تحدثت في الجزء الأول من هذه التدوينة عن مفهوم التعصب، والحقيقة أنني في ذلك الجزء توسعت كثيرا في مفهوم التعصب وأدخلت فيه الحالات الخفيفة أو الطبيعية من التعصب التي لا يسميها الناس عادة تعصبا.
كلمة “التعصب” (بالإنكليزية bigotry أو intolerance) يستخدمها الناس عادة للدرجات غير الطبيعية أو المنبوذة من التعصب، أما الدرجات الطبيعية أو المقبولة من التعصب فالناس يسمونها عادة “هوية” أو “انتماء” (بالإنكليزية identity). الحد الفاصل بين التعصب الطبيعي (الهوية) وغير الطبيعي (التعصب) هو أمر يختلف حسب ثقافات الناس وخلفياتهم كما قلت في التدوينة السابقة. التعصب الإسلامي مثلا هو أمر خلافي بين الأوربيين والمسلمين. الأوروبيون يعتبرون أن التعصب الإسلامي هو تعصب مذموم، أما المسلمون فكثير منهم يعتبرون أنه ليس تعصبا وإنما انتماء طبيعي للإسلام، وهكذا فإن المسألة نسبية.
في هذه التدوينة سوف أتحدث بالتفصيل عن مفهوم الدولة الدينية والطائفية.
الطائفية
الطائفية (بالإنكليزية sectarianism، وأحيانا يقال في الإعلام communalism ولكن المصطلح الأول هو الأصح) هي فكرة حديثة العهد مقارنة بفكرة التعصب حيث أن مفهوم الطائفية لم يصبح شائعا في الغرب إلا بعد انتهاء العصور الوسطى وانتشار الفكر القومي أو الوطني، أما فكرة التعصب فهي فكرة قديمة جدا وهي في الواقع فكرة بديهية يدركها الناس مهما كان حظهم من العلم والمعرفة ضعيفا.
الطائفية هي نقيض القومية أو الوطنية (بالإنكليزية nationalism، ولا يوجد فرق في اللغات الأجنبية بين القومية والوطنية حيث أن المصطلحين يعنيان نفس الشيء)، أما التعصب فنقيضه التسامح (tolerance).
التعصب والتسامح هي مفاهيم إنسانية بديهية ولا تحتاج لتعلم ومعرفة، أما الطائفية والقومية فهي مفاهيم سياسية-تاريخية معقدة نسبيا بحاجة لتعليمها للناس حتى يفهموا معناها.
في القرون الوسطى (القرون من 5 إلى 15) كانت أوروبا تعيش العصر الإقطاعي. مفهوم “الدولة” (state-état) في النظام السياسي الإقطاعي يختلف عن مفهومها في النظام القومي أو الوطني (الذي بدأ في أوروبا منذ القرن 16).
الدولة في النظام السياسي الإقطاعي تمثل الحاكم فقط دون الشعب، أي أن الدولة في النظام الإقطاعي تمثل سلطة الحاكم على الشعب. في النظام الإقطاعي الحاكم يملك كل أراضي دولته، وأما الأفراد الذين يعيشون على هذه الأراضي فهم مجرد رعايا (subjects) لديه. الملك في النظام الإقطاعي يملك الأرض وما عليها وهو مصدر السلطات وهو الذي يوزع الأراضي والمناصب والسلطات على رعاياه كيفما يشاء.
من أين تأتي امتيازات الملك هذه؟
في العصور القديمة كان هناك ربط دائم بين شرعية الملوك وبين الآلهة أو السماء أو الدين. هذا الربط كان موجودا عند كل حضارات الأرض تقريبا التي كانت تمارس الزراعة وتعيش الإقطاع.
في كل الحضارات القديمة نجد أن الملوك كانوا يدعون الألوهية أو أن السماء هي من نصبتهم ملوكا. هذا الأمر موجود عند السومريين وعند المصريين القدماء وعند الصينيين القدماء وعند الهنود القدماء وعند كل الشعوب تقريبا (باستثناء اليونانيين ربما الذين تخلصوا من الملكية في زمن باكر جدا وأقاموا ما يسمى بالنظام الديمقراطي الذي أخذه عنهم الرومان فيما بعد ثم الأوروبيون في العصور الحديثة).
