات هو باختصار القرود. الرئيسيات هي في الأصل ثدييات تعيش على الأشجار arboreal، وكل خصائصها هي مناسبة للعيش في بيئة الأشجار.

ما يلي بعض الجوانب الأساسية التي تتميز فيها الرئيسيات عن بقية الثدييات:

  • مجال كبير لحركة المفاصل

الرئيسيات تتميز بمجال كبير لتحريك مفاصلها إلى درجة أن مفاصلها تبدو وكأنها “مخلوعة” مقارنة بمفاصل الثدييات الأخرى. هذه الميزة تسهل على الرئيسيات التنقل بين غصون الأشجار عبر أرجحة الأذرع brachiation. أيضا هذه الميزة تمنح الرئيسيات القدرة على الإمساك prehensility (بأصابع اليدين أو أصابع الرجلين أو حتى الذيل)، وهذا أمر مهم للتعلق بأغصان الأشجار. حاليا الإنسان ما زال يمتلك مرونة عالية في تحريك مفاصله. الإنسان استفاد من المرونة العالية في مفاصل اليدين والأصابع لتطوير صناعة الأدوات، ولكن بالنسبة للمرونة الزائدة في مفاصل الكتفين والحوض فهي أصبحت عمليا بلا فائدة كبيرة لدى الإنسان (إلا لدى لاعبي الجمباز). هذه المرونة الزائدة في الكتفين والحوض هي بقايا vestigial من الزمن القديم الذي كان فيه أسلاف البشر يتأرجحون على الأشجار.

  • الأصابع

الأصابع هي ميزة للرئيسيات. الأصابع هي طويلة وذات مجال حركة واسع، والإبهام بالذات له مجال حركة واسع جدا حيث يمكن تحريكه بحيث يصبح في مقابل الأصابع الأخرى، ما يساعد على الإمساك بالأشياء. الأصابع لا تحوي مخالب ولكنها تحوي أظافر، وتحت كل ظفر هناك رأس إصبع طري يحوي مستقبلات حسية. هذا التكوين لليد والأصابع يساعد على الإمساك بالأشياء بكفاءة.

  • الرؤية المجسمة

الرئيسيات لا تملك حاسة شم قوية ولكنها تملك القدرة على الرؤية المجسمة أو ثلاثية الأبعاد stereoscopic، لأن العينين تنظران في اتجاه واحد نحو الأمام وليس نحو الجانبين كما هو الحال لدى الكثير من الثدييات الأخرى. الرؤية المجسمة هي أمر مفيد في بيئة الأشجار لأن القرد عندما يقفز من غصن إلى غصن يهمه أن يقدر البعد بشكل صحيح لكي لا يسقط على الأرض. أيضا عيون الرئيسيات تملك قدرة عالية على التمييز بين الألوان.

  • كبر حجم الدماغ

الاعتماد الكبير على حاسة الرؤية أدى لتكبير حجم الدماغ لدى الرئيسيات مقارنة ببقية الثدييات، لأن معالجة البيانات البصرية تحتاج للكثير من الخلايا العصبية في قشرة المخ. قشرة المخ لدى الرئيسيات هي كبيرة للغاية وتشكل القسم الأكبر من الدماغ، أما الأجزاء المتعلقة بالشم والتذوق والسمع فهي صغيرة نسبيا.

هذه هي الميزات الأساسية للرئيسيات. بالنسبة للزمن الذي ظهرت فيه الرئيسيات الأولى فهو تقريبا قبل 65 مليون عام (ويقال أيضا قبل 85 مليون عام بناء على الدراسات الجينية). ظروف ظهور الرئيسيات الأولى هي ليست معروفة جيدا بسبب قلة المستحاثات. الرئيسيات الأولى ظهرت في بيئة الأشجار والغابات، وهذه البيئة هي ليست جيدة لحفظ المستحاثات.

تصنيف الرئيسيات

تصنيف الرئيسيات حاليا فيه بعض التعقيد بسبب التغيرات التي طرأت بعد ظهور الدراسات الجينية. الشكل التالي يقدم تصنيفا مبسطا للرئيسيات. التواريخ المذكورة تعبر عن الزمن الذي ظهر فيه كل فرع. هذه التواريخ ليست دقيقة على الإطلاق والهدف منها هو إعطاء تصور تقريبي.

primate tree

الانقسام الأول في الشجرة هو بين prosimians وsimians. كلمة simian هي مشتقة من اللاتينية simia التي تعني “قرد”. كلمة simians تعني حرفيا “القرديات”، وكلمة prosimians تعني “ما قبل القرديات”. المقصود بـ prosimians هو مجموعة من الرئيسيات البدائية الأقل تطورا من simians. كلمة anthropoids تعني “شبيهات الإنسان” وهي مرادف لـ simians.

من الفروق الهامة بين prosimians و simians ما يلي:

  • شكل الوجه

وجه الـ lemur الذي هو نوع من الـ prosimians

الـ prosimians تملك فما وأنفا بارزين نحو الأمام على شكل “بوز”، وعلى هذا البوز توجد “شوارب”، أي أن شكل وجه هذه الكائنات يشبه وجوه القوارض، أما الـ simians فوجوهها تميل للتسطح.

  • موعد الاستيقاظ

الـ prosimians تستفيق في الليل وتنام في النهار، أما المجموعة الثانية فنظامها معاكس.

الانقسام الثاني المهم في شجرة الرئيسيات هو بين apes و monkeys. في الأصل هاتان الكلمتان كلتاهما تعنيان “قرد”، ولكن في البيولوجيا هناك تمييز بينهما. أهم فرق بين apes و monkeys هو أن كائنات المجموعة الأولى لا تمتلك ذيلا، أما كائنات المجموعة الثانية فتمتلك ذيلا (وهذا الذيل يتميز بالمرونة العالية ويمكن استخدامه للتعلق على أغصان الشجر). من الفروق الأخرى أن الـ apes عموما تتميز بأن ذراعيها أطول من رجليها. أيضا الـ apes هي أكبر حجما، وأكبر دماغا، وأكثر ذكاء، وأطول عمرا من الـ monkeys.

الـ apes تسمى أيضاhominoids . هذه التسمية مشتقة من كلمة homō اللاتينية بإضافة اللاحقة –oid، أي أن المعنى اللغوي لهذه الكلمة هو مطابق لمعنى كلمة anthropoids (شبيهات الإنسان).

الـ monkeys تقسم إلى صنفين:

  • قرود العالم الجديد New World monkeys (تعيش في أميركا الوسطى والجنوبية)
  • قرود العالم القديم Old World monkeys (تعيش في أفريقيا وآسيا)

أهم فرق بين هذين الصنفين يتعلق بشكل الأنف. المجموعة الأولى تملك أنوفا عريضة ذات مناخير جانبية، ولهذا تسمى “عريضات الأنف” platyrrhines، والمجموعة الثانية تملك أنوفا ضيقة ذات مناخير متجهة نحو الأسفل، ولهذا تسمى “سفليات الأنف” catarrhines. المجموعة الثاني هي الأقرب للـ apes.

الانقسام التالي هو بين “القرود الكبيرة” great apes و”القرود الصغرى” lesser apes. القرود الصغرى تسمى gibbons أو hylobates. هذه القرود تعيش في جنوب شرق آسيا. ميزتها الأهم هي أنها أصغر حجما من القرود الكبيرة. هذه الكائنات تتميز بأنها تمشي في الغالب على رجلين وترفع ذراعيها للتوازن، أي أنها bipedal كالإنسان. هذه الكائنات تشبه الإنسان أيضا في أنها تميل للزواج الأحادي monogamy (زوجة واحدة لكل ذكر)، ولهذا السبب هي تبدي قدرا ضئيلا من ثنائية الشكل الجنسية sexual dimorphism.

gibbon

الـ gibbons هي ماهرة جدا في التنقل عبر الأغصان brachiation.

من الأمور الغريبة التي أظهرتها الدراسات الجزيئية والجينية أن صلة القربى بين الإنسان والقرود الكبيرة هي أوثق من صلة القربى بين gibbons والقرود الكبيرة.

الرسم التالي يعبر عن التصنيف القديم للـ apes:

هذا التصنيف كان سائدا حتى ستينات القرن العشرين. وفق هذا التصنيف فإن الإنسان يمثل فرعا مستقلا في عائلة الـ apes اسمه بالإنكليزية hominids. بقية الـ apes كانت تصنف تحت عنوان pongids. هذا يعني أن كل الـ apes ما عدا الإنسان تتحدر من أصل مشترك.

ولكن حاليا كل هذا المفهوم سقط من التداول. حاليا كلمة pongids لم تعد تستخدم كتصنيف تفرعي cladistic (بمعنى أنها لم تعد تشير إلى مجموعة تتحدر من أصل مشترك حصري)، وكلمة hominids صارت تضم القرود الكبيرة إلى جانب الإنسان. الدراسات الجزيئية والجينية بينت وجود أصل مشترك للقرود الكبيرة والإنسان كان يعيش قبل حوالي 15 مليون عام (هذا الرقم تقريبي كغيره من الأرقام). الـ gibbons هي ليست متحدرة من هذا الأصل المشترك ولكنها متحدرة من أصل مشترك آخر أقدم.

الأكثر غرابة هو أن صلة القربى بين الإنسان والشمبانزي تفوق صلة القربى بين الغوريلا والشمبانزي. دراسات الـ DNA التي أجريت في ثمانينات وتسعينات القرن العشرين بينت أن القرود الكبيرة المسماة orangutans (باللاتينية Pongo) تمايزت عن القرود الكبيرة وأصبحت كائنات مستقلة قبل تمايز الغوريلات والشمبانزي والإنسان. لاحقا تمايزت الغوريلات عن الأصل المشترك الذي أنتج كلا من الشمبانزي والإنسان، وبعد ذلك تمايز الشمبانزي عن السلالة التي أنتجت الإنسان.

المحصلة هي أن صلة القرابة بين الشمبانزي والإنسان تفوق صلة القرابة بين الشمبانزي والغوريلا. هذه النتيجة الغريبة والمفاجئة دفعت البعض للمطالبة بتصنيف الشمبانزي ضمن جنس الإنسان Homo.

باحثو الجينات يقولون أن نسبة التشابه بين جينوم الإنسان وجينوم الشمبانزي تبلغ 98% (بعضهم أنزلوا هذه النسبة إلى 94-96%). بغض النظر عن نسبة التشابه، المهم هو أن التشابه بين جينوم الإنسان وجينوم الشمبانزي يفوق التشابه بين جينوم الشمبانزي وجينوم الغوريلا.

باحثو الجينات يقولون أن الأصل المشترك للشمبانزي والإنسان كان يعيش قبل 4-6 ملايين عام. هذا الزمن هو قليل نسبيا، وأنا بصراحة لا أثق بالأرقام التي يعلن عنها باحثو الجينات. هناك دراسات أخرى قالت أن الأصل المشترك للشمبانزي والإنسان كان يعيش قبل 13 مليون عام.

Sahelanthropus tchadensis

هناك مستحاثات تعود للفترة التي يقال أن الأصل المشترك للشمبانزي والإنسان كان يعيش فيها. هناك مثلا المستحاثة المسماة “إنسان الساحل التشادي” Sahelanthropus tchadensis التي يعود عمرها لـ 7 ملايين عام. المفترض حسب كلام باحثي الجينات هو أن هذا الكائن كان يعيش في نفس زمن الأصل المشترك للشمبانزي والإنسان (أو قبله)، ومن الممكن أن هذا الكائن هو نفسه الأصل المشترك للشمبانزي والإنسان، ولكن المشكلة هي أن تفسير هذه المستحاثة وتصنيفها هو أمر متعذر وربما مستحيل. هناك الكثير من الآراء المتضاربة حول هذه المستحاثة. هناك حتى من اقترحوا أن هذه المستحاثة تعبر عن غوريلا بدائية proto-gorilla. بصراحة كل الاحتمالات واردة. هذا الكائن ربما كان بالفعل غوريلا بدائية، ومن الممكن أيضا أنه من سلالة الشمبانزي والإنسان قبل تمايز هذين الكائنين، ومن الممكن أنه من سلالة الشمبانزي أو من سلالة الإنسان بعد تمايز هذين الكائنين، ومن الممكن أنه ينتمي لسلالة قردية أخرى منقرضة أو غير منقرضة. أنا لا أثق كثيرا بآراء الباحثين في مثل هذه المواضيع الغامضة.

