روسيا لا تملك ذخيرة

Posted: نوفمبر 14, 2011 in تاريخ, سياسة
ماذا سيقول لافروف بعد الآن؟


روسيا كانت وما زالت متحمسة لدعم سورية، ولكنها الآن لم تعد تملك الذخيرة لكي تمارس هذا الدعم.

الإجماع العربي على عزل سورية ومقاطعتها وفرض عقوبات عليها إلخ هي أمور نسفت جوهر الموقف الروسي، وروسيا لن يمكنها بعد الآن أن تحافظ على موقفها الذي اتخذته منذ بداية الأزمة.

لم أسمع حتى الآن أي رد فعل من الخارجية الروسية على قرار الجامعة العربية، وهو أمر طبيعي لأن الروس لا بد وأنهم يجرون الآن إعادة تقييم شاملة لموقفهم.

الخبر الوحيد الذي صدر عن روسيا اليوم هو هذا الخبر:

http://arabic.rt.com/news_all_news/news/571552

قال فيتشسلاف دزيركالن نائب مدير الهيئة الفيدرالية للتعاون العسكري – التقني ان روسيا تنفذ التزاماتها بتوريد السلاح الى سوريا بموجب العقود المبرمة سابقا. جاء ذلك في المؤتمر الصحفي الذي عقده يوم 13 نوفمبر/تشرين الثاني بدبي.

وقال “بما انه ليس هناك أي قيود تمنع توريد الاسلحة الى سورية، فان روسيا تنفذ التزاماتها بموجب العقود المبرمة سابقا مع هذا البلد”.

واشار الى انه ما لم تصدر أي قيود على توريد الاسلحة الى سورية، بسبب الاوضاع المتأزمة هناك، فان روسيا ستستمر بتنفيذ التزاماتها بموجب العقود المبرمة سابقا

هذا الخبر يتفق مع ما قلته سابقا من أن روسيا من الآن فصاعدا لن تملك أي شيء تقدمه لسورية سوى السلاح. ولكن هذا السلاح بالمناسبة قد يتوقف قريبا في حال صدر قرار بالعقوبات ضد سورية من مجلس الأمن.

لا أستطيع أن أتخيل أن موسكو ستستخدم الفيتو مجددا في مجلس الأمن إلا إذا كانت لديها ذخيرة سياسية جديدة. مثلا مبادرة حوارية جديدة ترعاها موسكو، ولكن في الحقيقة هذا الأمر صار الآن من الماضي بعد أن نجحت أميركا في سحب ورقة الحوار من يد موسكو (بالاستعانة بأتباعها العرب) وقامت عمليا بتعطيل هذه الورقة وإبطال مفعولها.

 لا بد الآن للنظام السوري من تقديم شيء جديد لروسيا حتى تستطيع أن تستخدمه كذخيرة سياسية. النظام السوري دعا لعقد قمة عربية، ولكنني لا أدري ما الذي سيقود إليه هذا الأمر.

ما زلنا حتى الآن لا نعلم ما الذي ستفعله تركيا، ويبدو أننا لن نعلم حتى يوم الأربعاء القادم. أتوقع أن تقوم تركيا مع الدول الخليجية بالاعتراف بمجلس إسطنبول كممثل لسورية.

أما موضوع “المنطقة العازلة” فهو ما زال غامضا. مصادر الأتراك والخليجيين ما زالت تؤكد أن فكرة المنطقة العازلة مطروحة ولكنها بحاجة لبعض الوقت حتى تنفذ. يبدو من مواقف الأتراك الأخيرة التي تحدثت عن استضافة سورية لحزب العمال الكردي أن الأتراك سوف يستغلون ما يسمى باتفاقية أضنة الأمنية التي وقعها معهم حافظ الأسد في عام 1999 لكي يقيموا المنطقة العازلة بدون تفويض دولي. اتفاقية أضنة هي اتفاقية سرية وأنا في حياتي لم أقرأ أي نص رسمي لها. كل ما نعلمه عنها هو إشاعات مصدرها معارضوا النظام السوري، وكثير من هذه الإشاعات تبين لاحقا أنها كاذبة. مثلا المعارضون أشاعوا سابقا أن الاتفاقية تنص على تنازل سورية عن لواء الإسكندرون لتركيا، وهو ما نفته الحكومة السورية ولكن المعارضين استمروا في تأكيده مقدمين بذلك خدمة مجانية لتركيا (أو بالأحرى خيانة مجانية لأن قضية اللواء هي قضية سيادية خطيرة وليست لعبة حتى يتعامل معها ما يسمى بالمعارضين بهذا الاستهتار واللامسؤولية.) أيضا المعارضون يشيعون أن اتفاقية أضنة تسمح لتركيا بمطاردة حزب العمال الكردستاني داخل الأراضي السورية بدون إذن من الحكومة السورية، ولكنهم اختلفوا في تحديد المسافة التي يسمح لتركيا بدخولها فمنهم من قال أن المسافة هي 5 كيلومترات وهناك من يزعمون أن المسافة هي 15 كيلومتر.

السيناريو المطروح حاليا في إعلام المعارضين هو أن تركيا سوف تدخل الأراضي السورية تحت ذريعة ملاحقة الأكراد وأن هذا التدخل التركي سوف يكون بداية تدخل حلف الناتو في الأزمة السورية بدون تفويض دولي.

لو كان هذا السيناريو جديا فأنا أتوقع من سورية أن تلغي اتفاقية أضنة عندما تعلن إلغاء بقية الاتفاقيات مع تركيا. هناك اتفاقيات عديدة أظن أنه سوف يتم إلغاؤها أو تجميدها (على رأسها اتفاقية التجارة الحرة) وبالتالي ربما سيتم أيضا إلغاء اتفاقية أضنة وسحب هذه الذريعة التي تروج الآن في الإعلام.

ولكن السؤال هو هل تستطيع سورية حقا أن تغير مسار الأمور الحالي؟

هناك في سورية تركيز كبير على موعد رأس السنة وكأن الحملة الأميركية ستنتهي في رأس السنة، ولكنني شخصيا لا أدري ما هو سبب هذا الافتراض. أنا أرى أن الحملة الأميركية ليس لها حتى الآن نهاية في الأفق وهي تبدو لي مستمرة حتى إشعار آخر. أنا لا أعتقد أن الحملة ستتوقف في رأس السنة بل أظن أنها ربما سوف تشتد لأن أميركا ستكون قد تحررت من ارتباطها الأمني المباشر مع العراق.