الشرعية الإلهية للحكام كانت موجودة أيضا عند المسيحيين والمسلمين في العصور الوسطى. في أوروبا وفي الدولة البيزنطية كان الملوك يستمدون شرعيتهم من الكنيسة، والكنيسة تمثل المسيح (الإله) على الأرض، وبالتالي فمصدر شرعية الملوك هو الإله أو السماء. نفس الأمر ينطبق على المسلمين، حيث أن الخلفاء والسلاطين المسلمين كانوا يستمدون شرعيتهم من “إقامة دين الله” أو “إقامة شرع الله”، أي أن الحاكم المسلم هو في الحقيقة ليس بحاكم وإنما هو مندوب عن الله وظيفته تطبيق شريعة الله على الأرض (وعند الشيعة الحاكم أو الإمام يستمد شرعيته من النصوص الإلهية التي تنصبه حاكما لنفس الهدف وهو إقامة دين الله).
هذه المنظومة السياسية (التي وصفتها بإيجاز شديد) هي المنظومة الإقطاعية، وهي المنظومة التي كانت تحكم كل حضارات الأرض في العصور الوسطى. في المنظومة الإقطاعية الحاكم يكون إما إلها أو نائبا عن الإله (وهذا ما يسمى بالثيوقراطية theocracy، ومن أمثلته الخلافة الإسلامية) أو أنه يكون مفوضا من الإله لكي يحكم، وهذا ما كان سائدا في أوروبا مثلا ويسمى بنظرية الحق الإلهي للملوك (Divine Right of Kings).
في هذه الأنظمة التي يستمد الحكام فيها شرعيتهم من الدين تكون الهوية الدينية للحاكم هي هوية الدولة، ويكون التعصب الديني في معظم الأحيان هو السياسة الرسمية للدولة، والسبب واضح، لأن الطعن بالدين في نظام سياسي قائم على الدين سوف يقود في النهاية إلى الطعن بالنظام السياسي نفسه، ولذلك كان التعصب الديني هو السمة المميزة للأنظمة الإقطاعية التي حكمت في القرون الوسطى، وكانت الحروب الدينية والطائفية في العالمين المسيحي والإسلامي كثيرة جدا وكانت أحيانا تتحول إلى حروب هائلة كحرب الثلاثين عاما مثلا التي اندلعت في القرن 17 وأدت إلى خراب هائل ومجازر كبيرة في المنطقة التي تسمى الآن ألمانيا. وفي العالم الإسلامي كانت هناك حروب دينية كثيرة منها مثلا الحروب الصليبية وما رافقها من مجازر ارتكبها المماليك بحق الأقليات في سورية كالشيعة والعلويين وغيرهم، وأيضا هناك الحرب الشهيرة بين العثمانيين (السنة) والصفويين (الشيعة) والتي ارتبكت خلالها مجازر بحق العراقيين من السنة والشيعة. وهناك أيضا الحروب الوهابية الدموية التي قتل خلالها الكثير من سكان الجزيرة العربية خلال القرنين 18-19. ناهيك عن مجازر العثمانيين بحق الأقليات الدينية وهي كثيرة وأشهرها المجازر ضد الأرمن.
في النظام الإقطاعي الدين بالنسبة للحاكم هو مصدر سلطته وشرعيته، أي أنه أداة حكم وليس مجرد معتقدات موجودة لدى الناس، وبالتالي فالحاكم معني بصورة مباشرة بحماية الدين وصيانته ومنع أي اعتداء عليه، لأن الاعتداء على الدين هو في المحصلة اعتداء على سلطة الحاكم الذي هو إما مصدر الدين (لدى بعض الشعوب) أو الحامي له (لدى شعوب أخرى). لهذا السبب تعصب الحكام الإقطاعيون لأديانهم وطوائفهم بشكل كبير وشنوا الحروب والمجازر ضد أتباع الأديان الأخرى.
مما سبق يتبين أن الفصل بين الدين والدولة، أو العلمانية، هو اعتداء مباشر على سلطة الحكام في الأنظمة الملكية الإقطاعية. لذلك وجدنا أن الإصلاحيين الأوروبيين في عصر التنوير (القرن 18) طالبوا بالعلمانية، وهدفهم من ذلك كان بالأساس تحرير المجتمع وتحرير الفكر من سطوة الحكام ومؤسساتهم الدينية. مفكروا عصر التنوير في أوروبا معظمهم لم يكونوا ضد الدين (بخلاف مفكري العصور اللاحقة)، وهمهم في الأساس كان الحريات العامة للناس وخاصة حرية الفكر والرأي.
