بلاد العرب (1)

Posted: يناير 10, 2012 in الجزيرة العربية, تاريخ, جغرافيا, دين

أثناء قراءتي الاطلاعية تمر علي معلومات كثيرة أنساها فيما بعد وعندما أحتاجها لا أتذكر أين قرأتها، ولذلك فإنني فكرت في أن أكتب بعض التدوينات ذات الطابع الثقافي العام التي تحتوي خلاصة ما قرأته في مواضيع مختلفة.

في الآونة الأخيرة أنا كنت أقرأ عن تاريخ الجزيرة العربية ولذلك سوف أبدا بالتحدث عن جغرافية الجزيرة العربية، وهو موضوع مهم لفهم تاريخ الجزيرة.

بلاد العرب قبل الإسلام

أقسام بلاد العرب في القرن السادس الميلادي


الموطن التاريخي للعرب هو الجزيرة العربية التي يسميها الغربيون “العربية” أو “عربية” Arabia، وهي تسمية تاريخية اخترعها اليونانيون القدماء (هيرودوت الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد استخدم هذه الكلمة وهو حسب علمي أقدم الكتاب اليونانيين في هذا الموضوع).

الجغرافيون اليونانيون القدماء (والرومان من بعدهم) كانوا يقسمون بلاد العرب إلى ثلاثة أقسام:

  • عربية الصحراوية Arabia Deserta: يقصدون بها المنطقة التي يسميها الغربيون الآن الصحراء السورية.
  • عربية الصخرية Arabia Petraea: يقصدون بها بلاد الأنباط Nabataea بين سورية والحجاز.
  • عربية السعيدة Arabia Felix: يقصدون بها ما تبقى من الجزيرة العربية وخاصة اليمن.

أما بالنسبة لكلمة “جزيرة العرب” التي يستخدمها العرب فتفسيرها هو كما يلي في رواية منسوبة إلى ابن عباس (من معجم البلدان):

وإنما سميت بلاد العرب جزيرة لإحاطة الأنهار والبحار بها من جميع أقطارها وأطرافها فصارها منها في مثل الجزيرة من جزائر البحر

المقصود أن بلاد العرب محاطة بالماء من معظم جوانبها بما في ذلك الناحية الشمالية حيث أن نهر الفرات يحيط بالصحراء السورية من الشرق والشمال الشرقي، وخليج السويس ونهر النيل والبحر المتوسط تحد بلاد العرب من الشمال الغربي (في شبه جزيرة سيناء التي هي امتداد للصحراء العربية).

الصحراء السورية

الصحراء السورية هي جغرافيا وطبيعيا وإثنيا الجزء الشمالي من الجزيرة العربية، ولذلك سماها الجغرافيون الغربيون القدماء “عربية الصحراوية” ووصفتها الكتابات الأكدية والعبرية بأنها موطن للعرب. أما العرب في العصر الإسلامي الباكر فهم على ما يبدو لم يكونوا يعدونها من أقسام الجزيرة العربية.

جاء في معجم البلدان عن ابن عباس:

فصارت بلاد العرب من هذه الجزيرة التي نزلوها وتوالدها فيها على خمسة أقسام عند العرب في أشعارها وأخبارها تهامة والحجاز ونجد والعروض واليمن

وعن الأصمعي:

 جزيرة العرب أربعة أقسام اليمن ونجد والحجاز والغور وهي تهامة

ربما يكون سبب غياب الصحراء السورية عن هذه التقسيمات هو أنها كانت قبل الإسلام تحت سيطرة الروم والفرس، كما أن سكانها كانوا مختلفين عن العرب العدنانيين من عدة نواحي (وهذا أمر سأتحدث عنه لاحقا).

الصحراء السورية لها تقريبا شكل مثلث ضلعه الأول يحاذي نهر الفرات وضلعه الثاني يحاذي سورية أو الشام وضلعه الثالث يحاذي صحراء النفود. إلى الشمال من الصحراء السورية تقع مرتفعات تدمر ومنطقة الجزيرة (بلاد آشور التاريخية)، وإلى الغرب منها تقع دمشق وبلاد الأنباط التاريخية، وإلى الشرق يقع العراق (بلاد بابل التاريخية)، وإلى الجنوب تقع صحراء النَّفود الرملية التي تفصل بين الصحراء السورية وهضبة نجد.

العرب في العصر الإسلامي الباكر كانوا يقسمون الصحراء السورية إلى ثلاثة أقسام: القسم الغربي والجنوبي الغربي المحاذي لسورية كانوا يسمونه بادية الشام، والقسم الجنوبي الشرقي المحاذي للعراق كانوا يسمونه بادية العراق أو بادية السماوة، والقسم الشمالي كانوا يسمونه بادية الجزيرة.

القسم الشرقي من بادية الشام هو عبارة عن سهل واسع يسمى الآن باسم الحَماد، وهو عبارة عن هضبة تغطيها البرك المائية الصغيرة والسبخات (المسطحات الملحية) ويحدها من الشمال الغربي مرتفعات تدمر ومن الغرب دمشق وجبل حوران وواحة الأزرق (تقع إلى الجنوب من جبل حوران في الأردن حاليا) و وادي السِّرحان (وهو واد كبير يمتد من واحة الأزرق باتجاه الجنوب الشرقي إلى مدينة الجوف السعودية التي تقع على الطرف الشمالي لصحراء النفود) ومن الجنوب صحراء النفود، أما حدها الشرقي فيمتد من شرق عرعر في السعودية إلى شرق الرطبة في العراق إلى جنوب تدمر في سورية.

هضبة الحماد تشكل تقريبا القسم الأوسط والجنوبي من الصحراء السورية، ومن هذه الهضبة يسيل عدد كبير من الأودية باتجاه الشرق والشمال نحو حوض الفرات وتدمر.

 القسم الغربي من هضبة الحماد الممتد من جبال تدمر إلى صحراء النفود هو عبارة عن حَرَّة كبيرة تسمى حرة الشامة، وهذه الحرة تبدأ من منطقة ديرة التُّلول إلى الشرق من غوطة دمشق وتمتد جنوبا إلى حرة الصَّفا التي تقع إلى الشرق من جبل حوران وتسير جنوبا إلى داخل الأراضي الأردنية (القسم الذي يمر في الأراضي الأردنية كان يسمى في زمن ياقوت الحموي باسم السَّواد على ما أظن) ثم تسير بمحاذاة وادي السرحان إلى داخل الأراضي السعودية حتى الجوف وصحراء النفود.

الحرة هي أحد أهم مظاهر الطبيعة في الجزيرة العربية وهي عبارة عن أرض رملية تغطيها مقذوفات بركانية سوداء اللون، ومن هنا جاءت تسميتها حيث أنها مشتقة من الجذر حرر الذي يعني الحرارة. جاء في لسان العرب:

والحَرَّةُ: أَرض ذات حجارة سود نَخِراتٍ كأَنها أُحرقت بالنار. والحَرَّةُ من الأَرضين: الصُّلبة الغليظة التي أَلبستها حجارة سود نخرة كأَنها مطرت، والجمع حَرَّاتٌ وحِرَارٌ.