إذا خرجت أميركا من العراق وانفتح الجسر العراقي أمام إيران فهذا لا يعني أن أميركا ستوقف بالضرورة هجومها على سورية. إيقاف الهجوم يقتضي التوصل إلى تسوية سياسية مع إيران، وإيران حتى الآن ترفض التفاوض، ولا أدري متى ستقبل التفاوض ولا أدري إن كانت سورية ستصمد حتى يتم الاتفاق بينها وبين أميركا.

قصة الجامعة العربية

لا يستفزني شيء أكثر من المدائح التي يكيلها البعض للجامعة العربية بوصفها وسيلة “للعمل العربي المشترك” إلخ.

من يقرأ تاريخ هذه الجامعة وكيفية نشأتها يعلم أنها في الحقيقة لم تنشئ لخدمة المشروع القومي العربي وإنما كانت منذ نشأتها أداة لمحاربة القومية العربية والقضاء عليها.

لكي نعرف كيف ولماذا نشأت الجامعة العربية يجب أن نعرف أولا ما كانت عليه المجتمعات العربية عند نشأتها.

سورية في العصر العثماني كانت إلى حد كبير ما تزال تعيش عصر الإقطاع. صحيح أنه كانت هناك بذور للقومية في سورية في القرن 19 ولكن هذه البذور بصراحة لم تثمر شيئا حقيقيا في صفوف عامة الشعب الذين كانوا عموما يعيشون في حالة إقطاع بدائية جدا.

قبل الانتداب الفرنسي على سورية كان المجتمع السوري عموما مقسوما إلى طبقتين رئيسيتين (ككل المجتمعات الإقطاعية) هما طبقة ملاك الأراضي وطبقة الفلاحين. ملاك الأراضي هم الذين كان يناديهم الناس آغا وبك إلخ. هؤلاء كانوا هم القوة الحقيقية الحاكمة للمجتمع وكانوا يتمتعون بنفوذ كبير جدا في صفوف عامة الناس. في مدينة حلب مثلا كان الناس ينادون هؤلاء الإقطاعيين بلقب “أبونا” (مثلا أبونا فلان بك الفلاني) وهو نفس اللقب الذي ينادي به المسيحيون رجال الدين. في الواقع أنا لاحظت من قراءتي أن هؤلاء الإقطاعيين كان لهم عند عامة الناس نوع من القداسة الدينية وكان الناس يتعاملون معهم وكأنهم رجال دين وربما حتى يقرنونهم بالأولياء والصالحين، وهذا أمر لم يكن محصورا في سورية فقط بل في كل العالم الإسلامي.

رجال الدين في ذلك العصر كانوا في تحالف تام مع الإقطاعيين وكان كل همهم هو الدفاع عن السلطة والنظام القائم وتكفير كل من يخرج عليه.

بالإضافة إلى فئة الملاك والفلاحين كانت هناك فئة ثالثة هي البورجوازيين أو الطبقة الوسطى، وهؤلاء هم أصلا من الكادحين ولكنهم اغتنوا وأصبحوا مستقلين ماديا عن الأسياد دون أن يبلغوا مكانة الأسياد الاجتماعية التي لا يمكن لأحد من الكادحين أن يبلغها أبدا مهما اغتنى لأنها مكانة وراثية وليست متعلقة بالمال فقط.

البورجوازيون تاريخيا هم الذين اخترعوا مفاهيم  الحرية والعدالة والمساواة والقومية إلخ. هذه المفاهيم هي في الحقيقة كلها تهدف إلى ضرب نفوذ الإقطاعيين وتغيير النظام السياسي والاجتماعي الإقطاعي، ولذلك لم يكن من المستغرب أن الإقطاعيين عموما كانوا يحاربونها وكانوا يستعينون برجال الدين في ذلك.

فكرة القومية العربية هي فكرة لا تناسب مصالح الإقطاعيين. الإقطاعيون في حلب مثلا لم يكونوا يحبون أبدا فكرة الوحدة العربية والدولة القومية لأن هذه الفكرة تضرب مصالحهم بشكل كبير.

الدولة الإقطاعية تختلف في بنيتها كثيرا عن الدولة القومية، وأحد أهم مميزات الدولة الإقطاعية هو أنها تفتقر للمركزية الإدارية. الدولة الإقطاعية تعطي الحق لملاك الأراضي لكي يتصرفوا في أراضيهم كما يشاؤون وبدون تدخل من السلطة المركزية في نفوذهم. كل ما تطلبه السلطة المركزية من الإقطاعيين هو أن يدفعوا لها الضرائب فقط (وفي زمن الحرب توفير المقاتلين). طالما أن الإقطاعي يدفع المال المترتب عليه فهو يعتبر سيد أرضه أو ضيعته ولا يحق لأحد أن يسأله عما يفعله فيها.

في المقابل الدولة القومية تجعل الإقطاعي مجرد مواطن في الدولة كغيره من المواطنين، وفي أحسن الأحوال هو يتمتع ببعض الامتيازات ولكنه ليس حرا في أن يفعل ما يشاء في أراضيه.

فكرة الدولة القومية إذن هي فكرة مسيئة لنفوذ الإقطاعيين (كغيرها من الأفكار البورجوازية)، ولذلك هم لم يكونوا يحبونها، ولكنهم كانوا يضطرون لمسايرة الناس وكانوا يدّعون في الظاهر تأييدهم للقومية العربية والتقدمية والديمقراطية إلخ من الشعارات.

الإقطاعيون في حلب كانوا يكرهون فكرة الدولة القومية أكثر من غيرهم لأن الدولة السورية الأولى عندما أنشئت في عام 1918 كانت عاصمتها دمشق، وهو ما يعني أن حلب صارت تابعة لدمشق على خلاف ما كان الحال عليه في العصور السابقة، ولذلك كان إقطاعيوا حلب في الباطن يعادون فكرة الوحدة السورية رغم أنهم في الظاهر كانوا يبدون تأييدهم لها.