عند العرب أيضا طالب الإصلاحيون بفصل الدين عن الدولة ولنفس الهدف، أي تحرير الفكر وتحرير المجتمع. عبد الرحمن الكواكبي الذي عاش في القرن 19 هو ربما من مشاهير المسلمين الذين تحدوا مؤسسة “الخلافة الإسلامية” وطالبوا بفصل الدين عن السلطة وإنهاء الاستبداد، ولذلك بطش به العثمانيون فاضطر للهرب من حلب إلى مصر (التي كانت حينها تحت هيمنة البريطانيين وتخضع للعثمانيين بالاسم فقط). بعد عبد الرحمن الكواكبي ظهر مفكرون كثيرون في سورية ولبنان ممن طالبوا أيضا بالإصلاح والعلمانية، وكان رد العثمانيين عليهم كالعادة هو تكفيرهم والبطش بهم، وكثير منهم فر أيضا إلى مصر. في القرن 19 كانت هناك في سورية طبقة من “مشايخ السلاطين” الذين كان كل همهم هو إصدار الفتاوى التكفيرية بحق المفكرين الإصلاحيين، وأحفاد هؤلاء هم الذين شكلوا في القرن العشرين جماعة “الإخوان المسلمين” التي في الحقيقة لم تأت بأي جديد على الصعيد الفكري وإنما كل ما فعلته هو أنها نسخت الفتاوى التكفيرية القديمة وقامت باستحضارها إلى القرن العشرين. في سورية الآن معظم المسلمين لديهم انطباع سلبي عن كلمة “العلمانية” حيث أنهم يربطونها بالكفر، وسبب هذا الربط هو الفتاوى التكفيرية التي كان شيوخ السلاطين يصدرونها ضد المصلحين في القرن 19 والتي ما زال أحفادهم يتكفلون بإصدارها حتى الآن.
نشوء الفكر القومي
في القرون الوسطى كان الأوروبيون (على اختلاف لغاتهم) يعيشون وحدة ثقافية ودينية، ولذلك كانوا يسمون بلادهم بـ”العالم المسيحي” Christendom (هذا المصطلح يعتبر منقرضا حاليا ويقابله عند المسلمين مصطلح العالم الإسلامي). فكرة “العالم المسيحي” تجسدت بأوضح صورة في الحملات الصليبية التي شنتها أوروبا على المشرق العربي في القرون من 11 إلى 13. الحملات الصليبية أظهرت أن أوروبا في ذلك الوقت كانت “على قلب رجل واحد” وأن الرابطة الدينية كانت تتفوق فيها على أية رابطة أخرى.
مفهوم “العالم المسيحي” بدأ بالانهيار بدءا من حرب المائة عام في القرنين 14-15 واستمر انهياره تدريجيا حتى القرن 19 عندما اختفى هذا المفهوم كليا وانتشر الفكر القومي في عموم العالم الغربي (العالم المسيحي سابقا).
حرب المائة عام بين بريطانيا وفرنسا (والتي كانت حربا طويلة ومريرة دارت معاركها على أرض فرنسا) أضعفت فكرة “العالم المسيحي” لدى الفرنسيين وأججت لديهم النزعة القومية الفرنسية، لأن كلا طرفي هذه الحرب كانوا من المسيحيين والنظام الديني-الإقطاعي الذي كان قائما حينها فشل في إيجاد حل لهذه الحرب وأمثالها من الحروب على الأراضي التي كانت كثيرة في تاريخ أوروبا بسبب الطبيعة البيئية لهذه القارة الغنية بالأراضي الخصبة والموارد الطبيعية.