Ardipithecus ramidus

هناك عدد من المستحاثات القردية المماثلة التي يصعب تصنيفها. هناك مثلا المستحاثة المسماة “القرد الأرضي” Ardipithecus ramidus، وهناك المستحاثة المسماة Orrorin tugenensis. هذه المستحاثات تعود للفترة السابقة لمستحاثات القرود الجنوبية وهي تبدي خصائص شبيهة بالقرود الجنوبية والإنسان (مثلا المشي على رجلين، وغياب الأنياب الكبيرة لدى الذكور). وجود الصفات “الإنسانية” في هذه المستحاثات الباكرة هو أمر مربك لباحثي الجينات، لأنه يدل على أن الصفات الإنسانية كانت موجودة في نفس الفترة التي يقولون أن الأصل المشترك للشمبانزي والإنسان كان يعيش فيها. هذا يوصلنا إلى احتمالين: إما أن هذه المستحاثات تعبر عن الأصل المشترك للشمبانزي والإنسان، وهذا يعني أن الأصل المشترك كان ذا طابع إنساني، وأما الصفات “الغوريلانية” الموجودة لدى الشمبانزي (المشي على أربع والأنياب الذكورية الكبيرة) فهي ظهرت لاحقا، أو أن هذه المستحاثات تنتمي للسلالة الإنسانية بعد تمايزها عن سلالة الشمبانزي. الاحتمال الثاني هو الأكثر منطقية، وبالتالي لا بد أن الأصل المشترك للشمبانزي والإنسان كان يعيش في زمن سابق للزمن الذي يزعم باحثو الجينات أنه كان يعيش فيه.

القرود الكبيرة

القرود الكبيرة great apes هي إذن أقرب الكائنات للبشر. كما قلنا في الأعلى فإن الـ apes كانت تسمى سابقا pongids، وأما كلمة hominids فكان يقصد بها الإنسان والكائنات التي تنتمي لسلالة الإنسان بعد افتراقه عن بقية القرود الكبيرة (مثلا القرود الجنوبية). حاليا كلمة hominids صارت تشمل القرود الكبيرة إلى جانب الإنسان، ولكن بعض الباحثين ما زالوا حتى الآن يستخدمون كلمة hominid بالمعنى القديم الذي ينحصر في الإنسان دون القرود الكبيرة. لهذا السبب يجب التعامل بحذر مع كلمة hominid لأن المقصود بها في كثير من الأحيان هو الإنسان دون القرود الكبيرة. نفس الأمر ينطبق على كلمتي hominines و hominins. غالبية الباحثين حالين يستخدمون كلمة hominin في الإشارة إلى الإنسان وسلالته حصرا، ولكن في الشجرة التي أوردتها في الأعلى هذه الكلمة تشمل أيضا الشمبانزي. السبب هو أن الشجرة التي أوردتها تعكس تصورا حديثا.

الميزات الأهم التي تميز القرود الكبيرة عن بقية الرئيسيات هي أولا حجمها الكبير، وثانيا كثرة نزولها عن الأشجار ومكوثها على الأرض، وثالثا ذكاؤها الكبير نسبيا (هي الأذكى في عالم الحيوان).

القرود الكبيرة تصنع الأدوات، وتمارس الصيد وجمع الثمار، وهي تعيش حياة اجتماعية شبيهة بالحياة الاجتماعية لدى البشر.

باحثة تحمل bonobo

أكبر القرود الكبيرة حجما هي الغوريلا، وأصغرها حجما هو نوع من الشمبانزي يسمى bonobo (يسمى أيضا “الشمبانزي القزم” pygmy chimpanzee). الـ orangutan هو أكثر من يعيش على الأشجار من بين القرود الكبيرة، والغوريلا هي أكثر من يعيش على الأرض (ولكنها تصعد أيضا إلى الأشجار). جميع القرود الكبيرة تمشي على أربع quadrupedal عندما تكون على الأرض. الـ orangutan يفتح كفيه الأماميين ويمشي عليهما عندما يكون على الأرض، وأما الغوريلا والشمبانزي فهما يضمان قبضتيهما الأماميتين ويمشيان عليهما (وهذا يسمى knuckle-walking).

knuckle-walking

عمر القرود الكبيرة هو تقريبا نفس عمر الإنسان (50-60 عاما). فترة الحمل لدى إناث القرود الكبيرة هي نفس فترة الحمل لدى الإنسان (7-9 أشهر). الحمل عادة هو أحادي والتوائم نادرة. الطفل عندما يولد يكون في حال شديدة من العجز ومعتمدا على والدته بشكل كامل. نمو أطفال القرود الكبيرة بطيء مقارنا ببقية الحيوانات. لهذا السبب الطفل يظل ملازما لوالدته لسنوات عديدة. الطفل يمضي 4-5 سنوات مع والدته يتعلم خلالها كيفية الحصول على الغذاء بنفسه، وخلال هذه السنوات هو لا يتحرك بنفسه ولكن أمه هي التي تنقله من مكان إلى آخر. عندما يصبح الطفل قادرا على المشي والحصول على الغذاء بنفسه فإنه لا يفارق والدته بل يظل معها حتى يصبح عمره 10-15 عاما. خلال هذه السنوات هو يتعلم المهارات الاجتماعية وكيفية الحياة في مجتمع القرود.

شمبانزي مع والدته

مجتمعات القرود الكبيرة تقوم على تعدد الزوجات polygamy وعلى النظام الأبوي patriarchy والطبقية. هناك في العادة ذكر واحد ينصب نفسه زعيما على القبيلة أو المجتمع، وهذا الذكر يتحكم بالذكور الآخرين وربما يقوم حتى باحتكار إناث القبيلة لنفسه. الذكور عموما يهيمنون على الإناث. هذا النظام الاجتماعي هو سبب ثنائية الشكل الجنسية sexual dimorphism المشاهدة لدى القرود الكبيرة. أشكال ذكور القرود الكبيرة تختلف كثيرا عن أشكال الإناث. الذكر يكون أكبر حجما من الأنثى، ووزنه قد يصل إلى ضعف وزنها. الذكر له أنياب كبيرة تمنحه شكلا مخيفا، وهو يصدر أصواتا مخيفة ويتصرف بطريقة مخيفة.

orangutan

الـ orangutan هو قرد كبير يعيش في أرخبيل المالاي (في ماليزيا وإندونيسيا). كلمة orangutan هي مأخوذة من اللغات المحلية في ماليزيا وإندونيسيا. أصلها هو orang hutan ومعناها هو “إنسان الغابة”.

الـ orangutan يمضي معظم وقته على الشجر ولا ينزل كثيرا إلى الأرض. لونه هو بني-أحمر. الذكور لهم شوارب، وهناك لحى لدى كل من الذكور والإناث.

الذكر الأكبر (الزعيم) في مجتمع الـ orangutan يسمى “الذكر المطوّق” flanged male، والسبب هو خدوده الضخمة التي تبدو وكأنها طوق يحيط بوجهه. هذه الخدود الضخمة لا تنمو سوى لدى الذكر الأكبر حصرا.

الذكر المطوق لا يسمح بإقامة أحد في منطقته سوى النساء والأطفال. الأطفال الذكور يرحلون عن المنطقة بعد بلوغهم سن الرشد. الذكر المطوق يطلق باستمرار صيحات مميزة تسمى “الصيحات الطويلة” long calls. هذه الصيحات تؤثر على ما يبدو في الأطفال الذكور وتمنع نمو خدودهم. هذه الصيحات تؤثر أيضا في الإناث أثناء فترة النزو أو الشبق estrus (فترة الرغبة الجنسية). الأنثى التي تقيم في أرض الذكر المطوق تتأثر بصيحاته الطويلة عندما تكون في فترة الرغبة الجنسية وتذهب إليه للتزاوج.

إذن الذكر المطوق يمضي وقته في الجلوس وإطلاق الصيحات الطويلة. هذه الصيحات تخيف الذكور وتحضر إليه الإناث الراغبات بالتزاوج. الأنثى بعد التزاوج تحمل وتلد طفلا. هي تربي الطفل بنفسها لسنوات عديدة. الذكر المطوق لا يقدم أي مساعدة لها أو لغيرها من الإناث المقيمات في أرضه. الطفل يتربى على الصيحات الطويلة للذكر المطوق التي تمنع نمو خدوده، وبعد أن يبلغ سن الرشد يرحل عن والدته وعن المنطقة. بعض الإناث البالغات أيضا يرحلن عن المنطقة.

الذكور الراحلون عن أمهاتهم يشكلون جماعات متنقلة. كل جماعة لها زعيم. إذا صادفوا أنثى في فترة الرغبة الجنسية فإنهم يغتصبونها. إذا صادفوا ذكرا مطوقا فزعيمهم يهجم عليه ويحاول أن يطرده من منطقته. لو نجح في ذلك فهو يصبح ذكرا مطوقا مكانه.

الغوريلا

الغوريلات تعيش في أفريقيا. قبيلة الغوريلات تسمى troop. كل قبيلة لها زعيم. الزعيم يسمى silverback لأنه يحمل على ظهره شريطا من الشعر الفضي.

الزعيم في الغالب يطرد جميع الذكور من القبيلة ويستبقي فقط الإناث وأطفالهن، ولكنه أحيانا يسمح للذكور بالبقاء بشرط أن يكونوا تحت إمرته. الزعيم يكون في الغالب محاطا بالإناث اللواتي يتوددن إليه. إذا مات الزعيم فالقبيلة تنتهي والإناث يتشردن. إذا استولى ذكر على أنثى مشردة (إما بسبب موت زعيم قبيلتها أو بسبب هجرتها من القبيلة) فإنه في الغالب يقتل طفلها، لأن الطفل ليس من صلبه (هذا التفسير هو من عند الباحثين).

الإناث في مجتمع الغوريلات هن معتمدات جدا على الذكور، لأن الذكور يوفرون الحماية من الوحوش ومن الذكور الغرباء الذين يقتلون الأطفال. لهذا السبب إناث الغوريلات يتوددن كثيرا إلى الذكور وأحيانا يتقاتلن فيما بينهن على التواصل الجنسي مع ذكر معين. طبعا الذكور أيضا يتقاتلون فيما بينهم على الإناث.

الشمبانزي

الشمبانزي يعيش في أفريقيا. هناك نوعان من الشمبانزي، نوع جسيم robust يسمى الشمبانزي الشائع common chimpanzee، ونوع آخر رشيق gracile يسمى bonobo.

التعداد الكلي لمجتمع الشمبانزي قد يصل إلى 150 فردا، ولكن أفراد المجتمع يتوزعون في مجموعات صغيرة تقوم بمهام محددة (مثلا جمع الثمار أو الصيد إلخ).

مجتمع الشمبانزي هو هرمي. هناك زعيم أكبر (يسمى alpha male)، وتحت هذا الزعيم هناك زعماء أصغر، وتحت هؤلاء الزعماء هناك زعماء أصغر منهم، وهكذا. الهرمية موجودة أيضا لدى الإناث، ولكن إناث المجتمع عموما هن خاضعات للذكور.

ذكور الشمبانزي لا يرحلون عن مجتمعهم، ولكن الإناث هن اللواتي يرحلن ويهاجرن إلى مجتمعات أخرى. هذا يعود ربما إلى أن ذكور الشمبانزي يحتاجون للتعاون فيما بينهم ولذلك هم لا يطردون بعضهم.

مجتمع الشمبانزي هو الأكثر تعقيدا بين مجتمعات القرود. الزعيم الأكبر لا يفرض نفسه بالقوة فقط ولكن بالسياسة أيضا. الزعيم يحاول أن يكسب أفراد المجتمع إلى صفه ويقنعهم بزعامته، ولكن في بعض الأحيان هناك ذكور يتآمرون عليه ويحاولون تدبير انقلاب ضده. لهذا السبب الزعيم غالبا ما يتصرف بعدوانية ويحاول أن يخيف الذكور الآخرين حتى لا يفكروا بالتآمر عليه. هو أيضا يقوم بنفش شعره لكي يجعل شكله مخيفا. عندما يذهب الزعيم في مهمة خارج القبيلة ويعود بعد ذلك إلى القبيلة فإنه يتصرف بعدوانية بالغة. الباحثون يرون أن الزعيم يخشى أن تكون هناك مؤامرة قد دبرت أثناء غيابه ولذلك هو يتصرف بعدوانية في الفترة التالية لعودته.

أكثر ما يهم الإناث هو الحصول على الطعام. الإناث يتقربن من الذكور الرفيعين وذوي المناصب من أجل الحصول على الطعام، وهن يمارسن العملية الجنسية مع الذكور من أجل هذا الهدف. هناك إناث معينات ذوات نفوذ وسيطرة يحصلن على طعام وامتيازات أكثر من سائر الإناث.

هذه الأجواء والتعقيدات تخلق الكثير من المشاكل والنزاعات والمؤامرات في مجتمع الشمبانزي.

