أرشيف ‘تاريخ’ التصنيف

في مقال سابق تحدثت عن موضوع البطريركية (حكم الذكور) وذكرت النظرية التي تربط ظهور البطريركية بظهور مفهوم الأبوة قبل بضعة آلاف من السنين.

هيمنة الذكور على الإناث هي موجودة لدى الكثير من الحيوانات، بما في ذلك الرئيسيات (هي موجودة لدى كل القرود الكبيرة great apes).

هل ظهور الهيمنة الذكورية لدى القرود هو مرتبط باكتشاف الأبوة؟

لا أظن ذلك. هذا الكلام ليس له معنى.

على ما يبدو فإن الهيمنة الذكورية في عالم الحيوان هي فرع من ظاهرة أعم هي ظاهرة الطبقية dominance hierarchy.

المجتمعات الحيوانية عموما لا تقوم على مبدأ المساواة بين الأفراد egalitarianism، ولكنها تقوم على الطبقية.

إذا كانت هناك عدة طبقات في المجتمع فهذا يسمى linear dominance hierarchy، وإذا كان هناك فرد واحد يتحكم بكل المجتمع فهذا يسمى despotism.

القرود لا تعرف شيئا اسمه المساواة. هناك دائما تفاوت طبقي في مجتمعات القرود.

ما يحدد طبقة القرد هو خصائصه الجسمانية (حجمه وقوته إلخ). القرد الأقوى يتحكم بالقرد الأضعف.

القرد الأقوى يحصل على حصة أكبر من الغذاء، ويحصل على فرص أكبر للتزاوج مع الإناث.

هيمنة الذكور على الإناث في مجتمع القرود هي مرتبطة ربما بثنائية الشكل الجنسية sexual dimorphism. القرود الذكور هم أقوى بدنيا من الإناث، وهذا ربما هو سبب هيمنتهم على الإناث.

الباحثون يرون أن ثنائية الشكل الجنسية تنشأ في مجتمع لا يطبق الزواج الأحادي monogamy.

معنى الزواج الأحادي هو أن يتزوج الذكر من أنثى واحدة فقط. في حال عدم تطبيق الزواج الأحادي فإن الذكر يسعى للتواصل جنسيا مع عدد كبير من الإناث.

الإناث في أغلب أنواع الحيوانات هن أكثر انتقائية من الذكور في موضوع التزاوج، بمعنى أن الأنثى تضع معايير عالية نسبيا للذكر الذي يمكن أن تقبل بالتزاوج الجنسي معه. هذه الظاهرة تسمى mate choice.

السؤال هو لماذا تضع الإناث معايير أعلى من معايير الذكور للتزاوج الجنسي؟

الجواب هو نظرية تسمى parental investment. هذه النظرية تقول أن الإناث ينفقن من الوقت والجهد في موضوع التكاثر أكثر مما ينفقه الذكر، وبالتالي الأنثى يجب أن تكون أكثر حذرا من الذكر في اختيار شريكها الجنسي لأن هناك كما أكبر من المخاطرة في عملية التكاثر بالنسبة لها.

تشارلز داروين ميز بين ظاهرتين تتحكمان في عملية التطور:

  • الانتخاب الطبيعي natural selection
  • الانتخاب الجنسي sexual selection

معنى الانتخاب الطبيعي هو أن التطور evolution يفضل الخصائص التي تناسب بقاء النوع survival of species. مثلا التطور يفضل زيادة الذكاء عند البشر لأن الذكاء يناسب بقاء البشر. أيضا التطور يفضل البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية لأن البكتيريا التي لا تقاوم المضادات الحيوية هي عرضة للفناء. التطور يفضل الحشرات المقاومة للمبيدات الحشرية لأن الحشرات التي لا تقاوم المبيدات الحشرية ستفنى، وهكذا.

الانتخاب الجنسي يتعلق بمعدل تكاثر الفرد reproductive success. التطور يفضل الأفراد القادرين على التكاثر بشكل أكبر من غيرهم.

الفرد الذي ينجب أكثر من غيره هو “أنسب” في منظور الانتخاب الجنسي. مفهوم المناسبة fitness هو جوهري في نظرية التطور (شعار نظرية التطور هو “البقاء للأنسب” survival of the fittest). أي شيء إيجابي من منظور الانتخاب الطبيعي أو الانتخاب الجنسي يجعل الفرد أنسب من غيره.

الذكر الأنسب في منظور الانتخاب الجنسي هو الذكر الأقدر على إنجاب الأبناء. لهذا السبب ذكور الحيوانات يسعون للتزاوج مع أكبر عدد ممكن من الإناث، لأن هذا يزيد من تكاثرهم وبالتالي “مناسبتهم”.

الأمور التي تجعل الذكر أنسب يمكن أن تجعل الأنثى أقل مناسبة. مثلا التزاوج المكثف يجعل الذكر أنسب لأنه يزيد من احتمالات تكاثره، ولكن التزاوج المكثف يمكن أن يضر بالأنثى، وبالتالي لدينا هنا تضارب في المناسبة بين الذكر والأنثى. مثل هذه الحالة تسمى sexual conflict أو sexual antagonism.

التزاوج المكثف هو من حيث المبدأ يفيد الأنثى كما الذكر، لأن مصلحة الأنثى هي إنجاب أكبر عدد ممكن من الأبناء، ولكن الإنجاب بالنسبة للأنثى هو مسألة عالية المخاطرة لأنه يتضمن عدة مراحل طويلة (حمل وولادة وإرضاع). لو فرضنا أن الأنثى خسرت طفلها أثناء الولادة فهذا يعني أنها أضاعت شهور الحمل التسعة دون أن تستفيد منها شيئا (ناهيك عن الأضرار البدنية والصحية). الذكر خلال تسعة شهور يمكنه نظريا أن يتزاوج مع آلاف الإناث (وبالتالي ينجب آلاف الأبناء) دون أن يخسر شيئا يذكر من الناحية البدنية والصحية، أما الأنثى فهي تعطل نفسها لمدة تسعة شهور على أمل إنجاب طفل واحد فقط، أي أن هناك فرقا كبيرا في نسبة المخاطرة.

هذا هو معنى نظرية الاستثمار الوالدي parental investment. فرص التكاثر بالنسبة للأنثى هي محدودة مقارنة مع الذكر، وبالتالي الأنثى يجب أن تكون أكثر حرصا في استثمار الفرص. لو تزاوجت الأنثى مع ذكر مريض أو ضعيف فهذا يزيد من احتمالات موت الطفل أو فشله تكاثريا، وبذلك تكون الأنثى قد خسرت مناسبتها (فشل الأنثى في التكاثر يعني أنها غير مناسبة).

بما أن الإناث هن أكثر انتقائية من الذكور فهذا يؤدي إلى ظهور التنافس بين الذكور على الإناث. التنافس بين الذكور هو محفز تطوري من شأنه تغيير أشكال الذكور نحو أشكال تساعد على كسب الإناث، وهذا هو سبب ظهور ثنائية الشكل الجنسية.

ما يلي من ويكيبيديا:

The sexual selection concept arises from the observation that many animals evolve features whose function is not to help individuals survive, but help them to maximize their reproductive success. This can be realized in two different ways:

  • by making themselves attractive to the opposite sex (intersexual selection, between the sexes); or
  • by intimidating, deterring or defeating same-sex rivals (intrasexual selection, within a given sex).

Thus, sexual selection takes two major forms: intersexual selection (also known as ‘mate choice’ or ‘female choice’) in which males compete with each other to be chosen by females; and intrasexual selection (also known as ‘male–male competition’) in which members of the less limited sex (typically males) compete aggressively among themselves for access to the limiting sex. The limiting sex is the sex which has the higher parental investment, which therefore faces the most pressure to make a good mate decision.

الصراع بين الذكور للوصول إلى الإناث يتجسد بشكلين، شكل سلمي يقوم على مبدأ السعي لكسب إعجاب الإناث (هذا الشكل يسمى intersexual selection)، وشكل آخر غير سلمي يقوم على مبدأ إقصاء المنافسين بالقوة (هذا الشكل يسمى intrasexual selection).

طاووس ذكر يستعرض جماله أمام أنثى بهدف إغرائها جنسيا. مثال الطاووس هو من الأمثلة التي طرحها داروين في كتابه The Descent of Man and Selection in Relation to Sex الذي شرح فيه مفهوم الانتخاب الجنسي. ريش الطاووس المزركش ليست له فائدة في موضوع بقاء النوع بل على العكس هو يعيق بقاء النوع بسبب حجمه الكبير وصعوبة التصرف به، بالتالي داروين رأى أن هذا الريش لا يمكن تفسيره وفق مبدأ الانتخاب الطبيعي. داروين رأى أن هذا الريش هو مثال على الانتخاب الجنسي لأن وظيفته في الأصل هي إغراء الإناث بهدف إقناعهن بالتزاوج مع هذا الذكر دون غيره.

الذكر على اليمين والأنثى على الشمال. هذه الصورة تبين ثنائية الشكل الجنسية لدى الطائر المسمى Common Pheasant

الصراع السلمي لكسب إعجاب الإناث يؤدي في المحصلة إلى “تحلية” الذكور وجعلهم أكثر جاذبية للإناث، أما الصراع غير السلمي فيؤدي إلى تنمية القوة البدنية للذكور وجعلهم أكثر قدرة على القتال والعراك. النوع الثاني تحديدا هو الذي أدى إلى هيمنة الذكور على الإناث، لأن الصراع البدني المستمر بين الذكور جعلهم أقوى بدنيا من الإناث، وفي عالم الحيوان الأقوى بدنيا يتحكم بالأضعف.

ما سبق هو نظرية تقليدية تفسر ظهور الهيمنة الذكورية على الإناث. هناك نظريات أخرى غير هذه النظرية، ولكن الآن أنا لن أتطرق سوى لهذه النظرية.

الزواج الأحادي

الزواج الأحادي monogamy هو ظاهرة نادرة نسبيا في عالم الحيوان. من مميزات الكائنات التي تمارس الزواج الأحادي أنها لا تبدي قدرا كبيرا من ثنائية الشكل الجنسية. بعض الباحثين يقولون أن ثنائية الشكل الجنسية قلت تدريجيا في مستحاثات الجنس البشري منذ زمن القرود الجنوبية وحتى يومنا هذا، ما يدل على أن الزواج الأحادي ليس ميزة أصلية في عائلة القرود الكبيرة ولكنه بدعة ظهرت لدى الجنس البشري.

أنا في السابق ورطت نفسي وذكرت نظرية تتعلق بسبب ظهور الزواج الأحادي لدى البشر. هذا الموضوع ما كان يجب أن أخوض فيه لأنه موضوع جدلي وفيه كلام كثير.

النظرية التي ذكرتها سابقا حول سبب ظهور الزواج الأحادي هي نظرية تقليدية شائعة، ولكنها ليست محل إجماع. هناك باحثون يرفضون هذه النظرية ويطرحون نظريات أخرى.

بعض الباحثين يرون أن هناك علاقة بين نمط ترحال الإناث female ranging patterns وبين ظهور الزواج الأحادي. في رأي هؤلاء أن الزواج الأحادي يظهر عندما يعجز الذكر عن مجاراة ترحال الإناث وتنقلاتهن، خاصة وأن هناك ذكورا آخرين ينافسونه عليهن. عندما يكون انتشار الإناث واسعا فإن المحافظة عليهن تصبح صعبة والأسهل هو الاكتفاء بأنثى واحدة (وفقا لمنطق هذه النظرية).

هناك باحثون يرون أن السبب الرئيسي لظهور الزواج الأحادي هو حماية الأطفال الرضع من القتل:

http://www.pnas.org/content/early/2013/07/24/1307903110

Although common in birds, social monogamy, or pair-living, is rare among mammals because internal gestation and lactation in mammals makes it advantageous for males to seek additional mating opportunities. A number of hypotheses have been proposed to explain the evolution of social monogamy among mammals: as a male mate-guarding strategy, because of the benefits of biparental care, or as a defense against infanticidal males. However, comparative analyses have been unable to resolve the root causes of monogamy. Primates are unusual among mammals because monogamy has evolved independently in all of the major clades. Here we combine trait data across 230 primate species with a Bayesian likelihood framework to test for correlated evolution between monogamy and a range of traits to evaluate the competing hypotheses. We find evidence of correlated evolution between social monogamy and both female ranging patterns and biparental care, but the most compelling explanation for the appearance of monogamy is male infanticide. It is only the presence of infanticide that reliably increases the probability of a shift to social monogamy, whereas monogamy allows the secondary adoption of paternal care and is associated with a shift to discrete ranges. The origin of social monogamy in primates is best explained by long lactation periods caused by altriciality, making primate infants particularly vulnerable to infanticidal males. We show that biparental care shortens relative lactation length, thereby reducing infanticide risk and increasing reproductive rates. These phylogenetic analyses support a key role for infanticide in the social evolution of primates, and potentially, humans.

ظاهرة قتل الأطفال الرضع infanticide هي شائعة في عالم الحيوان (راجع مقالات ويكيبيديا). هذه الظاهرة كانت شائعة أيضا لدى البشر إلى وقت قريب. الباحثون يرون أن هناك أكثر من سبب وراء هذه الظاهرة. أحد الأسباب هو الخوف من الإملاق (الفقر).

في كثير من المجتمعات البشرية كان يتم تقديم الأطفال كقرابين وأضاحي للآلهة. هذه الممارسة كانت شائعة لدى الكنعانيين في سورية الكبرى والمغرب العربي. اليونانيون والرومان كان يرفضون التضحية بالأطفال ويعتبرون هذا عملا بربريا، ولكن رغم ذلك فإن ظاهرة رمي الأطفال الرضع على قارعة الطريق كانت شائعة نسبيا في اليونان وإيطاليا. السبب وراء هذه الظاهرة هو في الأساس سبب اقتصادي. إذا كان الإنسان لا يحتمل كلفة تربية طفل فإنه كان يلقيه على قارعة الطريق (إذا كان الطفل محظوظا فإن الآلهة تنقذه وتهيء له شخصا يربيه كما ورد كثيرا في القصص اليونانية القديمة).

المصريون القدماء كانوا لا يقبلون قتل الأطفال الرضع وكانوا يلتقطون الأطفال المرميين في الشوارع والمزابل ويربونهم. الكاتب اليوناني إسطرابون قال أن من خصائص المصريين أنهم يربون جميع الأطفال بلا استثناء. حسب معلوماتي فإن مصر القديمة كانت ربما أغنى بلد في العالم بالغذاء، وهذا ربما يكون السبب الذي جعل المصريين يهتمون بحياة الأطفال.

قتل الأطفال الرضع كان موجودا لدى عرب الجاهلية، بدليل الآية القرآنية التي تقول {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ}. من المعروف أيضا أن العرب كانوا يئدون البنات الرضع لسبب مركب اقتصادي-اجتماعي. بما أن عرب الجاهلية كانوا في الغالب فقراء فمن المتوقع أنهم كانوا يمارسون قتل الأطفال بكثرة نسبية.

قتل الأطفال لسبب اقتصادي هو موجود أيضا في عالم الحيوان. إناث القرود من الممكن أن يقتلن أطفالهن عندما لا يكون هناك غذاء كاف (ومن الممكن حتى للأم أن تأكل طفلها)، ولكن هذا نادر.

قتل الأطفال الرضع في عالم الحيوان يحدث في الغالب لسبب جنسي. الذكور في الغالب هم الذين يقتلون أطفال الإناث، لأن الأنثى في فترة الإرضاع لا تكون قادرة على التزاوج.

إناث غالبية الثدييات لا تمتلك الرغبة الجنسية سوى في فترة محددة من الدورة الشهرية هي الفترة يبلغ فيها إفراز الإستروجين ذروته قبيل الإباضة ovulation. هذه الفترة تسمى فترة النزو أو الشبق estrus. خلال هذه الفترة الأنثى تكون خصبة (مهيئة للحمل والإنجاب).

طبعا الدورة الشهرية لدى إناث غالبية الثدييات لا تأتي في كل شهر. بعض الثدييات تأتيها الدورة مرة واحدة في العام، وهناك ثدييات تأتيها الدورة مرتين أو بضعة مرات في العام. هذه الدورات لا تنتهي بالضرورة بالنزف الطمثي الذي يحوي بطانة الرحم الساقطة (كما هو الحال لدى البشر) ولكنها في الغالب تنتهي دون نزف طمثي. النزف لو حصل فهو يكون خلال فترة الشبق وهو لا يحوي بطانة الرحم (سقوط بطانة الرحم يحصل عند الرئيسيات وبعض أنواع الوطاويط والفيلة). الدورات التي تنتهي بسقوط بطانة الرحم تسمى دورات شهرية menstrual cycles، والدورات التي لا تنتهي بسقوط بطانة الرحم تسمى دورات شبقية estrus cycles. غالبية الثدييات تملك دورات شبقية وليس دورات شهرية. (المعلومة التقليدية التي يعرفها جميع الناس هي أن إناث البشر لا يمتلكن فترات شبق، ولكن في الآونة الأخيرة ظهرت عدة دراسات تقول أن الرغبة الجنسية لدى إناث البشر تزداد قبيل الإباضة، ما يعني أن فترة الشبق هي موجودة لدى البشر ولو بشكل أثري vestigial).

خلاصة ما سبق هي أن الرغبة الجنسية لدى إناث غالبية الثدييات لا تظهر سوى في فترات محدودة من العام. طبعا الشبق لا يمكن أن يحصل لدى الإناث المرضعات. لهذا السبب الذكور كثيرا ما يقتلون الأطفال الرضع بهدف تسريع ظهور الشبق لدى أمهاتهم.

حسب الدراسة التي أشرت إليها في الأعلى فإن طول فترة الرضاعة لدى الرئيسيات أدى إلى زيادة ظاهرة قتل الأطفال الرضع، وهذا بدوره أدى إلى ظهور الزواج الأحادي بهدف التقليل من ظاهرة قتل الأطفال الرضع.

هذه الفكرة لا تتعارض مع النظرية التي طرحتها سابقا. أنا قلت أن هدف الزواج الأحادي هو توفير المساعدة للمرأة خلال الحمل والولادة والإرضاع. حماية طفل المرأة من القتل هو شكل من أشكال المساعدة (هو في الحقيقة أهم أشكال المساعدة لأن المرأة احتاجت للمساعدة أصلا بسبب هذا الطفل).

إنجاب الطفل البشري هو مسألة صعبة من عدة نواح. المرأة لكي تنجب الطفل تحتاج للغذاء والراحة لمدة طويلة، وهي تحتاج لحمايتها وحماية طفلها. ظاهرة قتل الأطفال (سواء لسبب جنسي أم بسبب الإملاق) هي ظاهرة شائعة في تاريخ البشر كما تدل على ذلك الآثار والكتابات التاريخية (بما في ذلك الكتاب اليهودي والقرآن). هذا يدل أكثر على أن إنجاب الأطفال البشريين وتربيتهم لم يكن مسألة سهلة. بالتالي الزواج الأحادي كان ضرورة لحفظ النوع البشري.

البشر عندما انتقلوا إلى الزواج الأحادي خسروا ثنائية الشكل الجنسية، والمتوقع هو أن هيمنة الذكور على الإناث خفت أيضا. المجتمعات البشرية القديمة كانت قريبة من مبدأ المساواة egalitarianism، ولكن التمييز والطبقية وهيمنة الذكور على الإناث هي أمور عادت من جديد بعد ظهور المجتمعات الزراعية قبل بضعة آلاف من السنين. ما هو سبب عودة هذه الأمور؟ أظن أن السبب هو اقتصادي. اكتشاف الزراعة وقيام المجتمعات الإقطاعية أدى إلى زيادة الثروة لدى بعض الأشخاص. هؤلاء الأشخاص صاروا يسعون للتحكم في غيرهم، ومن هنا نشأت الطبقية.

الطبقية تنشئ عندما يكون بعض الناس أقوى من غيرهم. من يمتلك الأراضي الزراعية هو أقوى من الذين لا يملكون شيئا.

بالنسبة للأبوية أو هيمنة الذكور على النساء فهي ظهرت بعد ظهور الإقطاع كما يقول بعض الباحثين. من الممكن أن سبب ظهورها هو اكتشاف فكرة الأبوة. هناك دلائل على أن البشر قديما لم يكونوا يفهمون أن كل طفل له أب وحيد. هم كانوا يظنون أن الطفل الواحد يمكن أن يكون له أكثر من أب (أو ليس له أب مطلقا). عندما فهموا أن الطفل الواحد له أب وحيد تغيرت مقاربتهم لقضايا النساء والزواج.

والله أعلم،

هذا المقال هو خارج السياق الذي كنت فيه ولكنه متعلق بموضوع تطور الإنسان.

________________________________________________________________________________

الرئيسيات

الإنسان ينتمي لرتبة الرئيسيات Primates التي تنتمي لطائفة الثدييات Mammalia.

المقصود بالرئيسيات هو باختصار القرود. الرئيسيات هي في الأصل ثدييات تعيش على الأشجار arboreal، وكل خصائصها هي مناسبة للعيش في بيئة الأشجار.

ما يلي بعض الجوانب الأساسية التي تتميز فيها الرئيسيات عن بقية الثدييات:

  • مجال كبير لحركة المفاصل

الرئيسيات تتميز بمجال كبير لتحريك مفاصلها إلى درجة أن مفاصلها تبدو وكأنها “مخلوعة” مقارنة بمفاصل الثدييات الأخرى. هذه الميزة تسهل على الرئيسيات التنقل بين غصون الأشجار عبر أرجحة الأذرع brachiation. أيضا هذه الميزة تمنح الرئيسيات القدرة على الإمساك prehensility (بأصابع اليدين أو أصابع الرجلين أو حتى الذيل)، وهذا أمر مهم للتعلق بأغصان الأشجار. حاليا الإنسان ما زال يمتلك مرونة عالية في تحريك مفاصله. الإنسان استفاد من المرونة العالية في مفاصل اليدين والأصابع لتطوير صناعة الأدوات، ولكن بالنسبة للمرونة الزائدة في مفاصل الكتفين والحوض فهي أصبحت عمليا بلا فائدة كبيرة لدى الإنسان (إلا لدى لاعبي الجمباز). هذه المرونة الزائدة في الكتفين والحوض هي بقايا vestigial من الزمن القديم الذي كان فيه أسلاف البشر يتأرجحون على الأشجار.

  • الأصابع

الأصابع هي ميزة للرئيسيات. الأصابع هي طويلة وذات مجال حركة واسع، والإبهام بالذات له مجال حركة واسع جدا حيث يمكن تحريكه بحيث يصبح في مقابل الأصابع الأخرى، ما يساعد على الإمساك بالأشياء. الأصابع لا تحوي مخالب ولكنها تحوي أظافر، وتحت كل ظفر هناك رأس إصبع طري يحوي مستقبلات حسية. هذا التكوين لليد والأصابع يساعد على الإمساك بالأشياء بكفاءة.

  • الرؤية المجسمة

الرئيسيات لا تملك حاسة شم قوية ولكنها تملك القدرة على الرؤية المجسمة أو ثلاثية الأبعاد stereoscopic، لأن العينين تنظران في اتجاه واحد نحو الأمام وليس نحو الجانبين كما هو الحال لدى الكثير من الثدييات الأخرى. الرؤية المجسمة هي أمر مفيد في بيئة الأشجار لأن القرد عندما يقفز من غصن إلى غصن يهمه أن يقدر البعد بشكل صحيح لكي لا يسقط على الأرض. أيضا عيون الرئيسيات تملك قدرة عالية على التمييز بين الألوان.

  • كبر حجم الدماغ

الاعتماد الكبير على حاسة الرؤية أدى لتكبير حجم الدماغ لدى الرئيسيات مقارنة ببقية الثدييات، لأن معالجة البيانات البصرية تحتاج للكثير من الخلايا العصبية في قشرة المخ. قشرة المخ لدى الرئيسيات هي كبيرة للغاية وتشكل القسم الأكبر من الدماغ، أما الأجزاء المتعلقة بالشم والتذوق والسمع فهي صغيرة نسبيا.

هذه هي الميزات الأساسية للرئيسيات. بالنسبة للزمن الذي ظهرت فيه الرئيسيات الأولى فهو تقريبا قبل 65 مليون عام (ويقال أيضا قبل 85 مليون عام بناء على الدراسات الجينية). ظروف ظهور الرئيسيات الأولى هي ليست معروفة جيدا بسبب قلة المستحاثات. الرئيسيات الأولى ظهرت في بيئة الأشجار والغابات، وهذه البيئة هي ليست جيدة لحفظ المستحاثات.

تصنيف الرئيسيات

تصنيف الرئيسيات حاليا فيه بعض التعقيد بسبب التغيرات التي طرأت بعد ظهور الدراسات الجينية. الشكل التالي يقدم تصنيفا مبسطا للرئيسيات. التواريخ المذكورة تعبر عن الزمن الذي ظهر فيه كل فرع. هذه التواريخ ليست دقيقة على الإطلاق والهدف منها هو إعطاء تصور تقريبي.

primate tree

الانقسام الأول في الشجرة هو بين prosimians وsimians. كلمة simian هي مشتقة من اللاتينية simia التي تعني “قرد”. كلمة simians تعني حرفيا “القرديات”، وكلمة prosimians تعني “ما قبل القرديات”. المقصود بـ prosimians هو مجموعة من الرئيسيات البدائية الأقل تطورا من simians. كلمة anthropoids تعني “شبيهات الإنسان” وهي مرادف لـ simians.

من الفروق الهامة بين prosimians و simians ما يلي:

  • شكل الوجه

وجه الـ lemur الذي هو نوع من الـ prosimians

الـ prosimians تملك فما وأنفا بارزين نحو الأمام على شكل “بوز”، وعلى هذا البوز توجد “شوارب”، أي أن شكل وجه هذه الكائنات يشبه وجوه القوارض، أما الـ simians فوجوهها تميل للتسطح.

  • موعد الاستيقاظ

الـ prosimians تستفيق في الليل وتنام في النهار، أما المجموعة الثانية فنظامها معاكس.

الانقسام الثاني المهم في شجرة الرئيسيات هو بين apes و monkeys. في الأصل هاتان الكلمتان كلتاهما تعنيان “قرد”، ولكن في البيولوجيا هناك تمييز بينهما. أهم فرق بين apes و monkeys هو أن كائنات المجموعة الأولى لا تمتلك ذيلا، أما كائنات المجموعة الثانية فتمتلك ذيلا (وهذا الذيل يتميز بالمرونة العالية ويمكن استخدامه للتعلق على أغصان الشجر). من الفروق الأخرى أن الـ apes عموما تتميز بأن ذراعيها أطول من رجليها. أيضا الـ apes هي أكبر حجما، وأكبر دماغا، وأكثر ذكاء، وأطول عمرا من الـ monkeys.

الـ apes تسمى أيضاhominoids . هذه التسمية مشتقة من كلمة homō اللاتينية بإضافة اللاحقة –oid، أي أن المعنى اللغوي لهذه الكلمة هو مطابق لمعنى كلمة anthropoids (شبيهات الإنسان).