حلب في العصر العثماني كانت عاصمة لولاية حلب ولم تكن تتبع دمشق، وحتى في العصور السابقة فإن حلب لم تكن يوما تتبع لدمشق باستثناء فترة وجيزة هي فترة الحكم الأموي ربما التي دامت لحوالي 100 عام. في العصر الأموي كانت تبعية حلب لدمشق هي تبعية سياسية بحتة ولم تكن تبعية إدارية، بمعنى أن دمشق لم تكن لها أية سلطة إدارية على حلب. حلب في العصر الأموي كانت جزءا من “جند قنسرين” وكان خراجها يجبى إلى مدينة قنسرين إلى الجنوب من حلب (حاليا هي قرية تسمى “العيس”).

في العصر العثماني كانت حلب عموما أكبر وأهم من دمشق، ولذلك كانت حلب هي مقر القنصليات الأوروبية ومقر الشركات التجارية الأوروبية كشركة تجارة المشرق مثلا (وهي شركة بريطانية مقرها الرئيسي في لندن كانت تحتكر تجارة بريطانيا مع المشرق). ولكن هذا الحال تغير في القرن 19 حيث أن دمشق ونتيجة لعدة أسباب أصبحت هي المدينة السورية الكبرى (أسباب صعود دمشق على حساب حلب هي باختصار ما يلي: 1-انهيار الدولة الصفوية في إيران والتي كانت شريكا تجاريا هاما لحلب خاصة في تجارة السجاد. 2-الزلزال المدمر الذي ضرب حلب في بداية القرن 19. 3-”التنظيمات” التي أقرها العثمانيون بعد الغزو المصري لسورية في ثلاثينات القرن 19 والتي أدت إلى هزات اجتماعية كبيرة في حلب. 4-افتتاح قناة السويس في عام 1869 والتي قضت نهائيا على ما تبقى من تجارة برية بين أوروبا والشرق. هذه الأسباب هي التي أدت إلى اضمحلال حلب وبالتالي بروز دمشق كأكبر مدينة في سورية في القرن 19).

لهذه الأسباب التاريخية ولكون المجتمع السوري العثماني مجتمعا إقطاعيا يخلو من الروح القومية الحقيقية فإن فكرة القومية العربية كانت إلى حد كبير فكرة نخبوية يروجها بعض البورجوازيين في سورية دون أن يكون لها أساس واقعي في بنية المجتمع السوري.

عندما غزت فرنسا حلب ودمشق في عام 1920 أحس الجنرال غورو (المفوض السامي الفرنسي في سورية وقيليقية) بأن إقطاعيي حلب لديهم شعور “متحفظ” تجاه الوحدة السورية التي عاصمتها دمشق، ولذلك أصدر مرسوما بإنشاء “دولة حلب” التي استمرت لخمس سنوات حتى عام 1925. إقطاعيوا حلب عموما كانوا منقسمين إلى قسمين: قسم كان يؤيد الفرنسيين بقليل من التحفظ (وهؤلاء كانوا في السلطة ويحظون بتأييد رجال الدين)، وقسم آخر (خارج السلطة) كان يتبنى شعارات القومية العربية والوحدة السورية، وهؤلاء كانوا يسمون بالوطنيين وهم الذين شكلوا مع إقطاعيي دمشق وبقية المدن السورية واللبنانية ما يسمى بـ”الكتلة الوطنية” في عشرينات القرن العشرين.

إقطاعيوا حلب المحافظون (والذين كان الوطنيون يسمونهم عملاء فرنسا) كانوا لا يؤمنون بالوحدة العربية ولا يؤمنون حتى بالوحدة السورية، رغم أنهم في العلن كانوا يدعون العكس، ولذلك فإن الفرنسيين عندما ألغوا دولة حلب في الشهر الأخير من عام 1925 استجابة لضغوط الوطنيين سارع هؤلاء إلى الطلب من الفرنسيين بأن يعيدوها من جديد (منتهزين فرصة اندلاع ثورة سلطان باشا الأطرش في جنوب سورية)، وفرنسا طبعا كانت تؤيد هذا التوجه، ولكن دولة حلب مع ذلك لم تعد بسبب كون الوطنيين هم الأقوى شعبيا في حلب.

النازية وتأثيرها على المشرق العربي

عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية في عام 1939 أراد النازيون إضعاف نفوذ بريطانيا في الشرق الأوسط فتبنوا شعارات القوميين العرب، وصاروا يستقبلون الوفود العربية الداعية للوحدة العربية وإنهاء الانتداب البريطاني وطرد اليهود من فلسطين إلخ. النازيون اكتسبوا بسرعة شعبية كبيرة في الشرق الأوسط لأن الناس هناك كانوا يمقتون بريطانيا وسياساتها المعادية للقومية العربية، وهو ما استغله النازيون جيدا فأصبح العرب عموما من أنصار النازيين.

التأييد الألماني للقومية العربية واقتراب الألمان من السيطرة على مصر ألهب حماسة القوميين، فوقعت في عام 1941 ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق ضد البريطانيين والتي شارك فيها القوميون العرب من سورية. هذه الثورة كادت أن تخرج العراق من سيطرة بريطانيا وتضعه تحت سيطرة الألمان.

بعد ثورة الكيلاني وغيرها من الثورات والاضطرابات أحس البريطانيون أن القومية العربية هي مشكلة جدية تهدد سيطرتهم على الشرق الأوسط، ولذلك تبنوا استراتيجية جديدة في التعامل مع المشرق العربي هي استراتيجية تقوم على تبني القومية العربية وتشجيعها، وهذه الاستراتيجية كانت طبعا تهدف إلى قطع الطريق على التغلغل النازي في المشرق العربي.

هذه الاستراتيجية الجديدة تجلت في خطاب شهير (وعجيب) ألقاه أنتوني إيدن وزير خارجية بريطانيا في أيار 1941 (في عز الحرب العالمية الثانية وعندما كانت بريطانيا شبه مهزومة). في هذا الخطاب دعا إيدن العرب إلى التوحد وقال أن بريطانيا تؤيد الوحدة العربية تأييدا تاما وتباركها وتدعمها. وبعد هذا الخطاب بشهر واحد صدقت بريطانيا القول بالفعل عندما شنت حملة عسكرية ضد القوات الفرنسية في سورية ولبنان وقامت بتوحيد الدويلات السورية في دولة واحدة وأنهت الانتداب الفرنسي في سورية (طبعا هي فعلت هذا لأن فرنسا حينها كانت واقعة تحت سيطرة الألمان).