الحرات تتواجد في القسم الغربي من الجزيرة العربية الممتد من اليمن إلى حوران، والسبب هو أن هذه المنطقة كانت في الماضي منطقة نشاط بركاني لأنها تقع بمحاذاة الفالق الجيولوجي المسمى Great Rift Valley وهو الحد الفاصل بين الصفيحتين العربية والأفريقية (الصفيحتان العربية والإفريقية هما من الصفائح التكتونية tectonic plates التي تتكون منها قشرة الكرة الأرضية).

الخط الأحمر على الخريطة هو الحد الفاصل بين الصفيحتين العربية والأفريقية، وهو عبارة عن انخفاض جيولوجي يبدأ من الجنوب ويمر بقاع البحر الأحمر وصولا إلى خليج العقبة ثم وادي عربة ثم البحر الميت ثم غور الأردن ثم سهل البقاع ثم حوض نهر العاصي إلى جبال الأمانوس في لواء إسكندرون.


المناطق الواقعة بالقرب من خطوط التماس بين الصفائح تكون معرضة للزلازل والبراكين على المدى القصير (ولتغير تضاريسها على المدى الطويل). لهذا السبب فإن المنطقة الغربية من الجزيرة العربية هي منطقة من المرتفعات والحرّات التي تكونت في الماضي بسبب النشاط البركاني. النشاط البركاني كان مستمرا حتى العصر الإسلامي الباكر بدليل الروايات التالية:

قال القرطبي:

قد خرجت نار الحجاز بالمدينة، وكان بدؤها زلزلة عظيمة في ليلة الأربعاء بعد العتمة، الثالث من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وست مئة، واستمرت إلى ضحى النهار يوم الجمعة فسكنت، وظهرت بقريظة، بطرف الحرة ترى في صفة البلد العظيم، لا تمر على جبل إلا دكته وأذابته، ويخرج من مجموعه ذلك مثل النهر أحمر وأزرق، له دوي كدوي الرعد، يأخذ الصخور بين يديه، وينتهي إلى محط الركب العراقي، واجتمع من ذلك ردمٌ صار كالجبل العظيم، فانتهت النار إلى قرب المدينة، ومع ذلك فكان يأتي المدينة نسيم ٌ باردٌ، وشوهد لهذه النار غليان كغليان البحر .و قال لي بعض أصحابنا : رأيتها صاعدة في الهواء من نحو خمسة أيام، وسمعت أنها رؤيت من مكة ومن جبال بصرى.

وقال أبو شامة المقدسي:

ظهرت نار عظيمة بينها وبين المدينة نصف يوم انفجرت من الأرض وسال منها وادٍ من نار حتى حاذى جبل أحد.

وقال النووي:

تواتر العلم بخروج هذه النار عند جميع أهل الشام.

روى ابن أبي شيبة:

قالت صفية: “زلزلت الأرض في عهد عمر حتى اصطفقت السرر، فوافق ذلك عبد الله بن عمر وهو يصلي فلم يدر، قال: فخطب عمر للناس: يا أهل المدينة ما أسرع ما أحدثتم، والله لئن عادت لأخرجن من بين أظهركم”

وروى الدارمي:

عن علقمة قال: زلزلت الأرض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر بذلك فقال: “إنا كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نرى الآيات بركات وأنتم ترونها تخويفاً”

طبعا وكعادة الرواة المسلمين فإنهم قاموا بتأليف عدد من الروايات الخرافية كالرواية التالية مثلا (وهي رواية منتشرة في كثير من كتب الأحاديث والأخبار):

أخرج البيهقي في “دلائل النبوة”:

قال : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ عن… عن… عن معاوية بن حرمل ، قال : قدمت المدينة فلبثت في المسجد ثلاثا لا أطعم ، قال : فأتيت عمر ، فقلت : يا أمير المؤمنين تائب من قبل أن يقدر عليه ، قال : من أنت ؟ قلت : أنا معاوية بن حرمل ، قال : إذهب الى خير المؤمنين فأنزل عليه ، قال : وكان تميم الدارمي إذا صلى ضرب بيده عن يمينه وعن شماله فأخذ رجلين فذهب بهما ، فصليت الى جنبه فضرب يده فأخذ بيدي فذهب بي فأتينا بطعام ، فأكلت أكلا شديدا وما شبعت من شدة الجوع ، قال : فبينا نحن ذات يوم إذ خرجت نار بالحرة فجاء عمر الى تميم فقال : قم الى هذه النار ، فقال يا أمير المؤمنين ! ومن أنا وما أنا ، قال : فلم يزل به حتى قام معه ، قال وتبعتهما فانطلقا الى النار ، فجعل تميم يحوشها بيده حتى دخلت الشعب ، ودخل تميم خلفها  قال : فجعل عمر يقول : ليس من رأى كمن لم ير . قالها ثلاثا . لفظ حديث الصنعاني. انتهى.

المقصود بهذا الحديث أن الصحابي تميم الداري ذهب مع عمر بن الخطاب إلى البركان وقام بجمع الحمم البركانية بيديه وأدخلها في فوهة البركان ثم دخل وراءها، وهذه من كرامات النبوة لأن النبي تنبأ بذلك!

وطبعا هناك روايات أخرى كثيرة منسوبة إلى الرسول حول النار:

  • لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى.
  • ليت شعري متى تخرج نار من اليمن من جبل الوراق تضيء لها أعناق الإبل بروكا ببصرى كضوء النهار.
  • عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: اطلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر, فقال: “ما تذاكرون؟” قالوا: نذكر الساعة.قال: “إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات ,فذكر: الدخان, والدجال,والدابة , وطلوع الشمس من مغربها, ونزول عيسى نب مريم , ويأجوج ومأجوج , وخسف بجزيرة العرب ,وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم.
  • عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ستخرج نار قبل يوم القيامة من بحر حضرموت , أو من حضرموت تحشر الناس” قالوا:فبم تأمرنا يا رسول الله ؟ قال: “عليكم بالشام”.

هذه الروايات تدل على أن المسلمين أصيبوا بالذعر من البركان واعتبروه دليلا على قرب نهاية العالم (من  “علامات الساعة” أو “أشراط الساعة”) ولذلك قام الرواة بفبركة هذه الأحاديث وغيرها ونسبوها إلى الرسول. هذه الروايات تمت فبركتها على الأغلب في العصر الأموي (ككثير من الروايات التي يعتبرها علماء الحديث “صحيحة”) ويدل على ذلك أن الرسول يقول في الروايات “عليكم بالشام”، بمعنى أن “نار الحشر” لن تطال الشام، ومن المعروف عن الأحاديث المفبركة في العصر الأموي أنها دائما تمتدح الشام ودمشق (مركز بني أمية) ودائما تذم العراق (مركز العلويين، أي أتباع علي بن أبي طالب).