الـ monkeys تقسم إلى صنفين:

  • قرود العالم الجديد New World monkeys (تعيش في أميركا الوسطى والجنوبية)
  • قرود العالم القديم Old World monkeys (تعيش في أفريقيا وآسيا)

أهم فرق بين هذين الصنفين يتعلق بشكل الأنف. المجموعة الأولى تملك أنوفا عريضة ذات مناخير جانبية، ولهذا تسمى “عريضات الأنف” platyrrhines، والمجموعة الثانية تملك أنوفا ضيقة ذات مناخير متجهة نحو الأسفل، ولهذا تسمى “سفليات الأنف” catarrhines. المجموعة الثاني هي الأقرب للـ apes.

الانقسام التالي هو بين “القرود الكبيرة” great apes و”القرود الصغرى” lesser apes. القرود الصغرى تسمى gibbons أو hylobates. هذه القرود تعيش في جنوب شرق آسيا. ميزتها الأهم هي أنها أصغر حجما من القرود الكبيرة. هذه الكائنات تتميز بأنها تمشي في الغالب على رجلين وترفع ذراعيها للتوازن، أي أنها bipedal كالإنسان. هذه الكائنات تشبه الإنسان أيضا في أنها تميل للزواج الأحادي monogamy (زوجة واحدة لكل ذكر)، ولهذا السبب هي تبدي قدرا ضئيلا من ثنائية الشكل الجنسية sexual dimorphism.

gibbon

الـ gibbons هي ماهرة جدا في التنقل عبر الأغصان brachiation.

من الأمور الغريبة التي أظهرتها الدراسات الجزيئية والجينية أن صلة القربى بين الإنسان والقرود الكبيرة هي أوثق من صلة القربى بين gibbons والقرود الكبيرة.

الرسم التالي يعبر عن التصنيف القديم للـ apes:

هذا التصنيف كان سائدا حتى ستينات القرن العشرين. وفق هذا التصنيف فإن الإنسان يمثل فرعا مستقلا في عائلة الـ apes اسمه بالإنكليزية hominids. بقية الـ apes كانت تصنف تحت عنوان pongids. هذا يعني أن كل الـ apes ما عدا الإنسان تتحدر من أصل مشترك.

ولكن حاليا كل هذا المفهوم سقط من التداول. حاليا كلمة pongids لم تعد تستخدم كتصنيف تفرعي cladistic (بمعنى أنها لم تعد تشير إلى مجموعة تتحدر من أصل مشترك حصري)، وكلمة hominids صارت تضم القرود الكبيرة إلى جانب الإنسان. الدراسات الجزيئية والجينية بينت وجود أصل مشترك للقرود الكبيرة والإنسان كان يعيش قبل حوالي 15 مليون عام (هذا الرقم تقريبي كغيره من الأرقام). الـ gibbons هي ليست متحدرة من هذا الأصل المشترك ولكنها متحدرة من أصل مشترك آخر أقدم.

الأكثر غرابة هو أن صلة القربى بين الإنسان والشمبانزي تفوق صلة القربى بين الغوريلا والشمبانزي. دراسات الـ DNA التي أجريت في ثمانينات وتسعينات القرن العشرين بينت أن القرود الكبيرة المسماة orangutans (باللاتينية Pongo) تمايزت عن القرود الكبيرة وأصبحت كائنات مستقلة قبل تمايز الغوريلات والشمبانزي والإنسان. لاحقا تمايزت الغوريلات عن الأصل المشترك الذي أنتج كلا من الشمبانزي والإنسان، وبعد ذلك تمايز الشمبانزي عن السلالة التي أنتجت الإنسان.

المحصلة هي أن صلة القرابة بين الشمبانزي والإنسان تفوق صلة القرابة بين الشمبانزي والغوريلا. هذه النتيجة الغريبة والمفاجئة دفعت البعض للمطالبة بتصنيف الشمبانزي ضمن جنس الإنسان Homo.

باحثو الجينات يقولون أن نسبة التشابه بين جينوم الإنسان وجينوم الشمبانزي تبلغ 98% (بعضهم أنزلوا هذه النسبة إلى 94-96%). بغض النظر عن نسبة التشابه، المهم هو أن التشابه بين جينوم الإنسان وجينوم الشمبانزي يفوق التشابه بين جينوم الشمبانزي وجينوم الغوريلا.

باحثو الجينات يقولون أن الأصل المشترك للشمبانزي والإنسان كان يعيش قبل 4-6 ملايين عام. هذا الزمن هو قليل نسبيا، وأنا بصراحة لا أثق بالأرقام التي يعلن عنها باحثو الجينات. هناك دراسات أخرى قالت أن الأصل المشترك للشمبانزي والإنسان كان يعيش قبل 13 مليون عام.

Sahelanthropus tchadensis

هناك مستحاثات تعود للفترة التي يقال أن الأصل المشترك للشمبانزي والإنسان كان يعيش فيها. هناك مثلا المستحاثة المسماة “إنسان الساحل التشادي” Sahelanthropus tchadensis التي يعود عمرها لـ 7 ملايين عام. المفترض حسب كلام باحثي الجينات هو أن هذا الكائن كان يعيش في نفس زمن الأصل المشترك للشمبانزي والإنسان (أو قبله)، ومن الممكن أن هذا الكائن هو نفسه الأصل المشترك للشمبانزي والإنسان، ولكن المشكلة هي أن تفسير هذه المستحاثة وتصنيفها هو أمر متعذر وربما مستحيل. هناك الكثير من الآراء المتضاربة حول هذه المستحاثة. هناك حتى من اقترحوا أن هذه المستحاثة تعبر عن غوريلا بدائية proto-gorilla. بصراحة كل الاحتمالات واردة. هذا الكائن ربما كان بالفعل غوريلا بدائية، ومن الممكن أيضا أنه من سلالة الشمبانزي والإنسان قبل تمايز هذين الكائنين، ومن الممكن أنه من سلالة الشمبانزي أو من سلالة الإنسان بعد تمايز هذين الكائنين، ومن الممكن أنه ينتمي لسلالة قردية أخرى منقرضة أو غير منقرضة. أنا لا أثق كثيرا بآراء الباحثين في مثل هذه المواضيع الغامضة.

Ardipithecus ramidus

هناك عدد من المستحاثات القردية المماثلة التي يصعب تصنيفها. هناك مثلا المستحاثة المسماة “القرد الأرضي” Ardipithecus ramidus، وهناك المستحاثة المسماة Orrorin tugenensis. هذه المستحاثات تعود للفترة السابقة لمستحاثات القرود الجنوبية وهي تبدي خصائص شبيهة بالقرود الجنوبية والإنسان (مثلا المشي على رجلين، وغياب الأنياب الكبيرة لدى الذكور). وجود الصفات “الإنسانية” في هذه المستحاثات الباكرة هو أمر مربك لباحثي الجينات، لأنه يدل على أن الصفات الإنسانية كانت موجودة في نفس الفترة التي يقولون أن الأصل المشترك للشمبانزي والإنسان كان يعيش فيها. هذا يوصلنا إلى احتمالين: إما أن هذه المستحاثات تعبر عن الأصل المشترك للشمبانزي والإنسان، وهذا يعني أن الأصل المشترك كان ذا طابع إنساني، وأما الصفات “الغوريلانية” الموجودة لدى الشمبانزي (المشي على أربع والأنياب الذكورية الكبيرة) فهي ظهرت لاحقا، أو أن هذه المستحاثات تنتمي للسلالة الإنسانية بعد تمايزها عن سلالة الشمبانزي. الاحتمال الثاني هو الأكثر منطقية، وبالتالي لا بد أن الأصل المشترك للشمبانزي والإنسان كان يعيش في زمن سابق للزمن الذي يزعم باحثو الجينات أنه كان يعيش فيه.

القرود الكبيرة

القرود الكبيرة great apes هي إذن أقرب الكائنات للبشر. كما قلنا في الأعلى فإن الـ apes كانت تسمى سابقا pongids، وأما كلمة hominids فكان يقصد بها الإنسان والكائنات التي تنتمي لسلالة الإنسان بعد افتراقه عن بقية القرود الكبيرة (مثلا القرود الجنوبية). حاليا كلمة hominids صارت تشمل القرود الكبيرة إلى جانب الإنسان، ولكن بعض الباحثين ما زالوا حتى الآن يستخدمون كلمة hominid بالمعنى القديم الذي ينحصر في الإنسان دون القرود الكبيرة. لهذا السبب يجب التعامل بحذر مع كلمة hominid لأن المقصود بها في كثير من الأحيان هو الإنسان دون القرود الكبيرة. نفس الأمر ينطبق على كلمتي hominines و hominins. غالبية الباحثين حالين يستخدمون كلمة hominin في الإشارة إلى الإنسان وسلالته حصرا، ولكن في الشجرة التي أوردتها في الأعلى هذه الكلمة تشمل أيضا الشمبانزي. السبب هو أن الشجرة التي أوردتها تعكس تصورا حديثا.

الميزات الأهم التي تميز القرود الكبيرة عن بقية الرئيسيات هي أولا حجمها الكبير، وثانيا كثرة نزولها عن الأشجار ومكوثها على الأرض، وثالثا ذكاؤها الكبير نسبيا (هي الأذكى في عالم الحيوان).

القرود الكبيرة تصنع الأدوات، وتمارس الصيد وجمع الثمار، وهي تعيش حياة اجتماعية شبيهة بالحياة الاجتماعية لدى البشر.

باحثة تحمل bonobo

أكبر القرود الكبيرة حجما هي الغوريلا، وأصغرها حجما هو نوع من الشمبانزي يسمى bonobo (يسمى أيضا “الشمبانزي القزم” pygmy chimpanzee). الـ orangutan هو أكثر من يعيش على الأشجار من بين القرود الكبيرة، والغوريلا هي أكثر من يعيش على الأرض (ولكنها تصعد أيضا إلى الأشجار). جميع القرود الكبيرة تمشي على أربع quadrupedal عندما تكون على الأرض. الـ orangutan يفتح كفيه الأماميين ويمشي عليهما عندما يكون على الأرض، وأما الغوريلا والشمبانزي فهما يضمان قبضتيهما الأماميتين ويمشيان عليهما (وهذا يسمى knuckle-walking).

knuckle-walking

عمر القرود الكبيرة هو تقريبا نفس عمر الإنسان (50-60 عاما). فترة الحمل لدى إناث القرود الكبيرة هي نفس فترة الحمل لدى الإنسان (7-9 أشهر). الحمل عادة هو أحادي والتوائم نادرة. الطفل عندما يولد يكون في حال شديدة من العجز ومعتمدا على والدته بشكل كامل. نمو أطفال القرود الكبيرة بطيء مقارنا ببقية الحيوانات. لهذا السبب الطفل يظل ملازما لوالدته لسنوات عديدة. الطفل يمضي 4-5 سنوات مع والدته يتعلم خلالها كيفية الحصول على الغذاء بنفسه، وخلال هذه السنوات هو لا يتحرك بنفسه ولكن أمه هي التي تنقله من مكان إلى آخر. عندما يصبح الطفل قادرا على المشي والحصول على الغذاء بنفسه فإنه لا يفارق والدته بل يظل معها حتى يصبح عمره 10-15 عاما. خلال هذه السنوات هو يتعلم المهارات الاجتماعية وكيفية الحياة في مجتمع القرود.

شمبانزي مع والدته

مجتمعات القرود الكبيرة تقوم على تعدد الزوجات polygamy وعلى النظام الأبوي patriarchy والطبقية. هناك في العادة ذكر واحد ينصب نفسه زعيما على القبيلة أو المجتمع، وهذا الذكر يتحكم بالذكور الآخرين وربما يقوم حتى باحتكار إناث القبيلة لنفسه. الذكور عموما يهيمنون على الإناث. هذا النظام الاجتماعي هو سبب ثنائية الشكل الجنسية sexual dimorphism المشاهدة لدى القرود الكبيرة. أشكال ذكور القرود الكبيرة تختلف كثيرا عن أشكال الإناث. الذكر يكون أكبر حجما من الأنثى، ووزنه قد يصل إلى ضعف وزنها. الذكر له أنياب كبيرة تمنحه شكلا مخيفا، وهو يصدر أصواتا مخيفة ويتصرف بطريقة مخيفة.

orangutan

الـ orangutan هو قرد كبير يعيش في أرخبيل المالاي (في ماليزيا وإندونيسيا). كلمة orangutan هي مأخوذة من اللغات المحلية في ماليزيا وإندونيسيا. أصلها هو orang hutan ومعناها هو “إنسان الغابة”.

الـ orangutan يمضي معظم وقته على الشجر ولا ينزل كثيرا إلى الأرض. لونه هو بني-أحمر. الذكور لهم شوارب، وهناك لحى لدى كل من الذكور والإناث.

الذكر الأكبر (الزعيم) في مجتمع الـ orangutan يسمى “الذكر المطوّق” flanged male، والسبب هو خدوده الضخمة التي تبدو وكأنها طوق يحيط بوجهه. هذه الخدود الضخمة لا تنمو سوى لدى الذكر الأكبر حصرا.

الذكر المطوق لا يسمح بإقامة أحد في منطقته سوى النساء والأطفال. الأطفال الذكور يرحلون عن المنطقة بعد بلوغهم سن الرشد. الذكر المطوق يطلق باستمرار صيحات مميزة تسمى “الصيحات الطويلة” long calls. هذه الصيحات تؤثر على ما يبدو في الأطفال الذكور وتمنع نمو خدودهم. هذه الصيحات تؤثر أيضا في الإناث أثناء فترة النزو أو الشبق estrus (فترة الرغبة الجنسية). الأنثى التي تقيم في أرض الذكر المطوق تتأثر بصيحاته الطويلة عندما تكون في فترة الرغبة الجنسية وتذهب إليه للتزاوج.

إذن الذكر المطوق يمضي وقته في الجلوس وإطلاق الصيحات الطويلة. هذه الصيحات تخيف الذكور وتحضر إليه الإناث الراغبات بالتزاوج. الأنثى بعد التزاوج تحمل وتلد طفلا. هي تربي الطفل بنفسها لسنوات عديدة. الذكر المطوق لا يقدم أي مساعدة لها أو لغيرها من الإناث المقيمات في أرضه. الطفل يتربى على الصيحات الطويلة للذكر المطوق التي تمنع نمو خدوده، وبعد أن يبلغ سن الرشد يرحل عن والدته وعن المنطقة. بعض الإناث البالغات أيضا يرحلن عن المنطقة.

الذكور الراحلون عن أمهاتهم يشكلون جماعات متنقلة. كل جماعة لها زعيم. إذا صادفوا أنثى في فترة الرغبة الجنسية فإنهم يغتصبونها. إذا صادفوا ذكرا مطوقا فزعيمهم يهجم عليه ويحاول أن يطرده من منطقته. لو نجح في ذلك فهو يصبح ذكرا مطوقا مكانه.

الغوريلا

الغوريلات تعيش في أفريقيا. قبيلة الغوريلات تسمى troop. كل قبيلة لها زعيم. الزعيم يسمى silverback لأنه يحمل على ظهره شريطا من الشعر الفضي.

الزعيم في الغالب يطرد جميع الذكور من القبيلة ويستبقي فقط الإناث وأطفالهن، ولكنه أحيانا يسمح للذكور بالبقاء بشرط أن يكونوا تحت إمرته. الزعيم يكون في الغالب محاطا بالإناث اللواتي يتوددن إليه. إذا مات الزعيم فالقبيلة تنتهي والإناث يتشردن. إذا استولى ذكر على أنثى مشردة (إما بسبب موت زعيم قبيلتها أو بسبب هجرتها من القبيلة) فإنه في الغالب يقتل طفلها، لأن الطفل ليس من صلبه (هذا التفسير هو من عند الباحثين).

الإناث في مجتمع الغوريلات هن معتمدات جدا على الذكور، لأن الذكور يوفرون الحماية من الوحوش ومن الذكور الغرباء الذين يقتلون الأطفال. لهذا السبب إناث الغوريلات يتوددن كثيرا إلى الذكور وأحيانا يتقاتلن فيما بينهن على التواصل الجنسي مع ذكر معين. طبعا الذكور أيضا يتقاتلون فيما بينهم على الإناث.

الشمبانزي

الشمبانزي يعيش في أفريقيا. هناك نوعان من الشمبانزي، نوع جسيم robust يسمى الشمبانزي الشائع common chimpanzee، ونوع آخر رشيق gracile يسمى bonobo.

التعداد الكلي لمجتمع الشمبانزي قد يصل إلى 150 فردا، ولكن أفراد المجتمع يتوزعون في مجموعات صغيرة تقوم بمهام محددة (مثلا جمع الثمار أو الصيد إلخ).

مجتمع الشمبانزي هو هرمي. هناك زعيم أكبر (يسمى alpha male)، وتحت هذا الزعيم هناك زعماء أصغر، وتحت هؤلاء الزعماء هناك زعماء أصغر منهم، وهكذا. الهرمية موجودة أيضا لدى الإناث، ولكن إناث المجتمع عموما هن خاضعات للذكور.

ذكور الشمبانزي لا يرحلون عن مجتمعهم، ولكن الإناث هن اللواتي يرحلن ويهاجرن إلى مجتمعات أخرى. هذا يعود ربما إلى أن ذكور الشمبانزي يحتاجون للتعاون فيما بينهم ولذلك هم لا يطردون بعضهم.

مجتمع الشمبانزي هو الأكثر تعقيدا بين مجتمعات القرود. الزعيم الأكبر لا يفرض نفسه بالقوة فقط ولكن بالسياسة أيضا. الزعيم يحاول أن يكسب أفراد المجتمع إلى صفه ويقنعهم بزعامته، ولكن في بعض الأحيان هناك ذكور يتآمرون عليه ويحاولون تدبير انقلاب ضده. لهذا السبب الزعيم غالبا ما يتصرف بعدوانية ويحاول أن يخيف الذكور الآخرين حتى لا يفكروا بالتآمر عليه. هو أيضا يقوم بنفش شعره لكي يجعل شكله مخيفا. عندما يذهب الزعيم في مهمة خارج القبيلة ويعود بعد ذلك إلى القبيلة فإنه يتصرف بعدوانية بالغة. الباحثون يرون أن الزعيم يخشى أن تكون هناك مؤامرة قد دبرت أثناء غيابه ولذلك هو يتصرف بعدوانية في الفترة التالية لعودته.

أكثر ما يهم الإناث هو الحصول على الطعام. الإناث يتقربن من الذكور الرفيعين وذوي المناصب من أجل الحصول على الطعام، وهن يمارسن العملية الجنسية مع الذكور من أجل هذا الهدف. هناك إناث معينات ذوات نفوذ وسيطرة يحصلن على طعام وامتيازات أكثر من سائر الإناث.

هذه الأجواء والتعقيدات تخلق الكثير من المشاكل والنزاعات والمؤامرات في مجتمع الشمبانزي.

إناث الشمبانزي يمارسن العملية الجنسية طوال العام (بغض النظر عن وجود الرغبة الجنسية من عدمها). ممارسة الإناث للعملية الجنسية تزداد عند وصول كمية كبيرة من الطعام إلى القبيلة. الإناث يتهافتن لممارسة العملية الجنسية مع الذكور الرفيعين وأصحاب السيطرة. الذكر الرفيع يمكنه أن يمنع الذكور الأدنى منه من ممارسة الجنس.

ذكور الشمبانزي لا يرحبون بالأطفال الغرباء، وفي حال أتتهم أنثى مهاجرة مع طفلها فإنهم يقتلون طفلها.

كل هذه التصرفات تدل على أن مجتمع الشمبانزي هو مجتمع أبوي للغاية.

أفراد مجتمع الشمبانزي يتواصلون مع بعضهم بشكل مكثف. هم يستخدمون لغة الإشارة والتعبيرات ويستخدمون أيضا الأصوات. الباحثون ميزوا عددا من الأصوات التي يستخدمها الشمبانزي للتواصل فيما بينهم. من هذه الأصوات مثلا صوت يسمى “pant-hoot“. هذا الصوت يدل على الرضى بسبب الطعام أو الجنس أو بسبب تواصل اجتماعي. هناك صوت آخر يسمى “pant-grunt“. هذا الصوت يدل على الخضوع والطاعة وهو يصدر عن الشمبانزي عندما يخاطب فردا يفوقه مكانة. عندما يمر زعيم القبيلة بالقرب من مجموعة من الذكور فإنهم يصدرون هذا الصوت احتراما له. هناك أيضا أصوات أخرى تستخدم في النداء والتحذير وأثناء الصيد إلخ.

طبعا من المعروف أن الشمبانزي قادر على الكلام مع البشر. الباحثون علموا عددا من قرود الشمبانزي لغة الإشارة وتمكنوا من الحديث مع هذه القرود. للمزيد من المعلومات يمكن مراجعة هذا المقال من ويكيبيديا.

قرود الشمبانزي يمكنها أن تتعلم لغة البشر ويمكنها أن ترد على الأسئلة التي توجه إليها، ولكن الشيء الذي تعجز عنه هذه القرود هو طرح الأسئلة من تلقاء نفسها. أنا لطالما كنت أعتقد أن طرح الأسئلة هو أساس التفكير البشري. طرح الأسئلة هو الشيء الحقيقي الذي يميز الإنسان عن سائر الحيوانات (بما في ذلك الشمبانزي). لو كان الشمبانزي قادرا على طرح الأسئلة لكان له عقل مماثل لعقل البشر.

الدراسات والتجارب بينت أن الشمبانزي هو قريب جدا من البشر. الشمبانزي هو متأخر عن البشر بخطوة واحدة وهي عدم قدرته على طرح الأسئلة. لهذا السبب أنا لا أستغرب ما يقال عن التشابه الجيني بين الشمبانزي والإنسان. الشمبانزي هو بالفعل شبيه بالإنسان من نواح عديدة.

حاليا الناس يتربون منذ الصغر على أن الشمبانزي والقرود الكبيرة عموما هي قرود، أي أنها حيوانات وليست بشرا. البشر المعاصرون لديهم تعصب كبير لإنسانيتهم وهم لا يقبلون أي تشبيه لهم بالحيوانات. لهذا السبب كثير من الناس لا يقبلون النظر إلى الشمبانزي على أنه قريب من الإنسان. بعض الكتاب والباحثين انتقدوا هذه النظرة المتعصبة وأطلقوا عليها مسمى speciesism. هذه الكلمة هي مصوغة من كلمة species (نوع) على نمط كلمة racism وsexism. المقصود بمصطلح speciesism هو التعصب العنصري الإنساني ضد الحيوانات. من يستخدمون هذا المصطلح يعتقدون أن بعض البشر يبالغون في التمييز بين البشر والحيوانات.

هناك مجموعة من الناس تطالب بمد حقوق الإنسان لكي تشمل القرود الكبيرة. هذا الرابط هو موقعهم. هم يطالبون بإصدار إعلان من الأمم المتحدة يمنع قتل القرود الكبيرة أو تعذيبها أو حجز حريتها.

التمييز الشديد بين البشر والقرود الكبيرة هو شيء حديث لم يكن موجودا في الماضي. كلمة orangutan هي في الأصل orang hutan. كلمة orang في لغة المالاي تعني “شخص” أو “إنسان”. سكان أرخبيل المالاي كانوا يعتقدون في السابق أن هذه القرود تستطيع الكلام ولكنها لا تتكلم لكي لا يجبرها الناس على العمل. هم أيضا كانوا يعتقدون أن هذه القرود قادرة على التزاوج مع البشر.

كلمة gorilla هي يونانية الأصل Γόριλλαι. هذه الكلمة وردت لدى الكتاب اليونانيين كاسم لشعب من البشر في غرب أفريقيا. الكتاب اليونانيون نقلوا قصة ملاح قرطاجي اسمه Hanno أبحر من قرطاج نحو غرب أفريقيا في القرن الخامس قبل الميلاد. في نهاية رحلته هو وصف شعبا من البشر أطلق عليه مسمى Gόrillai. ما يلي هو النص المتعلق بلقاء Hanno مع الـ Gόrillai:

في الخليج الداخلي كانت هناك جزيرة شبيهة بالتي وصفت سابقا، وفي داخلها بحيرة على نحو مماثل وجزيرة أخرى يسكنها شعب فظ. الإناث كن أكثر بكثير جدا من الذكور، وكانت لهن جلود ثخينة. مترجمونا أسموهم Gόrillai. لقد تبعنا بعض الذكور ولكننا لم نتمكن من أخذ أي منهم. جميعهم هربوا إلى قمة الجروف العالية، التي صعدوا إليها بسهولة وضربونا بالحجارة. لقد أخذنا ثلاثا من الإناث، ولكنهن قاومن بعنف بالغ وعضضن ومزقن الممسكين بهن إلى درجة أننا اضطررنا لقتلهن وسلخنا جلودهن وحملناها إلى قرطاج، لأن مؤونتنا نفدت ولم نعد نستطيع المضي أبعد.

هذا الكلام دار في مكان ما على الساحل الغربي لإفريقيا في القرن الخامس قبل الميلاد. عندما اكتشف الغربيون الغوريلات في غرب أفريقيا في عام 1847 أطلقوا عليها مسمى gorillas بسبب هذه القصة.

على ما يبدو فإن الملاح Hanno ظن أن الغوريلات هي شعب من البشر.

هذا يذكرني أيضا بالقصص التي رواها الكتاب المسلمون عن “النسناس”. الرحالة المسلمون قديما كانوا يرون القرود الكبيرة في بعض الجزر الإندونيسية وفي أفريقيا وكانوا يظنون أنها شعوب من البشر، أو أنها مزيج من البشر والجن، ونحو ذلك. لهذا السبب هناك بلبلة في الكتابات الإسلامية حول موضوع النسناس.

الخلاصة هي أن البشر قديما كانوا في بعض الأحيان يظنون أن القرود الكبيرة هي شعوب من البشر.

مصادر

جميع الرئيسيات primates (القرود) تنمو بسرعة بعد الولادة، وجميعها تستمر في النمو لزمن طويل نسبيا بعد الولادة، ولكن الإنسان يستمر في النمو لزمن أطول من جميع الرئيسيات الأخرى.

القرود تنمو بعد الولادة (وقبلها) بمعدل أسرع من الإنسان، ولكن نموها بعد الولادة يستمر لزمن أقصر.

كثير من الباحثين يعتقدون أن البشر القدماء (كإنسان نياندرثال مثلا) كانوا ينمون بمعدل أعلى من الإنسان المعاصر داخل الرحم وخارجه، ولكن نموهم بعد الولادة كان يتوقف في زمن باكر نسبيا مقارنة بالإنسان المعاصر.

هذه النظرية تفسر كبر دماغ الإنسان المعاصر مقارنة بالبشر القدماء والقرود. طالما أن نمو البشر المعاصرين بعد الولادة يستمر لفترة أطول فهذا يفسر كبر حجم أدمغتهم، حتى لو كان معدل نموهم هو أقل من معدل نمو البشر القدماء والقرود. هذه النظرية تفسر أيضا الملامح الوجهية ذات الطابع الطفولي لدى البشر المعاصرين. نمو الملامح الوجهية يتوقف بعد الولادة، وبما أن معدل نمو البشر المعاصرين داخل الرحم هو بطيء فهذا يفسر عدم نضج ملامحهم.