خطاب إيدن القومي العربي أحدث صدمة سياسية لدى النخب العربية الحاكمة آنذاك ظلت آثارها تتفاعل طوال عقد الأربعينات، والجامعة العربية كما هو معروف لم تكن إلا نتيجة مباشرة لهذا الخطاب.

حكام سورية وخطاب إيدن

حكام سورية في الأربعينات كانوا (كالعادة) من الإقطاعيين الذي وصلوا إلى الحكم على ظهر الدبابات البريطانية في عام 1941. هؤلاء كانوا رجال “الكتلة الوطنية” الذين كانوا في زمن الانتداب الفرنسي ينادون بالوحدة العربية والحرية إلخ، وزعيمهم الأكبر كان شكري القوتلي الدمشقي (والذي ينسب إليه زورا أنه تنازل عن السلطة لعبد الناصر في عام 1958 رغم أنه في الحقيقة أكره على ذلك من البورجوازيين ولم يكن يملك الخيار).

رجال الكتلة الوطنية كانوا في الحقيقة مجرد إقطاعيين رغم شعاراتهم التي رفعوها في زمن الانتداب الفرنسي، ولذلك فإنهم وبمجرد أن وصلوا إلى الحكم في الأربعينات كشفوا عن وجههم الإقطاعي السيء.

الممارسات السيئة لرجال الكتلة الوطنية على الصعيد الداخلي هي أمور تحدثت عنها في تدوينات سابقة، ومنها مثلا انتهاك الدستور والعبث بالقوانين والتمييز بين المواطنين على أساس طائفي وطبقي إلخ.  ما سوف أتحدث عنه الآن هو موقف هؤلاء من القضية القومية التي كانت من شعاراتهم المعلنة.

خطاب أنتوني إيدن وقع وقعا سيئا على حكام سورية في الأربعينات لأنهم في الحقيقة كانوا محبين للسلطة ولم يكونوا يريدون التخلي عنها. بعد خطاب إيدن سارع الهاشميون (وهم عرابوا الوحدة العربية) إلى إعلان عدة مبادرات للوحدة العربية، أهمها كانت مبادرة نوري السعيد في عام 1943 المعروفة باسم “مشروع الهلال الخصيب” والذي دعا إلى توحيد سورية الكبرى (سورية ولبنان وفلسطين وشرق الأردن) في دولة واحدة ثم توحيد هذه الدولة فيدراليا مع العراق، على أن تكون الدولة الناشئة نواة للوحدة العربية الكبرى. مبادرة نوري السعيد لم تكن تشترط أن يكون الحكم في الدولة السورية الكبرى ملكيا بل تركت أمر تحديد خصائص هذه الدولة لشعبها. أما بالنسبة للموارنة والصهاينة فمبادرة نوري السعيد كانت تقترح منحهم الحكم الذاتي.

نوري السعيد أرسل مبادرته هذه للإنكليز وهي في رأيي كانت مبادرة واقعية وممتازة لتحقيق الوحدة العربية، ولكن حكام سورية (من الإقطاعيين الدمشقيين) رفضوها وتذرعوا بذرائع عديدة واهية من الذرائع التي كانوا يجيدون خلقها في ذلك الوقت. من ذرائعهم أن مبادرة نوري السعيد كانت تفرق بين سكان العراق وسورية الكبرى، بمعنى أنهم كانوا يرفضون فكرة الفدرالية بين هذين الكيانين ويريدون شكلا من الوحدة الاندماجية. وكانوا أيضا يرفضون منح الحكم الذاتي للموارنة والصهاينة، ومن الدعاية الرخيصة التي أطلقوها مقولة أن هذا المشروع ما هو إلا مؤامرة بريطانية للسماح للصهاينة بأن يبقوا في فلسطين. أما أكبر ذرائعهم (وأسخفها) فهي مقولة أن توحيد سورية والعراق سوف يغضب مصر ويدفعها بعيدا عن الوحدة العربية وبالتالي يجب ألا تقوم وحدة بين سورية والعراق تجنبا لغضب مصر، وهم كانوا يستندون في هذا الكلام إلى موقف حكام مصر (من حزب الوفد) الذين كانوا يعارضون أي مشروع للوحدة العربية لا تكون مصر في قيادته.

بالإضافة إلى مشروع الهلال الخصيب العراقي كان هناك مشروع “سورية الكبرى” الأردني، والذي كان حكام سورية يصفونه بأنه “مطامع توسعية لملك الأردن ومحاولة لمد النفوذ البريطاني إلى سورية والقضاء على النظام الجمهوري وترسيخ وجود الكيان الصهيوني”.

انقسام الحلبيين والشاميين

رشدي كيخيا (يمين) وناظم قدسي (يسار) مؤسسا حزب الشعب الحلبي ومن كبار زعماء حلب الإقطاعيين في حقبة ما قبل البعث


المواقف التي ذكرتها لحكام سورية هي مواقف النخبة الدمشقية الإقطاعية التي كانت تحكم سورية آنذاك، ولكن إقطاعيي حلب كانت لهم آراء مغايرة تماما.

إقطاعيوا حلب كانوا منذ بداية الأربعينات شديدي الحماس لتوحيد سورية والعراق، وكانوا يعتبرون هذه القضية محورية وأساسية.

الانقسام تحول إلى انقسام رسمي في عام 1948 عندما قام رجال الكتلة الوطنية الحلبيون بتأسيس حزب سياسي مقره في حلب هو “حزب الشعب”. الهدف الأساسي لهذا الحزب كان توحيد سورية والعراق.

في المقابل، الحزب الدمشقي الحاكم كان “الحزب الوطني”. هذا الحزب كان يدعي الرغبة في الوحدة العربية ولكنه في الواقع كان يعمل لوأدها.