الحديث عن الزلازل والبراكين والنيران ورد أيضا في القرآن وبكثرة، ومن ذلك مثلا الآيات التالية:

  • يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ
  • يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً
  • كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا… وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا
  • إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ… لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ… خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ…  إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّا…  وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً… فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً
  • فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ … وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً… فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ

هذه أمثلة وهناك في القرآن آيات أخرى كثيرة تتحدث عن زلزلة الأرض وتشققها وتحطم الجبال عندما تحين نهاية العالم. أما بالنسبة للبراكين فهناك الآيات التالية:

  • إِذَا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزَالَهاَ… وَأَخْرَجَتِ الأرْضُ أَثْقَالَهَا… وَقَالَ الإنْسَانُ مَا لَهَا
  • وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ… وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ… وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ

المفسرون القدماء فسروا هذه الآيات بأن المقصود فيها هو إخراج الأرض للموتى من باطنها، ولكن ما يخطر على بالي عند قراءتها هو إخراج الأرض للحمم البركانية لأن ما يترافق عادة مع الزلازل وتشقق الأرض هو خروج الحمم البركانية وليس جثث الموتى البالية والتي لم يبق منها شيء.

أيضا استخدام لفظ “أثقال” ولفظ “تخلت” يوحي بأن المقصود هو خروج شيء ثقيل، وهذا يتوافق مع خروج حمم البراكين التي تتفجر تفجرا وليس مع جثث الموتى التي هي في معظمها عبارة عن “رميم” كما وصفها القرآن.

 القرآن عندما يتحدث عادة عن إحياء الموتى فهو يشبه ذلك بإنبات النبات، كما في الآيات التالية:

  • والله أنبتكم من الأرض نباتاً ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً
  • وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
  • وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ
  • وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ… وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ… رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ
  • يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ
  • إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون

هذه الآيات واضحة وهي تشبه إحياء الأموات بعملية نمو النبات، وهناك فرق كبير في رأيي بين نمو النبات وبين تزلزل الأرض وتشققها وإخراجها “للأثقال”. نمو النبات عملية هادئة وادعة وليس لها علاقة بالأثقال ولا بالزلازل.

القرآن عندما يتحدث عن خروج الموتى من القبور فهو يتحدث بالشكل التالي:

  • وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ
  • خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ

هذه الآيات تقول أن الموتى يخرجون من القبور كجماعات متفرقة ومنتشرة، وهذا المعنى يتوافق تماما مع الآية التالية:

يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ

هذه الآية وردت مباشرة بعد آية “وَأَخْرَجَتِ الأرْضُ أَثْقَالَهَا” في نفس المقطع، مما يعني أن الأثقال المقصودة ليست الموتى لأن القرآن ليس من عادته أن يكرر الفكرة نفسها مرتين في نفس المقطع. القرآن عادة يكرر نفسه في السور المختلفة (وهذه ميزة هامة فيه تسهل تفسيره) ولكنه في السورة الواحدة أو المقطع الواحد لا يكرر نفس الفكرة.

أما بالنسبة لآية “وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ” فالآية التي تليها والمتعلقة ببعث الإنسان هي الآية التالية:

يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ

المفسرون فسروا هذه الآية بأن المقصود منها هو كدح الإنسان في الدنيا، وهذا في رأيي معنى لا يتوافق مع سياق الآية ولا مع سياق المقطع الذي وردت فيه. الإنسان الذي يعيش في الدنيا سوف يلاقي ربه سواء كدح أم لم يكدح (القرآن يقول دائما أن كل البشر سيلاقون الله يوم القيامة ولا علاقة لهذا الموضوع بكدحهم). الكدح المقصود في هذه الآية هو في رأيي كدح سيتم بعد قيام الإنسان من الموت (كما يدل على ذلك سياق المقطع الذي وردت فيه الآية والذي يتحدث عن يوم القيامة). وبالتالي أنا أفترض أن هذه الآية هي نظير للآيات السابقة التي تتحدث عن قيام الناس من القبور لملاقاة الله. على سبيل المثال، آية “يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ” تربط بين قيام الناس من القبور وبين محاسبتهم على أعمالهم، وهذا نفس الربط الموجود في آية “يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ” لأن الآيات التالية لها مباشرة تقول:

فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ… فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا… وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا… وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ… فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا… وَيَصْلَى سَعِيرًا

إذن في رأيي أن آية “يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ” هي نظير للآيات الأخرى التي تتحدث عن خروج الناس من قبورهم متفرقين متشتتين لكي يحاسبوا على أعمالهم، وبالتالي فإن آية “وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ” لا تتحدث عن قيام الإنسان من الموت طالما أن هذا المعنى مذكور في آية أخرى تالية لها في نفس المقطع.

مما سبق أريد أن أصل أن إلى أن آيتي “وَأَخْرَجَتِ الأرْضُ أَثْقَالَهَا” و “وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ” لا تتحدثان عن خروج الناس من القبور وإنما عن شيء آخر هو على ما أعتقد الحمم البركانية لأن هذا هو ما توحي به الصورة التي ترسمها الآيات، وهذا التفسير يتوافق أيضا مع فكرة “نار الحشر” التي وردت في الروايات المنسوبة إلى الرسول والتي تقول أن هناك نارا “ستطرد الناس إلى محشرهم” في نهاية الزمان، والمعروف أن “المحشر” هو المكان الذي سيحاسب فيه الناس أمام الله كما تقول آيات القرآن.

هناك على ما أظن آية أخرى في القرآن تتحدث عن حمم البراكين هي التالية:

وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ… وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ

كلمة “دابة” في هذه الآية حيرت المسلمين منذ القدم، وكثير من المفسرين القدماء فسروها بشكل حرفي، بمعنى أن المقصود بها هو حيوان ذو زغب يمشي على أربع قوائم يخرج من الأرض ويكلم الناس (ومن يقرأ في كتب أولئك المفسرين يجد العجب العجاب من أوصاف الدابة، مثلا رأسها رأس ثور وأذنها أذن فيل إلخ). طبعا هذا التفسير في رأيي لا معنى له والأرجح أن المقصود بالدابة في هذه الآية هو الحمم البركانية التي تخرج من الأرض. القرآن عندما يتحدث عن نهاية الزمان يتحدث عادة عن اختلالات كبيرة تضرب الكون كالزلازل والبراكين وطلوع الشمس من مغربها وتشقق السماء وانطفاء النجوم إلخ، وبالتالي الحديث عن “دابة بأربع قوائم” تخرج من الأرض في نهاية الزمان هو حديث خارج عن سياق نهاية الكون كما يصورها القرآن.