إناث الشمبانزي يمارسن العملية الجنسية طوال العام (بغض النظر عن وجود الرغبة الجنسية من عدمها). ممارسة الإناث للعملية الجنسية تزداد عند وصول كمية كبيرة من الطعام إلى القبيلة. الإناث يتهافتن لممارسة العملية الجنسية مع الذكور الرفيعين وأصحاب السيطرة. الذكر الرفيع يمكنه أن يمنع الذكور الأدنى منه من ممارسة الجنس.

ذكور الشمبانزي لا يرحبون بالأطفال الغرباء، وفي حال أتتهم أنثى مهاجرة مع طفلها فإنهم يقتلون طفلها.

كل هذه التصرفات تدل على أن مجتمع الشمبانزي هو مجتمع أبوي للغاية.

أفراد مجتمع الشمبانزي يتواصلون مع بعضهم بشكل مكثف. هم يستخدمون لغة الإشارة والتعبيرات ويستخدمون أيضا الأصوات. الباحثون ميزوا عددا من الأصوات التي يستخدمها الشمبانزي للتواصل فيما بينهم. من هذه الأصوات مثلا صوت يسمى “pant-hoot“. هذا الصوت يدل على الرضى بسبب الطعام أو الجنس أو بسبب تواصل اجتماعي. هناك صوت آخر يسمى “pant-grunt“. هذا الصوت يدل على الخضوع والطاعة وهو يصدر عن الشمبانزي عندما يخاطب فردا يفوقه مكانة. عندما يمر زعيم القبيلة بالقرب من مجموعة من الذكور فإنهم يصدرون هذا الصوت احتراما له. هناك أيضا أصوات أخرى تستخدم في النداء والتحذير وأثناء الصيد إلخ.

طبعا من المعروف أن الشمبانزي قادر على الكلام مع البشر. الباحثون علموا عددا من قرود الشمبانزي لغة الإشارة وتمكنوا من الحديث مع هذه القرود. للمزيد من المعلومات يمكن مراجعة هذا المقال من ويكيبيديا.

قرود الشمبانزي يمكنها أن تتعلم لغة البشر ويمكنها أن ترد على الأسئلة التي توجه إليها، ولكن الشيء الذي تعجز عنه هذه القرود هو طرح الأسئلة من تلقاء نفسها. أنا لطالما كنت أعتقد أن طرح الأسئلة هو أساس التفكير البشري. طرح الأسئلة هو الشيء الحقيقي الذي يميز الإنسان عن سائر الحيوانات (بما في ذلك الشمبانزي). لو كان الشمبانزي قادرا على طرح الأسئلة لكان له عقل مماثل لعقل البشر.

الدراسات والتجارب بينت أن الشمبانزي هو قريب جدا من البشر. الشمبانزي هو متأخر عن البشر بخطوة واحدة وهي عدم قدرته على طرح الأسئلة. لهذا السبب أنا لا أستغرب ما يقال عن التشابه الجيني بين الشمبانزي والإنسان. الشمبانزي هو بالفعل شبيه بالإنسان من نواح عديدة.

حاليا الناس يتربون منذ الصغر على أن الشمبانزي والقرود الكبيرة عموما هي قرود، أي أنها حيوانات وليست بشرا. البشر المعاصرون لديهم تعصب كبير لإنسانيتهم وهم لا يقبلون أي تشبيه لهم بالحيوانات. لهذا السبب كثير من الناس لا يقبلون النظر إلى الشمبانزي على أنه قريب من الإنسان. بعض الكتاب والباحثين انتقدوا هذه النظرة المتعصبة وأطلقوا عليها مسمى speciesism. هذه الكلمة هي مصوغة من كلمة species (نوع) على نمط كلمة racism وsexism. المقصود بمصطلح speciesism هو التعصب العنصري الإنساني ضد الحيوانات. من يستخدمون هذا المصطلح يعتقدون أن بعض البشر يبالغون في التمييز بين البشر والحيوانات.

هناك مجموعة من الناس تطالب بمد حقوق الإنسان لكي تشمل القرود الكبيرة. هذا الرابط هو موقعهم. هم يطالبون بإصدار إعلان من الأمم المتحدة يمنع قتل القرود الكبيرة أو تعذيبها أو حجز حريتها.

التمييز الشديد بين البشر والقرود الكبيرة هو شيء حديث لم يكن موجودا في الماضي. كلمة orangutan هي في الأصل orang hutan. كلمة orang في لغة المالاي تعني “شخص” أو “إنسان”. سكان أرخبيل المالاي كانوا يعتقدون في السابق أن هذه القرود تستطيع الكلام ولكنها لا تتكلم لكي لا يجبرها الناس على العمل. هم أيضا كانوا يعتقدون أن هذه القرود قادرة على التزاوج مع البشر.

كلمة gorilla هي يونانية الأصل Γόριλλαι. هذه الكلمة وردت لدى الكتاب اليونانيين كاسم لشعب من البشر في غرب أفريقيا. الكتاب اليونانيون نقلوا قصة ملاح قرطاجي اسمه Hanno أبحر من قرطاج نحو غرب أفريقيا في القرن الخامس قبل الميلاد. في نهاية رحلته هو وصف شعبا من البشر أطلق عليه مسمى Gόrillai. ما يلي هو النص المتعلق بلقاء Hanno مع الـ Gόrillai:

في الخليج الداخلي كانت هناك جزيرة شبيهة بالتي وصفت سابقا، وفي داخلها بحيرة على نحو مماثل وجزيرة أخرى يسكنها شعب فظ. الإناث كن أكثر بكثير جدا من الذكور، وكانت لهن جلود ثخينة. مترجمونا أسموهم Gόrillai. لقد تبعنا بعض الذكور ولكننا لم نتمكن من أخذ أي منهم. جميعهم هربوا إلى قمة الجروف العالية، التي صعدوا إليها بسهولة وضربونا بالحجارة. لقد أخذنا ثلاثا من الإناث، ولكنهن قاومن بعنف بالغ وعضضن ومزقن الممسكين بهن إلى درجة أننا اضطررنا لقتلهن وسلخنا جلودهن وحملناها إلى قرطاج، لأن مؤونتنا نفدت ولم نعد نستطيع المضي أبعد.

هذا الكلام دار في مكان ما على الساحل الغربي لإفريقيا في القرن الخامس قبل الميلاد. عندما اكتشف الغربيون الغوريلات في غرب أفريقيا في عام 1847 أطلقوا عليها مسمى gorillas بسبب هذه القصة.

على ما يبدو فإن الملاح Hanno ظن أن الغوريلات هي شعب من البشر.

هذا يذكرني أيضا بالقصص التي رواها الكتاب المسلمون عن “النسناس”. الرحالة المسلمون قديما كانوا يرون القرود الكبيرة في بعض الجزر الإندونيسية وفي أفريقيا وكانوا يظنون أنها شعوب من البشر، أو أنها مزيج من البشر والجن، ونحو ذلك. لهذا السبب هناك بلبلة في الكتابات الإسلامية حول موضوع النسناس.

الخلاصة هي أن البشر قديما كانوا في بعض الأحيان يظنون أن القرود الكبيرة هي شعوب من البشر.

مصادر

جميع الرئيسيات primates (القرود) تنمو بسرعة بعد الولادة، وجميعها تستمر في النمو لزمن طويل نسبيا بعد الولادة، ولكن الإنسان يستمر في النمو لزمن أطول من جميع الرئيسيات الأخرى.

القرود تنمو بعد الولادة (وقبلها) بمعدل أسرع من الإنسان، ولكن نموها بعد الولادة يستمر لزمن أقصر.

كثير من الباحثين يعتقدون أن البشر القدماء (كإنسان نياندرثال مثلا) كانوا ينمون بمعدل أعلى من الإنسان المعاصر داخل الرحم وخارجه، ولكن نموهم بعد الولادة كان يتوقف في زمن باكر نسبيا مقارنة بالإنسان المعاصر.

هذه النظرية تفسر كبر دماغ الإنسان المعاصر مقارنة بالبشر القدماء والقرود. طالما أن نمو البشر المعاصرين بعد الولادة يستمر لفترة أطول فهذا يفسر كبر حجم أدمغتهم، حتى لو كان معدل نموهم هو أقل من معدل نمو البشر القدماء والقرود. هذه النظرية تفسر أيضا الملامح الوجهية ذات الطابع الطفولي لدى البشر المعاصرين. نمو الملامح الوجهية يتوقف بعد الولادة، وبما أن معدل نمو البشر المعاصرين داخل الرحم هو بطيء فهذا يفسر عدم نضج ملامحهم.

الدراسة التي أشرت إليها في المقال المعنون “تطور الإنسان (4)” حملت فكرة أخرى. هذه الدراسة رأت أن معدل نمو النياندرثال بعد الولادة كان أسرع من معدل نمو البشر المعاصرين، ولكن زمن توقف النمو هو متماثل، ولهذا السبب أدمغة النياندرثال كانت أكبر من أدمغة البشر المعاصرين.

إعادة بناء لإنسان نياندرثال عثر على جمجمته في كهف شانيدار في كردستان العراق

إنسان نياندرثال

مستحاثات إنسان نياندرثال Homo neanderthalensis هي ربما أولى المستحاثات البشرية القديمة التي عرفها الباحثون الأوروبيون. أول مستحاثة لهذا الكائن وجدت في عام 1829 في بلجيكا، ولكن أشهر مستحاثة هي تلك التي وجدت في عام 1856 في وادٍ قرب مدينة Düsseldorf في غرب ألمانيا اسمه Neander. كلمة Tal بالألمانية تعني “وادي”، وبالتالي عبارة Neandertal تعني “وادي Neander“. كلمة Neander هي مأخوذة من اسم قسيس بروتستانتي ألماني (Joachim Neander) عاش في القرن 17 وسمي الوادي على اسمه. اسم القسيس أصلا كان Neumann (بالإنكليزية: Newman). كلمة Neander هي ترجمة يونانية لكلمة Neumann الألمانية (مصدر هذه المعلومات هو ويكيبيديا).

الكتابة Thal هي كتابة ألمانية قديمة تعود إلى القرن التاسع عشر عندما لم تكن قواعد الهجاء الألمانية المعاصرة قد وضعت بعد. لفظ Thal بالألمانية هو نفس لفظ Tal، وحاليا اسم الوادي يكتب بالألمانية هكذا Neandertal، ولكن الاسم اللاتيني لإنسان نياندرثال صيغ في القرن 19 قبل وضع قواعد الهجاء الألمانية المعاصرة، ولهذا الاسم مبني على الكتابة الألمانية القديمة. التعريب الصحيح للاسم اللاتيني في رأيي يجب أن يكون “نياندرثال” بالثاء لأن الصوت اللاتيني-اليوناني th يعرب إلى ثاء (ولكن اسم الوادي يجب أن يكتب بالتاء “نياندرتال”).

الباحث البيولوجي الألماني Ernst Haeckel اقترح تسمية هذه المستحاثات باسم “الإنسان الغبي” Homo stupidus، ولكن لحسن الحظ فإن هذه التسمية لم تلق رواجا.

مستحاثات إنسان نياندرثال وجدت بكثرة في أوروبا، وحاليا هناك اعتقاد بأن هذا الكائن نشأ في أوروبا من إنسان هايدلبرغ. الصورة التالية من ويكيبيديا توضح بعض المواقع التي وجد فيها إنسان نياندرثال.

تاريخ ظهور إنسان نياندرثال غير واضح ويختلف بين المصادر. السبب على ما أظن هو أن إنسان نياندرثال لم يظهر بشكل مفاجئ ولكنه تطور بشكل تدريجي من إنسان هايدلبرغ. التاريخ التقريبي لظهور إنسان نياندرثال هو 300,000-200,000 عام قبل الوقت الحالي، وأما زمن انقراضه فهو 40,000-30,000 عام قبل الوقت الحالي.

شكل إنسان نياندرثال

الصفات الشكلية لإنسان نياندرثال هي مدروسة بشكل جيد نسبيا. هناك مقال كامل في ويكيبيديا اسمه Neanderthal anatomy. ما يلي بعض المعلومات:

Neanderthal anatomy differed from modern humans in that they had a more robust build and distinctive morphological features, especially on the cranium, which gradually accumulated more derived aspects, particularly in certain isolated geographic regions. Evidence suggests they were much stronger than modern humans, while they were comparable in height; based on 45 long bones from at most 14 males and 7 females, Neanderthal males averaged 164–168 cm (65–66 in) and females 152–156 cm (60–61 in) tall. Samples of 26 specimens in 2010 found an average weight of 77.6 kg (171 lb) for males and 66.4 kg (146 lb) for females.

في السابق كان يعتقد أن إنسان نياندرثال كان يمشي بركب مثنية، ولكن حاليا الدراسات تقول أنه كان يمشي منتصبا دون أن يثني ركبه. طول إنسان نياندرثال يقع ضمن مجال البشر المعاصرين ولكنه أقصر قليلا من المعدل. الباحثون يرون أن قصر أطراف النياندرثال وجسمه الممتلئ هي خصائص تتناسب مع المناخ البارد لأنها تؤدي لتقليل فقدان الحرارة عبر سطح الجسم (وفقا لما يسمى “قاعدةAllen “).

