توضيح حول تدوينة معركة ستالينغراد

Posted: نوفمبر 11, 2011 in تاريخ

بعد كتابة تدوينتي الأخيرة وصلني اعتراض من الأخ كنان على مضمون مقدمة التدوينة والذي تحدثت فيه عن الغزو النازي للاتحاد السوفييتي.

اعتراض الأخ كنان ينحصر في نقطتين، الأولى هي أنه يرفض الصورة التي رسمتها للانهيار السوفييتي أثناء الغزو الألماني، والثانية هي أنه يقول أن احتلال موسكو كان الهدف الرئيسي للألمان. هو تحدث أيضا عن استخدامي لمصطلح فرط التمدد ولكنني لا أتفق أبدا مع ما قاله حول هذه النقطة.

اعتراضات الأخ كنان هي في رأيي تنبع من خلط زمني. أنا عندما تحدثت عن الانهيار السوفييتي كنت أقصد تحديدا الأيام الأولى للغزو الألماني عندما كان الروس ما يزالون تحت تأثير الصدمة، ولكن من المعروف أن الروس امتصوا الصدمة بعد ذلك بسرعة وقاوموا الألمان مقاومة شرسة للغاية هي ربما تكون الأشرس في التاريخ.

الروس بعد أن امتصوا صدمة الأيام الأولى كانوا يستبسلون في القتال إلى حد عجيب. كثير من المجندين الروس في الحرب كان يتم نقلهم بالقطارات من بيوت أهلهم في الأورال وفي سيبيريا وإلقائهم على الجبهات وهم لا يحملون حتى بندقية. في تلك الحرب كان الروس يعانون من نقص كبير في التسليح وفي كثير من المعارك كان الجنود الروس يشتبكون مع الألمان (المدججين بالأسلحة) بالعصي وأدوات الحراثة.

مدينة سان بطرسبرغ التي حاصرها الألمان لم تستسلم أبدا رغم أن سكانها كانوا يأكلون الخشب وأوراق الشجر من شدة الجوع، وعندما فك الحصار عنها كان أكثر من ثلث سكانها قد ماتوا من الجوع.

أنا لم أقصد في تدوينتي تلك أن أقول أن الروس لم يقاوموا. من المعروف تاريخيا أن الروس قاوموا الألمان مقاومة شرسة للغاية رغم الفرق الكبير في التسليح. أنا بصراحة قرأت تاريخ كثير من الحروب وفي حياتي لم أقرأ عن مقاومة أشرس من مقاومة الروس للغزو النازي (ربما هناك فقط مقاومة اليابانيين للأميركان). أنا كنت أقول لنفسي دائما لو أن العرب والسوريين لديهم ربع بسالة وتضحية الروس لما كانت إسرائيل قامت أصلا. العرب في حياتهم لم يخوضوا أي حرب حقيقية وكل حروبهم هي عبارة عن مساخر. من يريد أن يعرف كيف هي الحروب فليقرأ عن مقاومة الروس للألمان. روسيا خسرت في مقاومة الألمان 10 ملايين قتيل عسكري و13 مليون قتيل مدني.

أما بالنسبة لموضوع موسكو فأنا أيضا كنت أتحدث عن الأيام الأولى للحرب. من المعروف أن الخطة النازية التي طبقها الألمان في بولندا وفرنسا وغيرها كانت تقوم على مبدأ الحرب الخاطفة blitzkrieg، أي الاندفاع بأقصى سرعة نحو العاصمة (وهذه الخطة هي تطوير لخطة ألمانية قديمة هي خطة شليفن Schlieffen التي حاول الألمان تطبيقها في الحرب العالمية الأولى وفشلوا). أما في عملية غزو الاتحاد السوفييتي فهتلر لم يطبق هذه الخطة وإنما طبق الخطة التي وصفتها في تدوينتي، والسبب الرئيسي الذي شجعه على عدم التوجه نحو موسكو مباشرة هو حالة الانهيار الشامل التي كان يعاني منها الاتحاد السوفييتي في الأيام الأولى للهجوم.

احتلال موسكو كان أحد الأهداف الرئيسية للألمان في بداية الغزو ولكنه لم يكن الهدف الرئيسي، والسبب هو حالة الانهيار الكبير للاتحاد السوفييتي. عندما بدأ السوفييت يتمالكون أنفسهم غير هتلر أولوياته وجعل من احتلال موسكو أولوية. أنا لم أقصد في تلك التدوينة أن أقول أن الألمان لم يسعوا لاحتلال موسكو وإنما كنت أتحدث عن تفكير هتلر في الأيام الأولى للغزو. أنا افترضت أن كل الناس تعلم أن الألمان حاولوا فيما بعد بكل قوتهم أن يحتلوا موسكو وكادوا أن ينجحوا في ذلك لولا برد الشتاء القارص.