الدراسة التي أشرت إليها في المقال المعنون “تطور الإنسان (4)” حملت فكرة أخرى. هذه الدراسة رأت أن معدل نمو النياندرثال بعد الولادة كان أسرع من معدل نمو البشر المعاصرين، ولكن زمن توقف النمو هو متماثل، ولهذا السبب أدمغة النياندرثال كانت أكبر من أدمغة البشر المعاصرين.

إعادة بناء لإنسان نياندرثال عثر على جمجمته في كهف شانيدار في كردستان العراق

إنسان نياندرثال

مستحاثات إنسان نياندرثال Homo neanderthalensis هي ربما أولى المستحاثات البشرية القديمة التي عرفها الباحثون الأوروبيون. أول مستحاثة لهذا الكائن وجدت في عام 1829 في بلجيكا، ولكن أشهر مستحاثة هي تلك التي وجدت في عام 1856 في وادٍ قرب مدينة Düsseldorf في غرب ألمانيا اسمه Neander. كلمة Tal بالألمانية تعني “وادي”، وبالتالي عبارة Neandertal تعني “وادي Neander“. كلمة Neander هي مأخوذة من اسم قسيس بروتستانتي ألماني (Joachim Neander) عاش في القرن 17 وسمي الوادي على اسمه. اسم القسيس أصلا كان Neumann (بالإنكليزية: Newman). كلمة Neander هي ترجمة يونانية لكلمة Neumann الألمانية (مصدر هذه المعلومات هو ويكيبيديا).

الكتابة Thal هي كتابة ألمانية قديمة تعود إلى القرن التاسع عشر عندما لم تكن قواعد الهجاء الألمانية المعاصرة قد وضعت بعد. لفظ Thal بالألمانية هو نفس لفظ Tal، وحاليا اسم الوادي يكتب بالألمانية هكذا Neandertal، ولكن الاسم اللاتيني لإنسان نياندرثال صيغ في القرن 19 قبل وضع قواعد الهجاء الألمانية المعاصرة، ولهذا الاسم مبني على الكتابة الألمانية القديمة. التعريب الصحيح للاسم اللاتيني في رأيي يجب أن يكون “نياندرثال” بالثاء لأن الصوت اللاتيني-اليوناني th يعرب إلى ثاء (ولكن اسم الوادي يجب أن يكتب بالتاء “نياندرتال”).

الباحث البيولوجي الألماني Ernst Haeckel اقترح تسمية هذه المستحاثات باسم “الإنسان الغبي” Homo stupidus، ولكن لحسن الحظ فإن هذه التسمية لم تلق رواجا.

مستحاثات إنسان نياندرثال وجدت بكثرة في أوروبا، وحاليا هناك اعتقاد بأن هذا الكائن نشأ في أوروبا من إنسان هايدلبرغ. الصورة التالية من ويكيبيديا توضح بعض المواقع التي وجد فيها إنسان نياندرثال.

تاريخ ظهور إنسان نياندرثال غير واضح ويختلف بين المصادر. السبب على ما أظن هو أن إنسان نياندرثال لم يظهر بشكل مفاجئ ولكنه تطور بشكل تدريجي من إنسان هايدلبرغ. التاريخ التقريبي لظهور إنسان نياندرثال هو 300,000-200,000 عام قبل الوقت الحالي، وأما زمن انقراضه فهو 40,000-30,000 عام قبل الوقت الحالي.

شكل إنسان نياندرثال

الصفات الشكلية لإنسان نياندرثال هي مدروسة بشكل جيد نسبيا. هناك مقال كامل في ويكيبيديا اسمه Neanderthal anatomy. ما يلي بعض المعلومات:

Neanderthal anatomy differed from modern humans in that they had a more robust build and distinctive morphological features, especially on the cranium, which gradually accumulated more derived aspects, particularly in certain isolated geographic regions. Evidence suggests they were much stronger than modern humans, while they were comparable in height; based on 45 long bones from at most 14 males and 7 females, Neanderthal males averaged 164–168 cm (65–66 in) and females 152–156 cm (60–61 in) tall. Samples of 26 specimens in 2010 found an average weight of 77.6 kg (171 lb) for males and 66.4 kg (146 lb) for females.

في السابق كان يعتقد أن إنسان نياندرثال كان يمشي بركب مثنية، ولكن حاليا الدراسات تقول أنه كان يمشي منتصبا دون أن يثني ركبه. طول إنسان نياندرثال يقع ضمن مجال البشر المعاصرين ولكنه أقصر قليلا من المعدل. الباحثون يرون أن قصر أطراف النياندرثال وجسمه الممتلئ هي خصائص تتناسب مع المناخ البارد لأنها تؤدي لتقليل فقدان الحرارة عبر سطح الجسم (وفقا لما يسمى “قاعدةAllen “).

الباحثون يرون أن جسم إنسان نياندرثال كان عضليا وأنه كان أقوى من البشر المعاصرين.

خصائص جمجمة النياندرثال معروفة ومشهورة. الشكل التالي يظهر مقارنة بين جمجمة نياندرثال وجمجمة إنسان معاصر:

جمجمة النياندرثال على اليمين، وجمجمة الإنسان المعاصر على الشمال

جمجمة النياندرثال هي قريبة نوعا ما من جمجمة البشر المعاصرين ولكنها رغم ذلك تحوي بعض الخصائص العتيقة archaic التي تميز الأنواع البشرية القديمة (والقرود أيضا).

الخصائص التشريحية العتيقة

من الخصائص العتيقة التي تميز عظام البشر القدماء عن عظام البشر المعاصرين ما يلي:

  • ثخانة عظام الجمجمة لدى البشر القدماء والقرود مقارنة بجمجمة الإنسان المعاصر.
  • غلاظة عظم الحاجب الذي يكون ضخما وبارزا لدى البشر القدماء والقرود ويشكل حافة ridge فوق محجر العين.

لاحظ الحافة فوق محجر العين supraorbital ridge لدى الشمبانزي ولدى القرد الجنوبي الجسيم Paranthropus ولدى الكائنات البشرية العتيقة، ولاحظ غياب هذه الحافة لدى الإنسان المعاصر.

لاحظ الحافة الشبيهة بالرف فوق عيني الغوريلا

الحافة فوق محجر العين هي ميزة لجميع الرئيسيات primates (القرود)، وهي كانت موجودة لدى كل البشر القدماء وما زالت موجودة إلى يومنا هذا بشكل محدود لدى بعض البشر المعاصرين (مثلا السكان الأصليين لأستراليا). الباحثون يرون أن وظيفة هذه الحافة هي تثبيت عظام الجمجمة وتخفيف التوتر الناشئ عن تقبض العضلات عند مضغ الطعام. هذه الحافة هي بارزة جدا لدى القرود الجنوبية الجسيمة لأن هذه الكائنات كانت متخصصة في المضغ.

  • غياب الذقن لدى البشر القدماء والقرود، بخلاف الإنسان الحديث الذي له ذقن بارزة mental protuberance.

الذقن لدى البشر المعاصرين

الذقن هي ميزة للبشر المعاصرين وهي علامة فارقة يستفيد منها الباحثون للتمييز بين مستحاثات البشر المعاصرين ومستحاثات البشر العتيقين. أشكال الذقن تختلف لدى البشر المعاصرين (بعض البشر المعاصرين لديهم ذقن مشطورة cleft chin لسبب وراثي جيني)، ولكن رغم اختلاف الشكل إلا أن جميع البشر المعاصرين يملكون الذقن البارزة.

هناك عدة نظريات تفسر بروز الذقن لدى البشر المعاصرين:

        • نظرية تقول أن بروز الذقن يهدف لتثبيت عظام الفك وتخفيف التوتر الناشئ عن المضغ وتعويض غياب الرف القردي simian shelf الذي يوجد لدى القرود ويساهم في تثبيت عظام الفك.

      • نظرية تقول أن بروز الذقن يهدف لتخفيف التوتر الناشئ عن نطق الأصوات الشفهية labial sounds، لأن بعض العضلات التي تساهم في نطق هذه الأصوات ترتكز على الذقن.
      • نظرية تقول أن بروز الذقن مرتبط بالانتخاب الجنسي sexual selection (بمعنى أن الذقن هي من الأمور التي تجذب الإناث جنسيا للذكور)، والدليل على صحة هذه النظرية هو أن ذقون الإناث المعاصرات تختلف في الشكل عن ذقون الذكور.

للمزيد حول موضوع الذقن يمكن مطالعة هذا المقال.

  • كبر حجم التجويف الأنفي ومحاجر العينين لدى البشر القدماء والقرود.

من المفارقات أن إنسان نياندرثال كان يملك أنفا ضخما رغم أنه عاش في أوروبا ذات المناخ البارد. المفترض وفق قاعدة Allen أن يكون الأنف ضيقا في المناطق ذات المناخ البارد.

  • بروز الفك الأعلى للأمام prognathism لدى البشر القدماء والقرود، وهذه الخاصية يرافقها ميلان الجبهة إلى الخلف sloping forehead.

الإنسان المعاصر يتميز بوجه مسطح وجبهة عمودية. الباحثون يرون أن نمو دماغ الإنسان أدى إلى بروز جبهته نحو الأمام (لاستيعاب الدماغ النامي)، وهذا أدى لتسطيح الوجه.

الصورة التالية تبين جماجم عدد من القرود مع حجم التجويف الدماغي لكل منها.

hominids apes human skulls

  • تطاول مؤخرة الجمجمة نحو الخلف occipital bun لدى البشر القدماء والقرود، أما جمجمة الإنسان الحديث فمؤخرتها قريبة من التسطح.

هذه الصورة توضح التطاول المقصود:

تطاول الجمجمة نحو الخلف هو ظاهرة عامة لدى القرود والبشر القدماء. هذا التطاول ما زال موجودا لدى بعض البشر حتى يومنا هذا. هناك نظريات مختلفة تفسر زوال هذا التطاول.

  • غلاظة عظام الفكين وغلاظة الأسنان لدى البشر القدماء والقرود.

البشر المعاصرون يتميزون بفكوك رقيقة وأسنان دقيقة. الباحثون يرون أن غلاظة الفكوك والأسنان هي مرتبطة بطبيعة الغذاء. البشر القدماء والقرود كانوا يأكلون الكثير من الثمار البرية وكانوا يأكلون الطعام دون طبخ، أما البشر المعاصرون فهم يطحنون الغذاء ويهرسونه ويطبخونه، وبالتالي هم لا يبذلون مجهودا كبيرا في المضغ.

  • اختلافات في أشكال الأسنان.
  • اختلافات في بعض الثقوب والتجاويف والثلمات التشريحية الموجودة على الجمجمة.
  • اختلافات في أشكال عظام الهيكل العظمي الأخرى غير الجمجمة.

هذه بعض الخصائص الهامة التي تميز عظام البشر المعاصرين عن عظام البشر القدماء والقرود. بالإضافة إلى هذه الخصائص هناك طبعا الاختلاف في حجم تجويف قحف الجمجمة (المعبر عن حجم الدماغ)، ولكن هذه الخاصية لا تفيد كثيرا في التمييز بين البشر المعاصرين وبين إنسان هايدلبرغ وإنسان نياندرثال، لأن حجم أدمغة هذين الكائنين يقع ضمن مجال أدمغة البشر المعاصرين. هناك أيضا خاصية بروز الوجنتين prominent zygomata لدى البشر القدماء والقرود، ولكن هذه الخاصية أيضا لا تفيد في التمييز بين البشر المعاصرين وبين إنسان هايدلبرغ وإنسان نياندرثال، لأن بروز الوجنتين لدى هذين الكائنين يقع ضمن مجال البشر المعاصرين.

في الحقيقة الدراسات الأخيرة تقول أن حجم دماغ إنسان نياندرثال هو في المتوسط أكبر من حجم دماغ البشر المعاصرين:

Neanderthal cranial capacity is thought to have been as large as that of modern humans, perhaps larger, indicating that their brain size may have been at least as large as ours. In 2008, a group of scientists produced a study using three-dimensional computer-assisted reconstructions of Neanderthal infants based on fossils found in Russia and Syria. The study indicated that Neanderthal and modern human brains were the same size at birth, but by adulthood, the Neanderthal brain was larger than the modern human brain.

هذا الرابط فيه المزيد من المعلومات عن هذه الدراسة.

هذه الدراسة أجريت على مستحاثات لأطفال رضع من النياندرثال وجدوا في مغارة Mezmaiskaya في شمال غرب القوقاز وفي مغارة الديدرية في منطقة عفرين شمال غرب حلب. أيضا تم الاستعانة ببقايا عظام حوض لامرأة من النياندرثال عثر عليها في مغارة الطابون في جبل الكرمل في فلسطين.

إعادة بناء لطفل نياندرثال

من نتائج الدراسة:

  • حجم دماغ أطفال النياندرثال عند الولادة كان مماثلا تقريبا لحجم أدمغة البشر المعاصرين، ما يعني أن ميزة كبر حجم الدماغ تعود إلى السلف المشترك الذي تحدر منه كل من إنسان نياندرثال والإنسان الحكيم الحديث.
  • حوض نساء النياندرثال كان أعرض قليلا من حوض النساء المعاصرات، ولكن هذا لم يقلل من صعوبة الولادة لأن رؤوس أطفال النياندرثال كانت أكبر قليلا من رؤوس الأطفال المعاصرين.
  • معدل نمو أدمغة أطفال النياندرثال بعد الولادة كان أسرع من معدل نمو أدمغة الأطفال المعاصرين، وهذا يعني أنهم كانوا يحتاجون لتغذية أكبر.
  • إذن تربية أطفال النياندرثال كانت أصعب من تربية الأطفال المعاصرين، ولهذا أمهات النياندرثال كن أكبر وأكثر نضوجا من الأمهات المعاصرات. هذا يعني أن نساء النياندرثال كن ينجبن الأطفال في عمر متأخر نسبيا.

ميزة كبر حجم الدماغ كانت موجودة أيضا في مستحاثات الإنسان الحكيم الباكرة في أفريقيا. حاليا بعض الباحثين يرون أن متوسط حجم دماغ البشر هو في تناقص مستمر منذ 40,000 سنة على الأقل. أنا لا أدري ما هو تفسير هذا التناقص، ولكنني قرأت نظريتين تفسرانه:

  • النظرية الأولى تربط كبر حجم الدماغ بكبر الكتلة العضلية للجسم. بما أن البشر القدماء (سواء كانوا من النياندرثال أم من الإنسان الحكيم الباكر) كانوا يتميزون ببنية عضلية أكبر فهم كانوا يحتاجون لأدمغة أكبر للتحكم بالكتلة العضلية.
  • النظرية الثانية تعتبر أن تصغير حجم الدماغ والرأس يهدف لتسهيل عملية الولادة على المرأة. وفق هذه النظرية فإن كفاءة الأدمغة البشرية لم تنخفض بل على العكس هي ازدادت رغم تصغير حجم الدماغ، أي أن ما حدث هو تقليل الحجم وزيادة الكفاءة في نفس الوقت.

معضلة المشي والولادة

موضوع حجم الرأس هو مشكلة كبيرة لنساء البشر لأنه لا يتناسب مع مبدأ المشي على رجلين bipedalism. المشي على رجلين هو الخاصية الأساسية التي تميز البشر (والقرود الجنوبية) عن بقية القرود الكبيرة. المشي على رجلين يتطلب حوضا ضيقا وصغيرا لمنح الاستقرار والثبات للجسم أثناء المشي. لهذا السبب حوض البشر هو أضيق من حوض القرود. ولكن الحوض الضيق لا يساعد على ولادة الأطفال ذوي الرؤوس الكبيرة. لهذا السبب المرأة البشرية كانت أمام معضلة تطورية: تكبير الدماغ هو أمر مفيد للبشر، وتصغير الحوض هو أمر مفيد للبشر، ولكن الأمرين لا يتوافقان.

هذه المعضلة أثرت سلبا على المرأة. حاليا النساء يتميزن بحوض أعرض من الرجال (لتسهيل الولادة)، ولكن مشية النساء هي أقل استقرارا وثباتا من مشية الرجال (المرأة عندما تمشي فإن حوضها يترنح أكثر من حوض الرجل، وهذا هو ما قصده الشعراء الذين تحدثوا عن تمايل النساء أثناء المشي). المرأة ضحت بثبات مشيتها (مقارنة بالرجل) لكي تتمكن من ولادة الأطفال ذوي الرؤوس الكبيرة.

من الآثار الأخرى لكبر الرأس أن النساء صرن يضطررن لولادة الأطفال بسرعة وقبل اكتمال نضجهم، وهذا أدى إلى أن المرأة البشرية صارت مطالبة برعاية الطفل لفترة أطول وباهتمام أكبر. هذا الأمر انعكس على كل النظام الاجتماعي للبشر. الرجال صاروا مضطرين لتقديم مساعدة أكبر للنساء، وبالتالي مفهوم الزواج صار مهما. الزواج المتعدد polygamy الموجود لدى القرود لم يعد مناسبا لحياة البشر لأن الرجل الواحد لا يستطيع أن يعيل عددا كبيرا من النساء.

ولادة الأطفال قبل اكتمال نضجهم أثرت على ملامح البشر المعاصرين. الدراسة التي أشرت إليها في الأعلى تقول أن ملامح أطفال النياندرثال كانت تتكون في أرحام الأمهات وليس بعد الولادة، بمعنى أن أطفال النياندرثال كانوا يولدون وهم يحملون الملامح “العتيقة” التي تميزهم عن البشر المعاصرين. بعض الباحثين يفسرون ذلك بأن أطفال النياندرثال (وغيرهم من أطفال الكائنات البشرية العتيقة) كانوا يمكثون في أرحام أمهاتهم لفترات أطول من أطفال البشر المعاصرين، وهذا كان يؤدي إلى نضج ملامحهم واتخاذها الطابع الخشن والغليظ، أما أطفال البشر المعاصرين فهم يولدون بسرعة وقبل أن يكتمل نضجهم، ولهذا السبب وجوههم تبدو أنعم وأدق، وهذه النعومة تستمر في الكبر. لو قارنا وجوه البشر المعاصرين مع وجوه البشر القدماء فسيتبين أن وجوه البشر المعاصرين هي ذات ملامح ناعمة وطفولية (baby face). بعض الباحثين يشبهون وجوه البشر المعاصرين بوجوه أطفال القرود.

لون البشرة والشعر

لون بشرة البشر القدماء هو مسألة مجهولة لأن المستحاثات العظمية لا تعطي أية دلائل حولها، ولكن هناك دراسات جينية تشير إلى أن النياندرثال (أو بعضهم على الأقل) كانوا فاتحي البشرة:

http://www.sciencemag.org/content/318/5855/1453

The melanocortin 1 receptor (MC1R) regulates pigmentation in humans and other vertebrates. Variants of MC1R with reduced function are associated with pale skin color and red hair in humans of primarily European origin. We amplified and sequenced a fragment of the MC1R gene (mc1r) from two Neanderthal remains. Both specimens have a mutation that was not found in ∼3700 modern humans analyzed. Functional analyses show that this variant reduces MC1R activity to a level that alters hair and/or skin pigmentation in humans. The impaired activity of this variant suggests that Neanderthals varied in pigmentation levels, potentially on the scale observed in modern humans. Our data suggest that inactive MC1R variants evolved independently in both modern humans and Neanderthals.

هذه الدراسة فحصت DNA لاثنين من النياندرثال وتمكنت من إجياد طفرة على الجين MC1R المسؤول عن صبغ البشرة والشعر. التحليل الوظيفي للطفرة يبين أنها تنقص فعالية الجين على نحو من شأنه تغيير لون الشعر و/أو البشرة. نقص فعالية الجين MC1R لدى الأوروبيين المعاصرين يؤدي إلى تفتيح لون البشرة وإعطاء لون أحمر للشعر، وبالتالي هذان الشخصان النياندرثاليان ربما كانا فاتحي البشرة و/أو ذوي شعر أحمر. الدراسة قارنت الطفرة الموجودة على الجين MC1R لدى هذين الشخصين النياندرثاليين مع حوالي 3700 شخصا من البشر المعاصرين ولم تجد نفس الطفرة لديهم، ما يعني أن البشرة الفاتحة والشعر الأحمر الموجودان لدى بعض الأوربيين المعاصرين هما ليسا موروثين من النياندرثال.

الباحثون يعتقدون أن لون البشرة الفاتح هو مناسب للمناخ غير المشمس. مناخ أوروبا في العصر الجليدي كان غير مشمس على ما أظن، وبالتالي لون البشرة الفاتح كان سيفيد النياندرثال.

سبب اللون الغامق للجلد والشعر والعينين هو وجود صبغة تسمى melanin (من اليونانية(mélas) μέλας = “داكن” أو “أسود”). وجود هذه الصبغة بكميات كبيرة في الجلد والشعر والعينين يؤدي لتغميق لون الجلد والشعر والعينين. هذه الصبغة تمتص ضوء الشمس وتمنعه من اختراق الجلد. تكوين العظام البشرية يحتاج للفيتامين D الذي يتم تركيبه في خلايا الجلد، وتركيب هذا الفيتامين يحتاج للأشعة فوق البنفسجية الموجودة في ضوء الشمس. وجود صبغة melanin في الجلد يعيق هذه العملية في حال كان الإشعاع الشمسي ضعيفا، وبالتالي نقص هذه الصبغة في الجلد يساعد على تركيب الفيتامين D في المناخ غير المشمس، وهذا مفيد خاصة في المناطق البعيدة عن البحار والتي لا يتمكن سكانها من الحصول على الفيتامين D من المأكولات البحرية.

هذه النظرية هي التي يفسر على أساسها كثير من الباحثين ظهور لون البشرة الفاتح لدى البشر.

في هذا المقال تحدثت عن الخصائص التشريحية أو الشكلية لإنسان نياندرثال. في المقال القادم سأتحدث عن ثقافته.

الإنسان الأول في شرق آسيا

الصورة التالية توضح الهجرة البشرية الأولى إلى آسيا:

مصدر الصورة هو هذا المقال.

في السابق كان الباحثون يظنون أن البشر وصلوا لأول مرة إلى شرق آسيا قبل حوالي مليون عام، أي بعد ظهور البشر في أفريقيا بأكثر من 1,5 مليون عام، ولكن خلال العقود الأخيرة ظهرت اكتشافات غيرت هذا التصور. الصورة التي في الأعلى تعكس تصورا حديثا.

معظم المصادر تقول أن الأدوات الأشولية هي غير موجودة في شرق آسيا، ولكن الخبر التالي يتحدث عن اكتشاف فؤوس حجرية عمرها 1,8 مليون عام في ماليزيا:

http://www.google.com/hostednews/afp/article/ALeqM5j4NR2q7FWeVMwDjWVzYcF_R4qXEg?hl=en

Malaysian scientists find stone tools ‘oldest in Southeast Asia’

KUALA LUMPUR (AFP) — Malaysian archaeologists have announced the discovery of stone tools they believe are more than 1.8 million years old and the earliest evidence of human ancestors in Southeast Asia.

The stone hand-axes were discovered last year in the historical site of Lenggong in northern Perak state, embedded in a type of rock formed by meteorites which was sent to a Japanese lab to be dated.

“We received news from Japan two weeks ago which said it is 1.83 million years old, so this find shows the existence of human beings there 1.83 million years ago,” archaeology team leader Mokhtar Saidin told AFP.

“This is the earliest evidence of Paleolithic culture in the Southeast Asian region,” said Mokhtar from Malaysia’s University of Science, who said he believed the hand-axes were used by Homo erectus, an extinct early human.

The archaeologist said that the oldest Homo erectus fossil discovered in the region is from Java in Indonesia, and dated at 1.7 million years old.

Internationally, the two oldest fossils are from Georgia (1.8 million years old) and China (between 1.7 and 1.8 million years), he said.

“This new find in Malaysia is actually older than those in Georgia and China, but the difference is that what we found was the tool, and we have to continue to look for the human bones,” he said.

The oldest human skeleton ever found in Malaysia is the 11,000-year old Perak man, discovered in 1991.

الفؤوس الحجرية stone hand-axes (تسمى أيضا bifaces) هي أهم ميزة للصناعة الأشولية. الرسم التالي يوضح انتشار الفؤوس الحجرية:

انتشار الفؤوس الحجرية باللون البني

الفؤوس الحجرية لم تكن موجودة في مغارة Zhoukoudian حيث اكتشف “إنسان بكين”. عمر هذا الموقع يعود إلى 750,000 ألف عام، ولكنه رغم ذلك خلا من الفؤوس الحجرية. بدلا من الفؤوس الحجرية المنقبون عثروا على أدوات تقطيع chopping tools. الباحثون يعتقدون أن أدوات التقطيع هي شكل بدائي من الفؤوس الحجرية.

أداة تقطيع من موقع Gran Dolina في شمال إسبانيا

في المقابل الخبر الذي نقلته في الأعلى يتحدث عن اكتشاف فؤوس حجرية عمرها 1,8 مليون عام في ماليزيا.

ما يلي من ويكيبيديا:

Until the 1980s, it was thought that the humans who arrived in East Asia abandoned the hand-axe technology of their ancestors and adopted chopper tools instead. An apparent division between Acheulean and non-Acheulean tool industries was identified by Hallam L. Movius, who drew the Movius Line across northern India to show where the traditions seemed to diverge. Later finds of Acheulean tools at Chongokni in South Korea and also in Mongolia and China, however, cast doubt on the reliability of Movius’s distinction. Since then, a different division known as the Roe Line has been suggested. This runs across North Africa to Israel and thence to India, separating two different techniques used by Acheulean toolmakers. North and east of the Roe Line, Acheulean hand-axes were made directly from large stone nodules and cores; while, to the south and west, they were made from flakes struck from these nodules.

حسب هذا الكلام فإن الفؤوس الحجرية الأشولية وجدت في كوريا ومنغوليا والصين، ولكن تقنية صناعة الفؤوس التي وجدت هناك تختلف عن تقنية صناعة الفؤوس في الغرب (باستثناء أوروبا على ما يبدو). الفؤوس الشرقية (والأوروبية؟) هي مصنوعة بطريقة أكثر بدائية من الفؤوس الغربية.

ما يلي وصف للفؤوس الحجرية في شرق آسيا:

http://www.assemblage.group.shef.ac.uk/issue8/chauhan.html

In the last few decades, archaeologists have reported bifaces from the ‘Mode 1 [Oldowan] zone’ (East and Southeast Asia). For example, the localities of Dingcun (Clark and Schick, 1988) and the Nihewan Valley (Schick et al., 1991) in China, and Chongokni in South Korea (Schick and Zhuan, 1993) have yielded large, bifacial cutting-tools, although these occurrences are not well dated. A more recent example comes from Bose in southern China, where large bifacial cutting-tools have been reported and date to approximately 800 kyr (Hou et al., 2000). However, these specimens lack the characteristic features that are representative of the Acheulian industry. Although some of the Bose specimens have been classified as bifaces, they retain significant amounts of cortex on their butts and are not symmetrical in their form as comparable to Acheulian handaxes. In addition, they are not as refined as typical Acheulian bifaces and lack secondary retouch and edge-shaping.