الباحثون يرون أن جسم إنسان نياندرثال كان عضليا وأنه كان أقوى من البشر المعاصرين.

خصائص جمجمة النياندرثال معروفة ومشهورة. الشكل التالي يظهر مقارنة بين جمجمة نياندرثال وجمجمة إنسان معاصر:

جمجمة النياندرثال على اليمين، وجمجمة الإنسان المعاصر على الشمال

جمجمة النياندرثال هي قريبة نوعا ما من جمجمة البشر المعاصرين ولكنها رغم ذلك تحوي بعض الخصائص العتيقة archaic التي تميز الأنواع البشرية القديمة (والقرود أيضا).

الخصائص التشريحية العتيقة

من الخصائص العتيقة التي تميز عظام البشر القدماء عن عظام البشر المعاصرين ما يلي:

  • ثخانة عظام الجمجمة لدى البشر القدماء والقرود مقارنة بجمجمة الإنسان المعاصر.
  • غلاظة عظم الحاجب الذي يكون ضخما وبارزا لدى البشر القدماء والقرود ويشكل حافة ridge فوق محجر العين.

لاحظ الحافة فوق محجر العين supraorbital ridge لدى الشمبانزي ولدى القرد الجنوبي الجسيم Paranthropus ولدى الكائنات البشرية العتيقة، ولاحظ غياب هذه الحافة لدى الإنسان المعاصر.

لاحظ الحافة الشبيهة بالرف فوق عيني الغوريلا

الحافة فوق محجر العين هي ميزة لجميع الرئيسيات primates (القرود)، وهي كانت موجودة لدى كل البشر القدماء وما زالت موجودة إلى يومنا هذا بشكل محدود لدى بعض البشر المعاصرين (مثلا السكان الأصليين لأستراليا). الباحثون يرون أن وظيفة هذه الحافة هي تثبيت عظام الجمجمة وتخفيف التوتر الناشئ عن تقبض العضلات عند مضغ الطعام. هذه الحافة هي بارزة جدا لدى القرود الجنوبية الجسيمة لأن هذه الكائنات كانت متخصصة في المضغ.

  • غياب الذقن لدى البشر القدماء والقرود، بخلاف الإنسان الحديث الذي له ذقن بارزة mental protuberance.

الذقن لدى البشر المعاصرين

الذقن هي ميزة للبشر المعاصرين وهي علامة فارقة يستفيد منها الباحثون للتمييز بين مستحاثات البشر المعاصرين ومستحاثات البشر العتيقين. أشكال الذقن تختلف لدى البشر المعاصرين (بعض البشر المعاصرين لديهم ذقن مشطورة cleft chin لسبب وراثي جيني)، ولكن رغم اختلاف الشكل إلا أن جميع البشر المعاصرين يملكون الذقن البارزة.

هناك عدة نظريات تفسر بروز الذقن لدى البشر المعاصرين:

        • نظرية تقول أن بروز الذقن يهدف لتثبيت عظام الفك وتخفيف التوتر الناشئ عن المضغ وتعويض غياب الرف القردي simian shelf الذي يوجد لدى القرود ويساهم في تثبيت عظام الفك.

      • نظرية تقول أن بروز الذقن يهدف لتخفيف التوتر الناشئ عن نطق الأصوات الشفهية labial sounds، لأن بعض العضلات التي تساهم في نطق هذه الأصوات ترتكز على الذقن.
      • نظرية تقول أن بروز الذقن مرتبط بالانتخاب الجنسي sexual selection (بمعنى أن الذقن هي من الأمور التي تجذب الإناث جنسيا للذكور)، والدليل على صحة هذه النظرية هو أن ذقون الإناث المعاصرات تختلف في الشكل عن ذقون الذكور.

للمزيد حول موضوع الذقن يمكن مطالعة هذا المقال.

  • كبر حجم التجويف الأنفي ومحاجر العينين لدى البشر القدماء والقرود.

من المفارقات أن إنسان نياندرثال كان يملك أنفا ضخما رغم أنه عاش في أوروبا ذات المناخ البارد. المفترض وفق قاعدة Allen أن يكون الأنف ضيقا في المناطق ذات المناخ البارد.

  • بروز الفك الأعلى للأمام prognathism لدى البشر القدماء والقرود، وهذه الخاصية يرافقها ميلان الجبهة إلى الخلف sloping forehead.

الإنسان المعاصر يتميز بوجه مسطح وجبهة عمودية. الباحثون يرون أن نمو دماغ الإنسان أدى إلى بروز جبهته نحو الأمام (لاستيعاب الدماغ النامي)، وهذا أدى لتسطيح الوجه.

الصورة التالية تبين جماجم عدد من القرود مع حجم التجويف الدماغي لكل منها.

hominids apes human skulls

  • تطاول مؤخرة الجمجمة نحو الخلف occipital bun لدى البشر القدماء والقرود، أما جمجمة الإنسان الحديث فمؤخرتها قريبة من التسطح.

هذه الصورة توضح التطاول المقصود:

تطاول الجمجمة نحو الخلف هو ظاهرة عامة لدى القرود والبشر القدماء. هذا التطاول ما زال موجودا لدى بعض البشر حتى يومنا هذا. هناك نظريات مختلفة تفسر زوال هذا التطاول.

  • غلاظة عظام الفكين وغلاظة الأسنان لدى البشر القدماء والقرود.

البشر المعاصرون يتميزون بفكوك رقيقة وأسنان دقيقة. الباحثون يرون أن غلاظة الفكوك والأسنان هي مرتبطة بطبيعة الغذاء. البشر القدماء والقرود كانوا يأكلون الكثير من الثمار البرية وكانوا يأكلون الطعام دون طبخ، أما البشر المعاصرون فهم يطحنون الغذاء ويهرسونه ويطبخونه، وبالتالي هم لا يبذلون مجهودا كبيرا في المضغ.

  • اختلافات في أشكال الأسنان.
  • اختلافات في بعض الثقوب والتجاويف والثلمات التشريحية الموجودة على الجمجمة.
  • اختلافات في أشكال عظام الهيكل العظمي الأخرى غير الجمجمة.

هذه بعض الخصائص الهامة التي تميز عظام البشر المعاصرين عن عظام البشر القدماء والقرود. بالإضافة إلى هذه الخصائص هناك طبعا الاختلاف في حجم تجويف قحف الجمجمة (المعبر عن حجم الدماغ)، ولكن هذه الخاصية لا تفيد كثيرا في التمييز بين البشر المعاصرين وبين إنسان هايدلبرغ وإنسان نياندرثال، لأن حجم أدمغة هذين الكائنين يقع ضمن مجال أدمغة البشر المعاصرين. هناك أيضا خاصية بروز الوجنتين prominent zygomata لدى البشر القدماء والقرود، ولكن هذه الخاصية أيضا لا تفيد في التمييز بين البشر المعاصرين وبين إنسان هايدلبرغ وإنسان نياندرثال، لأن بروز الوجنتين لدى هذين الكائنين يقع ضمن مجال البشر المعاصرين.

في الحقيقة الدراسات الأخيرة تقول أن حجم دماغ إنسان نياندرثال هو في المتوسط أكبر من حجم دماغ البشر المعاصرين:

Neanderthal cranial capacity is thought to have been as large as that of modern humans, perhaps larger, indicating that their brain size may have been at least as large as ours. In 2008, a group of scientists produced a study using three-dimensional computer-assisted reconstructions of Neanderthal infants based on fossils found in Russia and Syria. The study indicated that Neanderthal and modern human brains were the same size at birth, but by adulthood, the Neanderthal brain was larger than the modern human brain.

هذا الرابط فيه المزيد من المعلومات عن هذه الدراسة.

هذه الدراسة أجريت على مستحاثات لأطفال رضع من النياندرثال وجدوا في مغارة Mezmaiskaya في شمال غرب القوقاز وفي مغارة الديدرية في منطقة عفرين شمال غرب حلب. أيضا تم الاستعانة ببقايا عظام حوض لامرأة من النياندرثال عثر عليها في مغارة الطابون في جبل الكرمل في فلسطين.

إعادة بناء لطفل نياندرثال

من نتائج الدراسة:

  • حجم دماغ أطفال النياندرثال عند الولادة كان مماثلا تقريبا لحجم أدمغة البشر المعاصرين، ما يعني أن ميزة كبر حجم الدماغ تعود إلى السلف المشترك الذي تحدر منه كل من إنسان نياندرثال والإنسان الحكيم الحديث.
  • حوض نساء النياندرثال كان أعرض قليلا من حوض النساء المعاصرات، ولكن هذا لم يقلل من صعوبة الولادة لأن رؤوس أطفال النياندرثال كانت أكبر قليلا من رؤوس الأطفال المعاصرين.
  • معدل نمو أدمغة أطفال النياندرثال بعد الولادة كان أسرع من معدل نمو أدمغة الأطفال المعاصرين، وهذا يعني أنهم كانوا يحتاجون لتغذية أكبر.
  • إذن تربية أطفال النياندرثال كانت أصعب من تربية الأطفال المعاصرين، ولهذا أمهات النياندرثال كن أكبر وأكثر نضوجا من الأمهات المعاصرات. هذا يعني أن نساء النياندرثال كن ينجبن الأطفال في عمر متأخر نسبيا.

ميزة كبر حجم الدماغ كانت موجودة أيضا في مستحاثات الإنسان الحكيم الباكرة في أفريقيا. حاليا بعض الباحثين يرون أن متوسط حجم دماغ البشر هو في تناقص مستمر منذ 40,000 سنة على الأقل. أنا لا أدري ما هو تفسير هذا التناقص، ولكنني قرأت نظريتين تفسرانه:

  • النظرية الأولى تربط كبر حجم الدماغ بكبر الكتلة العضلية للجسم. بما أن البشر القدماء (سواء كانوا من النياندرثال أم من الإنسان الحكيم الباكر) كانوا يتميزون ببنية عضلية أكبر فهم كانوا يحتاجون لأدمغة أكبر للتحكم بالكتلة العضلية.
  • النظرية الثانية تعتبر أن تصغير حجم الدماغ والرأس يهدف لتسهيل عملية الولادة على المرأة. وفق هذه النظرية فإن كفاءة الأدمغة البشرية لم تنخفض بل على العكس هي ازدادت رغم تصغير حجم الدماغ، أي أن ما حدث هو تقليل الحجم وزيادة الكفاءة في نفس الوقت.

معضلة المشي والولادة

موضوع حجم الرأس هو مشكلة كبيرة لنساء البشر لأنه لا يتناسب مع مبدأ المشي على رجلين bipedalism. المشي على رجلين هو الخاصية الأساسية التي تميز البشر (والقرود الجنوبية) عن بقية القرود الكبيرة. المشي على رجلين يتطلب حوضا ضيقا وصغيرا لمنح الاستقرار والثبات للجسم أثناء المشي. لهذا السبب حوض البشر هو أضيق من حوض القرود. ولكن الحوض الضيق لا يساعد على ولادة الأطفال ذوي الرؤوس الكبيرة. لهذا السبب المرأة البشرية كانت أمام معضلة تطورية: تكبير الدماغ هو أمر مفيد للبشر، وتصغير الحوض هو أمر مفيد للبشر، ولكن الأمرين لا يتوافقان.

هذه المعضلة أثرت سلبا على المرأة. حاليا النساء يتميزن بحوض أعرض من الرجال (لتسهيل الولادة)، ولكن مشية النساء هي أقل استقرارا وثباتا من مشية الرجال (المرأة عندما تمشي فإن حوضها يترنح أكثر من حوض الرجل، وهذا هو ما قصده الشعراء الذين تحدثوا عن تمايل النساء أثناء المشي). المرأة ضحت بثبات مشيتها (مقارنة بالرجل) لكي تتمكن من ولادة الأطفال ذوي الرؤوس الكبيرة.

من الآثار الأخرى لكبر الرأس أن النساء صرن يضطررن لولادة الأطفال بسرعة وقبل اكتمال نضجهم، وهذا أدى إلى أن المرأة البشرية صارت مطالبة برعاية الطفل لفترة أطول وباهتمام أكبر. هذا الأمر انعكس على كل النظام الاجتماعي للبشر. الرجال صاروا مضطرين لتقديم مساعدة أكبر للنساء، وبالتالي مفهوم الزواج صار مهما. الزواج المتعدد polygamy الموجود لدى القرود لم يعد مناسبا لحياة البشر لأن الرجل الواحد لا يستطيع أن يعيل عددا كبيرا من النساء.