حزب الشعب كان يؤيد الهاشميين وكان يسعى بشكل جدي لتحقيق الوحدة بين سورية والعراق، والسبب واضح وهو أن الوحدة بين سورية والعراق تحقق مصالح إقطاعيي حلب من عدة نواحي:

أولا: الوحدة بين سورية والعراق كانت ستفتح المجال لتغيير العاصمة. الحلبيون في ذلك الوقت كانوا يشعرون بالانزعاج من فكرة التبعية لدمشق وهم كانوا يريدون تغيير العاصمة من دمشق إلى أية مدينة أخرى ، وفي حال تمت الوحدة بين سورية والعراق فإن الحلبيين كانوا سيؤيدون نقل العاصمة إلى بغداد (والسيناريو الأفضل بالنسبة لهم طبعا هو اختيار حلب كعاصمة كحل وسط بين دمشق وبغداد).

عند كتابة الدستور السوري في عام 1950 طالب حزب الشعب بأن تكون المادة المتعلقة بالعاصمة على النحو التالي: “دمشق هي العاصمة على ألا يكون ذلك بصورة قطعية”. هذا الاقتراح أثار طبعا غضب الدمشقيين.

ثانيا: الوحدة بين سورية والعراق كانت ستمنح حلب وضعا أفضل في الدولة الجديدة حيث أن حلب لا تبعد عن نهر الفرات إلا عشرات الكيلومترات أما دمشق فيفصلها عن الفرات صحراء شاسعة. لو فرضنا أن الحدود ألغيت بين سورية والعراق فهذا سيفتح أمام حلب طريقا تجارية شبيهة بطريق الحرير القديمة تمتد من حلب إلى البصرة وطريقا أخرى تمتد من حلب إلى الموصل. هذا الأمر كان سيؤدي لازدهار كبير لحلب ولكن ليس لدمشق.

لهذه الأسباب عادى الدمشقيون بشدة فكرة الوحدة مع العراق وخلقوا كل أنواع الذرائع لتعطيلها (وأغلبها ذرائع سخيفة للغاية كالتذرع بموقف مصر مثلا).

هذا الصراع كان جوهر السياسة السورية في عقد الأربعينات (رغم أن كتب التاريخ السورية الحالية تهمشه ولا تتحدث عنه، وعندما تتحدث عنه فهي تتبنى رواية الشوام كون المنتصرين هم من يكتبون التاريخ). الانقلابات الثلاثة التي وقعت في عام 1949 كانت في الأساس تدور حول هذا الصراع الشامي-الحلبي حول فكرة الوحدة مع العراق.

الشاميون واستراتيجية “الجامعة العربية” لوأد الوحدة العربية

من كل المقدمة السابقة أريد أن أصل إلى الهدف الذي أنشئت من أجله الجامعة العربية في عام 1945. الجامعة العربية أنشئت من قبل أناس لا يريدون الوحدة العربية تهربا من المشاريع الجدية التي كانت مطروحة حينها للوحدة العربية.

في عقد الأربعينات كان هناك محوران إقليميان كبيران يتصارعان في منطقة المشرق العربي، والصراع كان يدور في الأساس على سورية.

المحور الأول هو المحور الهاشمي، وهو المحور الذي كان يحكم العراق والأردن ويحظى بدعم حزب الشعب الحلبي. هذا المحور كان يحظى بالشرعية التاريخية (كونه هو من قاد الثورة العربية ضد الأتراك وهو الذي أنشأ أول دولة سورية وعربية في عام 1918). هذا المحور كان يسعى بصدق وجدية لتحقيق الوحدة العربية كون هذه الوحدة هي أصلا مشروع الهاشميين وفيها مصلحتهم.

المحور الثاني هو محور القوى التي لا تريد الوحدة العربية، وهو يشمل إقطاعيي دمشق الحاكمين لسورية ومصر والسعودية وموارنة لبنان (حلفاء إقطاعيي دمشق).

المحور الثاني هو ائتلاف لقوى لا تبحث إلا عن مصلحتها الذاتية حصرا ولا تؤمن بأي مشروع قومي من قريب أو بعيد. إقطاعيوا دمشق كانوا مصابين بهوس السلطة والنفوذ ولم يكونوا يريدون أن يخسروا المكانة التي تتمتع بها دمشق في سورية بحدودها الحالية. هم كانوا يريدون إبقاء سورية كما هي وكانوا يتحدثون عن الوحدة العربية من باب الدعاية فقط. أما ابن سعود فهو كان يخشى من قيام اتحاد هاشمي بين سورية والعراق والأردن لأنه يعلم أن الهاشميين سوف يحاولون استعادة الحجاز (موطنهم الأصلي الذي أخذه منهم في عقد الثلاثينات). ولذلك أوصى ابن سعود أولاده بمنع قيام أية وحدة عربية في منطقة الهلال الخصيب والسعودية منذ ذلك الوقت إلى الآن أبلت بلاء حسنا في هذا الأمر ونجحت في تدمير العراق أولا والآن جاء دور سورية. أما المصريون فلهم قصة تاريخية خاصة بهم ولكن باختصار نقول أن المصريين لديهم نزعة قومية خاصة بهم وهم لا يقبلون أن تقوم أية دولة مهمة في جوارهم إلا أن تكون تحت قيادتهم.

موارنة لبنان كانوا الفئة الوحيدة في المحور الثاني التي كانت تعلن بشكل صريح أنها تعارض قيام أية وحدة عربية سواء ضمت لبنان أم لم تضمه. أما باقي الفئات فكانت (وما زالت) تلجئ لأسلوب النفاق والتدجيل على الناس بالحديث عن قومية عربية لا علاقة لهم بها بل هم ضدها.

إنشاء الجامعة العربية في عام 1945 كان انتصارا للمحور الثاني. أريد أن أشبه موضوع الجامعة العربية بموضوع الحوار في سورية الذي يتم تداوله الآن. في عقد الأربعينات كانت هناك “ورطة” أو “أزمة” اسمها الوحدة العربية التي دعا لها أنتوني إيدن وكان حكام دول المحور الثاني لا يعرفون كيف يتخلصون منها (أشبه هذه الأزمة بدعوة روسيا مؤخرا لحل الأزمة في سورية بالحوار). ثم بعد ذلك جاءت مبادرات الوحدة الهاشمية كمبادرة الهلال الخصيب ومبادرة سورية الكبرى (أشبه هذه المبادرات بمساعي الحوار التي كانت روسيا تقودها قبل تقديم الجامعة العربية لمبادرتها). أمام هذه المبادرات شعر المحور المعادي للوحدة العربية بالخطر، ولذلك قام هذا المحور بإنشاء “الجامعة العربية” كوسيلة وهمية لتحقيق الوحدة العربية (تماما كمبادرة الجامعة العربية للحوار في سورية والتي ليس هدفها الحوار وإنما تعطيله).