Corvinus (2003:6) has designated some of these specimens as bifacial pointed tools or picks and highlights the absence of true cleavers in East and Southeast Asia. Additional evidence of Acheulian-like assemblages from this zone also do not conform to classic Acheulian features (Pope and Keates, 1994). Therefore, until further evidence is forthcoming, it is reasonable to accept that most of these biface assemblages in the ‘Mode 1 zone’ do not represent the Acheulian techno-complex directly (see Corvinus, 2003). Such sporadic finds probably represent an independent regional and random development of the bifacial-flaking technique, but which did not attain cultural identity and morphological consistency over time.

إذن الفؤوس الحجرية هي موجودة في شرق آسيا بشكل محدود ومتفرق، ولكنها تختلف تقنيا عن الفؤوس الغربية.

فأس حجرية من Haute-Garonne في فرنسا

ما يلي وصف للفؤوس الحجرية الأوروبية:

http://www.assemblage.group.shef.ac.uk/issue8/chauhan.html

The European bifaces are generally manufactured on flint and from nodules. Bifaces here are also produced on large flakes but the sites are not as common or rich as in Africa and other regions.

من هذا الكلام أنا فهمت أن المواقع الأوروبية تحوي بعض الفؤوس الشبيهة بالفؤوس الأفريقية (مصنوعة من الرقائق flakes) ولكن الأغلب في أوروبا هو الفؤوس المصنوعة من عقد الحجارة (stone nodules)، أي أن النمط السائد في أوروبا هو على ما يبدو كالنمط المشاهد في شرق آسيا.

ولكن كيف نفسر غياب الفؤوس الحجرية عن مغارة Zhoukoudian في الصين؟

في رأيي أن التفسير الأفضل للمعطيات السابقة هو كما يلي:

  • المهاجرون الأوائل نحو شرق آسيا (ونحو أوروبا) كانوا يجهلون صناعة الفؤوس الحجرية
  • لاحقا تعلم بعض سكان شرق آسيا (وأوروبا) تقنية صناعة الفؤوس من جيرانهم الأقرب لأفريقيا (أو أنهم اكتشفوها بأنفسهم)، ولكن هذا الاختراع لم ينتشر في جميع مناطق شرق آسيا وظلت هناك بعض الجيوب التي لا وجود لصناعة الفؤوس فيها

من الممكن أن منطقة شرق آسيا (وأوروبا) استقبلت عدة موجات من الهجرة. من الممكن أن تقنية صناعة الفؤوس وصلت مع موجات هجرة تالية للموجة (أو الموجات) الأولى. هذا يفسر وجود الفؤوس الحجرية في بعض المواقع وغيابها من مواقع أخرى.

الإنسان الأول في أوروبا

في السابق كان الباحثون يظنون أن البشر وصلوا إلى أوروبا لأول مرة قبل مليون عام تقريبا، ولكن في الفترة الأخيرة اكتشفت أدوات ألدوية في جنوب فرنسا تعود إلى ما قبل 1,57 مليون عام:

http://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S1631068309000980

A new vertebrate fauna associated with lithic artefacts from the Early Pleistocene of the Hérault Valley (southern France) dated around 1.57 Ma. Some lithic artefacts associated with an Early Pleistocene (Upper Villafranchian) vertebrate fossil assemblage have been found from a quarry exploited for basalt in the lower Hérault Valley (Languedoc, southern France) at the Lézignan-le-Cèbe locality. A preliminary patrimony expertise led us to identify about 20 vertebrate taxa, and the autumnal rainfalls revealed the presence of roughly 30 lithic artefacts of “pebble culture” type. A basalt layer dated at 1.57 My directly overlies the fossiliferous level, extends along the little hill (locus 2) yielding artefacts. These new promising data offer new perspectives to improve our understanding of Early Pleistocene ecosystems (and possibly ancient hominin occupation) of southern Europe.

عبارة “pebble culture” تعني الصناعة الألدوية. أيضا العبارات التالية لها نفس المعنى: Mode 1 tools أو Abbevillian culture أو pre-Chellean culture.

لو صح الكلام الذي في الأعلى فهو يعني أن البشر وصلوا إلى جنوب فرنسا قبل 1,6 مليون عام تقريبا. هذا أوحى للبعض بأن موجة الهجرة التي أوصلت الإنسان المنتصب الباكر إلى Dmanisi في جورجيا أوصلته أيضا إلى أوروبا.

في العقد الأخير اكتشفت في إسبانيا مستحاثات بشرية يفوق عمرها المليون عام:

http://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0047248413000304

The Orce region has one of the best late Pliocene and early Pleistocene continental paleobiological records of Europe. It is situated in the northeastern sector of the intramontane Guadix-Baza Basin (Granada, Andalusia, southern Spain). Here we describe a new fossil hominin tooth from the site of Barranco León, dated between 1.02 and 1.73 Ma (millions of years ago) by Electron Spin Resonance (ESR), which, in combination with paleomagnetic and biochronologic data, is estimated to be close to 1.4 Ma. While the range of dates obtained from these various methods overlaps with those published for the Sima del Elefante hominin locality (1.2 Ma), the overwhelming majority of evidence points to an older age. Thus, at the moment, the Barranco León hominin is the oldest from Western Europe.

http://www.nature.com/news/2008/080326/full/news.2008.691.html

Spanish palaeontologists have dug up the remains of a 1.2-million-year-old humanlike inhabitant of Western Europe. The fossil find shows that members of our genus, Homo, colonized this region far earlier than many experts had thought.

The primitive hominin — represented by just a fragment of jawbone bearing a handful of wobbly-looking teeth — lived in what is now the Sierra de Atapuerca region of northern Spain, an area already known as a treasure trove of early human remains.

The new fossil, uncovered by an experienced team of palaeoanthropologists led by Eudald Carbonell of the Universitat Rovira i Virgili in Tarragona, is by far the oldest human bone ever found in the region. The previous oldest fossils have been perhaps 800,000 years old, leading some anthropologists to believe that primitive humans did not reach Western Europe until around half a million years ago.

Now it seems that the earliest inhabitants of modern-day Spain lived there much longer ago. And like many of today’s Spaniards, it seems they were enthusiastic meat-eaters — Carbonell and his team also uncovered primitive stone tools and animal bones bearing signs of butchery.

هذه المستحاثات الإسبانية التي اكتشفت مؤخرا هي أقدم مستحاثات بشرية معروفة في أوروبا، ولكنها لا تحوي أية جماجم أو هياكل عظمية—هي عبارة عن أجزاء وبقايا عظمية محطمة. أقدم الأجزاء التي عثر عليها هي ضرس وجدت قرب غرناطة في جنوب إسبانيا وقدر عمرها بـ 1,4 مليون عام. ثاني أقدم الأجزاء هي ضرس وجزء من عظم فك سفلي mandible عثر عليها في Sima del Elefante في شمال إسبانيا وقدر عمرها بـ 1,2 مليون عام. في موقع Gran Dolina في شمال إسبانيا عثر على 80 قطعة عظمية تعود لستة أشخاص قدر عمرها بـ900,000 سنة. أفضل هذه القطع هي عظم فك أعلى maxilla وعظم من مقدمة الجمجمة frontal bone، وهي تعود لطفل عمره 11-10 سنة (وهذا ليس أمرا جيدا للتصنيف).

عظام للإنسان الطليعي من موقع Gran Dolina في شمال إسبانيا

طالما أن أقدم المستحاثات البشرية في أوروبا وجدت في إسبانيا (وخاصة في جنوب إسبانيا) فهذا يدفعني للتساؤل عن الاتجاه الذي أتى منه المهاجرون الأوائل إلى أوروبا. غالبية الباحثين حاليا يستبعدون أن يكون البشر القدماء قد عبروا مضيق جبل طارق، ولكن توزع المستحاثات المعروفة في أوروبا يتوافق مع هجرة من المغرب العربي.

بما أن البقايا البشرية الأولى محطمة فهذا يجعل تصنيفها صعبا، ولكنها تصنف حاليا تحت عنوان “الإنسان الطليعي” Homo antecessor. كثيرون يرون أن الإنسان الطليعي كان شبيها بالإنسان العامل Homo ergaster. بعضهم يرون أن الإنسان الطليعي هو شكل متأخر من الإنسان العامل ظهر في أفريقيا وهاجر قسم منه إلى أوروبا.

إنسان هايدلبرغ

الجيل البشري الذي تلا الإنسان العامل والإنسان المنتصب يصنف حاليا تحت عنوان عريض هو إنسان هايدلبرغ Homo heidelbergensis (نسبة إلى مدينة Heidelberg في ولاية Baden-Württemberg في جنوب غرب ألمانيا).

إعادة بناء لإنسان هايدلبرغ

متوسط حجم دماغ هذا الكائن هو 1250 سم مكعب (متوسط حجم دماغ البشر المعاصرين هو1350 سم مكعب). من الناحية الشكلية إنسان هايدلبرغ يقع في مكان وسط بين الجيل السابق له (الإنسان العامل) والجيل التالي له (إنسان نياندرثال والإنسان الحكيم الحديث).

إلى وقت قريب كانت مستحاثات إنسان هايدلبرغ هي أقدم المستحاثات البشرية المعروفة في أوروبا (أقدمها يعود تقريبا إلى 600,000 عام قبل الوقت الحالي)، ولكن مؤخرا اكتشفت في إسبانيا مستحاثات أقدم صنفت تحت عنوان “الإنسان الطليعي”. البعض يرون في الإنسان الطليعي صلة الوصل بين إنسان هايدلبرغ والإنسان العامل، والبعض يرون أن الإنسان الطليعي هو مجرد شكل باكر من إنسان هايدلبرغ. في المقابل هناك باحثون يرون أن إنسان هايدلبرغ ليس متحدرا من الإنسان الطليعي.

ما يلي صفات الإنسان الطليعي من ويكيبيديا:

H. antecessor was about 1.6-1.8 m (5½-6 feet) tall, and males weighed roughly 90 kg (200 pounds). Their brain sizes were roughly 1,000–1,150 cm³, smaller than the 1,350 cm³ average of modern humans. Due to its scarcity, very little more is known about the physiology of H. antecessor, yet it was likely to have been more robust than H. heidelbergensis.

[...]

Based on teeth eruption pattern, the researchers think that H. antecessor had the same development stages as H. sapiens, though probably at a faster pace. Other features acquired by the species are a protruding occipital bun, a low forehead and a lack of a strong chin. Some of the remains are almost indistinguishable from the fossil attributable to the 1.5 million year old Turkana Boy, belonging to H. ergaster.

إنسان هايدلبرغ هو مقترن أثريا بالأدوات الأشولية. الأدوات الأشولية ظهرت لأول مرة في أوروبا قبل نصف مليون عام، ولكن مؤخرا عثر على أدوات أشولية عمرها 900,000 عام في جنوب إسبانيا:

http://www.nature.com/nature/journal/v461/n7260/full/nature08214.html

Stone tools are durable reminders of the activities, skills and customs of early humans, and have distinctive morphologies that reflect the development of technological skills during the Pleistocene epoch. In Africa, large cutting tools (hand-axes and bifacial chopping tools) became part of Palaeolithic technology during the Early Pleistocene (~1.5 Myr ago). However, in Europe this change had not been documented until the Middle Pleistocene (<0.5 Myr ago). Here we report dates for two western Mediterranean hand-axe sites that are nearly twice the age of the supposed earliest Acheulian in western Europe. Palaeomagnetic analysis of these two sites in southeastern Spain found reverse polarity magnetozones, showing that hand-axes were already in Europe as early as 0.9 Myr ago. This expanded antiquity for European hand-axe culture supports a wide geographic distribution of Palaeolithic bifacial technology outside of Africa during the Early Pleistocene.

من اللافت أن أقدم الأدوات الأشولية في أوروبا عثر عليها في جنوب إسبانيا. هذا يوحي بأن الصناعة الأشولية دخلت إلى أوروبا من المغرب العربي (ولكن هذه الفرضية لا تلقى استحسانا لدى الباحثين الذين يشكون في قدرة البشر القدماء على عبور مضيق جبل طارق).

عمر الصناعة الأشولية في أوروبا يتوافق مع عمر إنسان هايدلبرغ، ومستحاثات إنسان هايدلبرغ وجدت مع الأدوات الأشولية. بالنسبة لبقايا الإنسان الطليعي فهي على ما يبدو وجدت مع أدوات ألدوية. أنا قرأت وصف الأدوات التي وجدت في مواقع الإنسان الطليعي ولم أجد ذكرا للفؤوس الحجرية.

إذن يبدو أن إنسان هايدلبرغ هو الذي أدخل الفؤوس الحجرية إلى أوروبا. بالنسبة للأدوات الألدوية فوجود هذه الأدوات في أوروبا قديم ويعود إلى حوالي 1,6 مليون عام. الإنسان الطليعي كان على ما يبدو يستخدم مثل هذه الأدوات. هل الإنسان الطليعي هو الذي أدخل الأدوات الألدوية إلى أوروبا؟ لو كان هذا صحيحا فهو قد يعني أن الإنسان الطليعي هو أول كائن بشري دخل إلى أوروبا قبل 1,6 مليون عام.

البشر في أفريقيا بعد الإنسان العامل

آخر مستحاثة للإنسان العامل في أفريقيا تعود إلى ما قبل 1,4 مليون عام. بعد ذلك هناك نقص في المستحاثات البشرية في أفريقيا. هناك مستحاثة عثر عليها في Daka في أثيوبيا في عام 1997 تعود إلى ما قبل مليون عام تقريبا، ولكن يبدو أن الباحثين لا يصنفون هذه المستحاثة مع الإنسان العامل (الإنسان المنتصب الأفريقي) ولكنهم يصنفونها مع الإنسان المنتصب الآسيوي:

جمجمة Daka

http://www.nature.com/nature/journal/v416/n6878/full/416317a.html

The genesis, evolution and fate of Homo erectus have been explored palaeontologically since the taxon’s recognition in the late nineteenth century. Current debate is focused on whether early representatives from Kenya and Georgia should be classified as a separate ancestral species (‘H. ergaster’), and whether H. erectus was an exclusively Asian species lineage that went extinct. Lack of resolution of these issues has obscured the place of H. erectus in human evolution. A hominid calvaria and postcranial remains recently recovered from the Dakanihylo Member of the Bouri Formation, Middle Awash, Ethiopia, bear directly on these issues. These ~1.0-million-year (Myr)-old Pleistocene sediments contain abundant early Acheulean stone tools and a diverse vertebrate fauna that indicates a predominantly savannah environment. Here we report that the ‘Daka’ calvaria’s metric and morphological attributes centre it firmly within H. erectus. Daka’s resemblance to Asian counterparts indicates that the early African and Eurasian fossil hominids represent demes of a widespread palaeospecies. Daka’s anatomical intermediacy between earlier and later African fossils provides evidence of evolutionary change. Its temporal and geographic position indicates that African H. erectus was the ancestor of Homo sapiens.

هناك مستحاثة أخرى شبيهة بهذه المستحاثة الأثيبوبية عثر عليها في Madam Buya في إريتريا. كلتا هاتين المستحاثتين تبدوان أشبه بالإنسان المنتصب الآسيوي، ولهذا السبب بعض الباحثين اقترحوا أن هاتين المستحاثتين تعبران عن هجرة عكسية للإنسان المنتصب من آسيا إلى أفريقيا.

حسب المعلومات التي لدي فإن أقدم المستحاثات البشرية التي وجدت في شمال أفريقيا (مصر + المغرب العربي) تعود إلى ما قبل 700,000 عام تقريبا. هذه المستحاثات هي عبارة عن ثلاثة فكوك سفلية mandibles عثر عليها في تغنيف (ترنفين) في الجزائر وأطلق عليها مسمى “إنسان الأطلس الموريتاني” Atlanthropus mauritanicus (سميت أيضا “الإنسان الموريتاني” Homo mauritanicus). مؤخرا عثر على فكوك شبيهة في الدار البيضاء في المغرب، وهناك أيضا مستحاثات شبيهة عثر عليها في Angamma في شمال تشاد. كل هذه المستحاثات التي عثر عليها في المغرب العربي تصنف الآن مع الإنسان المنتصب، وهي كثيرا ما شبهت بإنسان بكين وإنسان جاوة. كل هذه المستحاثات هي مقترنة بالصناعة الأشولية (أيضا المستحاثات الأثيوبية-الإريترية التي ذكرتها بالأعلى هي مقترنة بالصناعة الأشولية).

فك الإنسان الموريتاني

الخلاصة هي أن “الإنسان العامل” اختفى من أفريقيا قبل 1,4 مليون عام وظهر بدلا منه قبل مليون عام كائنات يشبّهها كثيرون بالإنسان المنتصب الآسيوي. لا أعلم كيف كان الوضع في أفريقيا في الفترة الممتدة بين 1-1,4 مليون عام قبل الوقت الحالي، ولكن المفترض بناء على الأدلة المتوافرة هو أن هذه الفترة كانت فترة انتقالية بين الإنسان العامل (الإنسان المنتصب الأفريقي الباكر) والإنسان الموريتاني (الإنسان المنتصب الأفريقي المتأخر). هذا الانتقال حدث على الأقل في شمال وشمال شرق أفريقيا. لا أدري إن كانت المستحاثات الشبيهة بالإنسان المنتصب (الآسيوي) قد وجدت في شرق أفريقيا وجنوبها أيضا. بالنسبة لغرب ووسط أفريقيا فهذه المنطقة لم يعثر فيها على أية مستحاثات بشرية تعود للعصر الجليدي. حسب ما أعلم فإن أقدم مستحاثة بشرية من غرب ووسط أفريقيا عثر عليها في Iwo Eleru في نيجيريا وهي تعود إلى ما قبل 12,000 عام فقط. بالنسبة للآثار فمنطقة غرب ووسط أفريقيا هي فقيرة بالآثار الألدوية (يبدو أنه لا توجد مواقع ألدوية متفق عليها في هذه المنطقة)، وبالنسبة للآثار الأشولية فهناك بعض المواقع التي عثر عليها في زائير وجمهورية أفريقيا الوسطى ونيجيريا، ولكن تاريخ هذه المواقع متأخر (أقدمها على ما يبدو يعود إلى 200,000 عام قبل الوقت الحالي).

الخلاصة هي أن الإنسان العامل/المنتصب (والأنواع السابقة له أيضا) لم يستوطن وسط وغرب أفريقيا على نطاق واسع. بعض الباحثين يرون أن بيئة وسط وغرب أفريقيا لم تكن مناسبة لحياة البشر الأوائل. هذه المناطق هي عموما مغطاة بالغابات (سواء الغابات الاستوائية المطيرة rain forests أم الغابات النفضية deciduous forests). البشر الأوائل على ما يبدو لم يكونوا يفضلون العيش في الغابات ولكنهم كانوا يفضلون المناطق السهلية العشبية (بما في ذلك السهول العشبية التي تحوي بعض الأشجار والتي تسمى savannas). الخريطة التالية توضح توزع النباتات في أفريقيا:

من هذه الخريطة يظهر أن المناطق السهلية العشبية (باللون الأصفر) والـ savannas (باللون الأخضر الأفتح) توجد في الشرق والجنوب والشمال (المناطق العشبية الشمالية كانت تتوسع كثيرا خلال الفترات المطيرة بحيث كانت تشمل مساحات واسعة من الصحراء الكبرى)، أما المناطق الوسطى والغربية من أفريقيا فهي مغطاة بالغابات. هذا ربما هو سر ندرة المستحاثات البشرية القديمة في وسط وغرب أفريقيا. كل المستحاثات التي تعود للبشر الباكرين والقرود الجنوبية عثر عليها في شرق وجنوب وشمال أفريقيا.

من الأمور الغريبة التي قرأتها أن بعض الباحثين أرجعوا بعض الصناعات الحجرية في غرب أفريقيا إلى قرود الشمبانزي:

http://voices.yahoo.com/evidence-chimpanzee-stone-age-uncovered-west-211568.html

Evidence of Chimpanzee Stone Age Uncovered in West Africa

Researchers have discovered remnants of a chimpanzee stone age while working along a riverbank in West Africa. This evidence, found in the middle of a rain forest, indicates that the chimpanzee Stone Age started at least 4,300 years ago. This is the first time researchers have found indications of prehistoric ape behavior.

The researchers found over 200 artifacts in Tai National Park, Ivory Coast. They have said that most of these artifacts were used by prehistoric chimps to crack nuts open. Archaeologist Julio Mercader and his colleagues, who found the artifacts, say that the chimps put the nuts on the flat side of one rock, and then smashed the shells with a second rock.

Of this shell-smashing technique, Mercader says “I’d predict that this type of simple bashing technology goes back to a common ancestor of chimps and humans around 6 million years ago.”

ما سبق هو تلخيص للصورة العامة في أفريقيا قبل زمن إنسان هايدلبرغ. هناك نقص في الأدلة والصورة العامة هي غير واضحة. كثير من الباحثين على ما يبدو يفترضون أن هناك علاقة بين الإنسان الطليعي والإنسان الموريتاني. بعضهم يعتبرون هذين الكائنين نوعا واحدا. بعض الباحثين يرون أن الإنسان الطليعي هاجر إلى أوروبا من أفريقيا. هذا الطرح في رأيي هو منطقي إذا افترضنا أن الإنسان الطليعي هاجر من المغرب العربي إلى إسبانيا، أما لو رفضنا فكرة الهجرة المباشرة من المغرب العربي إلى أوروبا الغربية فأنا لا أدري ما هو الدليل الذي يدعونا للافتراض بأن الإنسان الطليعي جاء إلى أوروبا من أفريقيا؟ لماذا لا نقول أنه جاء من غرب آسيا؟ من الممكن أن نتخيل أن هجرة حصلت من غرب آسيا نحو أوروبا ونحو أفريقيا أيضا. هذا يفسر التشابه الشكلي بين الإنسان الموريتاني وبين الإنسان المنتصب الآسيوي.

الإنسان الأول في غرب آسيا

أقدم مستحاثة بشرية في غرب آسيا هي مستحاثة Dmanisi في جورجيا التي أشرنا إليها سابقا (والتي سميت Homo georgicus). بعد هذه المستحاثة النادرة لا توجد حسب علمي أية مستحاثات مهمة من غرب آسيا تسبق مستحاثة الإنسان المنتصب التي عثر عليها في” الندوية عين عسكر” في منطقة الكوم شمال تدمر، والتي يقال أن عمرها يبلغ 450,000 عام.

المديرية العامة للآثار والمتاحف في سورية أطلقت على هذه المستحاثة مسمى “إنسان الندوية”.

Nadaouiyeh skull human fossil

إنسان الندوية (الإنسان المنتصب الآسيوي)

بعد ذلك هناك مستحاثة “إنسان الجليل” التي عثر عليها في مغارة الزطّية في جليل فلسطين. هذه المستحاثة تصنف عادة مع إنسان نياندرثال ولكن الآن هناك من يصنفونها مع إنسان هايدلبرغ، ويقال أن عمرها يتراوح بين 300,000-200,000 سنة.

إنسان الجليل

ما يلي تلخيص للتاريخ الأثري الباكر لغرب آسيا:

http://www.assemblage.group.shef.ac.uk/issue8/chauhan.html

The distribution of the Acheulian in West Asia is generally restricted to Transcaucasia, eastern Anatolia, and the Levant. The evidence from Iran is limited and only isolated bifaces have been collected (Smith, 1986). The various assemblages from this region can be grouped into two general types: core-chopper industries and assemblages with bifaces. The bifacial industries are usually represented as Early Acheulian, Middle Acheulian (only in the Levant), Upper Acheulian, and the Acheulo-Yabrudian (Bar-Yosef, 1998). As in Africa, core-chopper and the Acheulian industries in West Asia are temporally and spatially distributed. In Lebanon and Syria, the Early Acheulian is also recognized as an industry with high occurrences of core-choppers and some crude, large handaxes exhibiting large flake scars and jagged edges. Some of what is known from the regions of Lebanon and Syria was obtained through the study of terraces and the majority of these sites were classified as Early and Middle Acheulian, first on the basis of associated stratigraphy and later through typological characteristics (for example, see Bridgland et al., 2003). At the site of Latamne (Clark, 1969) in Syria, for example, researchers view 500 ka as the latest potential date.

Acheulian bifaces are found as far north as the Jordan Valley of Israel (at ‘Ubeidiya) by 1.4 mya (Bar-Yosef, 1998). The site is located on the edge of the western escarpment of the Jordan Rift valley. The geological structure is an anticline with several folds disturbed by faults. The lithostratigraphy has exposed the lithic and bone assemblages, accumulated within complex alluvial and delta deposits. Another early site is Gesher Benot Ya’aqov, which lies on the eastern edge of a vast, basalt-covered region on the River Jordan in the Hula Valley in Israel (Goren-Inbar and Saragusti, 1996). The cultural layers at this locality are set in a depositional sequence that has collected above a lava flow with normal polarity and dated to ca. 780 kyr (Feibel et al., 1998; Verosub et al., 1998). Along with ‘Ubeidiya, this site is interpreted to be the evidence of a group of hominins that migrated from Africa at the initial level (Bar-Yosef, 1987).

The presence of Mode 1 and Acheulian assemblages in the Arabian peninsula may represent two major dispersal systems outside of Africa – one in the Early Pleistocene and another during the Middle to Late Pleistocene (Petraglia, 2003). Variations in manufacturing techniques and tool-type frequencies may reflect temporal changes in the Acheulian assemblages in this region. Bifaces are reported solely from the western ‘subzones’ where they are made from a variety of materials such as flint, basalt, and metamorphic rocks (Bar-Yosef, 1998). The Early Acheulian here was traditionally defined by the recognition of Mode 1 forms and crude bifaces, and the presence of some ovate and cordiform handaxes (Petraglia, 2003).

______________________________________

http://rstb.royalsocietypublishing.org/content/366/1567/1038.full

The evidence of the Levantine Corridor

The Levantine Corridor furnishes abundant information on the Acheulian Technocomplex. Over 360 find spots are known from an area of about 22 000 km2, located in different phytogeographic and climatic zones. Yet, the antiquity of the Acheulian record, the massive impact of tectonic activity on the Dead Sea Rift and a variety of taphonomic processes make research of the Acheulian culture a difficult task. The Levantine Acheulian begins ca 1.5 Ma at the site of ʿUbeidiya and ends ca 200 Ka as attested by the Acheulo-Yabrudian site of Qesem Cave.

The identity of the hominins who produced the Levantine Acheulian culture remains unknown. The sites have furnished only scanty skeletal remains, including a few teeth from the Early Acheulian site of ʿUbeidiya, a single right femur shaft (Layer Ea) and a molar tooth (Layer Eb) from the Acheulo-Yabrudian site of Tabun Cave and several teeth from the Acheulo-Yabrudian site of Qesem Cave. The ‘Galilee Man’ skull found at Zuttiyeh Cave is attributed to an Acheulo-Yabrudian context. One may speculate that in the Early and Middle Pleistocene more than one hominin species produced the Acheulian material culture, owing to the great temporal depth and the fact that different hominin types have been identified in association with Acheulian cultural remains. Possible candidates are Homo erectus (senso lato), Homo heidelbergensis, ‘Galilee Man’, or other unknown fossil species. Furthermore, there is always the possibility of the temporal co-existence of several hominin types.