ولادة الأطفال قبل اكتمال نضجهم أثرت على ملامح البشر المعاصرين. الدراسة التي أشرت إليها في الأعلى تقول أن ملامح أطفال النياندرثال كانت تتكون في أرحام الأمهات وليس بعد الولادة، بمعنى أن أطفال النياندرثال كانوا يولدون وهم يحملون الملامح “العتيقة” التي تميزهم عن البشر المعاصرين. بعض الباحثين يفسرون ذلك بأن أطفال النياندرثال (وغيرهم من أطفال الكائنات البشرية العتيقة) كانوا يمكثون في أرحام أمهاتهم لفترات أطول من أطفال البشر المعاصرين، وهذا كان يؤدي إلى نضج ملامحهم واتخاذها الطابع الخشن والغليظ، أما أطفال البشر المعاصرين فهم يولدون بسرعة وقبل أن يكتمل نضجهم، ولهذا السبب وجوههم تبدو أنعم وأدق، وهذه النعومة تستمر في الكبر. لو قارنا وجوه البشر المعاصرين مع وجوه البشر القدماء فسيتبين أن وجوه البشر المعاصرين هي ذات ملامح ناعمة وطفولية (baby face). بعض الباحثين يشبهون وجوه البشر المعاصرين بوجوه أطفال القرود.

لون البشرة والشعر

لون بشرة البشر القدماء هو مسألة مجهولة لأن المستحاثات العظمية لا تعطي أية دلائل حولها، ولكن هناك دراسات جينية تشير إلى أن النياندرثال (أو بعضهم على الأقل) كانوا فاتحي البشرة:

http://www.sciencemag.org/content/318/5855/1453

The melanocortin 1 receptor (MC1R) regulates pigmentation in humans and other vertebrates. Variants of MC1R with reduced function are associated with pale skin color and red hair in humans of primarily European origin. We amplified and sequenced a fragment of the MC1R gene (mc1r) from two Neanderthal remains. Both specimens have a mutation that was not found in ∼3700 modern humans analyzed. Functional analyses show that this variant reduces MC1R activity to a level that alters hair and/or skin pigmentation in humans. The impaired activity of this variant suggests that Neanderthals varied in pigmentation levels, potentially on the scale observed in modern humans. Our data suggest that inactive MC1R variants evolved independently in both modern humans and Neanderthals.

هذه الدراسة فحصت DNA لاثنين من النياندرثال وتمكنت من إجياد طفرة على الجين MC1R المسؤول عن صبغ البشرة والشعر. التحليل الوظيفي للطفرة يبين أنها تنقص فعالية الجين على نحو من شأنه تغيير لون الشعر و/أو البشرة. نقص فعالية الجين MC1R لدى الأوروبيين المعاصرين يؤدي إلى تفتيح لون البشرة وإعطاء لون أحمر للشعر، وبالتالي هذان الشخصان النياندرثاليان ربما كانا فاتحي البشرة و/أو ذوي شعر أحمر. الدراسة قارنت الطفرة الموجودة على الجين MC1R لدى هذين الشخصين النياندرثاليين مع حوالي 3700 شخصا من البشر المعاصرين ولم تجد نفس الطفرة لديهم، ما يعني أن البشرة الفاتحة والشعر الأحمر الموجودان لدى بعض الأوربيين المعاصرين هما ليسا موروثين من النياندرثال.

الباحثون يعتقدون أن لون البشرة الفاتح هو مناسب للمناخ غير المشمس. مناخ أوروبا في العصر الجليدي كان غير مشمس على ما أظن، وبالتالي لون البشرة الفاتح كان سيفيد النياندرثال.

سبب اللون الغامق للجلد والشعر والعينين هو وجود صبغة تسمى melanin (من اليونانية(mélas) μέλας = “داكن” أو “أسود”). وجود هذه الصبغة بكميات كبيرة في الجلد والشعر والعينين يؤدي لتغميق لون الجلد والشعر والعينين. هذه الصبغة تمتص ضوء الشمس وتمنعه من اختراق الجلد. تكوين العظام البشرية يحتاج للفيتامين D الذي يتم تركيبه في خلايا الجلد، وتركيب هذا الفيتامين يحتاج للأشعة فوق البنفسجية الموجودة في ضوء الشمس. وجود صبغة melanin في الجلد يعيق هذه العملية في حال كان الإشعاع الشمسي ضعيفا، وبالتالي نقص هذه الصبغة في الجلد يساعد على تركيب الفيتامين D في المناخ غير المشمس، وهذا مفيد خاصة في المناطق البعيدة عن البحار والتي لا يتمكن سكانها من الحصول على الفيتامين D من المأكولات البحرية.

هذه النظرية هي التي يفسر على أساسها كثير من الباحثين ظهور لون البشرة الفاتح لدى البشر.

في هذا المقال تحدثت عن الخصائص التشريحية أو الشكلية لإنسان نياندرثال. في المقال القادم سأتحدث عن ثقافته.

الإنسان الأول في شرق آسيا

الصورة التالية توضح الهجرة البشرية الأولى إلى آسيا:

مصدر الصورة هو هذا المقال.

في السابق كان الباحثون يظنون أن البشر وصلوا لأول مرة إلى شرق آسيا قبل حوالي مليون عام، أي بعد ظهور البشر في أفريقيا بأكثر من 1,5 مليون عام، ولكن خلال العقود الأخيرة ظهرت اكتشافات غيرت هذا التصور. الصورة التي في الأعلى تعكس تصورا حديثا.

معظم المصادر تقول أن الأدوات الأشولية هي غير موجودة في شرق آسيا، ولكن الخبر التالي يتحدث عن اكتشاف فؤوس حجرية عمرها 1,8 مليون عام في ماليزيا:

http://www.google.com/hostednews/afp/article/ALeqM5j4NR2q7FWeVMwDjWVzYcF_R4qXEg?hl=en

Malaysian scientists find stone tools ‘oldest in Southeast Asia’

KUALA LUMPUR (AFP) — Malaysian archaeologists have announced the discovery of stone tools they believe are more than 1.8 million years old and the earliest evidence of human ancestors in Southeast Asia.

The stone hand-axes were discovered last year in the historical site of Lenggong in northern Perak state, embedded in a type of rock formed by meteorites which was sent to a Japanese lab to be dated.

“We received news from Japan two weeks ago which said it is 1.83 million years old, so this find shows the existence of human beings there 1.83 million years ago,” archaeology team leader Mokhtar Saidin told AFP.

“This is the earliest evidence of Paleolithic culture in the Southeast Asian region,” said Mokhtar from Malaysia’s University of Science, who said he believed the hand-axes were used by Homo erectus, an extinct early human.

The archaeologist said that the oldest Homo erectus fossil discovered in the region is from Java in Indonesia, and dated at 1.7 million years old.

Internationally, the two oldest fossils are from Georgia (1.8 million years old) and China (between 1.7 and 1.8 million years), he said.

“This new find in Malaysia is actually older than those in Georgia and China, but the difference is that what we found was the tool, and we have to continue to look for the human bones,” he said.

The oldest human skeleton ever found in Malaysia is the 11,000-year old Perak man, discovered in 1991.

الفؤوس الحجرية stone hand-axes (تسمى أيضا bifaces) هي أهم ميزة للصناعة الأشولية. الرسم التالي يوضح انتشار الفؤوس الحجرية:

انتشار الفؤوس الحجرية باللون البني

الفؤوس الحجرية لم تكن موجودة في مغارة Zhoukoudian حيث اكتشف “إنسان بكين”. عمر هذا الموقع يعود إلى 750,000 ألف عام، ولكنه رغم ذلك خلا من الفؤوس الحجرية. بدلا من الفؤوس الحجرية المنقبون عثروا على أدوات تقطيع chopping tools. الباحثون يعتقدون أن أدوات التقطيع هي شكل بدائي من الفؤوس الحجرية.

أداة تقطيع من موقع Gran Dolina في شمال إسبانيا

في المقابل الخبر الذي نقلته في الأعلى يتحدث عن اكتشاف فؤوس حجرية عمرها 1,8 مليون عام في ماليزيا.

ما يلي من ويكيبيديا:

Until the 1980s, it was thought that the humans who arrived in East Asia abandoned the hand-axe technology of their ancestors and adopted chopper tools instead. An apparent division between Acheulean and non-Acheulean tool industries was identified by Hallam L. Movius, who drew the Movius Line across northern India to show where the traditions seemed to diverge. Later finds of Acheulean tools at Chongokni in South Korea and also in Mongolia and China, however, cast doubt on the reliability of Movius’s distinction. Since then, a different division known as the Roe Line has been suggested. This runs across North Africa to Israel and thence to India, separating two different techniques used by Acheulean toolmakers. North and east of the Roe Line, Acheulean hand-axes were made directly from large stone nodules and cores; while, to the south and west, they were made from flakes struck from these nodules.

حسب هذا الكلام فإن الفؤوس الحجرية الأشولية وجدت في كوريا ومنغوليا والصين، ولكن تقنية صناعة الفؤوس التي وجدت هناك تختلف عن تقنية صناعة الفؤوس في الغرب (باستثناء أوروبا على ما يبدو). الفؤوس الشرقية (والأوروبية؟) هي مصنوعة بطريقة أكثر بدائية من الفؤوس الغربية.

ما يلي وصف للفؤوس الحجرية في شرق آسيا:

http://www.assemblage.group.shef.ac.uk/issue8/chauhan.html

In the last few decades, archaeologists have reported bifaces from the ‘Mode 1 [Oldowan] zone’ (East and Southeast Asia). For example, the localities of Dingcun (Clark and Schick, 1988) and the Nihewan Valley (Schick et al., 1991) in China, and Chongokni in South Korea (Schick and Zhuan, 1993) have yielded large, bifacial cutting-tools, although these occurrences are not well dated. A more recent example comes from Bose in southern China, where large bifacial cutting-tools have been reported and date to approximately 800 kyr (Hou et al., 2000). However, these specimens lack the characteristic features that are representative of the Acheulian industry. Although some of the Bose specimens have been classified as bifaces, they retain significant amounts of cortex on their butts and are not symmetrical in their form as comparable to Acheulian handaxes. In addition, they are not as refined as typical Acheulian bifaces and lack secondary retouch and edge-shaping.

Corvinus (2003:6) has designated some of these specimens as bifacial pointed tools or picks and highlights the absence of true cleavers in East and Southeast Asia. Additional evidence of Acheulian-like assemblages from this zone also do not conform to classic Acheulian features (Pope and Keates, 1994). Therefore, until further evidence is forthcoming, it is reasonable to accept that most of these biface assemblages in the ‘Mode 1 zone’ do not represent the Acheulian techno-complex directly (see Corvinus, 2003). Such sporadic finds probably represent an independent regional and random development of the bifacial-flaking technique, but which did not attain cultural identity and morphological consistency over time.

إذن الفؤوس الحجرية هي موجودة في شرق آسيا بشكل محدود ومتفرق، ولكنها تختلف تقنيا عن الفؤوس الغربية.

فأس حجرية من Haute-Garonne في فرنسا

ما يلي وصف للفؤوس الحجرية الأوروبية:

http://www.assemblage.group.shef.ac.uk/issue8/chauhan.html

The European bifaces are generally manufactured on flint and from nodules. Bifaces here are also produced on large flakes but the sites are not as common or rich as in Africa and other regions.

من هذا الكلام أنا فهمت أن المواقع الأوروبية تحوي بعض الفؤوس الشبيهة بالفؤوس الأفريقية (مصنوعة من الرقائق flakes) ولكن الأغلب في أوروبا هو الفؤوس المصنوعة من عقد الحجارة (stone nodules)، أي أن النمط السائد في أوروبا هو على ما يبدو كالنمط المشاهد في شرق آسيا.

ولكن كيف نفسر غياب الفؤوس الحجرية عن مغارة Zhoukoudian في الصين؟

في رأيي أن التفسير الأفضل للمعطيات السابقة هو كما يلي:

  • المهاجرون الأوائل نحو شرق آسيا (ونحو أوروبا) كانوا يجهلون صناعة الفؤوس الحجرية
  • لاحقا تعلم بعض سكان شرق آسيا (وأوروبا) تقنية صناعة الفؤوس من جيرانهم الأقرب لأفريقيا (أو أنهم اكتشفوها بأنفسهم)، ولكن هذا الاختراع لم ينتشر في جميع مناطق شرق آسيا وظلت هناك بعض الجيوب التي لا وجود لصناعة الفؤوس فيها

من الممكن أن منطقة شرق آسيا (وأوروبا) استقبلت عدة موجات من الهجرة. من الممكن أن تقنية صناعة الفؤوس وصلت مع موجات هجرة تالية للموجة (أو الموجات) الأولى. هذا يفسر وجود الفؤوس الحجرية في بعض المواقع وغيابها من مواقع أخرى.