الجامعة العربية لا تنص أساسا على الوحدة العربية في ميثاقها وكل ما تدعو إليه هو التعاون بين الدول العربية واحترام حدودها وسيادتها، وهذه الجامعة تحولت منذ إنشائها إلى الآن إلى وسيلة للأنظمة العربية التي لا تؤمن بالوحدة العربية تستغلها باستمرار لضرب أي مشروع قومي حقيقي في المنطقة العربية.

الجامعة العربية طوال تاريخها لم تؤد أي دور إيجابي إلا في فترة محدودة هي فترة حكم جمال عبد الناصر، والسبب هو أن هذه الجامعة هي مصممة أصلا لكي تمنع أي مشروع وحدوي لا تقوده مصر.

الجامعة العربية أنشئت أساسا بهدف منع الوحدة بين العراق وسورية، وهذه الوظيفة استمرت الجامعة في تأديتها طوال القرن الماضي. لولا الجامعة العربية لما كان حكام سورية وجدوا مبررا لعدم توحيد سورية والعراق.

إذن الوظيفة الأساسية للجامعة العربية كانت المحافظة على الكيان السوري بشكله الحالي ومنع أي مسعى لتوحيده مع العراق، ولكن مع مرور الزمن توسعت وظائف الجامعة ودخل إلى سجلها وظائف عظيمة أخرى منها مثلا المحافظة على دولة الكويت (وهي مجرد مدينة صحراوية صغيرة) حتى لو اقتضى الأمر تدمير واحدة من أهم الدول العربية وإرجاعها إلى العصر الحجري. هذه وظيفة مهمة جدا (وقومية للغاية) أدتها الجامعة العربية وستستمر في تأديتها. أيضا دخل إلى سجل الجامعة منذ عقد التسعينات وظيفة قومية أخرى هي تأمين الغطاء لما يسمى بـ “عملية السلام” بين العرب وإسرائيل التي تديرها أميركا (التي يحكمها الصهاينة). أما آخر وظائف الجامعة العربية فهي تأمين الغطاء لأميركا لكي تدمر الدول العربية تحت حجة دعم حقوق الإنسان.

أنا بصراحة لا أدري ما هو الشيء الذي له علاقة بالقومية العربية في تاريخ هذه الجامعة أو نشأتها أو تكوينها أو وظائفها أو سجلها. هذه الجامعة في رأيي هي السبب الأساسي لعدم قيام أية وحدة عربية طوال القرن الماضي وهي سبب تدمير المشروع القومي العربي وكل ما يرتبط به.

أنا لا أدعو سورية للانسحاب من الجامعة العربية (لأنها تبقى مفيدة كمظهر شكلي للتعاون العربي) ولكنني أود أن يأتي يوم يأتي فيه ناس يؤمنون حقا بالوحدة العربية إلى السلطة في سورية ويشرعوا في اتخاذ خطوات جادة للوحدة العربية، خاصة الوحدة مع العراق التي هي الوحدة الوحيدة المفيدة لسورية. طبعا هذا الكلام فات أوانه ولكنني مع ذلك أقوله من باب التمني وليس التنبؤ.

تعليقات
  1. Tam يقول :

    ارجو منك ان تعطينا فكرة عن وضع وثقافة وفكر حلب السائدة حاليا ؟ اكرادها عربها ؟ اقتصادها؟ من يمثل القوة فيها؟ ومستقبلها باختلاف السيناريوهات؟

    هنا اذكر اني كنت أغيظ احد معارفي الحلبيين بالقول ان دمشق هي اهم مركز سياسي وسكاني واقتصادي في سوريا لينتفض المذكور وليشرح لي ان حلب هي اكبر مدينة واهم اقتصاد في سوريا وان دمشق ما هي الا مركز سياسي حظه جميل ؟
    طبعا كنت اعرف ان ما يقوله صحيح لكني كنت اصر على رأيي على سبيل المزاح!!!!!

    • Hani يقول :

      بصراحة الحلبيون المثقفون لا يحبون أن يقال أن دمشق أهم من حلب… وهذا أمر ترجع جذوره إلى العصر العثماني وربما إلى ما قبل ذلك… ولكن الواقع حاليا هو أن دمشق أهم من حلب بكثير… حلب انتهت منذ الخمسينات…

  2. علي سعيد يقول :

    أذكر أن الرئيس الاسد كان يفكر أن يجعل حلب عاصمة للدولة السورية
    لاأدري مالذي منعه ولكن مايمكن قوله أن هذه المدينة من أكثر المدن أخلاصا للاسد وهي لن تخونه لاقريبا ولابعيدا

    • Hani يقول :

      أخ علي مع احترامي لرأيك ولكن أنا أعتقد أن بشار الأسد هو حتى الآن غير مصدق مقدار الدعم الذي أعطته إياه حلب…

      حافظ الأسد كان لا يحب حلب أبدا… والأسباب معروفة وقد تحدثت عنها من قبل… حلب بخلاف الشام هي مدينة سياسية بامتياز وكل المشاكل التي واجهها البعثيون بدءا من عام 1963 إلى عام 1982 كانت تنبع أساسا من حلب… صحيح أن حماة لها صيت ولكنه صيت بسبب الأعمال الإرهابية وليس بسبب المعارضة السياسية…

      أنا لا أظن أن النظام السوري سوف ينقل العاصمة إلى حلب لا الآن ولا بعد 100 سنة… ربما كان يفكر في نقلها إلى حمص ولكن ليس إلى حلب… نقل العاصمة إلى حلب هو مسألة فات زمانها…

      بالمناسبة أنا أريد أن أوضح أمرا هاما جدا وهو أن هذه التدوينة تتحدث عن فترة العشرينات والثلاثينات والأربعينات… الوضع الآن في حلب مختلف تماما… الحلبيون ليس لديهم هذه النزعة كما في السابق… هي موجودة ولكنها ضعيفة ومكبوتة… وأصلا سكان حلب الحاليون معظمهم ليسوا من حلب وأهل حلب الأصليون قلة فيها..