خلال هذه الحرب ظهرت الهوية القومية الفرنسية لأول مرة، وهذه الهوية استمرت بالنمو لعدة أسباب أهمها اننشار العلم والمعرفة في أوروبا بسبب حركة النهضة أو الإحياء Renaissance التي بدأت من إيطاليا في القرن 14 وأنهت العصور الوسطى في أوروبا. بعد النهضة جاء اختراع الطباعة الآلية في القرن 15 وسقوط القسطنطينية في يد العثمانيين وما تسبب به من هجرة العلماء من العالم البيزنطي إلى أوروبا ليزيد من انتشار العلم في أوروبا، وفي القرن 16 بدأت حركة الإصلاح الديني Reformation والتي هزت الفكر الديني المسيحي التقليدي في أوروبا (الكاثوليكي) وأدت إلى “حراك” ديني تجسد في صراعات ومجازر طائفية لا تعد ولا تحصى استمرت حتى القرن 17 وأسفرت عن المزيد من انهيار فكرة “العالم المسيحي” وبروز المزيد والمزيد من النزعات القومية. في القرن 17 بدأت الثورة العلمية التي قادها غاليليو ونيوتن وفرانسيس بيكون، وهذه الثورة (خاصة اكتشافات نيوتن) ساهمت في الترويج للفكر العلمي/العلماني في أوروبا، وهذا الفكر العلمي/العلماني هو ما نادت به حركة التنوير Enlightenment في القرن 18 والتي أدت أفكارها إلى قيام الثورة الفرنسية في نهاية القرن 18 وانتشار الفكر القومي في عموم أوروبا خلال القرن 19.
التطور المعرفي والعلمي في أوروبا وظهور الحركات الدينية والفكرية الجديدة بالإضافة إلى التطور التقني والصناعي أنهى نمط الحياة الإقطاعي القديم القائم على مبدأ الطبقتين (طبقة النبلاء وطبقة الأقنان) وأدى إلى بروز طبقة جديدة هي طبقة البورجوازيين أو الطبقة الوسطى. البورجوازيون كانوا ميسوري الحال مقارنة بالأقنان (الفلاحين) وهذا ما أتاح لهم أن يتعلموا ويتنوروا وأن ينشروا أفكارهم التنويرية في المجتمع، وهذه الأفكار هي ما تسبب في إحداث الثورات والانقلابات السياسية-الاجتماعية التي غيرت واقع أوروبا، وأهمها الثورة الفرنسية.
نشوء الدول القومية
جميع دول العالم حاليا هي دول قومية nation-states. بعض الدول الأيديولوجية (كالاتحاد السوفييتي السابق مثلا) ليس لها صفة قومية رسمية (de jure)، ولكن لها صفة قومية بحكم الأمر الواقع (de facto). الاتحاد السوفييتي كان يطرح نفسه على أنه دولة متسامية على النزعات القومية، ولكن الواقع يقول أنه كان مجرد امتداد للإمبراطورية الروسية، والأدلة كثيرة وأهمها أن الروس كشعب كانوا ينظرون له هكذا وأن بقية الشعوب غير الروسية فيه كانت أيضا تنظر له هكذا.
في التاريخ القديم كانت هناك نماذج من الدول تشبه نوعا ما الدول القومية (الجمهورية الرومانية مثلا)، ولكن مفهوم الدول القومية بشكله الكامل والحديث لم يظهر إلا بعد نهاية العصور الوسطى. أول الدول القومية في تاريخ أوروبا الحديث هي الدولة الفرنسية التي أكملت تحولها إلى دولة قومية في القرن 16.
الدولة القومية تختلف عن الدولة الإقطاعية في أن الحكومة فيها لا تمثل الملك أو الله وإنما تمثل الأمة nation. في الدولة القومية كل مواطن هو شريك في الدولة، والدولة هي لكل مواطن. أي أن الشعب في الدولة القومية ليس مملوكا للملك وإنما هو شريك له في الانتماء للدولة أو الوطن. فكرة “الوطن” (بالفرنسية patrie) هي جوهر الفكر القومي. الوطن هو الأرض والشعب والحكومة. في الفكر القومي الدولة هي الوطن، بمعنى أن الشعب هو جزء من الدولة وليس ملكا لها كما هو الحال في الدولة الإقطاعية.
الدولة الفرنسية في القرن 16 كانت أول دولة أوروبية اكتسبت الطابع القومي الصريح وبدأت تتميز ببنيتها المركزية ونظامها الإداري الذي يشبه أنظمة الدول الحالية، ولكن هذه الدولة كانت تفتقر إلى الكثير من مميزات الدول القومية العصرية وأهمها مبدأ المساواة بين المواطنين، حيث أن فرنسا في ذلك الوقت كانت ما تزال تحتفظ بطبقتي النبلاء والعبيد، بالإضافة إلى أن الدولة كانت تفتقر إلى البنى “الديمقراطية” التي ظهرت لاحقا بعد الثورة الفرنسية. الدولة الفرنسية قبل الثورة الفرنسية كانت دولة ذات حكم مطلق absolutist، بمعنى أن الملك كانت له صلاحيات غير محدودة في الحكم، وهو ما عبر عنه لويس 14 بمقولته الشهيرة “الدولة أنا” (L’état, c’est moi).