الإنسان الأول في أوروبا

في السابق كان الباحثون يظنون أن البشر وصلوا إلى أوروبا لأول مرة قبل مليون عام تقريبا، ولكن في الفترة الأخيرة اكتشفت أدوات ألدوية في جنوب فرنسا تعود إلى ما قبل 1,57 مليون عام:

http://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S1631068309000980

A new vertebrate fauna associated with lithic artefacts from the Early Pleistocene of the Hérault Valley (southern France) dated around 1.57 Ma. Some lithic artefacts associated with an Early Pleistocene (Upper Villafranchian) vertebrate fossil assemblage have been found from a quarry exploited for basalt in the lower Hérault Valley (Languedoc, southern France) at the Lézignan-le-Cèbe locality. A preliminary patrimony expertise led us to identify about 20 vertebrate taxa, and the autumnal rainfalls revealed the presence of roughly 30 lithic artefacts of “pebble culture” type. A basalt layer dated at 1.57 My directly overlies the fossiliferous level, extends along the little hill (locus 2) yielding artefacts. These new promising data offer new perspectives to improve our understanding of Early Pleistocene ecosystems (and possibly ancient hominin occupation) of southern Europe.

عبارة “pebble culture” تعني الصناعة الألدوية. أيضا العبارات التالية لها نفس المعنى: Mode 1 tools أو Abbevillian culture أو pre-Chellean culture.

لو صح الكلام الذي في الأعلى فهو يعني أن البشر وصلوا إلى جنوب فرنسا قبل 1,6 مليون عام تقريبا. هذا أوحى للبعض بأن موجة الهجرة التي أوصلت الإنسان المنتصب الباكر إلى Dmanisi في جورجيا أوصلته أيضا إلى أوروبا.

في العقد الأخير اكتشفت في إسبانيا مستحاثات بشرية يفوق عمرها المليون عام:

http://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0047248413000304

The Orce region has one of the best late Pliocene and early Pleistocene continental paleobiological records of Europe. It is situated in the northeastern sector of the intramontane Guadix-Baza Basin (Granada, Andalusia, southern Spain). Here we describe a new fossil hominin tooth from the site of Barranco León, dated between 1.02 and 1.73 Ma (millions of years ago) by Electron Spin Resonance (ESR), which, in combination with paleomagnetic and biochronologic data, is estimated to be close to 1.4 Ma. While the range of dates obtained from these various methods overlaps with those published for the Sima del Elefante hominin locality (1.2 Ma), the overwhelming majority of evidence points to an older age. Thus, at the moment, the Barranco León hominin is the oldest from Western Europe.

http://www.nature.com/news/2008/080326/full/news.2008.691.html

Spanish palaeontologists have dug up the remains of a 1.2-million-year-old humanlike inhabitant of Western Europe. The fossil find shows that members of our genus, Homo, colonized this region far earlier than many experts had thought.

The primitive hominin — represented by just a fragment of jawbone bearing a handful of wobbly-looking teeth — lived in what is now the Sierra de Atapuerca region of northern Spain, an area already known as a treasure trove of early human remains.

The new fossil, uncovered by an experienced team of palaeoanthropologists led by Eudald Carbonell of the Universitat Rovira i Virgili in Tarragona, is by far the oldest human bone ever found in the region. The previous oldest fossils have been perhaps 800,000 years old, leading some anthropologists to believe that primitive humans did not reach Western Europe until around half a million years ago.

Now it seems that the earliest inhabitants of modern-day Spain lived there much longer ago. And like many of today’s Spaniards, it seems they were enthusiastic meat-eaters — Carbonell and his team also uncovered primitive stone tools and animal bones bearing signs of butchery.

هذه المستحاثات الإسبانية التي اكتشفت مؤخرا هي أقدم مستحاثات بشرية معروفة في أوروبا، ولكنها لا تحوي أية جماجم أو هياكل عظمية—هي عبارة عن أجزاء وبقايا عظمية محطمة. أقدم الأجزاء التي عثر عليها هي ضرس وجدت قرب غرناطة في جنوب إسبانيا وقدر عمرها بـ 1,4 مليون عام. ثاني أقدم الأجزاء هي ضرس وجزء من عظم فك سفلي mandible عثر عليها في Sima del Elefante في شمال إسبانيا وقدر عمرها بـ 1,2 مليون عام. في موقع Gran Dolina في شمال إسبانيا عثر على 80 قطعة عظمية تعود لستة أشخاص قدر عمرها بـ900,000 سنة. أفضل هذه القطع هي عظم فك أعلى maxilla وعظم من مقدمة الجمجمة frontal bone، وهي تعود لطفل عمره 11-10 سنة (وهذا ليس أمرا جيدا للتصنيف).

عظام للإنسان الطليعي من موقع Gran Dolina في شمال إسبانيا

طالما أن أقدم المستحاثات البشرية في أوروبا وجدت في إسبانيا (وخاصة في جنوب إسبانيا) فهذا يدفعني للتساؤل عن الاتجاه الذي أتى منه المهاجرون الأوائل إلى أوروبا. غالبية الباحثين حاليا يستبعدون أن يكون البشر القدماء قد عبروا مضيق جبل طارق، ولكن توزع المستحاثات المعروفة في أوروبا يتوافق مع هجرة من المغرب العربي.

بما أن البقايا البشرية الأولى محطمة فهذا يجعل تصنيفها صعبا، ولكنها تصنف حاليا تحت عنوان “الإنسان الطليعي” Homo antecessor. كثيرون يرون أن الإنسان الطليعي كان شبيها بالإنسان العامل Homo ergaster. بعضهم يرون أن الإنسان الطليعي هو شكل متأخر من الإنسان العامل ظهر في أفريقيا وهاجر قسم منه إلى أوروبا.

إنسان هايدلبرغ

الجيل البشري الذي تلا الإنسان العامل والإنسان المنتصب يصنف حاليا تحت عنوان عريض هو إنسان هايدلبرغ Homo heidelbergensis (نسبة إلى مدينة Heidelberg في ولاية Baden-Württemberg في جنوب غرب ألمانيا).

إعادة بناء لإنسان هايدلبرغ

متوسط حجم دماغ هذا الكائن هو 1250 سم مكعب (متوسط حجم دماغ البشر المعاصرين هو1350 سم مكعب). من الناحية الشكلية إنسان هايدلبرغ يقع في مكان وسط بين الجيل السابق له (الإنسان العامل) والجيل التالي له (إنسان نياندرثال والإنسان الحكيم الحديث).

إلى وقت قريب كانت مستحاثات إنسان هايدلبرغ هي أقدم المستحاثات البشرية المعروفة في أوروبا (أقدمها يعود تقريبا إلى 600,000 عام قبل الوقت الحالي)، ولكن مؤخرا اكتشفت في إسبانيا مستحاثات أقدم صنفت تحت عنوان “الإنسان الطليعي”. البعض يرون في الإنسان الطليعي صلة الوصل بين إنسان هايدلبرغ والإنسان العامل، والبعض يرون أن الإنسان الطليعي هو مجرد شكل باكر من إنسان هايدلبرغ. في المقابل هناك باحثون يرون أن إنسان هايدلبرغ ليس متحدرا من الإنسان الطليعي.

ما يلي صفات الإنسان الطليعي من ويكيبيديا:

H. antecessor was about 1.6-1.8 m (5½-6 feet) tall, and males weighed roughly 90 kg (200 pounds). Their brain sizes were roughly 1,000–1,150 cm³, smaller than the 1,350 cm³ average of modern humans. Due to its scarcity, very little more is known about the physiology of H. antecessor, yet it was likely to have been more robust than H. heidelbergensis.

[...]

Based on teeth eruption pattern, the researchers think that H. antecessor had the same development stages as H. sapiens, though probably at a faster pace. Other features acquired by the species are a protruding occipital bun, a low forehead and a lack of a strong chin. Some of the remains are almost indistinguishable from the fossil attributable to the 1.5 million year old Turkana Boy, belonging to H. ergaster.

إنسان هايدلبرغ هو مقترن أثريا بالأدوات الأشولية. الأدوات الأشولية ظهرت لأول مرة في أوروبا قبل نصف مليون عام، ولكن مؤخرا عثر على أدوات أشولية عمرها 900,000 عام في جنوب إسبانيا:

http://www.nature.com/nature/journal/v461/n7260/full/nature08214.html

Stone tools are durable reminders of the activities, skills and customs of early humans, and have distinctive morphologies that reflect the development of technological skills during the Pleistocene epoch. In Africa, large cutting tools (hand-axes and bifacial chopping tools) became part of Palaeolithic technology during the Early Pleistocene (~1.5 Myr ago). However, in Europe this change had not been documented until the Middle Pleistocene (<0.5 Myr ago). Here we report dates for two western Mediterranean hand-axe sites that are nearly twice the age of the supposed earliest Acheulian in western Europe. Palaeomagnetic analysis of these two sites in southeastern Spain found reverse polarity magnetozones, showing that hand-axes were already in Europe as early as 0.9 Myr ago. This expanded antiquity for European hand-axe culture supports a wide geographic distribution of Palaeolithic bifacial technology outside of Africa during the Early Pleistocene.

من اللافت أن أقدم الأدوات الأشولية في أوروبا عثر عليها في جنوب إسبانيا. هذا يوحي بأن الصناعة الأشولية دخلت إلى أوروبا من المغرب العربي (ولكن هذه الفرضية لا تلقى استحسانا لدى الباحثين الذين يشكون في قدرة البشر القدماء على عبور مضيق جبل طارق).

عمر الصناعة الأشولية في أوروبا يتوافق مع عمر إنسان هايدلبرغ، ومستحاثات إنسان هايدلبرغ وجدت مع الأدوات الأشولية. بالنسبة لبقايا الإنسان الطليعي فهي على ما يبدو وجدت مع أدوات ألدوية. أنا قرأت وصف الأدوات التي وجدت في مواقع الإنسان الطليعي ولم أجد ذكرا للفؤوس الحجرية.

إذن يبدو أن إنسان هايدلبرغ هو الذي أدخل الفؤوس الحجرية إلى أوروبا. بالنسبة للأدوات الألدوية فوجود هذه الأدوات في أوروبا قديم ويعود إلى حوالي 1,6 مليون عام. الإنسان الطليعي كان على ما يبدو يستخدم مثل هذه الأدوات. هل الإنسان الطليعي هو الذي أدخل الأدوات الألدوية إلى أوروبا؟ لو كان هذا صحيحا فهو قد يعني أن الإنسان الطليعي هو أول كائن بشري دخل إلى أوروبا قبل 1,6 مليون عام.

البشر في أفريقيا بعد الإنسان العامل

آخر مستحاثة للإنسان العامل في أفريقيا تعود إلى ما قبل 1,4 مليون عام. بعد ذلك هناك نقص في المستحاثات البشرية في أفريقيا. هناك مستحاثة عثر عليها في Daka في أثيوبيا في عام 1997 تعود إلى ما قبل مليون عام تقريبا، ولكن يبدو أن الباحثين لا يصنفون هذه المستحاثة مع الإنسان العامل (الإنسان المنتصب الأفريقي) ولكنهم يصنفونها مع الإنسان المنتصب الآسيوي:

جمجمة Daka

http://www.nature.com/nature/journal/v416/n6878/full/416317a.html

The genesis, evolution and fate of Homo erectus have been explored palaeontologically since the taxon’s recognition in the late nineteenth century. Current debate is focused on whether early representatives from Kenya and Georgia should be classified as a separate ancestral species (‘H. ergaster’), and whether H. erectus was an exclusively Asian species lineage that went extinct. Lack of resolution of these issues has obscured the place of H. erectus in human evolution. A hominid calvaria and postcranial remains recently recovered from the Dakanihylo Member of the Bouri Formation, Middle Awash, Ethiopia, bear directly on these issues. These ~1.0-million-year (Myr)-old Pleistocene sediments contain abundant early Acheulean stone tools and a diverse vertebrate fauna that indicates a predominantly savannah environment. Here we report that the ‘Daka’ calvaria’s metric and morphological attributes centre it firmly within H. erectus. Daka’s resemblance to Asian counterparts indicates that the early African and Eurasian fossil hominids represent demes of a widespread palaeospecies. Daka’s anatomical intermediacy between earlier and later African fossils provides evidence of evolutionary change. Its temporal and geographic position indicates that African H. erectus was the ancestor of Homo sapiens.

هناك مستحاثة أخرى شبيهة بهذه المستحاثة الأثيبوبية عثر عليها في Madam Buya في إريتريا. كلتا هاتين المستحاثتين تبدوان أشبه بالإنسان المنتصب الآسيوي، ولهذا السبب بعض الباحثين اقترحوا أن هاتين المستحاثتين تعبران عن هجرة عكسية للإنسان المنتصب من آسيا إلى أفريقيا.