أمور كثيرة تغيرت بعد مرور الأيام الأولى للغزو. الروس لم يظهروا فقط بسالة في القتال وإنما أظهروا أيضا براعة كبيرة في التخطيط العسكري وتفوقوا على الألمان حتى في هذه الناحية.

القادة العسكريون الروس أدركوا منذ البداية الفارق الهائل في التسليح والتجهيز بين قواتهم والقوات الألمانية، ولذلك اعتمدوا طوال الحرب على استراتيجية المواجهة “الكمية” التي كان الروس يمتلكون فيها الأفضلية، وهم نجحوا في تطبيق هذه الاستراتيجية نجاحا كبيرا.

بالإضافة إلى المهارة الاستراتيجية الروس أيضا أظهروا براعة تكتيكية عالية جدا واستطاعوا أن يفاجئوا الألمان عدة مرات وجروهم إلى معارك مميتة. معركة ستالينغراد نفسها هي نجاح تكتيكي كبير للروس حيث أن الألمان فوجئوا بالحشود الروسية التي هاجمت أجنحتهم وخطوط إمدادهم وحاصرتهم داخل المدينة. هم لم يكونوا يتوقعون أن يحشد الروس قواتهم لتحرير ستالينغراد.

أما النجاح التكتيكي الأكبر للروس فهو معركة كورسك التي استطاع الروس فيها أن يستدرجوا الألمان إلى مواجهة “كمية” هائلة تعتبر المعركة البرية الأكبر في التاريخ. معركة كورسك هي في الحقيقة المعركة الفاصلة في الحرب العالمية الثانية وبعد انتصار الروس في هذه المعركة أدرك جميع الأوروبيين (بمن في ذلك الألمان أنفسهم) أن الاتحاد السوفييتي ربح الحرب.

الحرب العالمية الثانية كانت في الحقيقة حربا ألمانية-روسية. الغربيون هزموا في الأشهر الأولى من الحرب وبعد ذلك خرجوا من الصراع ولم يعد لهم أي دور يذكر في القتال. الغربيون لم يعودوا للحرب إلا في الأشهر الأخيرة بعد أن تدخلت أميركا وبعد أن كانت الحرب شبه محسومة لصالح الروس.

الألمان كانوا يستميتون في السنوات الأخيرة من الحرب لكي يتحالفوا مع الغربيين ضد الروس، وستالين كان حتى اللحظات الأخيرة يخشى من أن يتحقق هذا التحالف فعلا ولذلك كان يضغط على قواته لكي تتقدم بأقصى سرعة نحو برلين. الغربيون برفضهم التحالف مع ألمانيا قبل نهاية الحرب أخطؤوا خطأ استراتيجيا جسيما لأنهم تركوا أوروبا الشرقية تقع بكاملها في قبضة الروس. لو كانوا تحالفوا مع ألمانيا وهي على وشك الهزيمة لكانت أصبحت تابعة لهم وفي نفس الوقت كانوا أوقفوا الزحف الروسي على أوروبا، ولكنهم فضلوا التمسك بالمبادئ والشعارات على مصلحتهم الاستراتيجية، لأنه كان من غير المعقول بالنسبة لهم أن يتحالفوا مع ألمانيا بعد كل ما حدث، رغم أن ألمانيا في الحقيقة تجنبت طوال الحرب أن تؤذي الشعوب الغربية وهي لم تكن جادة أبدا في إيذاء بريطانيا. البريطانيون يهولون دائما مما فعله بهم القصف الألماني أثناء الحرب ولكن أرقام البريطانيين أنفسهم تؤكد أن مجموع ما ألقته ألمانيا من قنابل على بريطانيا طوال الحرب هو أقل مما ألقاه الغربيون في ليلة واحدة على مدينة ألمانية واحدة هي درسدن.

الألمان كانوا على الجبهة الروسية يقتلون الناس كالنعاج ولا يميزون بين مدني وعسكري، وهم كانوا يرفضون حتى أن يطبقوا الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالحروب على الأسرى الروس. أما على الجبهة الغربية فالألمان لم يكونوا يقتلون أحدا لا من المدنيين ولا العسكريين وكانوا يطبقون اتفاقية جنيف على الأسرى الغربيين.

إضافة: رد السيد كنان

ما كان مقصوداً قوله حول هذه النقطة هو أن موسكو كانت لها الأولوية في خطة باربروسا …لذا كان الهجوم الأول مركزاً عليها و لكن استحالة خرق الدفاع السوفييتي قرب العاصمة و التراجع بعد الضربة المضادة المنفذة من القوات الاحتياطية القوية جعلت موسكو هدفاً مستحيلاً…و الأصرار عليه لن يعود إلا بمزيد من الخسائر…لذا تم التحول نحو الجنوب اللذي كان سيسقط لو سقطت العاصمة.