قومية الدولة الفرنسية في ذلك الوقت كانت إذن إلى حد كبير مفهوما نظريا، حيث أن عامة الشعب الفرنسي لم تكن له حقوق تذكر مقارنة بحقوق الملك والنبلاء، وهذا ما يتعارض مع فكرة الشراكة في الوطن التي هي أساس الفكر القومي.
المساواة بين جميع المواطنين كانت أحد أهم مطالب حركة التنوير (التي كان كثير من رموزها من الفرنسيين)، وشعارات هذه الحركة ومبادؤها هي ما أدى إلى انتهاء نظام الحكم الملكي في فرنسا عندما قامت الثورة الفرنسية في نهاية القرن 18. التنويريون كانوا ينادون بالعلمانية والحريات والمساواة بين الناس وإنهاء كل أشكال التمييز، وهذه المطالب هي ما كان كثير من الفلاسفة (كجون لوك مثلا) يسمونه بـ “الحقوق الطبيعية” أو “الحقوق الشاملة” للإنسان. كلمة “الحقوق الطبيعية” المقصود بها هو أن هناك مجموعة من الحقوق التي يتمتع بها الناس وفق “القانون الطبيعي”، أي وفقا لقانون الطبيعة ولطبيعة الإنسان وبغض النظر عن أية أعراف اجتماعية أو دينية أو ثقافية. وبما أن هذه الحقوق نابعة من الطبيعة فهي إذن “شاملة” universal وعابرة للحضارات والثقافات المختلفة. مبدأ “الحقوق الطبيعية” أو “الشاملة” أخذه “الآباء المؤسسون” للولايات المتحدة عن جون لوك ووضعوه في الوثائق التأسيسية للولايات المتحدة التي كتبوها خلال الثورة الأميركية في سبعينات القرن 18، ولهذا السبب تحول هذا المصطلح في القرن العشرين إلى مصطلح سياسي مبتذل تردده الولايات المتحدة بلا كلل أو ملل لأهداف استعمارية مثل تكرارها الأكثر ابتذالا لمصطلحات “الحرية” و”الديمقراطية” والتي صارت (بالنسبة لي على الأقل) مرادفة للاستعمار والفوضى والحروب الأهلية.
بالإضافة إلى أفكار المساواة والحقوق الطبيعية طالب التنويريون أيضا بإلغاء فكرة “الحق الإلهي للملوك” واستبدالها بفكرة “العقد الاجتماعي” الذي يقوم على مبدأ التوافق الطوعي بين الشعب والحكومة على مجموعة من الحقوق والواجبات المترتبة على كل منهما.
هذه الأفكار التنويرية وجدت طريقها إلى التطبيق العملي في الثورة الفرنسية (وقبل ذلك بشكل أقل أهمية في الثورة الأميركية). الثورة الفرنسية كانت ثورة حقيقية بمعنى أنها هدمت كل بقايا النظام الإقطاعي الذي كان سائدا في أوروبا منذ أكثر من ألف عام وحققت القومية بمعناها العملي، وهو ما تجسد في شعارات الحرية والإخاء والمساواة وفي إعادة إحياء مفاهيم “الديمقراطية” اليونانية-الرومانية القديمة كفكرة الجمهورية والمواطنة. هذه الإنجازات الكبيرة أصابت الفرنسيين بزهو قومي كبير قادهم إلى حروب كبيرة هزت أوروبا بأسرها. هذا الزهو القومي انتقل بالعدوى إلى بقية شعوب أوروبا ووصل أيضا إلى المشرق العربي بدءا من الحملة الفرنسية على مصر في عام 1798.
القومية والعلمانية
من العرض التاريخي السابق يتبين الارتباط الوثيق بين فكرة القومية أو الوطنية وبين فكرة المساواة. القومية بدون مساواة بين المواطنين ليست بقومية حقيقة بل هي قومية ناقصة، ولذلك نجد اليوم أن معظم دول العالم تنص في دساتيرها على مبدأ التساوي بين المواطنين في الحقوق والواجبات.