حسب المعلومات التي لدي فإن أقدم المستحاثات البشرية التي وجدت في شمال أفريقيا (مصر + المغرب العربي) تعود إلى ما قبل 700,000 عام تقريبا. هذه المستحاثات هي عبارة عن ثلاثة فكوك سفلية mandibles عثر عليها في تغنيف (ترنفين) في الجزائر وأطلق عليها مسمى “إنسان الأطلس الموريتاني” Atlanthropus mauritanicus (سميت أيضا “الإنسان الموريتاني” Homo mauritanicus). مؤخرا عثر على فكوك شبيهة في الدار البيضاء في المغرب، وهناك أيضا مستحاثات شبيهة عثر عليها في Angamma في شمال تشاد. كل هذه المستحاثات التي عثر عليها في المغرب العربي تصنف الآن مع الإنسان المنتصب، وهي كثيرا ما شبهت بإنسان بكين وإنسان جاوة. كل هذه المستحاثات هي مقترنة بالصناعة الأشولية (أيضا المستحاثات الأثيوبية-الإريترية التي ذكرتها بالأعلى هي مقترنة بالصناعة الأشولية).

فك الإنسان الموريتاني

الخلاصة هي أن “الإنسان العامل” اختفى من أفريقيا قبل 1,4 مليون عام وظهر بدلا منه قبل مليون عام كائنات يشبّهها كثيرون بالإنسان المنتصب الآسيوي. لا أعلم كيف كان الوضع في أفريقيا في الفترة الممتدة بين 1-1,4 مليون عام قبل الوقت الحالي، ولكن المفترض بناء على الأدلة المتوافرة هو أن هذه الفترة كانت فترة انتقالية بين الإنسان العامل (الإنسان المنتصب الأفريقي الباكر) والإنسان الموريتاني (الإنسان المنتصب الأفريقي المتأخر). هذا الانتقال حدث على الأقل في شمال وشمال شرق أفريقيا. لا أدري إن كانت المستحاثات الشبيهة بالإنسان المنتصب (الآسيوي) قد وجدت في شرق أفريقيا وجنوبها أيضا. بالنسبة لغرب ووسط أفريقيا فهذه المنطقة لم يعثر فيها على أية مستحاثات بشرية تعود للعصر الجليدي. حسب ما أعلم فإن أقدم مستحاثة بشرية من غرب ووسط أفريقيا عثر عليها في Iwo Eleru في نيجيريا وهي تعود إلى ما قبل 12,000 عام فقط. بالنسبة للآثار فمنطقة غرب ووسط أفريقيا هي فقيرة بالآثار الألدوية (يبدو أنه لا توجد مواقع ألدوية متفق عليها في هذه المنطقة)، وبالنسبة للآثار الأشولية فهناك بعض المواقع التي عثر عليها في زائير وجمهورية أفريقيا الوسطى ونيجيريا، ولكن تاريخ هذه المواقع متأخر (أقدمها على ما يبدو يعود إلى 200,000 عام قبل الوقت الحالي).

الخلاصة هي أن الإنسان العامل/المنتصب (والأنواع السابقة له أيضا) لم يستوطن وسط وغرب أفريقيا على نطاق واسع. بعض الباحثين يرون أن بيئة وسط وغرب أفريقيا لم تكن مناسبة لحياة البشر الأوائل. هذه المناطق هي عموما مغطاة بالغابات (سواء الغابات الاستوائية المطيرة rain forests أم الغابات النفضية deciduous forests). البشر الأوائل على ما يبدو لم يكونوا يفضلون العيش في الغابات ولكنهم كانوا يفضلون المناطق السهلية العشبية (بما في ذلك السهول العشبية التي تحوي بعض الأشجار والتي تسمى savannas). الخريطة التالية توضح توزع النباتات في أفريقيا:

من هذه الخريطة يظهر أن المناطق السهلية العشبية (باللون الأصفر) والـ savannas (باللون الأخضر الأفتح) توجد في الشرق والجنوب والشمال (المناطق العشبية الشمالية كانت تتوسع كثيرا خلال الفترات المطيرة بحيث كانت تشمل مساحات واسعة من الصحراء الكبرى)، أما المناطق الوسطى والغربية من أفريقيا فهي مغطاة بالغابات. هذا ربما هو سر ندرة المستحاثات البشرية القديمة في وسط وغرب أفريقيا. كل المستحاثات التي تعود للبشر الباكرين والقرود الجنوبية عثر عليها في شرق وجنوب وشمال أفريقيا.

من الأمور الغريبة التي قرأتها أن بعض الباحثين أرجعوا بعض الصناعات الحجرية في غرب أفريقيا إلى قرود الشمبانزي:

http://voices.yahoo.com/evidence-chimpanzee-stone-age-uncovered-west-211568.html

Evidence of Chimpanzee Stone Age Uncovered in West Africa

Researchers have discovered remnants of a chimpanzee stone age while working along a riverbank in West Africa. This evidence, found in the middle of a rain forest, indicates that the chimpanzee Stone Age started at least 4,300 years ago. This is the first time researchers have found indications of prehistoric ape behavior.

The researchers found over 200 artifacts in Tai National Park, Ivory Coast. They have said that most of these artifacts were used by prehistoric chimps to crack nuts open. Archaeologist Julio Mercader and his colleagues, who found the artifacts, say that the chimps put the nuts on the flat side of one rock, and then smashed the shells with a second rock.

Of this shell-smashing technique, Mercader says “I’d predict that this type of simple bashing technology goes back to a common ancestor of chimps and humans around 6 million years ago.”

ما سبق هو تلخيص للصورة العامة في أفريقيا قبل زمن إنسان هايدلبرغ. هناك نقص في الأدلة والصورة العامة هي غير واضحة. كثير من الباحثين على ما يبدو يفترضون أن هناك علاقة بين الإنسان الطليعي والإنسان الموريتاني. بعضهم يعتبرون هذين الكائنين نوعا واحدا. بعض الباحثين يرون أن الإنسان الطليعي هاجر إلى أوروبا من أفريقيا. هذا الطرح في رأيي هو منطقي إذا افترضنا أن الإنسان الطليعي هاجر من المغرب العربي إلى إسبانيا، أما لو رفضنا فكرة الهجرة المباشرة من المغرب العربي إلى أوروبا الغربية فأنا لا أدري ما هو الدليل الذي يدعونا للافتراض بأن الإنسان الطليعي جاء إلى أوروبا من أفريقيا؟ لماذا لا نقول أنه جاء من غرب آسيا؟ من الممكن أن نتخيل أن هجرة حصلت من غرب آسيا نحو أوروبا ونحو أفريقيا أيضا. هذا يفسر التشابه الشكلي بين الإنسان الموريتاني وبين الإنسان المنتصب الآسيوي.

الإنسان الأول في غرب آسيا

أقدم مستحاثة بشرية في غرب آسيا هي مستحاثة Dmanisi في جورجيا التي أشرنا إليها سابقا (والتي سميت Homo georgicus). بعد هذه المستحاثة النادرة لا توجد حسب علمي أية مستحاثات مهمة من غرب آسيا تسبق مستحاثة الإنسان المنتصب التي عثر عليها في” الندوية عين عسكر” في منطقة الكوم شمال تدمر، والتي يقال أن عمرها يبلغ 450,000 عام.

المديرية العامة للآثار والمتاحف في سورية أطلقت على هذه المستحاثة مسمى “إنسان الندوية”.

Nadaouiyeh skull human fossil

إنسان الندوية (الإنسان المنتصب الآسيوي)

بعد ذلك هناك مستحاثة “إنسان الجليل” التي عثر عليها في مغارة الزطّية في جليل فلسطين. هذه المستحاثة تصنف عادة مع إنسان نياندرثال ولكن الآن هناك من يصنفونها مع إنسان هايدلبرغ، ويقال أن عمرها يتراوح بين 300,000-200,000 سنة.

إنسان الجليل

ما يلي تلخيص للتاريخ الأثري الباكر لغرب آسيا:

http://www.assemblage.group.shef.ac.uk/issue8/chauhan.html

The distribution of the Acheulian in West Asia is generally restricted to Transcaucasia, eastern Anatolia, and the Levant. The evidence from Iran is limited and only isolated bifaces have been collected (Smith, 1986). The various assemblages from this region can be grouped into two general types: core-chopper industries and assemblages with bifaces. The bifacial industries are usually represented as Early Acheulian, Middle Acheulian (only in the Levant), Upper Acheulian, and the Acheulo-Yabrudian (Bar-Yosef, 1998). As in Africa, core-chopper and the Acheulian industries in West Asia are temporally and spatially distributed. In Lebanon and Syria, the Early Acheulian is also recognized as an industry with high occurrences of core-choppers and some crude, large handaxes exhibiting large flake scars and jagged edges. Some of what is known from the regions of Lebanon and Syria was obtained through the study of terraces and the majority of these sites were classified as Early and Middle Acheulian, first on the basis of associated stratigraphy and later through typological characteristics (for example, see Bridgland et al., 2003). At the site of Latamne (Clark, 1969) in Syria, for example, researchers view 500 ka as the latest potential date.

Acheulian bifaces are found as far north as the Jordan Valley of Israel (at ‘Ubeidiya) by 1.4 mya (Bar-Yosef, 1998). The site is located on the edge of the western escarpment of the Jordan Rift valley. The geological structure is an anticline with several folds disturbed by faults. The lithostratigraphy has exposed the lithic and bone assemblages, accumulated within complex alluvial and delta deposits. Another early site is Gesher Benot Ya’aqov, which lies on the eastern edge of a vast, basalt-covered region on the River Jordan in the Hula Valley in Israel (Goren-Inbar and Saragusti, 1996). The cultural layers at this locality are set in a depositional sequence that has collected above a lava flow with normal polarity and dated to ca. 780 kyr (Feibel et al., 1998; Verosub et al., 1998). Along with ‘Ubeidiya, this site is interpreted to be the evidence of a group of hominins that migrated from Africa at the initial level (Bar-Yosef, 1987).

The presence of Mode 1 and Acheulian assemblages in the Arabian peninsula may represent two major dispersal systems outside of Africa – one in the Early Pleistocene and another during the Middle to Late Pleistocene (Petraglia, 2003). Variations in manufacturing techniques and tool-type frequencies may reflect temporal changes in the Acheulian assemblages in this region. Bifaces are reported solely from the western ‘subzones’ where they are made from a variety of materials such as flint, basalt, and metamorphic rocks (Bar-Yosef, 1998). The Early Acheulian here was traditionally defined by the recognition of Mode 1 forms and crude bifaces, and the presence of some ovate and cordiform handaxes (Petraglia, 2003).

______________________________________

http://rstb.royalsocietypublishing.org/content/366/1567/1038.full

The evidence of the Levantine Corridor

The Levantine Corridor furnishes abundant information on the Acheulian Technocomplex. Over 360 find spots are known from an area of about 22 000 km2, located in different phytogeographic and climatic zones. Yet, the antiquity of the Acheulian record, the massive impact of tectonic activity on the Dead Sea Rift and a variety of taphonomic processes make research of the Acheulian culture a difficult task. The Levantine Acheulian begins ca 1.5 Ma at the site of ʿUbeidiya and ends ca 200 Ka as attested by the Acheulo-Yabrudian site of Qesem Cave.

The identity of the hominins who produced the Levantine Acheulian culture remains unknown. The sites have furnished only scanty skeletal remains, including a few teeth from the Early Acheulian site of ʿUbeidiya, a single right femur shaft (Layer Ea) and a molar tooth (Layer Eb) from the Acheulo-Yabrudian site of Tabun Cave and several teeth from the Acheulo-Yabrudian site of Qesem Cave. The ‘Galilee Man’ skull found at Zuttiyeh Cave is attributed to an Acheulo-Yabrudian context. One may speculate that in the Early and Middle Pleistocene more than one hominin species produced the Acheulian material culture, owing to the great temporal depth and the fact that different hominin types have been identified in association with Acheulian cultural remains. Possible candidates are Homo erectus (senso lato), Homo heidelbergensis, ‘Galilee Man’, or other unknown fossil species. Furthermore, there is always the possibility of the temporal co-existence of several hominin types.

أقدم آثار الصناعة الأشولية في منطقة “المشرق” Levant (التي يقصد بها في الكتابات الغربية منطقة سورية الكبرى) عثر عليها في العبيدية في وادي الأردن، ويعتقد أن عمرها 1,4 مليون عام. بالنسبة لسورية فأنا وجدت أن الصناعة الأشولية في منطقة الكوم (قرب تدمر) بدأت قبل مليون عام، ولا أدري إن كانت هناك آثار أشولية أقدم من ذلك في سورية.

على ما يبدو فإن الصناعة الأشولية في منطقة سورية ولبنان تشبه الصناعة الأشولية الأوروبية والشرق آسيوية، بمعنى أنها أكثر بدائية من الصناعة الأشولية الأفريقية والفلسطينية والهندية.