أقدم آثار الصناعة الأشولية في منطقة “المشرق” Levant (التي يقصد بها في الكتابات الغربية منطقة سورية الكبرى) عثر عليها في العبيدية في وادي الأردن، ويعتقد أن عمرها 1,4 مليون عام. بالنسبة لسورية فأنا وجدت أن الصناعة الأشولية في منطقة الكوم (قرب تدمر) بدأت قبل مليون عام، ولا أدري إن كانت هناك آثار أشولية أقدم من ذلك في سورية.

على ما يبدو فإن الصناعة الأشولية في منطقة سورية ولبنان تشبه الصناعة الأشولية الأوروبية والشرق آسيوية، بمعنى أنها أكثر بدائية من الصناعة الأشولية الأفريقية والفلسطينية والهندية.

الإنسان المنتصب المتأخر في فلسطين كان قريبا عرقيا من الإنسان المنتصب في شرق آسيا:

http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/8333489

We analyze the phylogenetic position of the frontofacial fragment from Zuttiyeh, Israel. This specimen is dated to the Middle Pleistocene (the latest estimate is between 250 and 350 kyr) and is associated with the Acheulo-Yabrudian, which makes it the oldest cranium from the region. It has been previously regarded as a Neandertal, and early “anatomically modern Homo sapiens,” and a generalized specimen ancestral to both. These different phylogenetic interpretations of its features have a historic basis but in our view also result from a confusion of grade and intraspecies clade as valid sources of variation. We show here that generally the differences that distinguish Zuttiyeh from Neandertals are similarities it shares with the Zhoukoudian remains. These similarities involve a unique combination of features, and suggest the possibility of an ancestral relationship. It is less likely that Middle Pleistocene remains from Europe or sub-Saharan Africa are uniquely or significantly ancestral to Zuttiyeh [...] The hypothesis of a recent unique African ancestry for all modern humans is disproved by our study, which shows Asia as a significant source area for at least some living populations.

هذه الدراسة قارنت جمجمة “إنسان الجليل” مع الجماجم الأخرى من حول العالم، والنتيجة التي ظهرت هي أن أقرب الجماجم إلى إنسان الجليل هي جمجمة إنسان بكين التي عثر عليها في مغارة Zhoukoudian. أصحاب هذه الدراسة هم من أنصار نظرية الأصل المتعدد للبشر multiregional hypothesis وهم يوحون في كلامهم بأن جمجمة إنسان الجليل نشأت من اختلاط عرق شبيه بإنسان بكين مع عرق آخر شبيه بإنسان نياندرثال. طبعا العرق الأول هو الأقدم ولهذا السبب هم اعتبروه أصل هذه الجمجمة.

هذه النتيجة تتناسق بشكل رائع مع الكلام التالي حول مستحاثة إنسان الندوية:

http://elkowm.unibas.ch/Bilder/Publikationen/short-summary-2006.pdf

After discovering a significant skull fragment of Homo erectus in the region of El Kowm at Nadaouiyeh Ain Askar in 1996, it became clear that a second route was also used for migrations towards the East. This is all the more obvious because the H. erectus bone shows typical Far-Eastern characteristics.

مستحاثة إنسان الندوية (التي هي أقدم من إنسان الجليل) تشبه إنسان بكين. هذه المستحاثة تعبر ربما عن سكان منطقة غرب آسيا قبل الاختلاط مع العرق الشبيه بإنسان نياندرثال، الذي هو ربما إنسان هايدلبرغ.

إذن سكان غرب آسيا قبل حوالي نصف مليون عام كانوا عرقا وسطيا بين إنسان بكين (الآسيوي) وإنسان هايدلبرغ (الأفريقي). يجب أن نربط هذا الكلام بما قاله كثير من الباحثين عن التشابه بين مستحاثات الإنسان الموريتاني وإنسان بكين. أيضا يجب أن نتذكر الدراسة التي قالت أن جمجمة Daka في أثيوبيا هي أقرب للإنسان المنتصب الآسيوي.

الدلائل تشير إلى أن هناك عرقا بشريا مختلطا (آسيوي-أفريقي) كان يسكن غرب آسيا وشمال أفريقيا والهضبة الأثيوبية منذ مليون عام قبل الوقت الحالي على الأقل. الإنسان الموريتاني أو الإنسان المنتصب الأفريقي المتأخر ينتمي لهذا العرق، وربما أيضا الإنسان الطليعي في أوروبا.

طبعا هذه النتيجة لا تعجب كثيرا من الباحثين المعاصرين. هم لا يقبلون فكرة التزاوج بين الأعراق البشرية القديمة ويفترضون أن كل الأعراق أو الأنواع البشرية نشأت في أفريقيا حصرا ودون تأثير من آسيا، ولا أدري لماذا.

إنسان روديسيا

الجيل البشري التالي للإنسان العامل في شرق وجنوب أفريقيا يسمى “إنسان روديسيا” Homo rhodesiensis (كلمة Rhodesia هي تسمية بريطانية قديمة لكل من زامبيا وزيمبابوي). هذا الكائن هو مهم لأن كثيرا من الباحثين يعتقدون أن البشر المعاصرين يتحدرون منه.

إعادة بناء لإنسان روديسيا

في الأصل كلمة “إنسان روديسيا” كانت تطلق على مجموعة من المستحاثات التي لا يتجاوز عمرها 300,000 عام، ولكن في الآونة الأخيرة برز توجه لإعطاء هذه المستحاثات عمرا أقدم.

أقدم مستحاثة تنسب حاليا لإنسان روديسيا هي ربما جمجمة Bodo في أثيوبيا التي يقال أن عمرها 600,000 عام، وهناك أيضا جمجمة عثر عليها في وكر للضباع في جنوب أفريقيا تسمى Saldanha أو Elandsfontein أو Sea Harvest أو Hopefield. في السابق كانت المصادر تقول أن عمر هذه الجمجمة هو 100,000 عام ولكن هذا المصدر يقول أن عمرها قد يصل إلى نصف مليون عام. هناك أيضا جمجمة Ndutu في تنزانيا التي يقال أن عمرها يبلغ 350,000 عام، وهناك قحف Eyasi 1 في تنزانيا الذي يقول البعض أن عمره يزيد عن 200,000 عام.

أشهر جمجمة لإنسان روديسيا هي Kabwe 1 أو Broken Hill التي عثر عليها في زامبيا (سابقا “روديسيا الشمالية” Northern Rhodesia) والتي قد يصل عمرها إلى 300,000 عام. هذه الجمجمة هي أول جمجمة سميت “إنسان روديسيا” وما يلي بعض صفاتها:

نسخة من جمجمة Kabwe

http://humanorigins.si.edu/evidence/3d-collection/kabwe-1

Kabwe shows features similar to H. erectus such as a low braincase profile (the area towards the back of the skull), large brow ridges, a slight widening of the midface known as the sagittal keel, and a protrusion at the back of the skull named the occipital torus. But Kabwe also resembles modern humans with a flatter, less prognathic face, and larger brain (1300 cubic centimeters).

إنسان روديسيا يشبه إنسان هايدلبرغ، ولهذا السبب غالبية الباحثين حاليا يعتبرون هذين الكائنين نوعا واحد يطلقون عليه مسمى إنسان هايدلبرغ. أقدم المستحاثات التي تنسب لإنسان روديسيا حاليا يبلغ عمرها 500,000-600,000 عام، وهذا أيضا هو عمر أقدم مستحاثات إنسان هايدلبرغ في أوروبا.

كثير من الباحثين يصنفون مستحاثات الإنسان المنتصب الأفريقي المتأخر التي عثر عليها في أثيوبيا وإريتريا والمغرب العربي مع إنسان روديسيا/هايدلبرغ، أو على الأقل هم يعتبرونها شكلا باكرا منه.

الشكل التالي يعبر عن بعض وجهات النظر حول تصنيف المستحاثات البشرية:

Human evolution

هذا الشكل لا يغطي كل المستحاثات ولا يغطي كل الآراء، لأن بعض الباحثين مثلا يرفضون اعتبار الإنسان الجورجي شكلا بدائيا من الإنسان المنتصب.

نظرية الأصل المزدوج لإنسان روديسيا/هايدلبرغ

النظرية السائدة إعلاميا تعتبر التزاوج بين الأنواع البشرية القديمة أمرا مستحيلا، وبالتالي إنسان روديسيا/هايدلبرغ هو كائن أفريقي بحت ليست له أية جذور آسيوية.

أنا بصراحة أشك في هذا الطرح وأظن أن إنسان روديسيا/هايدلبرغ قد يكون من أصل هجين آسيوي-أفريقي.

ما يبدو لي هو أن حال البشر قبل مليون عام كانت تشبه حالهم اليوم.

اليوم هناك في العالم ثلاثة أعراق كبرى هي العرق الأفريقي والعرق الآسيوي والعرق الأوروبي. أنا أظن أن تقسيما شبيها بهذا التقسيم كان موجودا قبل مليون عام (كما تفترض نظرية الأصل المتعدد multiregional hypothesis).

العرق الآسيوي القديم يتمثل بإنسان بكين، والعرق الأفريقي القديم يتمثل بالإنسان العامل، والعرق الأوروبي القديم يتمثل ربما بالإنسان الطليعي.

لاحقا حصل “امتزاج عرقي” أدى إلى ظهور “الإنسان الموريتاني” في شمال أفريقيا والهضبة الأثيوبية، و”إنسان الجليل” في فلسطين.

الإنسان الموريتاني يشبه من حيث أصوله العرق الذي يسكن اليوم في شمال أفريقيا والهضبة الأثيوبية (الذي يسمى بـ”العرق الحامي” حسب التسميات الرائجة في بدايات القرن العشرين).

العرق الموريتاني المختلط في أفريقيا هو ربما الذي تحول لاحقا إلى إنسان روديسيا/هايدلبرغ.

العرق المختلط كان يستخدم الصناعة الأشولية (التي هي أفريقية الأصل)، وأما العرق الآسيوي فكان يستخدم صناعة ألدوية حتى مليون عام قبل الوقت الحالي، وبعد ذلك بدأ هذا العرق يستخدم صناعات شبيهة بالصناعة الأشولية ولكنها ذات جودة رديئة. نفس الأمر ينطبق على العرق الأوروبي (الطليعي).

السيناريو التالي يلخص الأحداث حتى زمن انتشار إنسان هايدلبرغ:

  • الهجرة الأولى للبشر كانت قبل حوالي مليوني عام من أفريقيا إلى غرب آسيا. البشر الذين هاجروا في هذا الوقت كانوا يحملون صناعة ألدوية (ينتمون إلى “الإنسان الجورجي” Homo georgicus المتحدر من الإنسان الماهر أو إنسان رودولف).
  • قبل حوالي 1,8 مليون عام بدأ البشر المتحدرون من الإنسان الجورجي يهاجرون من غرب آسيا نحو شرق آسيا وأوروبا. هذه الهجرات هي سبب وصول الصناعة الألدوية إلى شرق آسيا وأوروبا (هذه الهجرات الباكرة تفسر وجود الأدوات الألدوية في أوروبا قبل 1,6 مليون عام). هذه الهجرات أدت إلى نشوء العرق الآسيوي (إنسان بكين) والعرق الأوروبي (الإنسان الطليعي).
  • في نفس هذا الوقت تقريبا ظهرت الصناعة الأشولية في شرق أفريقيا. هذه الصناعة امتدت ووصلت إلى فلسطين قبل حوالي 1,4 مليون عام (ربما بسبب هجرات العرق الأفريقي من شرق أفريقيا نحو الشمال). إنسان الجليل والإنسان الموريتاني يعبران عن الاختلاط العرقي بين سكان أفريقيا وآسيا الذي بدأ منذ ذلك الوقت.
  • قبل حوالي مليون عام بدأ العرق الموريتاني المختلط يتحول إلى إنسان هايدلبرغ، وفي نفس هذا الوقت تقريبا بدأ انتشار الصناعة الأشولية في آسيا وأوروبا (ما يعبر عن انتشار إنسان هايدلبرغ في آسيا وأوروبا). في النهاية الصناعة الآشولية غطت مساحة واسعة تمتد من الهند إلى غرب أوروبا.

هذا السيناريو يتوافق مع رأي الباحثين الذين يقولون أن إنسان هايدلبرغ ليس متحدرا من الإنسان الطليعي. أنا أؤيد هذه الفكرة لأنها تتوافق مع الأدلة. إنسان هايدلبرغ كان يستخدم أدوات مختلفة عن أدوات الإنسان الطليعي. أدوات إنسان هايدلبرغ يعود أصلها إلى أفريقيا (ما يدل على أصله الأفريقي أو الشرق أوسطي)، أما الإنسان الطليعي فكان يستخدم أدوات بدائية تشبه الأدوات التي يستخدمها سكان شرق آسيا.

هناك معلومة مهمة وهي أن الأدوات البدائية غير الأشولية ظلت مستخدمة في أوروبا حتى بعد وصول إنسان هايدلبرغ والأدوات الأشولية. الباحثون يسمون هذه الصناعة المتأخرة باسم Clactonian Industry. هذه الصناعة غير الأشولية بدأت في أوروبا قبل 400,000 عام تقريبا وهي كانت معاصرة للصناعة الأشولية. من هم أصحاب هذه الصناعة؟ من الممكن أن هذه الصناعة تعبر عمن بقي في أوروبا من سكانها الأصليين (الإنسان الطليعي).

تحدثت عن أصل الزواج في موضوع بعنوان أصل ظاهرة الكبت الجنسي عند العرب (1). هذا الموضوع هو من المواضيع التي ندمت بعد كتابتها لأنني كتبته دون تحضير جيد ولهذا السبب كان فيه بعض الخلط والتشويش.

هناك قضيتان لم أميز بينهما جيدا في ذلك الموضوع، القضية الأولى هي الزواج (باليونانية (gámos) γάμος) والقضية الثانية هي البطريركية.

البطريركية patriarchy أو النظام الأبوي هي ظاهرة متأخرة ظهرت قبل بضعة آلاف من السنين. مفاهيم العذرية والتقييد الجنسي هي مرتبطة بظهور البطريركية. أنا تحدثت عن الأصل المحتمل للبطريركية في المقال المسمى أصل ظاهرة الكبت الجنسي عند العرب (2).

الزواج هو أقدم بكثير من البطريركية. في المقال المسمى تطور الإنسان (2) أنا أشرت إلى نظرية تفسر تطور الزواج لدى البشر، ولكن هذه النظرية هي ليست محل إجماع وهناك بعض الجدل حولها.

أصل الزواج لدى البشر هو مسألة غامضة وخلافية. هناك أولا جدل حول نوعية الزواج البشري الأصلي. هل هو الزواج الأحادي monogamy (زوجة واحدة لكل رجل) أم الزواج المتعدد polygamy (أكثر من زوجة للرجل الواحد)؟

تشارلز داروين رأى أن الزواج المتعدد هو الحالة الأقدم لدى البشر (من ويكيبيديا):

In his 1871 book The Descent of Man, Darwin stated that “Judging from the social habits of man as he now exists, and from most savages being polygamists, the most probable view is that primeval man aboriginally lived in small communities, each with as many wives as he could support and obtain, whom he would have jealously guarded against all other men.”

هناك باحثون معاصرون يدعمون هذا الرأي (من ويكيبيديا):

Scientists discuss the evolution of monogamy in humans as if it is the prevailing mating strategy among Homo sapiens, although only approximately 17.8% (100) of 563 societies sampled in Murdock’s Atlas of World Cultures has any form of monogamy [...] Therefore, “genetic monogamy appears to be extremely rare in humans,” and “social monogamy is not common” [...] This means that monogamy is not the predominant mating system among the hominid lineage and probably never was.

المقصود بـ social monogamy أو marital monogamy هو الزواج الأحادي بغض النظر عن التقييد الجنسي، والمقصود بـ sexual monogamy أو genetic monogamy هو التقييد الجنسي للمتزوجين بحيث لا يحق مثلا للزوجة أن تمارس العلاقة الجنسية مع شخص آخر غير زوجها (أو العكس).

الزواج الأحادي هو نادر لدى الحيوانات (من ويكيبيديا):

Socially monogamous species are scattered throughout the animal kingdom: A few insects, a few fish, about nine-tenths of birds, and a few mammals are socially monogamous.

…………………………

The amount of social monogamy in animals varies across taxa, with over 90% of birds engaging in social monogamy while only 3% of mammals are known to do the same.

الزواج الأحادي نادر لدى الحيوانات عموما ولدى الثدييات خصوصا، وهو نادر طبعا لدى الرئيسيات Primates (القرود).

الإنسان هو من الرئيسيات، وبالتالي المفترض نظريا هو أن يكون الزواج الأحادي نادرا لدى البشر. الإحصاءات تبين أن الزواج الأحادي هو النمط الأشيع لدى البشر وإن كانت غالبية الشعوب تقر الزواج المتعدد (من ويكيبيديا):

According to the Ethnographic Atlas, of 1,231 societies from around the world noted, 186 were monogamous; 453 had occasional polygyny; 588 had more frequent polygyny; and 4 had polyandry. However, this does not take into account the relative population of each of the societies studied, and the actual practice of polygamy in a tolerant society may actually be low, with the majority of aspirant polygamists practicing monogamous marriage.

صحيح أن عدد الشعوب التي تسمح بالزواج المتعدد هو كبير، ولكن غالبية البشر يمارسون الزواج الأحادي. نسبة الأشخاص الذي يتزوجون أحاديا هي أكبر حتى في المجتمعات التي تسمح بالزواج المتعدد.

بالنسبة للمستحاثات البشرية القديمة فهناك جدل حولها. بعض الدراسات تقول أن مستحاثات القرود الجنوبية تبدي قدرا كبيرا من ثنائية الشكل الجنسية sexual dimorphism، وهذه الظاهرة انخفضت بشكل ملحوظ لدى الإنسان المنتصب والإنسان العامل. هذا دليل على أن التنافس الذكوري على الإناث انخفض مع تطور البشر. في المقابل هناك باحثون ينكرون هذا الكلام ويقولون أن ثنائية الشكل الجنسية في مستحاثات القرود الجنوبية لا تزيد عما هو مشاهد لدى البشر المعاصرين.

هناك إذن جدل حول أصل الزواج عند البشر، ولكن في رأيي أن النظرية التي ذكرتها في مقال “تطور الإنسان (2)” هي النظرية الأرجح والأكثر منطقية.

تعدد الزوجات لم يكن في مصلحة البشر الباكرين لأكثر من اعتبار:

  • الجنس البشري هو من الأصل جنس معتّر وفقير. البشر الأوائل كانوا يعملون في نبش القمامة. هذا الشعب الفقير لا يمكنه أن يمارس تعدد الزوجات، لأن إعالة المرأة البشرية هي أمر مكلف وشاق.
  • البشر (خاصة منذ زمن الإنسان المنتصب/العامل) كانوا يميلون للتعاون والتشارك في الصيد. التقاتل والتنازع على الإناث هو ليس في مصلحتهم.

هذه الاعتبارات هي ربما التي جعلت البشر الأوائل يبتعدون عن تعدد الزوجات.

هذه الاعتبارات ما زالت قائمة حتى الآن. كثير من ذكور البشر المعاصرين يودون أن يمارسوا التعدد ولكنهم لا يفعلون ذلك بسبب الكلفة العالية وخوفا من العواقب الاجتماعية. هذه العوامل هي ربما نفس العوامل التي كانت موجودة عند ظهور الجنس البشري قبل 2,5 مليون عام.

تعدد الزوجات لا يناسب طبيعة حياة البشر لأن الزواج من الأنثى البشرية يختلف عن الزواج من إناث الكائنات الأخرى، ولأن طبيعة العلاقات الاجتماعية البشرية تختلف عن طبيعة العلاقات الاجتماعية لدى الكائنات الأخرى. الذكر البشري يحتاج دائما لمساعدة البشر الآخرين وهو لا يستطيع أن يخرب علاقاته مع بقية البشر فقط لكي يستولي على النساء.

طبعا أنا أتكلم عن النمط العام وليس عن الاستثناءات. هناك بعض الذكور الذين يستطعيون إعالة عدد كبير من النساء والذين لا يخشون من العواقب الاجتماعية في حال مارسوا التعدد. هذا الأمر هو استثناء وليس القاعدة.

ملاحظة: أنا عندما أقول أن “كلفة إعالة المرأة البشرية عالية” أقصد أن الكلفة عالية بالمقارنة مع عالم الحيوان، لأنني أتحدث في سياق نظرية التطور التي هي فرع من البيولوجيا. لو كنا نتحدث في سياق آخر غير هذا السياق فأنا ما كنت لأقول أن كلفة إعالة الزوج لزوجته هي عالية.

في المقال الأخير تحدثت عن الجيل الأول من البشر الذي يسمى الإنسان الماهر Homo habilis وإنسان رودولف Homo rudolfensis. في هذا المقال سأتحدث عن الجيل الثاني من البشر.

هناك مسألة أشرت لها سابقا وهي أن كل التصنيفات والتقسيمات التي يذكرها الأنثروبولوجيون تبدو لي وكأنها مجرد وجهات نظر. التصنيف في البيولوجيا هو ليس مسألة سهلة، لأن هناك تنوعا كبيرا داخل كل نوع حي species.

أنا أشرت إلى الخلاف حول تصنيف البشر المعاصرين. في القرنين 18 و19 كان هناك جدل حول ما إذا كان البشر المعاصرون نوعا واحدا أم عدة أنواع. Carl Linnaeus صنف البشر على أنهم نوع واحد، ولكن هناك كثيرين كان لهم رأي آخر.

إذا كان الباحثون اختلفوا حول تصنيف البشر المعاصرين فهل من المتوقع أن يتفقوا على تصنيف مئات المستحاثات البشرية التي تعود لمئات آلاف وملايين السنين؟

لا يوجد في الحقيقة اتفاق حول تصنيف المستحاثات البشرية. في الإعلام هناك عدة تصنيفات ومصطلحات تتردد أكثر من غيرها، ولكن بمجرد الرجوع لبعض المصادر يتبين سريعا أن الاختلافات جمة وأن الآراء كثيرة ومتضاربة.

عند القراءة في هذا المجال شعرت بأن كلا يغني على ليلاه وبأن المسألة أشبه بسوق عكاظ.

حتى “الإنسان الماهر” هو ليس تصنيفا أكيدا. هناك باحثون يصنفون الإنسان الماهر مع القرود الجنوبية ويسمونه Australopithecus habilis.

المشكلة الرئيسية التي تظهر سريعا عند القراءة في هذا المجال هي أن باحثي الأنثروبولوجيا ينقسمون إلى مُكتِّلين lumpers ومُشطٍّرين splitters. هذا الانقسام هو موجود في كل المجالات العلمية التي تتطلب التصنيف. المقصود بالمكتلين هم الذين يميلون إلى التصنيفات الكبيرة والعامة، أما المشطرون فهم الذين يميلون إلى التقسيمات الدقيقة والمفصلة.

حسب ويكيبيديا فإن تشارلز داروين هو أول من أشار إلى الفرق بين المكتلين والمشطرين:

The earliest use of these terms was apparently by Charles Darwin, in a letter to J. D. Hooker in 1857. “(Those who make many species are the ‘splitters,’ and those who make few are the ‘lumpers.’)” They were introduced more widely by George G. Simpson in his 1945 work “The Principles of Classification and a Classification of Mammals.” As he put it, “splitters make very small units – their critics say that if they can tell two animals apart, they place them in different genera … and if they cannot tell them apart, they place them in different species. … Lumpers make large units – their critics say that if a carnivore is neither a dog nor a bear, they call it a cat.”

الجيل البشري الثاني

هناك خلاف كبير حول تصنيف مستحاثات الجيل البشري الذي جاء بعد الإنسان الماهر وإنسان رودولف والقرود الجنوبية.

المكتلون يطلقون على هذا الجيل مسمى الإنسان المنتصب Homo erectus.

الإنسان المنتصب ظهر قبل حوالي مليوني عام، أي بعد حوالي نصف مليون عام من بداية العصر الجليدي وظهور الإنسان الماهر.

الإنسان المنتصب هو شبيه نوعا ما بالبشر المعاصرين (بخلاف الإنسان الماهر الذي هو أشبه بالقرود). القرود تتميز بأن لها جبهة مائلة (sloping forehead) وفما بارزا للأمام (prognathism) وعظام وجنات بارزة (prominent zygomata). هذه الصفات هي كلها أقل لدى الإنسان المنتصب مما هي عليه لدى القرود ولدى الإنسان الماهر.

إعادة بناء للإنسان المنتصب

بعض الباحثين يقولون أن الإنسان المنتصب كان ضخما يصل طوله إلى 180-190 سم.

حجم دماغ الإنسان المنتصب عند بداية ظهوره هو 850 سم مكعب، وهذا حجم جيد مقارنة بالقرود.

الإنسان المنتصب هو أقدم كائن بشري عثر عليه خارج أفريقيا. الباحثون يربطون هجرة الإنسان المنتصب إلى آسيا بتغير المناخ قبل مليوني عام إلى مناخ مطير. عندما كان المناخ مطيرا كانت الصحراء الكبرى في شمال أفريقيا خضراء وكانت هناك جماعات من الإنسان المنتصب تعيش فيها، ولكن عندما تغير المناخ نحو الجفاف قبل 1,8 مليون عام هاجرت بعض جماعات الإنسان المنتصب إلى آسيا. هذه هي نظرية “مضخة الصحراء الكبرى” Sahara pump theory.

إذن الإنسان المنتصب هو أول كائن بشري عاش في كل من أفريقيا وآسيا.

حاليا هناك باحثون يشطرون الإنسان المنتصب إلى نوعين:

  • الإنسان المنتصب الذي ظل في أفريقيا ولم يهاجر خارجها يسمونه الإنسان العامل Homo ergaster
  • الإنسان المنتصب الذي هاجر إلى آسيا يسمونه الإنسان المنتصب Homo erectus

عند هؤلاء كلمة “الإنسان المنتصب” تعني حصرا الإنسان المنتصب الآسيوي. هم يعتبرون أن الإنسان العامل هو نوع منفصل عن الإنسان المنتصب.

المكتلون يرون الفروقات بين الإنسان العامل والإنسان المنتصب الآسيوي مجرد فروقات بسيطة كالفروقات المشاهدة حاليا بين الأعراق، وأما المشطرون فيعتبرون الكائنين نوعين منفصلين.

حاليا وجهة نظر المشطرين هي الغالبة في الإعلام، لأنها تتوافق مع نظرية الأصل الأفريقي للإنسان الحكيم الحديث (التي تسمى Out of Africa theory).

أنصار نظرية الأصل الأفريقي يعتبرون أن الإنسان المنتصب الآسيوي هو مجرد نوع بشري قديم منقرض لا علاقة له بالبشر المعاصرين من قريب أو بعيد.

نظرية الأصل الأفريقي تقول أن مصدر كل البشر الموجودين حاليا خارج أفريقيا هو هجرة حديثة جدا من أفريقيا حصلت قبل أقل من 200,000 عام (حسب الدراسات الجينية قبل 70,000 عام).

هذه الهجرة قامت بعملية استبدال replacement لكل البشر الذين كانوا يسكنون خارج أفريقيا، بمعنى أن أحفاد الإنسان المنتصب الآسيوي (وغيره من الأنواع غير الأفريقية التي سنذكرها لاحقا) انقرضوا جميعا ولم يبق لهم أي أثر.