المساواة والقومية الحقيقية تتعارض بشكل كبير مع الطائفية وفكرة الدولة الدينية، التي هي أمور من بقايا العصر الإقطاعي. في عالم اليوم توجد قلة قليلة من الدول (غير الإسلامية) التي ما زالت تتبنى نظام الدولة الدينية.
كل دول الغرب تقريبا هي دول علمانية، بمعنى أن الدولة فيها ليست لها هوية دينية ولا تنحاز لأي دين على حساب آخر، وهو مبدأ يتوافق مع أفكار المساواة والحريات التي تميز الدول القومية الحديثة.
بريطانيا هي تقريبا الدولة الوحيدة في الغرب التي لم تتبن العلمانية رسميا وما زال لها دين رسمي حتى الآن هو المسيحية الأنغليكانية، ولكن بريطانيا معروفة بأنها حالة شاذة حيث أنها مثلا الدولة الوحيدة في الغرب التي ليس لها دستور وليس لها قوانين مكتوبة.
وجود دين رسمي للدولة يعني تلقائيا التمييز ضد المواطنين الذين يتبنون دينا آخر غير هذا الدين، أو ضد المواطنين الذين يتبنون هذا الدين ولكن لهم فيه آراء مختلفة عن آراء الحكومة، لأن تبني الدولة لمعتقد ديني معين يعني أنها (نظريا على الأقل) أقرب إلى بعض المواطنين من مواطنين آخرين، وهو ما ينقض فكرة المساواة.
في بريطانيا جميع السكان الأصليين مسيحيون، وبالتالي فقضية العلمانية هناك ليست جوهرية، أما في بعض دول العالم الأخرى (كسورية مثلا) فالشعب متنوع دينيا وهناك كثير من المواطنين ممن يحملون أفكارا دينية متناقضة جذريا ويصل الأمر فيها إلى حد التكفير المتبادل، مما يجعل وجود دين رسمي للدولة وصفة لتشجيع الطائفية وتمزيق الشعور القومي.
سبب تمزق المجتمع السوري وغياب الشعور الوطني الحقيقي هو غياب العلمانية. في العصور الأولى للدولة الإسلامية كان الحكام المسلمون عموما يميلون إلى التسامح الديني (خاصة في سورية) وكان نظام الحكم الإسلامي إلى حد ما علمانيا، ولكن بعد الحروب الصليبية والغزو التتري واستيلاء الأتراك على مقاليد الحكم في المشرق العربي تغيرت الصورة وتحول الحكم الإسلامي إلى حكم طائفي متعصب، وهو ما تجسد مثلا في المجازر التي شنها المماليك ضد الأقليات الدينية في سورية، وتبعهم في ذلك العثمانيون الذين أوجدوا نظام “الملل” وطبقوا سياسة تقسيمية للمجتمع ساعدت على تنامي الأحقاد الطائفية ومنعت نشوء أي شعور قومي جامع.
معظم ما عاشته سورية من مشاكل اجتماعية وسياسية في القرن العشرين تعود جذوره إلى الفترتين المملوكية والعثمانية وأنظمتهما ومعتقداتهما البالية، ومن المؤسف أن الدولة السورية الحديثة فشلت تماما في تغيير مفاهيم الناس لأسباب عديدة منها فشل نظام التعليم. المجازر التي تعيشها سورية الآن ما هي إلا استمرار لسلسلة المجازر التي بدأت منذ العصر المملوكي، واستمرار هذه المجازر حتى الآن ورغم مرور حوالي 100 عام على انتهاء الحكم العثماني هو مؤشر سلبي وخطير جدا، ولذلك نقرأ لكثير من الباحثين الغربيين نظريات تتحدث عن أن دول المشرق العربي هي دول مصطنعة وليست دولا قومية حقيقية ولذلك يجب تفتيتها، ويوافقهم للأسف بعض التيارات الإسلامية الإرهابية التي ترى في التقسيم وسيلتها الوحيدة للوصول إلى السلطة.
في التدوينة القادمة سوف أتحدث أكثر عن الإسلام السياسي.