أما بالنسبة لكلمة “تكلمهم” فهناك تفسيران لها. التفسير الأول هو أن معناها مجازي وليس حرفي، أي أن الحمم التي تخرج من الأرض تقول للناس مجازيا أنهم ضعيفوا الإيمان، وهذا أسلوب مألوف في القرآن ومن أمثلته المقطع التالي:

إِذَا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزَالَهاَ… وَأَخْرَجَتِ الأرْضُ أَثْقَالَهَا… وَقَالَ الإنْسَانُ مَا لَهَا… يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا… بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا…

القرآن هنا يقول أن الأرض المتزلزلة يوم القيامة سوف “تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا”، والمقصود على ما أظن ليس أن الأرض ستتحدث فعلا للناس ولكنه مجرد أسلوب أدبي مجازي، وحتى لو كان المقصود هو الحديث الفعلي فإن وجود هذه الآية هو دليل على أن آية “الدابة” يقصد بها الحمم البركانية وذلك لتناظر الصورة الأدبية في هذه الآيات مع آيات الدابة. في هذه الآيات القرآن يقول أنه عندما تحين الساعة فإن الأرض سوف تتزلزل وتخرج أثقالها وتروي أخبارها وبعد ذلك يخرج الناس من القبور متفرقين ويسيرون إلى المحشر، وفي آيات الدابة القرآن يقول أنه عندما “يقع القول” على الناس (أي عندما تحين الساعة) فإن “الدابة” ستخرج من الأرض وتكلم الناس وبعد ذلك سيساق الناس إلى المحشر على على شكل أفواج (أي متفرقين). هناك تطابق تام بين الصورتين ولا بد أن المقصود بـ”الدابة” التي تخرج من الأرض هو نفسه “الأثقال” التي تخرج من الأرض عندما تتزلزل، وهذه الأثقال ليست جثث الأموات وإنما هي الحمم البركانية التي تدب على الأرض كالأنهار وتسوق الناس إلى محشرهم لكي يحاسبوا على أعمالهم.

التفسير الثاني (والأضعف) لكلمة “تكلمهم” هو أنها تعني هنا “يجرح” كما ورد في لسان العرب:

وكَلَّمه كَلْماً: جرحه، وأَنا كالِمٌ ورجل مَكْلُوم وكَلِيم؛ قال: عليها الشَّيخُ كالأَسَد الكَلِيمِ

إذن خلاصة ما سبق هي أن كلمة “دابة” تشير للحمم البركانية التي تدب على الأرض وليس لـ”دابة ذات زغب لها أربع قوائم” كما روي عن ابن عباس وغيره، والدليل على ذلك هو التماثل في الصورة الأدبية بين آيات الدابة وآيات الزلزلة.

صورة نهاية العالم في القرآن هي أنها تبدأ بزلزلة يليها إخراج للحمم البركانية من الأرض ثم إخراج للأموات من القبور وسوقهم إلى المحشر على شكل جماعات متفرقة، وهذه الصورة تتوافق مع ما ورد في الروايات المنسوبة إلى الرسول عن وجود “نار تطرد الناس إلى محشرهم” في نهاية الزمان. صحيح أنني وصفت الروايات التي تتحدث عن نار المحشر بأنها مفبركة ولكن الفبركة لا تعني أن كل شيء في الروايات مفبرك ولا أصل له. المفبرك في الروايات هو مثلا الكلام عن أن نار المحشر “تخرج من أرض الحجاز وتضيء أعناق الإبل ببصرى” لأن هذا واضح أنه تمت فبركته بعد الحادثة التي وقعت في زمن عمر بن الخطاب والتي نقلتها في الأعلى. أيضا عبارة أن نار المحشر “لا تطال الشام” هي فبركة سياسية هدفها خدمة مصالح بني أمية الحاكمين في العصر الأموي.

الرسول ربما قال أنه في نهاية الزمان ستخرج نار من الأرض تطرد الناس إلى محشرهم (لأن هذا مذكور في القرآن)، ولكن الرواة أضافوا إلى كلام الرسول عبارة أن النار ستخرج “من الحجاز” أو “من اليمن” وذلك بعدما سمعوا بحادثة خروج النار في زمن عمر بن الخطاب، وربما تكون هذه الإضافة غير مقصودة ولكنها وقعت بسبب خلطهم بين كلام الرسول وبين ما حدث في زمن عمر بن الخطاب. طبعا هم بهذا الخلط أساؤوا إلى الرسول لأن نار الحجاز خرجت منذ أكثر من ألف عام ومع ذلك فإن العالم لم ينته بعد.

الروايات التي تتناقل شفهيا تتعرض عادة للتحريف الشديد لعدة أسباب، منها مثلا أن الناس يلتقطون من الرواية جزءا معينا ويركزون عليه ويبالغون فيه ويهمشون أجزاء أخرى، وهذا أمر طبيعي متعلق بأسلوب عمل الدماغ البشري لأن الدماغ البشري عندما يحفظ شيئا ما فهو يركز على أجزاء معينة لافتة منه ويعتبرها “مفاتيح” تساعده على استرجاع الشيء المحفوظ بالكامل فيما بعد، ومع مرور الزمن فإن الشيء المحفوظ يتآكل ويضيع كله ولا يبقى منه إلا المفاتيح، وهي تكون عادة أجزاء محدودة جدا من الشيء الأصلي. هذا أحد أهم الأسباب التي تؤدي إلى تحريف الروايات المنقولة شفهيا ولكن هناك أسبابا أخرى أيضا تتعلق بالكذب والتدليس، وهي أسباب شائعة عند رواة المسلمين وتنبع عادة من العصبيات القبيلة والشخصية التي كانت تتحكم بعقل الإنسان العربي في ذلك الزمن وتسيطر عليه بشكل تام.

إذن القرآن تحدث عن الزلازل والحمم البركانية. بالإضافة إلى ذلك فإن القرآن تحدث أيضا عن ظواهر أخرى تترافق عادة مع الزلازل والبراكين، ومن هذه الظواهر “الدخان”:

فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ… يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ

هذه الآية هي أيضا من الآيات التي حار المفسرون فيها، والغريب أن أحدا منهم لم يفكر في دخان البراكين (الذي يجب أن يرافق خروج نار المحشر) وطرحوا بدلا من ذلك عدة تفاسير أهمها التفسير الغريب التالي (نقلا عن الطبري):

اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي هَذَا الَّذِي أَمَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرْتَقِبهُ , وَأَخْبَرَهُ أَنَّ السَّمَاء تَأْتِي فِيهِ بِدُخَانٍ مُبِين : أَيّ يَوْم هُوَ , وَمَتَى هُوَ ؟ وَفِي مَعْنَى الدُّخَان الَّذِي ذُكِرَ فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَقَالَ بَعْضهمْ : ذَلِكَ حِين دَعَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قُرَيْش رَبّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يَأْخُذهُمْ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُف , فَأُخِذُوا بِالْمَجَاعَةِ , قَالُوا : وَعُنِيَ بِالدُّخَانِ مَا كَانَ يُصِيبهُمْ حِينَئِذٍ فِي أَبْصَارهمْ مِنْ شِدَّة الْجُوع مِنْ الظُّلْمَة كَهَيْئَةِ الدُّخَان.