أنصار نظرية الأصل الأفريقي ينكرون إمكانية التزاوج بين الإنسان الحكيم الحديث وبين الإنسان المنتصب ونحوه من الكائنات ذات الأصل غير الأفريقي. لهذا السبب هم يصنفون الإنسان المنتصب كنوع منفصل عن الإنسان العامل والأنواع الأفريقية المتحدرة منه.

في البيولوجيا التزاوج هو ممكن فقط بين الكائنات التي تنتمي لنفس النوع species، أما الكائنات التي تنتمي لنوعين مختلفين فهي لا يمكن أن تتزاوج. إذا حصل اتصال جنسي بين كائنين من نوعين مختلفين فهذا يسمى تهجينا hybridization. التهجين في العادة لا يؤدي إلى حمل وولادة طبيعية. الأغلب هو ألا يحصل حمل من الأساس، وفي حال حصل حمل فالجنين غالبا ما يموت، وفي حال ولد الجنين فهو غالبا ما يكون عقيما غير قادر على الإنجاب.

هذا هو السبب الذي يجعل أنصار نظرية الأصل الأفريقي يصنفون الإنسان المنتصب وأحفاده الآسيويين كنوع منفصل عن الإنسان العامل وأحفاده الأفارقة. هم يريدون أن يقولوا أن التزاوج بين أحفاد الإنسان المنتصب وبين أحفاد الإنسان العامل هو أمر مستحيل، وبالتالي لا بد أن كل البشر الموجودين حاليا هم من نسل الإنسان العامل حصرا، وأما الإنسان المنتصب الآسيوي وأحفاده فهم بادوا دون أن يخلفوا أثرا.

أنصار نظرية الأصل المتعدد multiregional hypothesis لهم رأي آخر. هم يرون أن الفروقات بين الإنسان المنتصب الآسيوي وأحفاده من جهة وبين الإنسان العامل الأفريقي وأحفاده من جهة أخرى كانت مجرد فروقات طفيفة كالفروقات المشاهدة حاليا بين الأعراق البشرية. بالتالي التزاوج بين سلالة الإنسان المنتصب الآسيوي وبين سلالة الإنسان العامل الأفريقي لم يكن مستحيلا بل كان يحصل على الدوام. أصحاب هذه النظرية يرون أن البشر المعاصرين هم متحدرون من كل من الإنسان المنتصب والإنسان العامل في آن واحد.

أنصار نظرية الأصل المتعدد يقولون أن الفروقات العرقية بين البشر كانت موجودة منذ حوالي مليوني عام (منذ هجرة الإنسان المنتصب الأولى إلى آسيا)، والفروقات العرقية المشاهدة بين البشر حاليا هي مجرد امتداد للفروقات القديمة التي تعود لملايين أو مئات آلاف السنين، أما أنصار نظرية الأصل الأفريقي فيقولون أن الفروقات العرقية بين البشر نشأت حديثا جدا (حسب المستحاثات قبل 200,000 عام، وحسب الدراسات الجينية قبل 70,000 عام).

هذا باختصار هو جوهر الصراع بين المدرستين. الإعلام الغربي ينحاز لمدرسة الأصل الأفريقي على أساس أن المدرسة الأخرى عنصرية. هم ربما يربطون بين أفكار المدرسة الثانية وبين فكرة “الأصل المتعدد للأعراق” polygenism التي كانت سائدة في القرن 19، ولكن هذا الربط في رأيي هو ليس صحيحا.

الإنسان المنتصب في آسيا

الإنسان المنتصب ظل يعيش في آسيا لزمن طويل جدا، خاصة في المناطق النائية (شرق آسيا، جنوب شرق آسيا، أستراليا). من غير الواضح ما هو الزمن الذي انقرض فيه الإنسان المنتصب نهائيا من تلك المناطق. أنصار نظرية الأصل المتعدد لا يعتقدون أنه انقرض بالمعنى الحرفي للكلمة ولكنهم يرون أنه ذاب واندمج مع موجات المهاجرين الجدد القادمين من الغرب.

في ستينات القرن العشرين عثر على موقع أثري اسمه Kow Swamp في ولاية فيكتوريا في جنوب شرق أستراليا. مكتشفو الموقع قالوا أنهم عثروا فيه على جماجم للإنسان المنتصب، والعجيب هو أن الموقع يعود لما قبل 10,000 عام فقط. لو صح هذا الكلام فهو يعني أن الإنسان المنتصب ظل يعيش في أستراليا حتى نهاية العصر الجليدي، ولكن الباحثين عموما لم يقبلوا تصنيف هذه الجماجم على أنها تعود للإنسان المنتصب.

أحدث مستحاثة يتفق كثير من الباحثين على أنها تعود للإنسان المنتصب عثر عليها في جزيرة جاوة في إندونيسيا (تسمى “إنسان سولو” Solo Man). في البداية قيل أن عمر هذه المستحاثة هو 50,000 عام فقط، ولكن لاحقا تم تغيير التاريخ إلى 143,000 عام كحد أدنى. هذا يعني أن الإنسان المنتصب كان ما يزال موجودا في إندونيسيا قبل 150,000 عام تقريبا.

هذه الأدلة تعني أن الإنسان المنتصب عاش لمدة مليوني سنة تقريبا قبل أن ينقرض. خلال هذا العمر المديد لا بد أن الإنسان المنتصب تطور وتكيف. ما يلي من ويكيبيديا حول إنسان سولو:

Though its morphology was, for the most part, typical of Homo erectus, its culture was unusually advanced. This poses many problems to current theories concerning the limitations of Homo erectus behavior in terms of innovation and language. Its cranial capacity ranged between 1013–1251 cm³, placing it amongst the larger-brained members of the Homo genus.

إنسان سولو رغم كونه من الإنسان المنتصب شكليا إلا أنه كان متطورا ثقافيا ودماغه كان كبيرا ويقع ضمن مجال دماغ الإنسان الحكيم.

هذا مجرد مثال من الأمثلة العديدة التي تدعم نظرية الأصل المتعدد للبشر. عندما نجد مستحاثة للإنسان المنتصب في سياق أثري مشابه لسياق الإنسان الحكيم فهذا يدل على أن الإنسان المنتصب في أواخر عهده كان يندمج مع الإنسان الحكيم، أي أن ما كان يحصل هو اندماج أو convergence وليس replacement.

الإنسان العامل في أفريقيا

الإنسان العامل عاش في أفريقيا حتى 1,4 مليون سنة قبل الوقت الحالي، وبعد ذلك لا أحد يعلم ما الذي حدث له لأن مستحاثاته انقطعت ولا توجد مستحاثات أخرى توضح ما حصل.

حسب علمي لا توجد مستحاثات بشرية من أفريقيا تعود للفترة الممتدة بين 1,4 مليون سنة و300,000 سنة قبل الوقت الحالي. هذا يعني أن هناك فجوة طولها مليون عام تقريبا لا ندري ما الذي حصل خلالها للبشر في أفريقيا.

الإنسان العامل من الناحية الشكلية أو المورفولوجية هو مثل الإنسان المنتصب، ولكن هناك فروقات طفيفة بينهما. مثلا عظام جمجمة الإنسان العامل هي أرق من عظام جمجمة الإنسان المنتصب. أيضا الإنسان العامل كان يصنع أدوات أفضل من التي يصنعها الإنسان المنتصب.

إعادة بناء لـ Turkana Boy (الإنسان العامل)

أقدم عصر أثري (أركيولوجي archeological) هو كما قلنا العصر الحجري القديم Old Stone Age أو العصر الباليوليثي Paleolithic (كلمة (palaiόs) παλαιός باليونانية تعني “قديم”، وكلمةlíthos) λίθος ) تعني “حجر”). هذا العصر بدأ تقريبا مع بداية العصر الجليدي الأخير قبل 2,5 مليون عام. هذا العصر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

  • العصر الباليوليثي الأسفل Lower Paleolithic
  • العصر الباليوليثي الأوسط Middle Paleolithic
  • العصر الباليوليثي الأعلى Upper Paleolithic

العصر الباليوليثي الأسفل استمر حتى 300,000 عام قبل الوقت الحالي، أي أنه استمر لأكثر من مليوني عام. الأثريون يسمون الحقبة الأولى من هذا العصر باسم الصناعة الأُلدُوية Oldowan Industry (نسبة إلى موقع Olduvai في شمال تنزانيا). الصناعة الألدوية هي أول صناعة ظهرت في العالم. هي عبارة عن أحجار من الصوان قام صانعوها بضربها ببعضها فنتج عن ذلك قطع مكسرة ذات حواف حادة يمكن استخدامها في النهش والنبش والنكش، ولكنها ليست مفيدة جدا للصيد. الباحثون يربطون هذه الأدوات البدائية بالجيل البشري الأول، أي الإنسان الماهر وإنسان رودولف (اللذان كانا يعتاشان من نهش الجيف ونكش الفطور والجذور من باطن الأرض)، ومن الممكن أيضا أن القرود الجنوبية الجسيمة كانت تستخدم مثل هذه الأدوات، ولكن ليس بنفس مهارة الإنسان، لأن دماغ الإنسان أكبر (وبالتالي هو أمهر في استخدام الأدوات). أيضا نحن نعرف من العصور اللاحقة أن البشر طوروا صناعة الأدوات على نحو كبير، وبالتالي هذه المسألة هي من اختصاصهم.

أداة ألدوية

الحقبة التالية للصناعة الألدوية هي الصناعة الأشولية Acheulean Industry (نسبة إلى بلدة سان أشول Saint-Acheul في شمال فرنسا). هذه الأدوات ظهرت قبل حوالي 1,5 مليون سنة واستمرت حتى 300,000 سنة قبل الآن، بمعنى أنها استمرت تقريبا لمدة مليون ونصف مليون سنة. الفترة الأشولية مع الفترة الألدوية تسميان كلتاهما باسم العصر الباليوليثي الأسفل Lower Paleolithic.

الأدوات الأشولية كانت عبارة عن فؤوس من الحجر، وبالتالي هي كانت أنفع للصيد من الأدوات الألدوية.

أداة أشولية

الباحثون يربطون الصناعة الأشولية بالإنسان العامل (الأفريقي) دون الإنسان المنتصب (الآسيوي)، لأن هذه الصناعة ظهرت في أفريقيا بعد هجرة الإنسان المنتصب. هذه الصناعة انتشرت لاحقا إلى غرب آسيا وأوروبا ولكنها لم تصل أبدا إلى شرق وجنوب شرق آسيا، ما يعني أن الجيل الأول من المهاجرين إلى آسيا لم يكونوا يعرفون هذه الأدوات.

هذا يجعلني أتساءل عن نوعية هؤلاء المهاجرين الباكرين. قبل حوالي 20 سنة اكتشفت مستحاثة للإنسان المنتصب في جورجيا في القوقاز. هذه المستحاثة مهمة لأن عمرها 1,8 مليون سنة وهي تقع في غرب آسيا بالقرب من أفريقيا، ما يعني أنها تعبر عن الموجة الأولى من المهاجرين إلى خارج أفريقيا. اللافت هو أن هذه المستحاثة بدائية جدا والباحثون الآن يقولون أنها تعبر عن مرحلة انتقالية ما بين الإنسان الماهر والإنسان المنتصب. هذا يعني أن المهاجرين الأوائل إلى آسيا كانوا ما يزالون يشبهون الإنسان الماهر. هذا يفسر تخلفهم وافتقادهم للأدوات المتطورة. هذا يوحي لي بأن هؤلاء المهاجرين كانوا ما يزالون يعتاشون من نبش القمامة ولم تكن لهم علاقة بالصيد ولا بالطبخ والنفخ ونحو ذلك من الأمور التي تنسب للإنسان المنتصب.

جمجمة الإنسان المنتصب في جورجيا

بعض الناس يصورون الإنسان المنتصب على أنه صياد مغوار يشعل النار ويشق عباب البحار. هذه الصفات ظهرت لاحقا ولم تكن موجودة لدى الجيل الأول من المهاجرين إلى آسيا. الجيل الأول كان أشبه بالقرود وهو خرج من أفريقيا بسبب التحسن المناخي في الصحراء الكبرى قبل مليوني عام. القدرة على الصيد والطبخ والإبحار (وربما الكلام أيضا كما يزعم البعض) هي أمور ظهرت في أزمنة تالية لزمن الهجرة الأولى نحو آسيا، وهي ظهرت أولا في أفريقيا وانتشرت من هناك.

بما أن الصناعة الأشولية بدأت في أفريقيا فهذا يوحي بأن الصيد بدأ أو تطور في أفريقيا، لأن الصيد صعب بدون الأدوات الأشولية.

الصيد بالمناسبة ليس شيئا خاصا بالبشر. بعض الباحثين رصدوا في أفريقيا جماعات من الشمبانزي تتعاون سوية لصيد حيوانات صغيرة (القرود مثلا). على ما يبدو فإن غريزة الصيد هي شيء موجود لدى كل أفراد عائلة القرود الكبيرة (وربما القرود الصغيرة أيضا، لا أدري بصراحة).

إذا كانت غريزة الصيد ميزة عامة لكل عائلة القرود الكبيرة فهذا يوحي بأنها غريزة قديمة جدا تعود إلى ما قبل تفرع هذه العائلة. إذن من الممكن أن البشر الأوائل كانوا يمارسون الصيد أيضا، ولكن بشكل محدود، لأن أدواتهم وإمكاناتهم لم تكن تسمح لهم بصيد الحيوانات الكبيرة. هم ربما كانوا يصيدون الفئران والأرانب ونحو ذلك (ولكن ليس الغزلان مثلا).

بعض الباحثين يربطون بين نمو دماغ الإنسان وبين ممارسته للصيد. الصيد يتطلب قدرة على استخدام الأدوات تفوق القدرة اللازمة لنهش الجيف ونبش الأراضي. لو فرضنا أن الإنسان العامل في أفريقيا ركز على الصيد فلا بد أن هذا شجع نمو دماغه.

لو نظرنا حاليا إلى قشرة المخ عند الإنسان (المعاصر) فسنجد أن القسم المسؤول عن تحريك الأيدي هو كبير جدا. هذا يدل على الأهمية التاريخية للمهارة اليدوية بالنسبة للإنسان.

الصيد يوفر للإنسان كميات كبيرة من البروتين، وهذا عامل إضافي يشجع على نمو الدماغ والجسم عموما.

هناك ميزة إضافية للصيد إلى جانب موضوع المهارة اليدوية: الصيد هو نشاط تعاوني يشترك فيه مجموعة من الأفراد (كما يظهر مثلا من مثال الشمبانزي الذي ذكرته بالأعلى). لو فرضنا أن الإنسان العامل ركز على الصيد فهذا يفسر نمو الجانب التعاوني والاجتماعي لديه. هذا الجانب هو مرتبط أيضا بمهارات التواصل والتعبير والكلام.

بعض الباحثين يرون أن بداية ظهور الحياة الاجتماعية المعقدة لدى الإنسان كانت ربما في زمن الصناعة الأشولية والإنسان العامل. صيد الحيوانات الكبيرة هو مسألة صعبة وبحاجة لتعاون عدد من الأفراد. الإنسان العامل عندما كان يخرج للصيد كان يخرج في مجموعات تضم عدة أفراد. هؤلاء الأفراد كانوا بحاجة للتواصل فيما بينهم حتى يحققوا نتائج أفضل في الصيد، وهذه الحاجة للتواصل شكلت دافعا تطوريا أدى إلى نمو مهارات التواصل الاجتماعي لديهم بشكل تدريجي.

بعد الصيد الرجال كانوا بحاجة لتقاسم الحيوان الذي صادوه. هم كانوا يضطرون لسحبه إلى قاعدتهم أو معسكرهم لكي يتمكنوا هناك من تقطيعه وتقاسمه وإطعام أطفالهم ونسائهم. هذا الأمر أدى لنشوء نواة القبيلة أو المجتمع. البشر كانوا مضطرين للتواصل فيما بينهم لكي يتفقوا على كيفية تقاسم الغنائم وكيفية إدارة شؤون قبيلتهم أو مجتمعهم. هذه الحاجة للتواصل شكلت دافعا تطوريا نمّى مهارات التواصل لديهم.

هناك أيضا أسباب أخرى يذكرها الباحثون أدت إلى نمو مهارات التواصل والعلاقات العاطفية المعقدة بين البشر. أحد هذه الأسباب مثلا هو أن نمو دماغ الإنسان جعل رأسه تكبر، وهذا ما أدى إلى تقليل فترة حمل أمه به لكي تتمكن من ولادته دون عملية قيصرية (إذا بقي طويلا في الرحم فإن رأسه لن تمر عبر ممر الولادة). القرود رؤوسها صغيرة، ولهذا هي تمكث في أرحام أمهاتها لفترات طويلة، وهي تولد ناضجة ولا تحتاج لرعاية طويلة بعد الولادة. الجنس البشري (خاصة أنواعه المتأخرة) يمتاز برؤوس كبيرة، وبالتالي المرأة البشرية صارت مضطرة لأن تلد الطفل بسرعة وقبل أن ينضج بشكل جيد، وهذا يجعل أطفال البشر بحاجة لرعاية أكبر بعد الولادة. امرأة الإنسان العامل صارت تضطر لإمضاء فترة طويلة بعد الولادة في رعاية طفلها، وخلال هذه الفترة هي بحاجة لمن يساعدها ويزودها وطفلها بالغذاء. من هنا ظهرت الحاجة للعلاقة بين الذكر والأنثى التي تسمى بـ “الزواج”.

أنا تحدثت في مقال سابق عن مفهوم الزواج وقلت أن هذا المفهوم لم يكن في الأصل مرتبطا بالعفة أو التقييد الجنسي للمرأة. حاليا الناس يعتبرون الزواج مرادفا للعفة، بمعنى أن مفهوم الزواج لدى الناس هو تقييد المرأة جنسيا برجل معين. هذا المفهوم هو مفهوم حديث. في كثير من المجتمعات (البدائية) المرأة المتزوجة هي ليست مقيدة جنسيا ويمكنها أن تمارس الجنس مع أشخاص آخرين غير زوجها (وطبعا العكس صحيح). أنا أشرت في ذلك المقال إلى نكاح الاستبضاع الذي كان ممارسا لدى العرب في الجاهلية. هذا النوع من النكاح هو من بقايا العصور القديمة قبل ظهور مفاهيم العفة والتقييد الجنسي.

الزواج في الأصل لم تكن له علاقة بالتقييد الجنسي أو منع اختلاط الأنساب. الزواج في أصله هو مجرد استمرار لظاهرة حيوانية يسميها الباحثون pair bonding. هذه الظاهرة هي مرتبطة بالتناسل. الإناث في كثير من الأنواع الحيوانية يحتجن للرعاية أو لاهتمام خاص من الذكر في فترة الإخصاب أو الحمل أو الولادة. هذا هو أصل مفهوم الزواج. هو مرتبط بحفظ النوع. ذكور البشر كانوا مضطرين للزواج من الإناث لكي يستمر التناسل ولكي لا يفنى النوع البشري.

حسب علمي فإن الأنثى البشرية تحتاج لعناية تفوق ما تحتاجه أية أنثى أخرى. لهذا السبب أهمية الزواج لدى البشر تعاظمت وفاقت ما هو موجود لدى الكائنات الأخرى. هذا الأمر ربما كانت له علاقة بتطور العواطف والمشاعر لدى البشر.

تعاظم أهمية الزواج لدى البشر أدى لتقليل أهمية “الانتخاب الجنسي” sexual selection و”ثنائية الشكل الجنسية” sexual dimorphism.

الانتخاب الجنسي هو مفهوم شرحه داروين. هو فرع من مفهوم الانتخاب الطبيعي natural selection. المقصود بالانتخاب الجنسي هو أن الذكر الأصلح للإنجاب يحصل على فرص أكبر للتزاوج مع الإناث.

في عالم القرود مفهوم الانتخاب الجنسي يطبق على نحو صارم للغاية. مثلا في قبيلة الغوريلات هناك في العادة ذكر وحيد يحتكر إناث القبيلة لنفسه ويمنع الذكور الآخرين من التزاوج معهن. بما أن هذا الذكر هو أقوى من بقية الذكور فهو الوحيد الذي يحق له التزاوج مع الإناث.

ثنائية الشكل الجنسية sexual dimorphism هي مرتبطة بما سبق. المقصود هو الاختلاف في الشكل بين الذكور والإناث. هذه الظاهرة توجد بوضوح لدى الغوريلات. أنثى الغوريلا تختلف في الشكل كثيرا عن ذكر الغوريلا. الأنثى هي أصغر حجما بكثير وهي تفتقد للأنياب الكبيرة التي يملكها الذكر.

هذه الظواهر خفت لدى البشر بسبب تعاظم أهمية الزواج.

بما أن التنافس على الإناث خف وأصبح أقل أهمية فهذا أدى لتغيرات شكلية في الذكور. مثلا الأنياب الضخمة التي تميز ذكور القرود لم تعد موجودة لدى البشر. حسب الباحثين فإن الوظيفة الأساسية لهذه الأنياب هي تخويف الذكور الآخرين. بما أن التنافس على الإناث بين ذكور البشر أصبح قليلا فلم تعد هناك أهمية لهذه الأنياب المخيفة، ولم تعد هناك أهمية لضخامة حجم الذكور. حاليا ثنائية الشكل الجنسية ما تزال موجودة لدى البشر ولكنها خفيفة جدا ولا تقارن بما هو موجود لدى الغوريلات مثلا.

ذكور البشر يحتاجون للتعاون مع بعضهم لكي يحققوا نتائج أفضل في الصيد، ومشكلة الإناث لم تعد مشكلة مهمة بسبب تطبيق الزواج والاهتمام به. بالتالي لم تعد هناك حاجة للعدائية الزائدة بين الذكور. على العكس هذه العدائية صارت مضرة لأنها تعيق الجهد الجماعي.

لهذا السبب أشكال الذكور تغيرت تدريجيا نحو أشكال غير مخيفة. الذكور صاروا يريدون أن يكسبوا ثقة بعضهم وليس أن يخيفوا بعضهم.

قضية الثقة هي مرتبطة أيضا بتطور الكلام عند البشر، ولكن هذا الموضوع سأتحدث عنه في وقت لاحق.

هذه بعض الاعتبارات التي أدت إلى تطور الإنسان العامل بشكل تدريجي حتى وصل إلى شكل شبيه بالشكل البشري المعروف لنا. الانتقال من العمل في نبش القمامة إلى الصيد كان خطوة هامة. لهذا السبب بؤرة تطور البشر كانت في أفريقيا حيث ظهرت الأدوات الأشولية المناسبة للصيد. من الممكن أن بيئة أفريقيا كانت مناسبة للصيد أكثر من بيئة آسيا وهذا ربما يكون السبب الذي جعل الأفارقة يتطورون على نحو أسرع من الآسيويين (هذه الفكرة الأخيرة هي مجرد تخمين من عندي وأنا لست واثقا من صحتها).

في المقال القادم سوف أتحدث عن الجيل البشري التالي للإنسان العامل والإنسان المنتصب.

كنت أريد أن أكمل الحديث في موضوع هجرة البشر من أفريقيا إلى آسيا، ولكن لكي أكمل الموضوع لا بد أن أتطرق لفكرة “الأصل المتعدد” للأعراق. لو تطرقت لهذه الفكرة فسأضطر لاستخدام مفاهيم ومصطلحات من التي يتداولها باحثو الآثار والأنثروبولوجيا والمتعلقة بتطور الإنسان Human evolution.

تطور الإنسان

بداية فكرة “تطور الإنسان” تعود إلى القرن 19. تشارلز داروين لم يتحدث عنها في كتابه الأول الشهير ولكنه تحدث عنها في كتابه الثاني الذي حمل اسم The Descent of Man (في عام 1871). في هذا الكتاب هو اعتبر أن أفريقيا هي المرشح الأول لأن تكون مهدا للبشر:

In each great region of the world the living mammals are closely related to the extinct species of the same region. It is, therefore, probable that Africa was formerly inhabited by extinct apes closely allied to the gorilla and chimpanzee; and as these two species are now man’s nearest allies, it is somewhat more probable that our early progenitors lived on the African continent than elsewhere. But it is useless to speculate on this subject, for an ape nearly as large as a man, namely the Dryopithecus of Lartet, which was closely allied to the anthropomorphous Hylobates, existed in Europe during the Upper Miocene period; and since so remote a period the earth has certainly undergone many great revolutions, and there has been ample time for migration on the largest scale.

Charles Darwin, The Descent of Man

أقرب الكائنات إلى الإنسان هي “القرود الكبيرة” great apes (التي تسمى في التصنيف البيولوجي Hominidae، وهو تصنيف يضم الإنسان أيضا). بما أن معظم القرود الكبيرة تعيش في أفريقيا فهذا يدل على أن أفريقيا هي مهد هذه العائلة، وبالتالي لا بد أن أجداد الإنسان الأوائل عاشوا في أفريقيا. هذا هو المنطق الذي استند إليه داروين، ولكنه رغم ذلك لم يقطع بصحة هذا الكلام بل على العكس هو اعتبر البحث في هذا الموضوع أمرا بلا فائدة، لأن مستحاثة “قرد الشجر” Dryopithecus التي عثر عليها في فرنسا في 1856 تنتمي لعائلة القرود الكبيرة وعمرها يعود إلى أكثر من ستة ملايين عام. بالتالي وجود القرود الكبيرة في الماضي لم يكن محصورا في أفريقيا.

معاصرو داروين عموما رفضوا فكرة الأصل الأفريقي للبشر. باحثو القرن 19 كانوا يعتقدون أن المهد الأصلي للبشر هو قارة آسيا، وخاصة النصف الشرقي منها. هذه القناعة كانت راسخة لديهم إلى درجة أنهم سيروا العديد من الرحلات الاستكشافية نحو آسيا بهدف البحث عن المستحاثات والآثار البشرية القديمة.

البحث في آسيا أثمر عددا من المستحاثات. أولى وأشهر المستحاثات fossils التي عثر عليها في آسيا هي على ما أظن “إنسان جاوة” Java Man الذي اكتشفه في عام 1891 الهولندي Eugène Dubois. بعد ذلك اُكتُشِف أيضا “إنسان بكين” Peking Man في عشرينات القرن العشرين. هذه الاكتشافات رسخت أكثر قناعة الباحثين الغربيين بأن آسيا هي مهد البشرية.

الغربيون في تلك الحقبة كان لديهم هوس بآسيا. هم كانوا يعتقدون أن أصل كل شيء يعود إلى آسيا. لا أدري ما هو سبب هذا الهوس، ولكنني أظن أن السبب مركب وأن هناك أكثر من عامل وراء هذا الموضوع.

الكاتب الفرنسي Voltaire (القرن 18) كان يعتقد أن أصل الحكمة والحضارة هو من الهند:

N’est-il pas vraisemblable que les brachmanes sont les premiers législateurs de la terre, les premiers philosophes, les premiers théologiens?