مقال رائع فى التسلسل والعرض والحقائق…
شكرا…
حقيقة ارفع لك القبعة ياستاذ هاني على هكذا مفال رائع
للاسف الشديد تطبيق العلمانية في الشرق الاوسط وخاصة في البلدان العربية امر شبه مستحيل هنا لا استطيع الا ان اعبر عن صدمتي من النسبة التي حققها حزب النهضة في تونس بعد 50 عام من العلمانية الفجة , حتى النموذج التركي هو مشوه فلولا ديكتاتورية اتاتورك المطلقة ومن ثم سطوة الجيش التركي بعد اتاتورك لما قامت علمانية في تركيا لكن ارى ان اردوغان يسعى جاهدا للقضاء على ميزة تركيا الوحيدة وهي العلمانية وبفضل جهود الاتحاد الاوروبي هو يقترب من هدفه, المعطيات تشير الى توجه غربي بشكل عام لتسليم المتطرفين للحكم في الشرق هذه استراتيجية ستتكفل بان لا تقوم لهذه المنطقة قائمة , وهذا مكسب كبير لاصحاب الخطة .
هنا لا بد من ان اشير الى اللازمة الضرورية : العلمانية لا تعني محاربة الدين لا بالعكس تعني فتح المجال للحريات الدينية كافة بما في ذلك النقد على شرط الا تتدخل بالدولة والسياسة وان تحترم الانسانية, فهل يقبل شخص يظن ان لديه صك من الله وهو موكل عنه هل يقبل النقد ؟؟؟؟؟؟
ببساطة العرب لا يتعلمون هم يقعون في الخطأ مليون مرة وبعد ذلك هم مستعدون للوقوع فيه مليون مرة اخرى دون ان يتعلموا دون ان يمارسوا النقد فكل شيء لديهم مقدس لا يجوز المماس به؟
لكن الغربيين يتعلمون يتساءلون لماذا؟ كيف؟ اين الخطأ؟ ماذا كان يجب ان نفعل؟ وماذا يجب ان نفعل مستقبلا لتجنب الخطأ؟ واهم شيء هم لا يكذبون على انفسهم كالعرب الذين يشيطنون شخصا او شيئا لا يحبونه بدل ان يدروسوه ويحاولوا الاستفادة من تجربته .
أولا: سورية الآن دولة شبه علمانية وبالتالي القول أن تطبيق العلمانية مستحيل هو كلام غير صحيح. من يرفضون العلمانية في سورية هم أقلية وفي أحسن الظروف لا يتجاوزون نصف السكان…
ثانيا: العلمانية في تونس وتركيا لم تكن علمانية سليمة مبنية على التعليم والفكر والإصلاح الديني وإنما كانت علمانية أمنية بوليسية… لذلك من الطبيعي أن تفشل…
اتمنى ان يكون كلامك صحيحا
لنكن صريحين يأخ تام من هو الذي يريد العلمانية في الوطن العربي
الجواب بسيط وسهل هم الاقليات
الاقليات تتمسك وبشدة بالعلمانية وذلك نتيجة اعتقاد سائد بينهم بأن الاسلام دين متطرف وانه سوق يقضي عليهم وهذ الكلام غير صحيح على الاطلاق
قد يكون هناك على مدى التاريخ اخطاء من بعض المسامين وهي مدانة ولكن لايمكن التعميم عليها
اخي تام العرب جربوا القومية وفشلت او بالاحرى أفشلت وجربوا الليبرالية وفشلت فلم يبقى لديهم سوى دينهم الذي هو عبارة عن نظام سياسي متكامل بمنظور كثير من الفئات
اخي علي كلامك صحيح فيما يتعلق بالاقليات وهو امر منطقي .
ارسل لي صديق درزي فيديو لشيخ درعاوي بعد اتفاق الرئيس مع وجهاء درعا وانسحاب الامن في ذلك الفيديو يتهم الشيخ الدرزيات بأنهن عاهرات ” وهي اقصى اهانه لدى بني يعرب” وبأن سلطان باشا الاطرش لص , هذا الكلام كان يصدر من المسجد وليس في مجلس خاص وكان المصلون يهتفون الله اكبر بعد كل شتيمة بالله عليك اتساءل لماذا؟؟؟؟؟؟ الا يحق للدروز ان يخافوا من المتطرفين .
العلمانية ليست مرتبطة بالاسلام بل بكل الاديان بمعنى ان الدولة يجب ان تكون على مسافة واحدة من كل الاديان . درءا لكل المتطرفين من كل الجهات .