أنا شخصيا أرى أن المقصود بالدخان في هذه الآية هو دخان البراكين التي تحدث عنها القرآن في آيات أخرى، لأن هذا يكمل الصورة العامة التي يرسمها القرآن لنهاية العالم.

بالنسبة لكون اليوم المقصود في الآية هو يوم القيامة فهذا أمر واضح من السياق الذي وردت فيه. الآيات التي تسبق آية الدخان هي التالية:

لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ… بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ

المقصود هنا أنهم يشكون في قدرة الله على الإحياء والإماتة، أي أنهم يوم يشكون في يوم إحياء الأموات في آخر الزمان.

أما الآيات التي تلي آية الدخان فهي:

رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ… أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ… ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ… إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ… يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ

الآية التي تقول “إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ” هي آية شرطية تقول أننا لو كشفنا عنكم العذاب فإنكم ستعودون لما كنتم فيه، وهذا معنى يتكرر كثيرا في القرآن حيث أن القرآن يتحدث دائما عن أن الكفار سوف يطلبون بعد قيام الساعة أن يعودوا إلى الدنيا ولكن الله سيرفض ذلك. وبالنسبة لآية “يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ” فهي عائدة على آية الدخان حيث أن اليوم المقصود فيها هو نفسه يوم الدخان.

هناك أيضا آيات في القرآن تتحدث عن “الغمام”:

  • وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا… الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا… وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا… يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا… لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا
  • هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ

الغمام في القرآن يعني الغيوم (كما في آية “وظللنا عليهم الغمام”) وبالتالي السؤال هو هل هذا الغمام هو نفسه الدخان المبين؟

هذا احتمال وارد في رأيي لأن سياق الآيات هنا يشبه سياق آيات الدخان (في البداية حديث عن الدخان أو الغمام ثم بعد ذلك مباشرة حديث عن ندم الكافرين على عدم اتباعهم الرسول)، وأما بالنسبة لمجيء الله والملائكة مع الغمام فهو يذكرنا بالآيات التالية:

كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا… وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا

مجيء الله والملائكة يحدث بعد الزلزلة، والدخان يأتي أيضا بعد الزلزلة، إذن الغمام المقصود هو نفسه الدخان المبين. الصورة التي يرسمها القرآن هي أن الله عندما ينزل مع ملائكته إلى الأرض لكي يحاسب الناس المجتمعين في أرض المحشر فإن نزوله سوف يكون وسط سحب دخان البراكين المتصاعد إلى السماء.

الربط بين الدخان والغمام وبين معاناة الكافرين له سبب أدبي على ما أعتقد لأن الدخان والغمام ينتج عن البراكين التي تحاصر الناس بنيرانها يوم القيامة وتسوقهم إلى المحشر. السوق إلى المحشر هو بالنسبة للكافر تجربة مريرة جدا لأنه يعلم أنه ذاهب ليقابل الله وأن الله سوف يحاسبه على أعماله السيئة، وبالتالي فالكافر محاصر بين نيران البراكين من ورائه والحساب من أمامه، وهذا الموقف هو ما تعبر عنه الآيات التالية على ما أعتقد:

لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ… وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ… أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ… بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ… بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ … يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ… فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ… وَخَسَفَ الْقَمَرُ… وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ… يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ… كَلَّا لَا وَزَرَ… إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ… يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ… بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ… وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ

هذه الآيات تتحدث في البداية عن إحياء الإنسان من الموت (هي تحديدا تتحدث عن إحياء الإنسان الكافر من الموت)، ثم بعد ذلك تتحدث عن الظواهر الخارقة التي ترافق بداية يوم القيامة، ثم بعد ذلك تتحدث عن الإنسان الكافر في يوم القيامة وهو يساق إلى الحشر، وهنا تأتي الآيات التالية:

يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ… كَلَّا لَا وَزَرَ… إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ

هذه الآيات تبين أن الإنسان الكافر يكون في حالة رعب من المثول أمام الله ويريد أن يهرب ولكنه لا يستطيع بسبب نيران البراكين التي تحاصره من كل جانب، وبالتالي فبراكين يوم القيامة هي بالنسبة للكافر مشكلة كبيرة ولذلك يتحدث القرآن عن الدخان والغمام ويهدد الكافر بهما لأن الدخان والغمام هما كناية عن نيران الحشر التي هي المشكلة الحقيقية.

جاء في القرآن:

  • فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ
  • وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا

بالنسبة لـ”تشقق السماء بالغمام” الذي ورد في آيات الغمام فلا أدري ما هو معناه. القرآن دائما يقول أن السماء في يوم القيامة سوف “تنشق” أو “تنفطر” أو “تفتح” أو “تفرج” أو “تطوى” أو “تكشط”.

المقطع التالي يناظر مقطع آيات الغمام:

فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ… وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً… فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ… وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ… وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ… يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ

هنا لا يوجد حديث عن الغمام أو الدخان ولكن هناك حديثا عن انشقاق السماء ووهنها وهناك حديث عن نزول الله على عرشه تحمله ثمانية ملائكة.

المفسرون يفسرون انشقاق السماء بأن المقصود به انفتاح الأبواب التي ستنزل منها الملائكة، كما في الآيات التالية:

يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا… وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا… وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا

هناك أيضا في القرآن حديث عن أن السماء سوف يتغير لونها ويتبدل، ومن ذلك مثلا:

  • يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ
  • فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ

المهل هو الزيت أو المعدن المصهور، وأما الدهان فهو الدهان المعروف.

إذن السماء يوم القيامة سوف تتشقق وتنصهر وتطوى وتكشط وتفتح أبوابها، ولكنني لا أعلم ما علاقة كل ذلك بالغمام. ربما يكون المقصود هو أن الغمام حار بسبب احتوائه على المقذوفات البركانية ولذلك فهو سوف يتلف السماء. في حال كان هذا هو المقصود فهو يعني أن مقذوفات البراكين سوف ترتفع عاليا جدا إلى درجة أنها سوف تصيب السماء وتؤدي إلى تشققها وصهرها وتلفها. القرآن في بعض الآيات يقول أن السماء حاليا صافية وليس فيها فطور أو خدوش، وبالتالي فما سيحدث يوم القيامة هو العكس حيث أن السماء ستتشقق وتفقد صفاءها وتتحول إلى وردة كالدهان.