الإنسان المنتصب المتأخر في فلسطين كان قريبا عرقيا من الإنسان المنتصب في شرق آسيا:

http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/8333489

We analyze the phylogenetic position of the frontofacial fragment from Zuttiyeh, Israel. This specimen is dated to the Middle Pleistocene (the latest estimate is between 250 and 350 kyr) and is associated with the Acheulo-Yabrudian, which makes it the oldest cranium from the region. It has been previously regarded as a Neandertal, and early “anatomically modern Homo sapiens,” and a generalized specimen ancestral to both. These different phylogenetic interpretations of its features have a historic basis but in our view also result from a confusion of grade and intraspecies clade as valid sources of variation. We show here that generally the differences that distinguish Zuttiyeh from Neandertals are similarities it shares with the Zhoukoudian remains. These similarities involve a unique combination of features, and suggest the possibility of an ancestral relationship. It is less likely that Middle Pleistocene remains from Europe or sub-Saharan Africa are uniquely or significantly ancestral to Zuttiyeh [...] The hypothesis of a recent unique African ancestry for all modern humans is disproved by our study, which shows Asia as a significant source area for at least some living populations.

هذه الدراسة قارنت جمجمة “إنسان الجليل” مع الجماجم الأخرى من حول العالم، والنتيجة التي ظهرت هي أن أقرب الجماجم إلى إنسان الجليل هي جمجمة إنسان بكين التي عثر عليها في مغارة Zhoukoudian. أصحاب هذه الدراسة هم من أنصار نظرية الأصل المتعدد للبشر multiregional hypothesis وهم يوحون في كلامهم بأن جمجمة إنسان الجليل نشأت من اختلاط عرق شبيه بإنسان بكين مع عرق آخر شبيه بإنسان نياندرثال. طبعا العرق الأول هو الأقدم ولهذا السبب هم اعتبروه أصل هذه الجمجمة.

هذه النتيجة تتناسق بشكل رائع مع الكلام التالي حول مستحاثة إنسان الندوية:

http://elkowm.unibas.ch/Bilder/Publikationen/short-summary-2006.pdf

After discovering a significant skull fragment of Homo erectus in the region of El Kowm at Nadaouiyeh Ain Askar in 1996, it became clear that a second route was also used for migrations towards the East. This is all the more obvious because the H. erectus bone shows typical Far-Eastern characteristics.

مستحاثة إنسان الندوية (التي هي أقدم من إنسان الجليل) تشبه إنسان بكين. هذه المستحاثة تعبر ربما عن سكان منطقة غرب آسيا قبل الاختلاط مع العرق الشبيه بإنسان نياندرثال، الذي هو ربما إنسان هايدلبرغ.

إذن سكان غرب آسيا قبل حوالي نصف مليون عام كانوا عرقا وسطيا بين إنسان بكين (الآسيوي) وإنسان هايدلبرغ (الأفريقي). يجب أن نربط هذا الكلام بما قاله كثير من الباحثين عن التشابه بين مستحاثات الإنسان الموريتاني وإنسان بكين. أيضا يجب أن نتذكر الدراسة التي قالت أن جمجمة Daka في أثيوبيا هي أقرب للإنسان المنتصب الآسيوي.

الدلائل تشير إلى أن هناك عرقا بشريا مختلطا (آسيوي-أفريقي) كان يسكن غرب آسيا وشمال أفريقيا والهضبة الأثيوبية منذ مليون عام قبل الوقت الحالي على الأقل. الإنسان الموريتاني أو الإنسان المنتصب الأفريقي المتأخر ينتمي لهذا العرق، وربما أيضا الإنسان الطليعي في أوروبا.

طبعا هذه النتيجة لا تعجب كثيرا من الباحثين المعاصرين. هم لا يقبلون فكرة التزاوج بين الأعراق البشرية القديمة ويفترضون أن كل الأعراق أو الأنواع البشرية نشأت في أفريقيا حصرا ودون تأثير من آسيا، ولا أدري لماذا.

إنسان روديسيا

الجيل البشري التالي للإنسان العامل في شرق وجنوب أفريقيا يسمى “إنسان روديسيا” Homo rhodesiensis (كلمة Rhodesia هي تسمية بريطانية قديمة لكل من زامبيا وزيمبابوي). هذا الكائن هو مهم لأن كثيرا من الباحثين يعتقدون أن البشر المعاصرين يتحدرون منه.

إعادة بناء لإنسان روديسيا

في الأصل كلمة “إنسان روديسيا” كانت تطلق على مجموعة من المستحاثات التي لا يتجاوز عمرها 300,000 عام، ولكن في الآونة الأخيرة برز توجه لإعطاء هذه المستحاثات عمرا أقدم.

أقدم مستحاثة تنسب حاليا لإنسان روديسيا هي ربما جمجمة Bodo في أثيوبيا التي يقال أن عمرها 600,000 عام، وهناك أيضا جمجمة عثر عليها في وكر للضباع في جنوب أفريقيا تسمى Saldanha أو Elandsfontein أو Sea Harvest أو Hopefield. في السابق كانت المصادر تقول أن عمر هذه الجمجمة هو 100,000 عام ولكن هذا المصدر يقول أن عمرها قد يصل إلى نصف مليون عام. هناك أيضا جمجمة Ndutu في تنزانيا التي يقال أن عمرها يبلغ 350,000 عام، وهناك قحف Eyasi 1 في تنزانيا الذي يقول البعض أن عمره يزيد عن 200,000 عام.

أشهر جمجمة لإنسان روديسيا هي Kabwe 1 أو Broken Hill التي عثر عليها في زامبيا (سابقا “روديسيا الشمالية” Northern Rhodesia) والتي قد يصل عمرها إلى 300,000 عام. هذه الجمجمة هي أول جمجمة سميت “إنسان روديسيا” وما يلي بعض صفاتها:

نسخة من جمجمة Kabwe

http://humanorigins.si.edu/evidence/3d-collection/kabwe-1

Kabwe shows features similar to H. erectus such as a low braincase profile (the area towards the back of the skull), large brow ridges, a slight widening of the midface known as the sagittal keel, and a protrusion at the back of the skull named the occipital torus. But Kabwe also resembles modern humans with a flatter, less prognathic face, and larger brain (1300 cubic centimeters).

إنسان روديسيا يشبه إنسان هايدلبرغ، ولهذا السبب غالبية الباحثين حاليا يعتبرون هذين الكائنين نوعا واحد يطلقون عليه مسمى إنسان هايدلبرغ. أقدم المستحاثات التي تنسب لإنسان روديسيا حاليا يبلغ عمرها 500,000-600,000 عام، وهذا أيضا هو عمر أقدم مستحاثات إنسان هايدلبرغ في أوروبا.

كثير من الباحثين يصنفون مستحاثات الإنسان المنتصب الأفريقي المتأخر التي عثر عليها في أثيوبيا وإريتريا والمغرب العربي مع إنسان روديسيا/هايدلبرغ، أو على الأقل هم يعتبرونها شكلا باكرا منه.

الشكل التالي يعبر عن بعض وجهات النظر حول تصنيف المستحاثات البشرية:

Human evolution

هذا الشكل لا يغطي كل المستحاثات ولا يغطي كل الآراء، لأن بعض الباحثين مثلا يرفضون اعتبار الإنسان الجورجي شكلا بدائيا من الإنسان المنتصب.

نظرية الأصل المزدوج لإنسان روديسيا/هايدلبرغ

النظرية السائدة إعلاميا تعتبر التزاوج بين الأنواع البشرية القديمة أمرا مستحيلا، وبالتالي إنسان روديسيا/هايدلبرغ هو كائن أفريقي بحت ليست له أية جذور آسيوية.

أنا بصراحة أشك في هذا الطرح وأظن أن إنسان روديسيا/هايدلبرغ قد يكون من أصل هجين آسيوي-أفريقي.

ما يبدو لي هو أن حال البشر قبل مليون عام كانت تشبه حالهم اليوم.

اليوم هناك في العالم ثلاثة أعراق كبرى هي العرق الأفريقي والعرق الآسيوي والعرق الأوروبي. أنا أظن أن تقسيما شبيها بهذا التقسيم كان موجودا قبل مليون عام (كما تفترض نظرية الأصل المتعدد multiregional hypothesis).

العرق الآسيوي القديم يتمثل بإنسان بكين، والعرق الأفريقي القديم يتمثل بالإنسان العامل، والعرق الأوروبي القديم يتمثل ربما بالإنسان الطليعي.

لاحقا حصل “امتزاج عرقي” أدى إلى ظهور “الإنسان الموريتاني” في شمال أفريقيا والهضبة الأثيوبية، و”إنسان الجليل” في فلسطين.

الإنسان الموريتاني يشبه من حيث أصوله العرق الذي يسكن اليوم في شمال أفريقيا والهضبة الأثيوبية (الذي يسمى بـ”العرق الحامي” حسب التسميات الرائجة في بدايات القرن العشرين).

العرق الموريتاني المختلط في أفريقيا هو ربما الذي تحول لاحقا إلى إنسان روديسيا/هايدلبرغ.

العرق المختلط كان يستخدم الصناعة الأشولية (التي هي أفريقية الأصل)، وأما العرق الآسيوي فكان يستخدم صناعة ألدوية حتى مليون عام قبل الوقت الحالي، وبعد ذلك بدأ هذا العرق يستخدم صناعات شبيهة بالصناعة الأشولية ولكنها ذات جودة رديئة. نفس الأمر ينطبق على العرق الأوروبي (الطليعي).

السيناريو التالي يلخص الأحداث حتى زمن انتشار إنسان هايدلبرغ:

  • الهجرة الأولى للبشر كانت قبل حوالي مليوني عام من أفريقيا إلى غرب آسيا. البشر الذين هاجروا في هذا الوقت كانوا يحملون صناعة ألدوية (ينتمون إلى “الإنسان الجورجي” Homo georgicus المتحدر من الإنسان الماهر أو إنسان رودولف).
  • قبل حوالي 1,8 مليون عام بدأ البشر المتحدرون من الإنسان الجورجي يهاجرون من غرب آسيا نحو شرق آسيا وأوروبا. هذه الهجرات هي سبب وصول الصناعة الألدوية إلى شرق آسيا وأوروبا (هذه الهجرات الباكرة تفسر وجود الأدوات الألدوية في أوروبا قبل 1,6 مليون عام). هذه الهجرات أدت إلى نشوء العرق الآسيوي (إنسان بكين) والعرق الأوروبي (الإنسان الطليعي).
  • في نفس هذا الوقت تقريبا ظهرت الصناعة الأشولية في شرق أفريقيا. هذه الصناعة امتدت ووصلت إلى فلسطين قبل حوالي 1,4 مليون عام (ربما بسبب هجرات العرق الأفريقي من شرق أفريقيا نحو الشمال). إنسان الجليل والإنسان الموريتاني يعبران عن الاختلاط العرقي بين سكان أفريقيا وآسيا الذي بدأ منذ ذلك الوقت.
  • قبل حوالي مليون عام بدأ العرق الموريتاني المختلط يتحول إلى إنسان هايدلبرغ، وفي نفس هذا الوقت تقريبا بدأ انتشار الصناعة الأشولية في آسيا وأوروبا (ما يعبر عن انتشار إنسان هايدلبرغ في آسيا وأوروبا). في النهاية الصناعة الآشولية غطت مساحة واسعة تمتد من الهند إلى غرب أوروبا.

هذا السيناريو يتوافق مع رأي الباحثين الذين يقولون أن إنسان هايدلبرغ ليس متحدرا من الإنسان الطليعي. أنا أؤيد هذه الفكرة لأنها تتوافق مع الأدلة. إنسان هايدلبرغ كان يستخدم أدوات مختلفة عن أدوات الإنسان الطليعي. أدوات إنسان هايدلبرغ يعود أصلها إلى أفريقيا (ما يدل على أصله الأفريقي أو الشرق أوسطي)، أما الإنسان الطليعي فكان يستخدم أدوات بدائية تشبه الأدوات التي يستخدمها سكان شرق آسيا.

هناك معلومة مهمة وهي أن الأدوات البدائية غير الأشولية ظلت مستخدمة في أوروبا حتى بعد وصول إنسان هايدلبرغ والأدوات الأشولية. الباحثون يسمون هذه الصناعة المتأخرة باسم Clactonian Industry. هذه الصناعة غير الأشولية بدأت في أوروبا قبل 400,000 عام تقريبا وهي كانت معاصرة للصناعة الأشولية. من هم أصحاب هذه الصناعة؟ من الممكن أن هذه الصناعة تعبر عمن بقي في أوروبا من سكانها الأصليين (الإنسان الطليعي).