    • Hani يقول :

      أنا بصراحة لدي تفسير لسبب عدم امتداد “الثورة” إلى حلب والرقة والحسكة يختلف تماما عن التفسيرات السائدة…

      أولا يجب أن نعلم أن السبب المباشر للثورة هو سبب اقتصادي (ككل الثورات)…

      بالنسبة لحلب والرقة والحسكة فهذه المناطق كانت تاريخيا محرومة ومهملة… ولكنها في السنوات الأخيرة بدأت تشهد اهتماما حكوميا وبدأ سكانها يشعرون بتحسن معيشتهم… ولذلك هم لم يثوروا…

      أما المناطق المحظية تاريخيا… وعلى رأسها درعا وريف دمشق… فهي في السنوات الأخيرة أحست بتدهور معيشتها ولذلك ثارت…

      أنا بصراحة لا أؤمن بكل النظريات التي تميز بين أهل الرقة مثلا وبين أهل درعا من حيث التوجهات السياسية…. أهل الرقة لا يختلفون من الناحية السياسية شيئا عن أهل درعا (بل في الواقع محافظة درعا معروفة في سورية بأنها خزان لحزب البعث بخلاف الرقة)… الفرق الوحيد هو فرق يتعلق بمستوى المعيشة…

      النظام السوري في عهد بشار بدأ يوازن التنمية بين المحافظات… والموازنة تعني أن المحافظات المحرومة سوف يتحسن مستوى معيشتها أما المحافظات المحظية فسوف تخسر بعضا من حظوتها…

      هذا برأيي هو السبب الأساسي لوجود ثورة في بعض المحافظات وعدم وجودها في محافظات أخرى… أما كل النظريات الأخرى فهي في رأيي خزعبلات…

  3. علي سعيد يقول :

    أستاذ هاني الان بدأنا في عملية فرز للمحافظات لو نظرنا الى الخارطة السورية سنجد التالي
    المحافظات المؤيدة
    دمشق حلب اللاذقية الحسكة الرقة وأجزاء واسعة من دير الزور
    المحافظات المعارضة درعا وحمص وأجزاء من ريف دمشق ومدينتي دير الزور وحماة
    بمعنى أن المناطق الفقيرة هي المتمردة بمعنى اخر ان المشكلة كما سبق وأن نوهت هي أقتصاية بحتة وليست سياسية فبالتالي الحل أقتصادي
    حلب مازلت مقتنعا ياستاذ هاني بأنها تحظى بمحبة خاصة من الاسد وجميلها معه الان لاينسى وهو يعلم ان المدينة واهلها يتعرضون لاقذع الشتائم بسبب وقوفهم معه
    الرئيس الاسد الان يواجه منعطفا تاريخيا فأما تحسم الامور أو ستنتهي سورية ككيان واحد
    لنرى مالذي سيقوله وليد المعلم اليوم

    • Hani يقول :

      المحافظات المؤيدة (حسب موقف أغلبية السكان): دمشق وحلب والسويداء واللاذقية وطرطوس والرقة والحسكة والقنيطرة.
      المحافظات المعارضة: درعا وريف دمشق وحمص وحماة وإدلب.

      بالنسبة لدير الزور فلا أعلم بالضبط وضعها ولكنني أظن أن غالبية سكانها مؤيدة وإلا لما كانت عملية الجيش تمت فيها بالسلاسة التي تمت بها. دير الزور في السنوات الأخيرة شهدت تحسنا نسبيا في أوضاعها ولولا هذا الاهتمام بها لكانت في مقدمة المحافظات الثائرة هي والحسكة.

      بالنسبة لحماة فالثورة تنحصر في وسطها فقط أما المناطق الغربية (التي يغلب عليها الطابع العلوي) والمناطق الشرقية (اسماعيليين وبدو) فهي مؤيدة. أي أن حماة في الواقع ليست من المحافظات الثائرة خاصة وأن الثورة في مدينة حماة ليست بالزخم الذي يشاع ولولا العرعور لكان وضعها مختلفا.

      بصراحة الموضوع السوري معقد وهناك عوامل كثيرة تتحكم في مواقف الناس… مثلا محافظة السويداء هي نظريا يجب أن تثور لأنها تاريخيا من المحافظات غير المحظية وفي السنوات الأخيرة لم يكن هناك اهتمام كبير بها كالمحافظات الشرقية وحلب… ولكن سبب عدم ثورتها هو في الأساس سبب طائفي… ونفس الأمر ينطبق على السلمية والإسماعيليين… هؤلاء لا يحبون النظام السوري ولكنهم لا يثورون لأن البديل المطروح أسوأ منه…

      أيضا هناك موضوع مهم هو موضوع الأجيال… أنا عندما أقول أن غالبية حلب تؤيد النظام فأنا أتحدث تحديدا عن المواطنين الراشدين المستقلين الذين يعيلون أنفسهم… أما لو أخذنا الشباب الصغار والمراهقين فهؤلاء غالبيتهم تؤيد “الثورة”… وهو أمر طبيعي لأن أي شاب صغير لو قلت له هل أنت مع “الثورة” فسيقول لك نعم خاصة في ظل الأوضاع السيئة في سورية… ولكنني لا آخذ آراء الشباب الصغار بالاعتبار لأن أهاليهم في الغالب يكون لهم موقف مغاير تماما… الشاب الذي لا يعيل نفسه لا قيمة لمعارضته أو تأييده وهو أصلا لا يستطيع التظاهر لو أراد إلا من وراء ظهر أهله… بالمناسبة معظم من يكتبون على الإنترنت تأييدا للثورة هم من هذا النوع… أي أنهم شباب صغار في بيوت أهاليهم ولا حول لهم ولا قوة فيما يجري… وهناك أيضا الشباب المغتربون في الخارج والذين ينظرون لما يجري في سورية على أنه تسلية ويقومون بتحريض الناس عن بعد…

  4. علي سعيد يقول :

    خطاب المعلم حقيقة كان اكثر من رائع كان الرجل متماسكا واثفا من نقسه ويتحدث بكل اريحية الغريب انه طوال المؤتمر الصحفي كان المعلم يؤكد استحالة تكرار تجربة ليبيا وانه لن تتمكن تركيا من ذلك
    العربية بثت البارحة تقريرا عن المنطقة العازلة وانها ستكون قرب حلب وانه سيجتمع بها اكبر عدد ممكن من المنشقين بالياتهم الثقيلة ومن ثم الانقضاض على حلب وبعد ذلك تحرير بقية المدن السورية
    واترك لك ياستاذ هاني رابط الفديو