هناك تفسير آخر مجازي لفكرة تشقق السماء بالغمام، وهو أن الغمام الأسود عندما يتصاعد في السماء البيضاء أو الزرقاء فإنها ستبدو وكأنها مشققة (دخان البراكين يتصاعد عادة بشكل أعمدة وإذا نظرنا إلى هذه الأعمدة عن بعد فهي ستبدو إن كانت كثيرة وكأنها تشقق الأفق إلى أجزاء عديدة). في حال كان هذا هو المعنى المقصود بالفعل فهو يؤكد أن الغمام أسود اللون (وليس أبيض كما يقول الطبري لأن الغمام الأبيض لا يمكنه أن يشقق السماء) وفي حال كان الغمام أسودا فهذا يؤكد نظريتي عن أن المقصود به هو الدخان المتصاعد من البراكين. ولكن هذا التفسير المجازي يتعارض مع الآيات التي تتحدث عن أن “السماء واهية”، لأن عبارة “السماء واهية” توحي بأن المقصود هو أنها ستتشقق فعلا وحقيقة وليس مجازا.

بالإضافة إلى الدخان والغمام القرآن يتحدث أيضا عن “تفجير” و “تسجير” البحار:

  • وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ
  • وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ

هاتان الآيتان لهما صياغة متطابقة ووردتا في سياق متشابه، وبالتالي لا بد أن معناهما متماثل.

أنا قرأت سابقا كتابات لبعض المغفلين الذين يزعمون أن المقصود بهذه الآيات هو أن الهيدروجين الموجود في مياه البحار سوف ينفصل عن الأوكسجين ثم يتحد معه مجددا في تفاعل أكسدة يحول مياه البحار إلى نيران. هذا الكلام مبني على فرضية أن كلمة “فجر” في القرآن تعني explode بالإنكليزية (أو exploser بالفرنسية)، وهي فرضية تنم عن غباء شديد لأن كلمة “فجر” في زمن القرآن لم يكن لها علاقة بالمفهوم الحالي لكلمة التفجير. المفهوم الحالي لكلمة التفجير في اللغة العربية ظهر في القرن 19 على ما أعتقد، وأما في زمن القرآن فالشيء المعروف حاليا بالتفجير لم يكن له وجود لأن البارود لم يكن قد اخترع بعد. حتى كلمة explode الأوروبية لم تكن موجودة في زمن القرآن لأنها ظهرت في القرن 16.

كلمة “فجّر” في اللغة العربية تعني أصلا “شق”، وهي تستخدم للماء فيقال أن الماء تفجر بمعنى أنه خرج وتدفق من شقوق الأرض وكون بركة أو ينبوعا. كلمة “سجّر” لها نفس المعنى.

المفسرون القدماء كانوا يدركون معنى كلمتي فجّر وسجّر ولكنهم احتاروا أمام هاتين الآيتين لأن عبارتي “وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ” و “وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ” تعنيان أن البحار امتلئت، وهو أمر لم يفهموا المغزى منه لأن البحار مملوءة أصلا، ولذلك افترض بعضهم أن المقصود هو امتلاء البحار بالنار، وقال آخرون أن المقصود هو تفجر البحار على بعضها أو فيضانها أو جفافها، وهي كلها تخمينات.

تفسير الآية الأولى نقلا عن الطبري:

يَقُول : فَجَّرَ اللَّه بَعْضهَا فِي بَعْض , فَمَلَأَ جَمِيعهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل عَلَى اِخْتِلَاف مِنْهُمْ فِي بَعْض ذَلِكَ…  عَنْ قَتَادَة , قَوْله : (وَإِذَا الْبِحَار فُجِّرَتْ ) فُجِّرَ عَذْبهَا فِي مَالِحهَا , وَمَالِحهَا فِي عَذْبهَا …عَنْ الْحَسَن (وَإِذَا الْبِحَار فُجِّرَتْ) قَالَ : فُجِّرَ بَعْضهَا فِي بَعْض , فَذَهَبَ مَاؤُهَا . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : مُلِئَتْ .

تفسير الآية الثانية من لسان العرب:

وقوله تعالى: وإِذا البِحارُ سُجِّرَت؛ فسره ثعلب فقال: مُلِئَتْ، قال ابن سيده: ولا وجه له إِلا أَن تكون مُلِئَت ناراً. وقوله تعالى: والبحرِ المَسْجُورِ؛ جاء في التفسير: أَن البحر يُسْجَر فيكون نارَ جهنم. وسَجَرَ يَسْجُر وانْسَجَرَ: امتلأَ. وكان علي بن أَبي طالب، عليه السلام، يقول: المسجورُ بالنار أَي مملوء. قال: والمسجور في كلام العرب المملوء. وقد سَكَرْتُ الإِناء وسَجَرْته إِذا ملأْته؛ قال لبيد: مَسْجُورةً مُتَجاوراً قُلاَّمُها. وقال في قوله: وإِذا البِحارُ سُجِّرَت؛  أَفضى بعضها إِلى بعض فصارت بحراً واحداً. وقال الربيع: سُجِّرَتْ أَي فاضت، وقال قتادة: ذَهَب ماؤها، وقال كعب: البحر جَهنم يُسْجَر، وقال الزجاج: قرئ سُجِّرت وسُجِرَت، ومعنى سُجِّرَت فُجِّرَت، وسُجِرَت مُلِئَتْ؛ وقيل: جُعِلَت مَبانِيها نِيرانَها بها أَهْلُ النار. أَبو سعيد: بحر مسجورٌ ومفجورٌ. ويقال: سَجَّرْ هذا الماءَ أَي فَجّرْه حيث تُرِيدُ. وسُجِرَت الثِّماد سَجْراً: مُلِئت من المطر وكذلك الماءُ سُجْرَة، والجمع سُجَر، ومنه البحر المسجور.

بالنسبة لي فأنا سوف أبدأ محاولتي لتفسير هاتين الآيتين من سورة “القارعة” التي تقول:

الْقَارِعَةُ… مَا الْقَارِعَةُ… وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ… يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ… وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ… فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ… فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ… وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ… فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ… وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ… نَارٌ حَامِيَةٌ

هذه السورة تكرر نفس الصورة التقليدية التي تحدثت عنها في الأعلى عندما تحدثت عن الزلازل في القرآن. في البداية السورة تتحدث عن “القارعة”، والقارعة مشتقة من قرع يقرع كما في قولك “قرعت الجرس”، أي أن لها علاقة بالاهتزاز، وبالتالي هي تتحدث عن زلزلة يوم القيامة التي سوف تدمر الجبال، والسورة تتحدث بعد ذلك عن خروج الناس من قبورهم “كالفراش المبثوث” (قارن هذه العبارة مع عبارة “الجراد المنتشر” التي وردت سابقا) ثم بعد ذلك تتحدث عن حساب الناس على أعمالهم.