Le peu de monuments qui nous restent de l’ancienne histoire ne forment-ils pas une grande présomption en leur faveur, puisque les premiers philosophes grecs allèrent apprendre chez eux les mathématiques, et que les curiosités les plus antiques, recueillies par les empereurs de la Chine, sont toutes indiennes, ainsi que les relations l’attestent dans la collection de Duhalde?

[...]

Les Hébreux, qui furent connus si tard, ne nomment jamais les brachmanes; ils ne connurent l’Inde qu’après les conquêtes d’Alexandre, et leurs établissements dans l’Égypte, de laquelle ils avaient dit tant de mal. On ne trouve le nom de l’Inde que dans le livre d’Esther, et dans celui de Job, qui n’était pas Hébreu. On voit un singulier contraste entre les livres sacrés des Hébreux et ceux des Indiens. Les livres indiens n’annoncent que la paix et la douceur; ils défendent de tuer les animaux: les livres hébreux ne parlent que de tuer, de massacrer hommes et bêtes; on y égorge tout au nom du Seigneur; c’est tout un autre ordre de choses.

كلمة brachmanes تعني فلاسفة الهنود وكبارهم. هو يقول أن الفلاسفة اليونانيين كانوا يسافرون إلى الهند لتعلم الرياضيات. في مكان آخر هو قال أنه “مقتنع بأن كل شيء نزل إلينا من ضفاف [نهر] الغانج: الفلك، التنجيم، تناسخ الأرواح، إلخ”.

من الواضح أنه كان معجبا بحضارة الهنود وكان يعتبرها أساس الحضارة الغربية والصينية. هو سخر من الكتاب اليهودي واعتبره كتابا للقتل والمجازر، بخلاف كتب الهنود التي تدعو للسلم واللطف وتمنع قتل الحيوانات.

هذا الإعجاب بضفاف الغانج أثر في مفكرين آخرين من معاصري Voltaire. حتى الفيلسوف الألماني المعروف Immanuel Kant تأثر بهذا الكلام وقال أن “كل البشرية وكل العلوم نشأت على سقف العالم” (أي جبال الهيمالايا التي تشكل معظم الحد الشمالي للهند وينبع منها نهر الغانج).

العامل الأول الذي جعل الأوروبيين ينبهرون بآسيا هو إعجابهم بالحضارة الهندية القديمة. في القرن 18 وبدايات القرن 19 لم يكن أحد يعرف شيئا يذكر عن حضارة ما بين النهرين القديمة. السومريون لم يُعرفوا إلا في نهاية القرن 19، وبالنسبة للآشوريين والبابليين فألواحهم لم تقرأ قبل أواسط القرن 19. أيضا الحضارة المصرية القديمة لم تكن معروفة جيدا قبل أواسط القرن 19.

بالإضافة إلى هذا العامل هناك أيضا العامل اللغوي. الأوروبيون في نهاية القرن 18 بدؤوا يلاحظون الشبه بين اللغة اليونانية القديمة واللغة السنسكريتية. اللغتان متشابهتان جدا، ولكن اللغة السنسكريتية هي محافظة أكثر من اللغة اليونانية القديمة (بمعنى أنها أقل تبدلا). هذا الاكتشاف خلب ألباب الأوروبيين وعزز قناعتهم بأن جذور الحضارة والبشرية تعود إلى آسيا.

الباحثون الألمان في بدايات القرن 19 صاروا يستخدمون كلمة Aryan كتسمية لمتحدثي اللغة الهندو-أوروبية البدائية Proto-Indo-European. كلمة Aryan هي كلمة هندو-إيرانية الأصل (Indo-Iranian). هذه الكلمة هي مصدر كلمة Iranian التي يسمي به الإيرانيون أنفسهم، وعلى ما يبدو فإن هذه الكلمة كانت مستخدمة لدى الهنود أيضا في عصور سحيقة. إذن كلمة Aryan ربما كانت التسمية التي يطلقها الهندو-إيرانيون-البدائيون Proto-Indo-Iranians على أنفسهم. الباحثون الألمان في بداية القرن 19 كانوا يعتبرون أن الهندو-إيرانيين هم أقرب الشعوب إلى الهندو-أوروبيين البدائيين من حيث اللغة والموقع الجغرافي، ولهذا السبب هم صاروا يطلقون تسمية Aryan على الهندو-أوروبيين البدائيين.

مهد الهندو-إيرانيين هو آسيا الوسطى، وهذا في رأي الكثيرين آنذاك هو مهد الهندو-أوروبيين أيضا. حتى لو فرضنا أن مهد الهندو-أوروبيين هو في سهل البحر الأسود فهذه المنطقة هي ليست بعيدة عن آسيا الوسطى، بل هي في الحقيقة مجرد امتداد لها.

الباحث الألماني Max Müller (الضليع في الدراسات السنسكريتية) أعاد التأكيد مجددا على الفرق الثقافي بين “الآريين” وبين “الساميين” (وهو نفس الفرق الذي أشار إليه Voltaire ولكن بصياغة أخرى). هذا التمييز الثقافي بين الآريين والساميين تحول إلى تمييز عرقي لدى الكاتب الفرنسي Arthur de Gobineau الذي كتب في خمسينات القرن 19 مقالا سماه “مقال حول عدم التساوي بين الأعراق البشرية” Essai sur l’inégalité des races humaines. في هذا المقال هو أعاد التأكيد على الفكرة التقليدية التي تقسم البشر إلى ثلاثة أعراق (أبيض وأصفر وأسود) ولكنه بين أن هذه الأعراق هي ليست متساوية مع بعضها– العرق الأبيض هو أفضل من بقية الأعراق. هو ميز أيضا عدة طبقات داخل العرق الأبيض؛ بالنسبة له هناك عرق أبيض نقي (هو العرق الآري) وهناك أعراق بيضاء مهجنة مع أعراق أخرى (وبالتالي هي أعراق منحطة أو متفسخة degenerate). الأعراق المتفسخة تشمل العرق المتوسطي (هجين أبيض-أسود) والعرق الطوراني (هجين أبيض-أصفر).

هذه النزعة الآريانية المتعاظمة ربما كان لها دور في صنع نظرية الأصل الآسيوي للبشر. أول من طرح نظرية الأصل الآسيوي للبشر هو الباحث البيولوجي الألماني Ernst Haeckel. هذا الرجل كان باحثا مهما وهو كان معاصرا لداروين ومتأثرا به، ولكنه رغم ذلك رفض فكرة الأصل الأفريقي للبشر التي طرحها داروين واقترح أن أصل البشر هو من الهند.

فكرة الأصل الهندي للبشر كانت فكرة جدية جدا في بدايات القرن العشرين. بعض الباحثين حاولوا أن يربطوا نشوء البشر بالمناخ. تحديدا هم أشاروا إلى جبال الهيمالايا وهضبة التيبت كأماكن محتملة لنشوء البشرية، وبعضهم أشار إلى شرق آسيا الوسطى وحوض تاريم. هذه المناطق الباردة ذات الطبيعة القاسية هي في رأيهم الأماكن التي نشأ فيها البشر (وهي أيضا الأماكن التي نشأ فيها العرق الآري). الربط بين التفوق العرقي والحضاري وبين المناخ البارد هي فكرة قديمة وهي قد تكون مرتبطة بالمعنى الذي أشار إليه Immanuel Kant عندما قال أن كل شيء نشأ على سقف العالم.

طبعا هذا النقاش كان مرتبطا آنذاك بقضية أخرى لا تقل أهمية هي قضية أصل الأعراق origin of races. في القرن 19 (وما قبله) كان هناك جدل بين الباحثين الأوروبيين حول أصل الأعراق البشرية المختلفة. الكتاب اليهودي يقول أن كل البشر هم متحدرون من آدم، وبالتالي ظاهريا كل الأعراق البشرية لها أصل واحد، ولكن هذه الفكرة بدأت تثير الخلاف في القرنين 18 و19.

الباحث السويدي المعروف Carl Linnaeus (مخترع التنصيف البيولوجي) صنف الإنسان ضمن جنس (genus) سماه Homo (من اللاتينية homō = “رجل” أو “إنسان”) وضمن نوع (species) سماهsapiens  (“الحكيم”)، وبالتالي اسم الإنسان وفق تصنيف Linnaeus هو Homo sapiens.

بالإضافة إلى ذلك Linnaeus قسم النوع البشري إلى عدة أنواع فرعية (subspecies) على النحو التالي:

Homo sapiens Eoropeus
Homo sapiens Africanus
Homo sapiens Asiaticus
Homo sapiens Americanus
Homo sapiens Monstrosus

هذه التقسيمات تعبر عن الأعراق. المقصود بالعرق الأخير Monstrosus هو بعض الكائنات الخرافية التي كان يعتقد آنذاك بوجودها.

خلال القرن 18 بدأ كثير من الأوروبيين يشككون في وجود أصل مشترك لجميع الأعراق البشرية. Voltaire اعتبر أن العرق الأسود Negro هو نوع species منفصل عن العرق الأبيض (بمعنى أن العرق الأسود هو ليس من البشر). الباحث البيولوجي الفرنسي Georges Cuvier (في بدايات القرن 19) اعتبر أن بني آدم المذكورين في الكتاب اليهودي هم فقط العرق الأبيض (القوقازي Caucasian)، وأما العرقان الآخران (المنغولي والأثيوبي) فهما ليسا من نسل آدم ولكنهما من أصل آخر. الباحث السويدي Anders Retzius (المشهور في القرن 19) أيضا شكك في الأصل المشترك لجميع البشر.

هؤلاء الذين ينفون الأصل الواحد للبشر كانوا يسمون polygenists (أنصار الأصل المتعدد)، أما الذين يؤمنون بالأصل الواحد للبشر فكانوا يسمون monogenists (أنصار الأصل الواحد). الفريق الأول كان هو الغالب في القرن 19 لأن فكرة الأصل المتعدد كانت فكرة جديدة وجريئة بخلاف فكرة الأصل الواحد التي هي نفس الفكرة التقليدية المذكورة في الكتاب اليهودي (الناس في ذلك الوقت كانوا ينظرون بسلبية لمعلومات الكتاب اليهودي).

المفارقة هي أن داروين لم يكن من أنصار الأصل المتعدد، بل على العكس هو رفض هذه الفكرة في كتاب Descent of Man واعتبر أن كل البشر هم نوع واحد ولهم أصل واحد حديث نسبيا. هو اعتبر أن الفروقات العرقية بين البشر هي سطحية وطفيفة. هذا الكلام هو الرأي السائد في وقتنا الحالي، ولكنه في زمن داروين كان كلاما غريبا ورجعيا.

آراء داروين لم تعجب غالبية معاصريه. غالبية معاصري داروين اقتنعوا بنظرية تطور الأنواع evolution of species التي شرحها في كتابه الأول (المسمى On the Origin of Species)، ولكن بالنسبة لكتابه الثاني الذي تطرق فيه لتطور الإنسان فهذا الكتاب لم يلق قبولا واسعا، بل على العكس يبدو أن غالبية معاصريه انتقدوا ما ورد في هذا الكتاب.

داروين استفز الكثيرين في أوروبا عندما طرح نظرية التطور الثقافي أو الاجتماعي. هو اعتبر أن حياة القبائل البدائية (الهمجية savage) تعبر عن حياة جميع البشر القدماء، وأن الحضارة والمدنية هي مرحلة تالية لمرحلة الهمجية. هذا التصور هو عكس الفكرة التقليدية السائدة في أوروبا آنذاك والتي كانت تقول أن البشر هم في الأصل متحضرون وأوادم ولكن القبائل الهمجية هي شذوذ عن القاعدة (إما بسبب انحرافها وضلالها أو بسبب كونها ليست من البشر أصلا ولكنها من أصل غير بشري).

داروين اعتبر أن جميع البشر على وجه الأرض ينبعون من أصل واحد بدائي. بعض المجتمعات البشرية تطورت وأصبحت متحضرة، وهناك مجتمعات أخرى تأخرت في التطور. الفروقات العرقية بالنسبة لداروين هي ليست أمرا مهما ولكنها مجرد فروقات سطحية.

Ernst Haeckel وغيره رفضوا أفكار داروين وأصروا على مبدأ الأصل المتعدد. هم قاموا بتكييف فكرة الأصل المتعدد مع نظرية التطور. مثلا Haeckel رأى أن الأعراق البشرية المختلفة تطورت من كائنات بدائية مختلفة (ولكنها جميعا تنتمي إلى عائلة القردة الكبيرة). Haeckel ربط أيضا بين الأعراق واللغات. مثلا العرق القوقازي = الآري تطور في الهند من كائنات بدائية تنتمي إلى عائلة القردة الكبيرة، والعرق الأسود تطور في أفريقيا من كائنات قردية أخرى بشكل مستقل. العرق الأسود حسب رأي Haeckel هو أشبه بالقرود لأنه أقل تطورا من العرق الآري.

في بدايات القرن العشرين بدأت فكرة الأصل الهندي أو الآسيوي للعرق الآري تفقد شعبيتها في الأوساط الأوروبية. كثيرون في أوروبا صاروا ينظرون للهنود على أنهم عرق هجين، وأما العرق الآري النقي فهو موجود في شمال أوروبا. هذه النظرية هي التي استند إليها الفكر النازي في ألمانيا.

الحلقة المفقودة

المشكلة الكبيرة التي واجهت Haeckel وغيره من أنصار فكرة الأصل الآسيوي للبشر هي أنهم عجزوا عن إيجاد مستحاثات انتقالية تثبت تطور الكائنات القردية إلى بشر في آسيا. المستحاثات البشرية التي عثر عليها في آسيا هي كلها متطورة نسبيا. هذه المستحاثات تصنف حاليا تحت عنوان “الإنسان المنتصب” Homo erectus. هذا المخلوق هو شبيه نوعا ما بالإنسان المعروف حاليا وهو لا يكفي لإثبات سلسلة التطور من كائن شبيه بالقرد إلى إنسان.

مكتشف “إنسان جاوة” في عام 1891 أطلق عليه مسمى “الإنسان القرد” Pithecanthropus (كلمة píthēkos) πίθηκος) باليونانية تعني “قرد”، وكلمة ánthrōpos) άνθρωπος) تعني “رجل” أو “إنسان”). هو كان يريد من هذه التسمية أن يقنع الناس أن هذا الكائن هو صلة الوصل بين القرد والإنسان، ولكن هذا الكائن (الذي يصنف حاليا على أنه Homo = إنسان) لم يكن كافيا لإثبات الصلة.

لم يعثر في قارة آسيا (ولا في أي مكان خارج أفريقيا) على مستحاثات بشرية أكثر بدائية من الكائن المسمى بالإنسان المنتصب. الباحثون يعتقدون الآن أن الإنسان المنتصب هو أول كائن بشري خرج من أفريقيا.

Haeckel حاول أن يحل معضلة غياب المستحاثات عبر اللجوء لنظرية خرافية. هو اقترح أن البشر نشؤوا على قارة Lemuria، التي هي قارة خرافية كان بعض باحثي القرن 19 يفترضون أنها كانت موجودة في عصور قديمة إلى الجنوب من الهند في المحيط الهندي. حسب Haeckel فإن “الحلقة المفقودة” (أي المستحاثات التي تثبت نظرية الأصل الآسيوي) هي مطمورة تحت المحيط الهندي في قارة Lemuria الغارقة.

اكتشاف الحلقة المفقودة

الضربة القاضية لنظرية الأصل الآسيوي للبشر كانت اكتشاف جنس من الكائنات المنقرضة يسمى “القرود الجنوبية” australopithecines (كلمة australis باللاتينية تعني “جنوبي”، وكلمة píthēkos) πίθηκος) باليونانية تعني “قرد”).

سبب التسمية يعود إلى أن أول مستحاثة لهذا الكائن اكتشفت في جنوب أفريقيا في عام 1924 (تسمى “طفل Taung“). لاحقا تم اكتشاف مستحاثات أخرى عديدة لهذا الكائن ولغيره في شرق أفريقيا. أحد الاكتشافات الشهيرة إعلاميا هو المستحاثة المسماة لوسي Lucy التي اكتشفت في أثيوبيا في عام 1974. هذه المستحاثة تنتمي أيضا للقرود الجنوبية.

طفل Taung (القرد الجنوبي الأفريقي Australopithecus africanus)

باحثو الأنثروبولوجيا يعتبرون أن القرود الجنوبية هي “الحلقة المفقودة”، وطالما أن مستحاثات الحلقة المفقودة وجدت في أفريقيا دون غيرها فهذا يدل على أن البشر نشؤوا في أفريقيا.

الفرق بين الإنسان والقرد

الحد الفاصل الذي يميز على أساسه الأنثروبولوجيون بين مستحاثات الإنسانHomo  ومستحاثات القرود الجنوبية australopithecines (أو أي نوع آخر من القرود) هو حجم جوف الجمجمة (الذي يعبر عن حجم الدماغ).

أقدم كائن يعتبره الأنثروبولوجيون إنسانا هو الكائن المسمى “الإنسان الماهر” Homo habilis، وذلك بناء على حجم دماغه الذي يبلغ 600 سم مكعب. هذا الحجم هو أكبر من الحجم المعتاد عند القرود (رغم أن بعض الغوريلات الموجودة حاليا يمكن أن يصل حجم دماغها إلى 700 سم مكعب، والشمبانزي إلى 500 سم مكعب).

إعادة بناء للإنسان الماهر

القرود الجنوبية تشبه الإنسان شكليا ولكن حجم أدمغتها لا يزيد عن حجم أدمغة القرود. حجم أدمغة القرود الجنوبية يتراوح بين 400-500 سم مكعب، وهو حجم لا يزيد كثيرا عن حجم أدمغة بعض القرود الكبيرة الموجودة الآن كالشمبانزي والغوريلات، ولذلك هي لا تصنف مع جنس الإنسان.

هناك ميزتان “إنسانيتان” مهمتان تميزان القرود الجنوبية عن بقية القرود الكبيرة great apes، الميزة الأولى هي أن القرود الجنوبية كانت تمشي على رجلين كالإنسان (bipedal)، والميزة الثانية هي أنها كانت تملك أنيابا صغيرة بخلاف الأنياب الضخمة الموجودة عند بقية القرود الكبيرة.

إعادة بناء لــ “لوسي” (القرد الجنوبي العفري Australopithecus afarensis)

الباحثون يصنفون القرود الجنوبية مع الإنسان ضمن قبيلة (tribe) واحدة تسمى Hominini (بالإنكليزية: hominins)، وهذه القبيلة هي فرع من عائلة Hominidae (بالإنكليزية: hominids) التي تضم كل القرود الكبيرة (الإنسان وفق التصنيف البيولوجي الرسمي يعتبر من القرود الكبيرة، ولكن رغم ذلك فإن كلمة القرود الكبيرة عندما تستخدم في سياق عام لا تشمل عادة الإنسان).

في السابق كان الباحثون يظنون أن القرود الجنوبية لم تكن قادرة على صنع الأدوات، وكانوا يعتبرون أن الإنسان الماهر هو أول من صنع الأدوات (ومن هنا جاءت تسميته). لهذا السبب كان ظهور الإنسان الماهر يعتبر بداية العصر الحجري القديم الذي بدأ قبل 2,5 مليون سنة (العصر الحجري القديم Paleolithic هو أول العصور الأثرية وهو بدأ مع ظهور كائنات قادرة على صنع الأدوات).

لاحقا تبين أن القرود الجنوبية كانت تصنع الأدوات، وعموما من المعروف حاليا أنه حتى الشمبانزي قادر على صنع الأدوات.

الإنسان الماهر ظهر بعد فترة قصيرة من بداية العصر الجليدي الأخير (Pleistocene). الباحثون يربطون بين الأمرين ويعتبرون أن التغيرات المناخية الكبيرة هي التي حفزت تطور الإنسان الماهر من أحد أنواع القرود الجنوبية. بالنسبة للتفاصيل فهناك عدة نظريات. إحدى النظريات الشهيرة هي نظرية الأدوات التي تربط بين نمو دماغ الإنسان الماهر وبين مهارته في صنع الأدوات (هذه النظرية لمح إليها داروين). حسب هذه النظرية فإن تغير المناخ في العصر الجليدي نحو الجفاف وهلاك النباتات في أفريقيا هو الذي أجبر أجداد الإنسان الماهر (الذين هم نوع من القرود الجنوبية، وهناك خلاف حول أي نوع بالضبط) على الاعتماد بشكل كبير على الأدوات. حاليا هناك أدلة على أن القرود الجنوبية كانت تصنع الأدوات قبل ظهور الإنسان الماهر (خاصة النوع المسمى Australopithecus garhi)، ولكن عندما تغير المناخ في بداية العصر الجليدي صارت الأدوات مهمة جدا لأن القرود الجنوبية صارت تستخدمها للحصول على أنواع أخرى من الغذاء إلى جانب ثمار النباتات التي أهلكها الجفاف. تحديدا القرود الجنوبية صارت تستخدم الأدوات لاقتلاع الفطور وجذور النباتات من باطن الأرض، وتمزيق جيف الحيوانات النافقة واستخراج اللحم منها، وأيضا فتح عظام الحيوانات النافقة واستخراج النَّقْي (النخاع) منها.

هذه المصادر الغذائية أصبحت مهمة للقرود الجنوبية في بداية العصر الجليدي، بمعنى أن هذه المخلوقات انتقلت من الاعتماد على ثمار النباتات إلى الاعتياش من القمامة (scavenging). كلمة scavenger في اللغة الإنكليزية تطلق على المشردين الذين يبحثون عن الرزق في القمامة، وأيضا تطلق على الحيوانات التي تقتات على الجيف النافقة. هذه الكلمة هي الوصف الذي يطلقه كثير من الباحثين الأنثروبولوجيين على البشر الأوائل. هم يعتبرون أن ظهور البشر (Homo) كان بسبب تغير نمط حياة بعض القرود الجنوبية إلى نمط جديد يعتمد على استخراج الغذاء من جيف الحيوانات والنباتات. هذا النمط من الحياة يناسبه صنع الأدوات، ولذلك تطور بعض القرود الجنوبية حتى أصبحوا “الإنسان الماهر” الذي يتميز بدماغ كبير يعطيه المزيد من المهارة في صنع الأدوات. أيضا الدماغ الكبير مناسب لنوعية الغذاء في تلك المرحلة والذي كان غذاء بروتينيا في الأساس.

early Homo

رسم تخيلي لمجموعة من البشر الباكرين

الباحثون وجدوا مستحاثات لكائنات أخرى شبيهة بالقرود الجنوبية ظهرت في نفس فترة ظهور الإنسان الماهر، أي في بداية العصر الجليدي. هناك خلاف حول تصنيف هذه الكائنات. بعض الباحثين يعتبرونها من القرود الجنوبية ويطلقون عليها مسمى “القرود الجنوبية الجَسِيمة (الضخمة)” robust australopiths تمييزا لها عن القرود الجنوبية الأخرى التي يطلقون عليها مسمى “القرود الجنوبية الرشيقة” gracile australopiths، ولكن هناك باحثين آخرين يرون أن هذه الكائنات الجديدة هي جنس شبيه بالبشر ظهر بالتوازي مع ظهور Homo، وهم يطلقون عليها مسمى “الإنسان الرديف” أو “الإنسان الموازي” Paranthropus (كلمةpara) παρα ) باليونانية هي ظرف مكان يعني “بجانب”). هذه الكائنات الموازية تطورت مثل Homo من القرود الجنوبية ولكن بأسلوب مختلف:

By 2.7 million years ago the later, robust australopiths had evolved. These species had what scientists refer to as megadont cheek teeth—wide molars and premolars coated with thick enamel. Their incisors, by contrast, were small. The robusts also had an expanded, flattened, and more vertical face than did gracile australopiths. This face shape helped to absorb the stresses of strong chewing. On the top of the head, robust australopiths had a sagittal crest (ridge of bone along the top of the skull from front to back) to which thick jaw muscles attached. The zygomatic arches (which extend back from the cheek bones to the ears), curved out wide from the side of the face and cranium, forming very large openings for the massive chewing muscles to pass through near their attachment to the lower jaw. Altogether, these traits indicate that the robust australopiths chewed their food powerfully and for long periods.

Other ancient animal species that specialized in eating plants, such as some types of wild pigs, had similar adaptations in their facial, dental, and cranial anatomy. Thus, scientists think that the robust australopiths had a diet consisting partly of tough, fibrous plant foods, such as seed pods and underground tubers. Analyses of microscopic wear on the teeth of some robust australopith specimens appear to support the idea of a vegetarian diet, although chemical studies of fossils suggest that the southern robust species may also have eaten meat.

[...]

Many scientists believe that robust australopiths represent a distinct evolutionary group of early humans because these species share features associated with heavy chewing… Paleoanthropologists who strongly support this view think that the robusts should be classified in the genus Paranthropus, the original name given to the southern species.

[...]

The last robust australopiths died out about 1.4 million years ago. At about this time, climate patterns around the world entered a period of fluctuation, and these changes may have reduced the food supply on which robusts depended. Interaction with larger-brained members of the genus Homo, such as Homo erectus, may also have contributed to the decline of late australopiths, although no compelling evidence exists of such direct contact. Competition with several other species of plant-eating monkeys and pigs, which thrived in Africa at the time, may have been an even more important factor. But the reasons why the robust australopiths became extinct after flourishing for such a long time are not yet known for sure.

Microsoft Encarta 2009

القرود الجنوبية الجَسِيمة تأقلمت مع تغير المناخ بأن تطورت جماجمها بحيث صارت قادرة على مضغ المواد القاسية بما في ذلك الفطور والجذور التي تنمو تحت الأرض وربما أيضا جيف الحيوانات. هذه المقاربة تختلف عن مقاربة الإنسان الماهر الذي اعتمد على الأدوات بدلا من الاعتماد على أسنانه. في النهاية هذه الكائنات انقرضت ولم تستمر، رغم أنها عاشت لفترة طويلة من الزمن إلى جانب الإنسان الماهر وإلى جانب أحفاد الإنسان الماهر كالإنسان المنتصب.

إذن بناء على هذا الكلام فإن القرود الجنوبية الرشيقة انقسمت إلى قسمين في مواجهة محنة العصر الجليدي، قسم صار يعتمد على الأدوات لاستخلاص الغذاء، وهذا القسم نما دماغه وتحول إلى Homo، وقسم آخر ظل يعتمد على أسنانه لاستخلاص الغذاء، وهذا القسم نما فكاه ونمت عظام جمجمته للتكيف مع قساوة المواد التي يأكلها وتحول إلى القرود الجنوبية الجسيمة، ولكنه في النهاية انقرض.

إلى جانب هذين الكائنين هناك كائن ثالث شبيه بهما يعتقد عدد من الباحثين أنه كان موجودا في تلك الفترة. هذا الكائن لم يعثر منه سوى على بقايا محطمة، ولكن الباحثين درسوا هذه البقايا وهم يرون أنها ليست للرجل الماهر ولا للقرود الجنوبية الجسيمة. هم يرون أنها لكائن شبيه بالإنسان الماهر ولكنه “أرشق” منه ودماغه أكبر قليلا ويصل إلى 750 سم مكعب. هذا الكائن سمي بـ “إنسان رودولف” Homo rudolfensis نسبة إلى بحيرة تُركانا Turkana في كينيا التي كانت تسمى سابقا ببحيرة رودولف. ولكن كالعادة هناك باحثون رفضوا هذا التصنيف وهم يرون أن هذه المستحاثات يمكن أن تكون لقرود جنوبية رشيقة ظلت تعيش في العصر الجليدي.