    لاادري ماهو مصدر ثقة المعلم
    على كل حال التمرد ليس في كل محافظة حمص بل أجزاء منها بمعنى أن مدينة حمص مقسومة الان طائفيا الى قسمين للاسف مضطر لقولها المسيحيون والعلويون من جهة والسنة من الجهة الاخرى
    التمرد باعتقادي سيفشل نعم ستدفع سورية ثمن باهض ولكن سيفشل التمرد لانه ببساطة النظام قوي وقوي للغاية شعبيا وامنيا

    • Tam يقول :

      اعتقد ان ما يعول عليه المعلم هو العلاقات المضطربة بين اردوغان والجيش التركي , فعمليا رغم كل محاولات اردوغان لتطويع الجيش التركي ما زال هناك عدد كبير من الضباط لا يكنون له اي احترام بل يعتقدون انه خطر على العلمانية في تركيا, ذكرت تقاير ان كثير من قادة الجيش التركي يرفضون تأدية التحية العسكرية لغول واخرون يتعاملون بازدراء مع زوجته هذا بالاضافة الى الاحتقان الناتج عن اعتقال الضباط الذين حاولوا النقلاب عليه . وحادثة استقالة قادة القوات البرية والبحرية والجوية ليست ببعيدة.

      لم يسبق للجيش التركي ان نفذ عمليات ضخمة باوامر من سياسيين فقط , كل القادة كانوا عسكريين اتاتوركيين. وليقوم الجيش التركي بعملية عليه ان يقتنع بها فهو لا يتلقى الاوامر فقط هو يناقش.
      لذلك جاء حديث غول عن دعم سوريا لحزب العمال الكردستاني لمحاولة اقناع الجيش ليس الا, وهو دليل على عدم سيطرته على الجيش.

  5. علي سعيد يقول :

    اخ tam كلامك قد يكون صحيحا بشكل كبير ولكن علينا ان نأخذ كافة الاحتمالات
    اذا كان تعويل المعلم على الجيش التركي وقيادته فهو تعويل حقيقة غير مضمون النتائج وقد يتم الهجوم
    استاذ هاني
    لدي أعتقاد يقيني أن أردوغان قد ربط مصيره السياسي باسقاط الاسد
    فهل ينجح في ذلك ؟؟؟

  6. طرح جميل ومتسلسل بطريقة حرفية..
    لكن بالنسبة لاخر جملة و هي ربما اكثر جملة قد شدتني “أود أن يأتي يوم يأتي فيه ناس يؤمنون حقا بالوحدة العربية إلى السلطة في سورية ويشرعوا في اتخاذ خطوات جادة للوحدة العربية، خاصة الوحدة مع العراق التي هي الوحدة الوحيدة المفيدة لسورية. طبعا هذا الكلام فات أوانه ولكنني مع ذلك أقوله من باب التمني وليس التنبؤ.”…انا كعراقي عربي لا ارى ان وقته قد فات…بالعكس اليوم هناك فرصة كبيرة لتحقيق هذا الحلم الذي طالما جافانا بفعل التغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الكبرى التي تحدث في المنطقة والتي لو احسنا استخدامها فستكون النتائج لصالحنا بدل ان تكون لصالح المتربصين…و لو اجريت استطلاع ((علمي)) اليوم في الشارع العراقي -بعيدا عن المستقطبين حزبيا- سترى ان معظم العراقيين لا زالو يحلمون بهذه الوحدة مع سوريا التي طال انتضارها..
    عموما ادعو الله ان ينجي شعبنا السوري من هذه المحنة وتنتهي على خير وبما يرضي الشعب السوري العزيز..
    احتراماتي

    • Hani يقول :

      والله يا أخ محمد أنا تحدثت من قبل عن الوحدة مع العراق وقلت أن العرب لا مستقبل لهم بدون هذه الوحدة… ولكن للأسف هناك حاليا مسعى أميركي لخلق استقطاب طائفي سني شيعي وهذا الاستقطاب سوف يؤدي إلى وقوع شيعة العراق تحت سيطرة إيران ووقوع سنة سورية تحت سيطرة تركيا وبالتالي عودة العرب 100 عاما إلى الوراء وزوال مفهوم الأمة العربية تماما…

      لو كنت أنا مكان بشار الأسد لكنت توجهت الآن إلى بغداد وطلبت إقامة اتحاد فيدرالي… ولكن من سيقنع بشار الأسد بأن يفعل هذا؟

      عموما سورية تسعى منذ التسعينات للتكامل اقتصاديا مع العراق وهذا أمر مهم ويسهل تحقيق الوحدة السياسية مستقبلا إن بقيت سورية والعراق على حالهما ولم يتقسما…

  7. كلامك صحيح لذلك قلت لك بأن اليوم هناك فرصة كبيرة لتحقيق هذا الحلم والمطلب والضرورة بفعل التغيرات الكبرى التي تحدث في المنطقة ولذلك قلت “لو احسنا استخدامها فستكون النتائج لصالحنا بدل ان تكون لصالح المتربصين” والذين يحاولون خلق الاستقطاب الذي ذكرته حضرتك..
    واما موضوع التقسيم فهذا بعيد لاننا في العراق -على المستوى الشعبي- قد تجاوز اغلبنا مرحلة الاصغاء لجيران السوء -وعلى رأسهم الجارة اللعوب ايران- واصبح الود معهم محصور بالاحزاب فقط..
    بشار لن يعمل على تحقيق اي وحدة لانه ببساطة مستفيد من الوضع الحالي ولانه لم يعد يملك الكثير من الاوراق بيديه واليوم -في ظل الفضاء الاعلامي المفتوح- المبادرات قد اصبحت بيد الشعوب ولم تعد حكرا على النخب الحاكمة فقط -خصوصا في وضعنا العراقي السوري- في ظل الاندفاع الشعبي العراقي اليوم اتجاه اهلنا في سوريا بعد الموقف المشرف لاشقائنا السوريين معنا خلال السنوات الماضية..
    احتراماتي لك اخي العزيز

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s