بعد ذلك سوف أذهب إلى الآيات التالية التي تتحدث عن أقوام عاد وثمود وفرعون ولوط ونوح:

الْحَاقَّةُ… مَا الْحَاقَّةُ… وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ… كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ… فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ… وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ… سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ… فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ… وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ… فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً… إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ … لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ

أقوام عاد وثمود وشعيب ولوط هي أقوام تاريخية حقيقية كانت تعيش في منطقة شمال الحجاز وجنوب نهر الأردن، ولذلك يرد في القرآن عادة ذكر هذه الأقوام مجتمعة (وأحيانا يذكر معها قوم نوح وقصة غرق فرعون كما في هذه الآيات).

المنطقة التي كانت تعيش فيها هذه الأقوام البائدة تقع قرب الفالق الجيولوجي الذي تحدثت عنه سابقا، ولذلك فهي جميعا هلكت بسبب الزلازل والبراكين.

عقاب قوم لوط المذكور في القرآن هو أنهم “أمطروا بمطر” مدمر (“بحجارة من سجيل”) أدى إلى هلاكهم، والكتاب المقدس اليهودي يعطي المزيد من التفاصيل عن هذا المطر فيقول أنه كان مطرا من “نار وكبريت”، أي أنه كان انفجارا بركانيا. قوم لوط حسب الكتاب المقدس اليهودي هم سكان مجموعة من المدن القديمة التي كانت موجودة جنوب نهر الأردن (تسمى بـ”مدن سهل الأردن”)، وأهم هذه المدن هما مدينتا سَدُوم Sodom وغَمُورَة Gomorrah.

قوم عاد وقوم ثمود غير مذكوران في الكتاب المقدس اليهودي ولكنهما مذكوران في مصادر أخرى غير يهودية (أكدية ويونانية) وهما كانا يعيشان على الأغلب في شمال الحجاز إلى الجنوب من مدن سهل الأردن المذكورة في الكتاب المقدس اليهودي (قوم ثمود كانوا يعيشون في المنطقة المعروفة حاليا باسم مدائن صالح، أما قوم عاد فكانوا على الأغلب يعيشون قرب جبل رم في جنوب الأردن حاليا).

القرآن عندما يتحدث عادة عن هلاك عاد وثمود فهو يقول أنهم هلكوا بـ”الصاعقة” أو “الصيحة”، وفي بعض الأحيان هناك توضيح أكثر حيث أن قوم ثمود هلكوا بـ”الرجفة” (أي الزلزال) وقوم عاد هلكوا “بالريح العاتية”.

طبعا كلا القومين هلكا على الأغلب بسبب الزلازل والبراكين (مثل قوم لوط وقوم شعيب الذين كانا يعيشان بالقرب منهما)، وأما سر ذكر كلمة “الصيحة” و”الريح الصرصر العاتية” فالباحثون فسروه بأنه يعود إلى أن مرور الرياح عبر “السيق” (وهو الممر الصخري الضيق الذي يقود إلى مدينة بترا) يؤدي إلى صدور صوت عالي ينسبه البدو المقيمون هناك إلى الله، وهناك تفسير آخر أبسط من ذلك وهو أن المقصود بالصيحة هو الصوت الهادر الذي يرافق تفجر البراكين عادة.

بالنسبة لاستخدام كلمة “الصاعقة” لوصف الزلزال فهذا أمر متكرر في القرآن:

  • فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ
  • وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الارْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ

المقصود بكلمة “صعق” في هذه الآيات ليس الصعق الكهربائي وإنما هو على ما أعتقد الصعق الزلزالي، ويدل على ذلك مقارنة هذه الآيات بباقي آيات القرآن التي تتحدث عن يوم القيامة. القرآن كثيرا ما يقول عن قوم عاد وثمود أنهم “صعقوا” و”أخذتهم الصاعقة” والمقصود بذلك على ما أعتقد هو “زلزلوا” و”أخذتهم الزلزلة”.

الآيات التي أوردتها في الأعلى عن قوم عاد وثمود تبدأ بكلمة “الحاقة”، والمقصود بها يوم القيامة، ثم بعد ذلك تأتي آية “كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ”، والمقصود بالقارعة كما قلنا هو الزلزلة، ثم بعد ذلك تأتي الآيات التالية:

فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ… وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ

من المقارنة بين الآيتين يتضح أن المقصود بـ”الطاغية” هو الشيء الذي أهلك قوم ثمود، والذي هو إما زلزال أو بركان.

كلمة “طغى” في اللغة العربية تعني “تجاوز الحد”، ولذلك فهي يمكن أن تستخدم بمعنى طوفان الماء، وهو المعنى المقصود في الآية التالية:

إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ

هذه الآية تتحدث عن طوفان نوح، والمقصود بعبارة “طغى الماء” أنه فاض. هذه الآية جاءت في نفس المقطع الذي وردت فيه آية “فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ”، وبالتالي يمكننا أن نفترض أن معنى الطغيان في الآيتين متشابه.

إذن “الطاغية” التي أهلكت قوم ثمود ربما تكون طوفانا، ولكنه ليس طوفانا مائيا وإنما طوفان بركاني.

في حال كان هذا التفسير صحيحا (وهو مجرد احتمال) فإذن يمكننا أن نقول أن القرآن يستخدم المفردات المتعلقة بتدفق المياه لوصف تدفق الحمم البركانية، وإذا عدنا إلى آيتي “وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ” و “وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ” يمكننا أن نفترض أن المقصود فيهما هو امتلاء البحار بالحمم البركانية، وهو التفسير المنسوب إلى ابن سيده وإلى علي بن أبي طالب.

طبعا هناك فرق كبير بين هذا التفسير وبين التفسير الذي أتى به بعض متفذلكة العصر الحديث عندما تحدثوا عن تفاعل الهيدروجين والأوكسجين. المقصود بالتفجّر والتسجّر هو أن الحمم البركانية سوف تتدفق من قيعان البحار كما تتدفق المياه من الينابيع وسوف تملئ البحار وتحل محل الماء. هذا المعنى لا علاقة له بمكونات الماء الجزيئية ولا بتفاعلات الأكسدة.

المنظر الذي يصوره القرآن هو منظر مرعب وهو في الحقيقة له شبيه في البيئة الحجازية. الحرّات عندما تنفجر وتخرج منها الحمم فإن الحمم كثيرا ما تشكل بركا تتصاعد منها الفقاقيع وأصوات الفرقعة، ومن يمر بجانب هذه البرك فإنه سيشاهد منظرا مخيفا هو عبارة عن بحر من النار، وفي حال سالت الحمم وكونت سيلا فالمنظر سوف يكون مرعبا أكثر وشبيها بمنظر نيران الحشر.