و عمومااً لا اتفق معك أن المعلومات في التدوينة هي الأقرب للصحة… فقد كتبت ما كتبت بعد دراسة مقارنة للعمليات و الأحداث في الحرب العالمية و من وجهة النظر الغربية و كذلك الشرقية …و الهجوم الخاطف طبق ضد السوفييت و لذلك كان الخطة تقتضي دفن الاتحاد السوفييتس خلال أشهر قبل قدوم الشتاء أي في تشرين الثاني و هو من اسباب الاستعجال بتطويق العاصمة….أما ما ذكرته فهو من رسلئل و تقارير لضباط الميدان الألمان …بالنسبة لفرط التمدد فإن هتلر لم يكن قد أفرط في نشر قواته و خصوصاً أن الدول المحتلة من الألمان قامت فيها حكومات حليفة و شكلت قوة حليفة لذا فإن فرق الألمان كانت للدفاع عن الخطوط الألمانية و ليس حفظ النظام فقط اللذي أنيط غالباً بالمليشيلت الفاشية للدول المحتلو كالقوميين الأوكرانيين, لكن هتلر أخطأ تقدير المعنويات و الدعاية و الرغبة القتالية ..و تقدير قوة الصناعة السوفيتية على تعويض الخسائر عدا أن الأسلحة السوفيتية اللتي دخلت الحرب تباعاً غيرت ميزان القوى فضلاً عن سهولة تعويض الفاقد البشري لدى السوفييت…..
بالنسبة لأمر الانسحاب لم يكن من الممكن تطبيق أمر كهذا..في بداية الحرب..الأمر كان التمسك بالأرض قدر الأمكان و عدم إجراء انسحاب تكتيكي أبداً كانت الأوامرهي الدفاع حتى النهاية و لكن ليس النتحار عند خرق خطوط الدفاع ..و عديد من الفرق السوفيتية تراجعت و استكملت عددها و عادت لخط الدفاع أما أنر القتلا حتر آخر رجل في الاستحكام فقد صدر في ستالينغراد.
على كل أحترم كلياً مصادر معلومتك و سأعمد للتدقيق مرة أخرى فقد أكون مخطئ ببعض ما كتبت و عندها سأعتذر و اتراجع طبعا”.

جوابي: حسب فهمي للموضوع فإن السؤال التاريخي هو لماذا قسم هتلر قواته إلى ثلاثة أقسام ولم يوجهها كلها نحو موسكو كما فعل في فرنسا مثلا؟

من الممكن أن يكون كلام الأستاذ كنان صحيحا. أنا كتبت ما كتبت نقلا عن مصادر أغلبها غربية وألمانية، ولكنني لا أتعصب لما كتبته.

تحياتي للسيد كنان ولجميع القراء…

تعليقات
  1. كنان يقول :

    أعتقد أن الأمور باتت اوضح و أتفق معك في معظم النقاط…و لكن يفضل استعمال مصطلح السوفييت بدلاً من الروس لأن جميع القوميات في الاتحاد السوفيتي قد حاربت ببسالة منقطعة النظير و ليس الروس فقط.
    بالنسبة لخطة الحرب الخاطفة فقد يكون الكلام اللذي قدمته صحيحاً و لكن خطة باربروسا اللتي كانت على النسق اللذي ذكرته انا سابقاً كانت تضع موسكو هدفاً رئيسيا مع الهدفين الآخرين في الشمال و الجنوب ..و ذلك لاعتقاد الألمان أن التقدم سيكون على نفس الوتيرة على طول الجبهة و أن الأهداف الثلاثة لن تستطيع المقاومة اكثر مما قاومت مدينة منسك.
    بالنسبة لخطة شلفن: في الحرب الأولى لم يكن هناك ضرب مفاجئ فدول النزاع أعلنت الحرب على بعضها تباعاً بما فيها ألمانيا… و لكن النازيين استعملوا التكيك السابق (الحرب الخاطفة) لتطبيق الخطة القديمة اللتي توضح مسير القوات و أماكن العبور و احتلال بلجيكا و هولندا و عبور سيدان إلى فرنسا …أي أن هناك فرق بين خطة شليفن و بين تكتيك الحرب الخاطفة اللذي أتقنه النازيون..و بالتالي يمكن استعمال الحرب الخاطفة ضد السوفييت و لكن شليفن هي خطة العمليات القتالىية على خارطة أوروبا الغربية فقط…
    شكراً للتوضيح أخ هاني.

  2. كنان يقول :

    الجواب على سؤالك سهل جداً السبب اللذي دفع المخططين الألمان لتغيير المخطط اللذي تحدثت عنه أي توجيه الضربة الرئيسية بمجمل القوات تجاه موسكو هو الخوف من أن المجانب أو أجنحة الجيش الألماني سفو تتعرض لضربات القوات المرابطة في الشمال و الجنوب و هي قوة كبيرة نسبياً مما سؤدي إلى و قوع الجيش بأكمله في فكي كماشة …و قد انتبه الألمان لهذا و لذا غيروا الخطة كي يسيطروا على كانل خط الجبهة الطويل نسبياً.

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s