النظرية الأشيع لدى الباحثين على ما أعتقد هي أن جنس Homo تطور من أحد أنواع القرود الجنوبية الرشيقة (هناك على الأقل ثلاثة أنواع من القرود الجنوبية الرشيقة يقال أن Homo نشأ من أحدها هي Australopithecus afarensis و Australopithecus africanus و Australopithecus garhi). بعد ذلك تمايز Homo إلى عدد من الأنواع أو الأعراق منها الإنسان الماهر وإنسان رودولف وربما أنواع أخرى غير معروفة الآن. الإنسان الماهر وإنسان رودولف يطلق عليهما مسمى “الإنسان الباكر” Early Homo. بعد هذين الكائنين هناك مجموعة من المستحاثات يطلق عليها مسمى “الإنسان المتوسط”Middle Homo . في المقال القادم سأتحدث بإيجاز عن هذه الأنواع وعن الأنواع التالية لها.

world map haplogroups Y DNA

في مقال سابق أشرت إلى موضوع العلامات الوراثية المستخدمة لتتبع الهجرات البشرية في شرق وجنوب شرق آسيا. الدراسات بينت أن سكان شرق وجنوب شرق آسيا يحملون على الكروموسوم Y علامات مميزة لهم مقارنة بالمناطق الأخرى من العالم.

أكثر ما يلفت الانتباه هو طغيان العلامة المسماة Haplogroup O. حسب بعض الدراسات فإن هذه العلامة توجد لدى الصينيين الخان Han بنسبة تصل إلى 80%، ولدى الكوريين بنسبة تصل إلى 75%. في فييتنام نسبة هذه العلامة تصل إلى 75%، وفي ماليزيا إلى 70% (انظر هذه الصفحة، وأيضا صفحة ويكيبيديا).

اللافت هو أن نسبة هذه العلامة تنخفض بشكل حاد عندما نبتعد عن الصين وجنوب شرق آسيا. مثلا في منغوليا نسبة هذه العلامة هي 10-25%، وفي شرق سيبيريا النسبة هي شبه معدومة. في اليابان النسبة هي بحدود 50%، وفي التيبت النسبة هي بحدود 40% أو أقل. في الهند هذه العلامة توجد بنسبة عالية فقط لدى الإثنيات التي تسكن في منطقة جبال الهيمالايا وتتحدث لغات من العائلة الصينية-التيبتية Sino-Tibetan، ولدى الإثنيات التي تسكن في شمال شرق الهند وتتحدث لغات أسترو-آسيوية Austroasiatic. في نيوغينيا وأستراليا هذه العلامة هي شبه معدومة.

في المقابل نسبة العلامتين Haplogroup C و Haplogroup D ترتفع كلما ابتعدنا عن الصين وجنوب شرق آسيا. نسبة العلامة Haplogroup C3-M217 في منغوليا هي بحدود 50%، وأيضا هذه العلامة توجد بكثرة في شرق سيبيريا، وفي كوريا توجد بنسبة 10%. في اليابان العلامة Haplogroup C1-M8 توجد بنسبة أقل من 10%، ولكن نسبة العلامة Haplogroup D2-M55 في اليابان هي بحدود 35%. في التيبت نسبة العلامة Haplogroup D1-M15 هي بحدود 50%. العلامة Haplogroup D* (علامة النجمة تعني أنها لا تنتمي إلى أي فرع معروف) وجدت بنسبة عالية في جزر أندمن Andaman في خليج البنغال، وأيضا هذه العلامة وجدت لدى بعض القبائل في شمال شرق الهند.

في خليج المالاي وجزر المحيط الهادي نسبة العلامة Haplogroup C2-M32 تزداد تدريجيا كلما ابتعدنا عن الصين. بعض القبائل في جزيرة نيوغينيا تنتمي إلى هذه العلامة بنسبة 90-100%. في مرتفعات جزيرة نيوغينيا عثر على أشخاص يحملون العلامة غير المتفرعة Haplogroup C* (أو أنها تنتمي إلى فرع غير معترف به بعد). في أستراليا العلامة Haplogroup C4-M347 توجد لدى السكان الأصليين بنسبة 60%.

العلامتان C وD هما أقدم من العلامة O. ما يلي شجرة العلامات:

Y-DNA haplogroup tree

الباحثون وجدوا أن كل البشر الموجودين اليوم خارج قارة أفريقيا يتحدرون من العلامة Haplogroup CT. العجيب هو التاريخ الذي يعطونه لظهور هذه العلامة: هم يقولون أنها ظهرت قبل حوالي 70,000 سنة. هذا التاريخ هو متأخر جدا في عمر البشر. حسب حسابات باحثي الجينات فإن آدم عاش قبل هذا الزمن بعشرات آلاف السنين (أحدث التقديرات لعمر آدم تقول أنه عاش قبل 180,000-200,000 سنة، وهذا التقدير يتوافق أيضا مع عمر أقدم مستحاثة معروفة للبشر المعاصرين).

بناء على كلام الدراسات الجينية فإن بني آدم عاشوا في أفريقيا لأكثر من 100,000 عام قبل أن يهاجروا إلى خارجها. بنو آدم الذين هاجروا إلى خارج أفريقيا كانوا ينتمون حصرا إلى العلامة Haplogroup CT، وأما العلامات الأقدم من هذه العلامة فهي لم تخرج من أفريقيا.

هناك مشكلة في هذا الطرح وهي أنه لا يتوافق مع الدلائل الأثرية. الباحثون الأثريون عثروا في بداية القرن العشرين على جماجم بشرية في مغارتي قَفْزة وسُخُول في جبل الكَرْمِل في فلسطين يعتقد أن تاريخها يعود إلى 120,000-80,000 سنة قبل الوقت الحالي. صحيح أنه في السابق كان هناك جدل حول تصنيف هذه الجماجم وما إذا كانت تنتمي للبشر المعاصرين (الإنسان الحكيم الحديث تشريحيا Anatomically modern Homo sapiens) أو للبشر البائدين (الإنسان الحكيم العتيق Archaic Homo sapiens)، ولكن حاليا غالبية الباحثين يعتبرون هذه الجماجم من بقايا البشر المعاصرين. قبل بضعة سنوات عثر أيضا على عظام فك وأسنان لإنسان حديث في كهف Zhirendong في جنوب الصين تعود إلى ما قبل 100,000 عام:

http://news.nationalgeographic.com/news/2010/10/101025-oldest-human-fossil-china-out-of-africa-science/

Oldest Modern Human Outside of Africa Found

Chinese fossil challenges traditional early-human time line, study says.

A fossil human jawbone discovered in southern China is upsetting conventional notions of when our ancestors migrated out of Africa.

The mandible, unearthed by paleontologists in China’s Zhiren Cave in 2007, sports a distinctly modern feature: a prominent chin. But the bone is undeniably 60,000 years older than the next oldest Homo sapiens remains in China, scientists say.

In fact, at about a hundred thousand years old, the Chinese fossil is “the oldest modern human outside of Africa,” said study co-author Erik Trinkaus, an anthropologist at Washington University in St. Louis.

Popular theory states that Homo sapiens migrated out of Africa about 60,000 years ago, at which point modern humans quickly replaced early human species such as Homo erectus and Homo neanderthalensis across the world.

Finding such an ancient example of a modern human in China would drastically alter the time line of human migration [...]

Hoping for DNA Evidence

So far, genetic evidence largely supports the traditional timing of the “out of Africa” theory. But the newly described China jawbone presents a strong challenge, said anthropologist Christopher Bae of the University of Hawaii, who was not associated with the find.

“They actually have solid dates and evidence of, basically, a modern human,” he said.

Still, the jaw and three molars were the only human remains retrieved from the Chinese cave, and the jaw is “within the range” of Neanderthal chins as well as those of modern humans, added paleoanthropologist John Hawks of the University of Wisconsin, Madison.

“If this holds up, we have to reevaluate” the human migration time line, he said.

“Basically, I think they’re right, [but] I want to see more evidence,” Hawks added. “I really, really hope that there can be some sort of genetic extraction from this [fossil].”

http://www.pnas.org/content/early/2010/10/15/1014386107.abstract

The 2007 discovery of fragmentary human remains (two molars and an anterior mandible) at Zhirendong (Zhiren Cave) in South China provides insight in the processes involved in the establishment of modern humans in eastern Eurasia. The human remains are securely dated by U-series on overlying flowstones and a rich associated faunal sample to the initial Late Pleistocene, >100 kya [kya = thousand years ago]. As such, they are the oldest modern human fossils in East Asia and predate by >60,000 y the oldest previously known modern human remains in the region.

قبل بضعة سنوات عثر أيضا على بقايا أثرية في جبل الفايا بالشارقة تدل على وجود البشر المعاصرين في تلك المنطقة قبل حوالي 125,000 عام. أيضا في الآونة الأخيرة عثر على اكتشافات مماثلة في سلطنة عمان:

http://www.sciencedaily.com/releases/2011/11/111130171049.htm

Trail of ‘Stone Breadcrumbs’ Reveals the Identity of One of the First Human Groups to Leave Africa

Dec. 1, 2011 — A series of new archaeological discoveries in the Sultanate of Oman, nestled in the southeastern corner of the Arabian Peninsula, reveals the timing and identity of one of the first modern human groups to migrate out of Africa, according to a research article published in the open-access journal PLoS ONE.

An international team of archaeologists and geologists working in the Dhofar Mountains of southern Oman, led by Dr. Jeffrey Rose of the University of Birmingham, report finding over 100 new sites classified as “Nubian Middle Stone Age (MSA).” Distinctive Nubian MSA stone tools are well known throughout the Nile Valley; however, this is the first time such sites have ever been found outside of Africa. According to the authors, the evidence from Oman provides a “trail of stone breadcrumbs” left by early humans migrating across the Red Sea on their journey out of Africa. “After a decade of searching in southern Arabia for some clue that might help us understand early human expansion, at long last we’ve found the smoking gun of their exit from Africa,” says Rose. “What makes this so exciting,” he adds, “is that the answer is a scenario almost never considered.” These new findings challenge long-held assumptions about the timing and route of early human expansion out of Africa.

Using a technique called Optically Stimulated Luminescence (OSL) to date one of the sites in Oman, researchers have determined that Nubian MSA toolmakers had entered Arabia by 106,000 years ago, if not earlier. This date is considerably older than geneticists have put forth for the modern human exodus from Africa, who estimate the dispersal of our species occurred between 70,000 and 40,000 years ago. Even more surprising, all of the Nubian MSA sites were found far inland, contrary to the currently accepted theory that envisions early human groups moving along the coast of southern Arabia. “Here we have an example of the disconnect between theoretical models versus real evidence on the ground,” says co-author Professor Emeritus Anthony Marks of Southern Methodist University. “The coastal expansion hypothesis looks reasonable on paper, but there is simply no archaeological evidence to back it up.

Genetics predict an expansion out of Africa after 70,000 thousand years ago, yet we’ve seen three separate discoveries published this year with evidence for humans in Arabia thousands, if not tens of thousands of years prior to this date.” The presence of Nubian MSA sites in Oman corresponds to a wet period in Arabia’s climatic history, when copious rains fell across the peninsula and transformed its barren deserts to sprawling grasslands. “For a while,” remarks Rose, “South Arabia became a verdant paradise rich in resources — large game, plentiful freshwater, and high-quality flint with which to make stone tools.” Far from innovative fishermen, it seems that early humans spreading from Africa into Arabia were opportunistic hunters traveling along river networks like highways. Whether or not these pioneers were able to survive in Arabia during the hyperarid conditions of the Last Ice Age is another matter — a mystery that will require archaeologists to continue combing the deserts of southern Arabia, hot on the trail of stone breadcrumbs.

The Dhofar Archaeological Project is conducted under the auspices of the Ministry of Heritage and Culture in Oman. The team is composed of an interdisciplinary group of researchers from the University of Birmingham and Oxford Brookes University, UK; Arizona State University and Southern Methodist University, USA; Institute of Archaeology, National Academy of Sciences, Ukraine; Institute of Archaeology of the Academy of Science, Czech Republic; University of Tübingen, Germany, and the University of Wollongong, Australia. The project is funded by research grants from the UK Arts and Humanities Research Council and the Australian Research Council.

في سلطنة عمان عثر على مواقع أثرية تدل على أن أناسا يملكون أدوات حجرية شبيهة بالأدوات المستخدمة في وادي النيل كانوا قد هاجروا إلى الجزيرة العربية قبل أكثر من 100,000 عام. هذه المواقع تقع في جبال ظفار، وهذا لا يتناسب مع فكرة أن المهاجرين الأوائل كانوا صيادي سمك (كما يفترض سيناريو الهجرة الساحلية الذي تروج له الدراسات الجينية).

الفترة الممتدة بين 130,000-80,000 عام قبل الوقت الحالي كانت ذات مناخ مطير (تسمى Abbassia Pluvial أو Eemian Interglacial). في هذه الفترة كان هناك تحسن في مناخ الجزيرة العربية والصحراء الكبرى في شمال أفريقيا، وهذا على ما يبدو هو السبب الذي سهل هجرة البشر إلى خارج أفريقيا.

هذا الكلام يتناقض مع طروحات باحثي الجينات. الهجرة التي يتحدث عنها باحثو الجينات حصلت قبل 70,000 عام تقريبا، أي بعد نهاية الفترة المطيرة. هم يعملون وفق نظرية تسمى “مضخة الصحراء الكبرى” Sahara pump theory. حسب هذه النظرية فإن جفاف الصحراء الكبرى بعد انتهاء الفترات المطيرة هو السبب الذي كان يدفع سكانها من البشر (والحيوانات) للهجرة إلى خارج أفريقيا.

ولكن هذه النظرية لا تتناسب مع طريق الهجرة كما ترسمه الدراسات الجينية. هناك شبه إجماع في الدراسات الجينية على أن المهاجرين الأوائل من أفريقيا (الذين كانوا يحملون العلامة Haplogroup CT) هاجروا عبر مضيق باب المندب إلى الساحل اليمني، ومن هناك هم استمروا في السير بمحاذاة الساحل اليمني والعماني إلى أن وصلوا إلى الزاوية التي تقع عندها مدينة صور العمانية، ومن هناك هم عبروا بحر العرب نحو ساحل الهند.

هذه الهجرة حصلت خلال فترة جافة من فترات العصر الجليدي الأخير (العصر الجليدي الأخير يسمى Pleistocene وهو انتهى في حدود 10,000 قبل الميلاد). في ذلك الوقت تضاريس العالم كانت تختلف عن التضاريس الحالية. انخفاض درجة الحرارة يؤدي إلى زيادة تراكم الجليد على سطح كوكب الأرض، خاصة في مناطق المرتفعات وفي المناطق التي تقع في شمال وجنوب الكرة الأرضية (أي عكس ما يحصل حاليا بسبب الاحتباس الحراري). زيادة تراكم الجليد على سطح الأرض تعني أن كمية المياه الموجودة في الغلاف الجوي ستصبح أقل، لأن الماء بدلا من أن يتبخر ويعود للغلاف الجوي أصبح محتجزا في أكوام الجليد. هذا يعني أن معدل تساقط المطر في أنحاء العالم سيقل، وبالتالي كمية المياه الموجودة في المحيطات والبحار ستقل. هذا يعني انخفاض منسوب المحيطات والبحار، وهو ما يؤدي إلى زيادة مساحة اليابسة على سطح الأرض وظهور مناطق كانت مغمورة تحت سطح الماء. أولى المناطق التي ستظهر في مثل هذه الحالة هي المناطق المرتفعة نسبيا التي تقع بالقرب من السواحل والتي تسمى الرفوف القارية continental shelves. ما يلي خريطة من ويكيبيديا توضح الرفوف القارية (باللون الأزرق الفاتح):

الدراسات التي أجريت في مضيق باب المندب أكدت أن هذا المضيق لا يمكن أن يجف أبدا مهما بلغ الجفاف على سطح الكرة الأرضية:

Certainly the data suggest that it would not have been possible to make the crossing without getting wet, even at lowest sea level. However, we might argue that it would have been relatively simple to make short crossings by simple rafting or by swimming, aided by warm sea temperatures and the increased buoyancy resulting from higher salinities.

Geoff Bailey (2009), The Red Sea, Coastal Landscapes, and Hominin Dispersals

عبور مضيق باب المندب كان يستلزم الركوب على أطواف أو السباحة لعدة كيلومترات. بما أن المسألة كانت صعبة فهذا يفسر قلة عدد المهاجرين إلى خارج أفريقيا. بعد عبور المضيق المفترض هو أن المهاجرين ساروا على الرف القاري في جنوب الجزيرة العربية. باحثو الجينات يفترضون أن هؤلاء المهاجرين كانوا يعتاشون من صيد السمك، لأن مناخ الجزيرة العربية في الفترة التي هاجروا فيها كان أشد جفافا مما هو عليه اليوم.

في تلك الفترة منطقة الخليج العربي كانت جافة أو شبه جافة. المنطقة التي تمتد من قرب صور في عمان وحتى كراتشي في باكستان (المغمورة الآن تحت بحر العرب) كانت جافة. الباحثون يفترضون أن المهاجرين عبروا على هذا الجسر نحو ساحل الهند، ومن هناك هم ساروا بمحاذاة الساحل الهندي إلى أن وصلوا إلى جنوب شرق آسيا.

هذه هي نظرية الهجرة الساحلية. ما يدعم هذه النظرية هو حساب عمر الطفرات الجينية، ولكن الأدلة الأثرية لا تدعمها.

بعض الباحثين يميزون بين أول هجرة بشرية إلى خارج أفريقيا وبين أول هجرة بشرية ناجحة إلى خارج أفريقيا. هم يقولون أن البشر ربما يكونون هاجروا إلى خارج أفريقيا أكثر من مرة، ولكن المهاجرين الأوائل انقرضوا ولم يتبق إلا المهاجرون الذين هاجروا قبل 70,000 عام. هذه النظرية هي التفسير الوحيد المطروح للتناقض بين نتائج الدراسات الجينية والأدلة الأثرية.

ما يدعم هذه النظرية هو أن المستحاثات المتأخرة التي عثر عليها في جبل الكرمل (التي تعود إلى 60,000 عام قبل الآن) هي ليست لبشر معاصرين ولكنها لإنسان النياندرثال Homo neanderthalensis. في العادة عندما تكتشف مستحاثات بشرية في موقع ما فالمفترض هو أن تكون المستحاثات الأقدم زمنيا هي الأقدم تشريحيا (تعبر عن بشر عتيقين archaic)، ولكن في جبل الكرمل هناك حالة معاكسة: المستحاثات الأقدم زمنيا (التي تعود لـ 100,000 عام قبل الآن) هي أحدث تشريحيا من المستحاثات المتأخرة زمنيا (التي تعود لـ 60,000 عام قبل الآن). هذا في رأي البعض دليل على أن الهجرة البشرية الأولى نحو فلسطين وجنوب غرب آسيا كانت فاشلة وأن النياندرثال سيطر في النهاية على تلك المنطقة. (بالنسبة لي شخصيا أنا لا أثق بأي شيء من هذا الكلام وأعتبر كل الطروحات مجرد وجهات نظر. كل شيء في علم الأنثروبولوجيا هو بصراحة مجرد وجهات نظر، والديل هو أنه لا توجد مستحاثة واحدة لا يوجد نزاع حول تصنيفها وتأريخها).

بعض الباحثين ربطوا بين انقراض المهاجرين الأوائل إلى خارج أفريقيا وبين ما يقال أنه انفجار بركاني هائل وقع في موقع بحيرة Toba في سومطرة قبل حوالي 73,000 ألف عام. هذا الانفجار هو أحد أكبر الانفجارات البركانية المعروفة، وأصحاب هذه النظرية يرون أنه تسبب في هلاك معظم البشر في ذلك الوقت بسبب المقذوفات التي أطلقها في الغلاف الجوي وأدت إلى تغيير مناخ العالم نحو البرد والجفاف. لو صحت هذه النظرية فهذا ربما يكون مجرد عامل واحد من عدة عوامل أدت إلى انقراض المهاجرين الأوائل (أنا لدي تفسير محتمل لانقراض تلك الأجيال الأولى سوف أذكره في وقت لاحق).

هل كانت هناك عودة باكرة إلى أفريقيا؟

هناك سؤال محير لا تقدم له الدراسات الجينية جوابا، وهو حول سبب هيمنة العلامة Haplogroup E على سكان قارة أفريقيا حاليا.

الدراسات الأولى حول العلامة Haplogroup E كانت تعتبر أن هذه العلامة هي فرع من العلامة Haplogroup D. في ذلك الوقت (قبل 15 عاما) كان تعريف العلامة Haplogroup D قائما على طفرة مميزة تسمى YAP. هذه الطفرة هي مميزة لأنها ليست طفرة في نيوكليوتيد واحد SNP (كغالبية الطفرات التي تستخدم في تعريف haplogroups) ولكنها طفرة من نوع الإدخال insertion. هذا النوع من الطفرات يحدث عندما يتم إدخال تسلسل جديد من النيوكليوتيدات إلى موقع ما في DNA عن طريق الخطأ (أثناء عملية النسخ والانقسام).

الطفرة YAP لا توجد سوى لدى الأشخاص الذين ينتمون إلى المجموعتين Haplogroup D و Haplogroup E. العجيب هو أن المجموعة Haplogroup D توجد اليوم في شرق وجنوب شرق آسيا ولكنها لا توجد في غرب آسيا ولا حتى في جنوب آسيا (الهند)، أما المجموعة Haplogroup E فهي تهيمن بشكل كبير في أفريقيا ولكنها لا توجد في شرق وجنوب شرق آسيا ولا في جنوب آسيا. هذا التوزع القطبي لحملة الطفرة YAP دفع مكتشفيها للتفكير في سيناريو الهجرة الباكرة. هم رأوا أن هذه الطفرة هي أقدم لدى المنتمين إلى Haplogroup D، وبالتالي هم افترضوا أن المجموعة Haplogroup E هي فرع من Haplogroup D وصل إلى أفريقيا بسبب هجرة عكسية من آسيا إلى أفريقيا حصلت قبل حوالي 30,000 عام.

لاحقا تم اكتشاف طفرة جديدة اسمها M174 توجد لدى المنتمين إلى Haplogroup D ولكن ليس لدى المنتمين إلى Haplogroup E. مكتشفو هذه الطفرة اعتبروا أن المجموعة Haplogroup E هي ليست فرعا من Haplogroup D ولكن المجموعتين تعودان إلى أصل مشترك صار يسمى Haplogroup DE. في السنوات الأخيرة حاول عدد من الباحثين أن يثبتوا أن الطفرة YAP ظهرت في أفريقيا وأن بعض حملتها هاجروا إلى آسيا وظهرت لديهم هناك الطفرة M174. بناء على هذه النظرية فإن الطفرة YAP ظهرت بعد وقت قصير من ظهور المجموعة Haplogroup CT في أفريقيا، وبالتالي من الممكن أن بعض المهاجرين الأوائل من أفريقيا إلى آسيا كانوا يحملون هذه الطفرة (كانوا ينتمون إلى Haplogroup DE)، وهؤلاء تحولوا لاحقا إلى المجموعة Haplogroup D، وأما إخوانهم الذين ظلوا في أفريقيا فأصبحوا Haplogroup E.

هذه النظرية هي مجرد وجهة نظر وليس أكثر، وأنا لدي الكثير من الملاحظات عليها سوف أسردها في وقت لاحق. هذه النظرية لم تحظ بتأييد عام لدى باحثي الجينات. كل ما يسوقه أصحاب هذه النظرية هو مجرد احتمالات وافتراضات غير أكيدة. أنا في البداية أعجبت بنظريتهم ولكنني لاحقا وجدت أن التوفيق بينها وبين المعطيات الأثرية هو أمر صعب. فكرة الهجرة العكسية من آسيا إلى أفريقيا هي فكرة جدية جدا وهناك أدلة عديدة تدعمها.

قصة Haplogroup E على الكروموسوم Y تشبه قصة Haplogroup M1 و Haplogroup N1 على الكرموسوم الميتوكوندري (الموروث من الأم). المجموعتان الميتوكوندريتان M1 وN1 توجدان في أقريقيا دون بقية فروع المجموعتين M وN. هناك جدل بين الباحثين حول تفسير توزع هاتين العلامتين. رأيي هو أن وجود هاتين العلامتين في أفريقيا يعود إلى هجرة عكسية حصلت ربما قبل حوالي 35,000 عام. هذه الهجرة العكسية كانت حدثا مفصليا في تاريخ أفريقيا وأنا في المستقبل سوف أتحدث عن آثارها.

المشكلة المرتبطة بمشكلة الهجرة العكسية إلى أفريقيا هي أننا لا نعلم الكثير عن سكان الشرق الأوسط في الفترة السابقة للفترة التي يفترض أن هذه الهجرة حصلت فيها. في السابق كانت الدراسات الجينية تقول أن قسما من أفراد المجموعة Haplogroup CT استقروا في الشرق الأوسط، ولكن الدراسات المتأخرة صارت تتجاهل الشرق الأوسط وتتحدث عن هجرة مباشرة لأفراد المجموعة Haplogroup CT نحو الهند ومن هناك إلى جنوب شرق آسيا.

سوف أكمل في المقال القادم.

أنا في السابق تحدثت عن التاريخ السوري أكثر من مرة وقلت أن ما حدث في الستينات هو صراع بين أشخاص وتيارات سياسية وليس بين طوائف.

العلويون في حزب البعث لم يحصلوا على تفويض من العلويين في سورية حتى يقوموا بانقلابات أو بأي شيء باسم العلويين، وأصلا حزب البعث هو حزب علماني وأعضاؤه لم يكونوا يعترفون بهذا المنطق الطائفي من الأساس.

العصبية الطائفية تم استخدامها في الستينات لخدمة أشخاص وتيارات، ولكن لم يكن هناك صراع بين الطوائف.

هذا الكلام أنا قلته مرارا من قبل، ولكن بعض الناس لم يقرؤوا كلامي السابق، وبالأمس هم قرؤوا مقالي عن عبد الرزاق عيد وظنوا أنني أتهم العلويين بأنهم استولوا على السلطة.

في مقال عبد الرزاق عيد أنا استخدمت اللغة الشعبية ولم أكن أتحدث بشكل علمي صحيح. بالحديث العلمي المنطقي لا يوجد شيء اسمه صراع طوائف في التاريخ السوري الحديث.

صراع الطوائف ظهر الآن بعد الحرب الأميركية، ولكنه لم يكن موجودا في الستينات.

في الستينات كان هناك أناس يتقاتلون على السلطة، وهؤلاء الناس استقووا بالعصبية الطائفية والمناطقية لأنهم جهلة ومتخلفون.

حبذا لو يصلح بشار الأسد خطأ أسلافه البعثيين في الستينات. يجب على البعثيين أن يحتذوا بالشيوعيين الصينيين وأن يطبقوا تداول السلطة سلميا.

كان الأفضل لو تم تطبيق هذا الأمر قبل الصفقة الكيماوية الكارثية.