الأبيات التالية (من كتاب “البداية والنهاية”) هي لشاعر مجهول من العصر الإسلامي الباكر وهي تبين مدى رعب العرب في ذلك الزمن من الزلازل والبراكين (لاحظ ورود ذكر دخان البراكين في الأبيات مما يؤكد أن الدخان المذكور في القرآن هو دخان البراكين وليس أي دخان آخر):

يا كاشف الضر صفحا عن جرائمنا … لقد أحاطت بنا يا رب بأساء

نشكو إليك خطوبا لا نطيق لها … حملا ونحن بها حقا أحقاء

زلازل تخشع الصم الصلاب لها … وكيف يقوى على الزلزال شماء!

أقام سبعا يرج في الأرض فانصدعت…عن منظر منه عين الشمس عشواء

بحر من النار تجري فوقه سفن … من الهضاب لها في الأرض أرساء

كأنما فوقه الاجبال طافية … موج عليه لفرط البهج وعثاء

ترمي لها شررا كالقصر طائشة … كأنها ديمة تنصب هطلاء

تنشق منها قلوب الصخر إن زفرت … رعبا وترعد مثل السعف أضواء

منها تكاثف في الجو الدخان إلى … أن عادت الشمس منه وهي دهماء

قد أثرت سفعة في البدر لفحتها … فليلة التم بعد النور ليلاء

تحدث النيرات السبع ألسنها … بما يلاقي بها تحت الثرى الماء

وقد أحاط لظاها بالبروج إلى … أن كاد يلحقها بالارض إهواء

ما أردت قوله من كل الكلام الطويل السابق هو إظهار معرفة العرب القدماء بالزلازل والبراكين ومدى تأثرهم النفسي والثقافي بها حيث أنهم نظروا إليها برعب وربطوها بنهاية العالم واعتبروها من وسائل الله التي ينتقم بها من الشعوب العاصية.

عودة إلى الموضوع الأصلي وهو الحرات. الحرات إذن هي أراض مكونة من مقذوفات بركانية وهي تكثر في القسم الغربي من الجزيرة العربية. بما أن الحرات مكونة من مقذوفات بركانية فهي إذن خصبة للزراعة إن توفر لها الماء، وهذا ما نراه مثلا في منطقة حوران التي تقع بجوار حرة الصفا من جهة الغرب (جبل حوران هو نفسه مكون من مقذوفات بركانية وهذا هو سبب خصوبته عندما يتوفر له الماء).

الحرات كما قلنا كانت تنشط في العصور القديمة وتطلق النار، وفي بلاد الحجاز واليمن كانت هناك حرات ناشطة في الزمن الجاهلي.

ما يلي منقول من كتاب جواد علي:

وقد تركت الأصوات المزعجة، و “الصيحات” المرعبة، والنيران التي كانت ترى من مسافات بعيدة، وسحب الدخان التي كانت ترتفع من أجواف الأرض، و “البريق” الذي كان يظهر من الحرار، مثل حرَّة “القوس” التي قيل إنها كانت ترى كأنها حريق مشتعل، و “حرة لبن” التي كان يخرج منها ما يشبه البرق، ويسمع منها أصوات كأنها صياح، هذه كلها تركت صوراً مرعبة في نفوس الجاهليين، تتجلى في القصص المروية عنها، وفي عقائدهم بتلك النيران.

ولعل قوة نيران “حرة ضَرْوان” وشدة قذفها للحمم وارتفاع لهيبها، هي التي دفعت أهل اليمن إلى التعبد لها والتحاكم إليها، فقد كانوا يذهبون إليها ليتحاكموا عندها فيما يحدث عندهم من خلاف، والرأي عندهم إن النار تخرج فتأكل الظالم وتنصف المظلوم. وقد كانت حرة نشطة عاشت أمدا طويلاّ كما يظهر من وصف “الهمداني” وغيرها لها، وصلت حممها إلى مسافات بعيدة عن الحرة.

في التدوينة القادمة سوف أتحدث عن جغرافية بلاد الأنباط وباقي مناطق الجزيرة العربية.

تعليقات
  1. الغامدي قال:

    سبحان الله ؤلله في خلقه شئؤن … شعراؤي 2012

  2. موزة! قال:

    تفسير رائع و حديث للقرآن .. كم اتمنى ان يبدأ هناك اصلاح ديني في العالم العربي متزامن مع الإصلاح السياسي الذي يفترض بالثورات ان تأتي به ..
    بدون الإصلاح الديني لن نتطور، و هو ملازم للإصلاح السياسي. الإصلاح السياسي لوحده لن يفيد، لانه سيبقى مقيداً ضمن إطار تم وضعه منذ 1400 سنة ..
    الإصلاح الديني في الشرق صعب جداً .. و بحاجة إلى جهود جبارة .. و خصوصاً بوجود فئات كبيرة من الناس تنزع “المحافظة” و إلى الابقاء على الاوضاع على ما هي عليه ..
    الإصلاح الديني قادم لا محالة .. لأن الإسلام تبع الـ 1400 سنة لم يعد يتناسب مع العصر الحديث، لكن المشكلة الحقيقة هي في وعي الإسلاميين انفسهم لحاجتنا للإصلاح الديني، بدون المرور بحرب أهلية.
    اتمنى ان نتعلم من تجارب غيرنا .. لا ان ننتظر حتى نقع في نفس الفخ الذي وقع فيه الأوربيون في العصور الوسطى.

    • Hani قال:

      يا عزيزي لا أدري كيف ربطت بين “الثورات” وبين الإصلاح الديني… إذا انتصرت الثورة في سورية فعندها من يكتب مثل كلامي فسوف يقطعون رأسه… مع أن كلامي ليس فيه ما يضر الدين ولكن بالنسبة للعقلية السائدة لدى المحافظين في سورية هو يعتبر مرفوضا لأن فيه خروجا على المفاهيم التقليدية الموروثة…

  3. salfartousi قال:

    بمناسبه الحوادث الكونيه فى اخر الزمان قد يفيد الاطلاع على الطور المهدوى ل عالم سبيط النيلى وشكرا

  4. Tam قال:

    يبدو ان احدا لم يفهمك , ما كتبته في واد والاخرون في واد.

    • Hani قال:

      أهلا يا سيد تام… كيف عرفت أن المعلقين لم يفهموني؟… التعليقات ليس فيها ما يدل على أنهم لم يفهموني…

      المقصود من التدوينة هو ما ورد فيها فقط لا غير… ليس هناك أية معاني أو أغراض خفية إذا كان هذا ما تشير إليه…

  5. [...] المقال هو استكمال لموضوع كنت قد بدأته قبل فترة تحت عنوان “تاريخ العرب”. كنت أريد من هذا [...]

  6. أبوياسين قال:

    السلام عليكم
    ربما يكون الدخان العظيم الذي بشر به الآقدمون هو السحب الناتجة عن تفجير نووي

  7. [...] في الجزء الأول من هذا الموضوع عن منطقة عربية الصحراوية Arabia Deserta، [...]

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s