وصلت سورية تقريبا إلى المرحلة الأخيرة في المواجهة، وهي المرحلة الأصعب والأكثر خطورة.
قي الأسبوع القادم سوف يكون هناك تصعيد كبير من قبل الدول الخليجية والدول التابعة لها (كالأردن مثلا وأمثاله). لا أعلم ما الذي سيقومون به، ولكنني نقلت بالأمس تصريحات المسؤول الأميركي وهي على ما أعتقد تبين الخط العام لما سيحدث في المرحلة المقبلة.
تجميد عضوية سورية في الجامعة العربية ليس واردا، ولكن ما سيحصل ربما هو أن الدول الخليجية وأمثالها سوف يعلنون قطع علاقاتهم الدبلوماسية مع سورية، ولا أستبعد أن تقوم بعض الدول بالاعتراف بالمجلس الوطني السوري (خاصة قطر التي تساهم في تمويل هذا المجلس).
بعض الدول العربية ستحافظ على علاقاتها الدبلوماسية مع سورية، وهذه الدول تشمل لبنان والعراق والسودان والجزائر واليمن وربما أيضا مصر وعمان.
بعد أن تعلن دول الخليج قطع علاقاتها مع سورية ستقوم تركيا فورا بإجراء مماثل، وستتبعها دول أوروبية على رأسها فرنسا.
الأخطر من قطع العلاقات الدبلوماسية هو قطع العلاقات الاقتصادية، وهي خطوة كبيرة ستكون لها انعكاسات وخيمة على كل اقتصادات المنطقة وليس فقط الاقتصاد السوري. لهذا السبب أشك في اتخاذ الدول الخليجية لهكذا خطوة، رغم أنني لا أستبعد أن تقوم الدول الخليجية وتركيا بفرض “عقوبات” اقتصادية محددة على سورية، خاصة وأن أميركا تضغط بقوة على دول الخليج لكي تبادر إلى هكذا إجراء.
بالنسبة لتركيا فإنها فور إعلانها “لعقوباتها” فإن سورية سوف ترد فورا بإجراءات انتقامية عديدة منها تعليق العمل باتفاقية التجارة الحرة وزيادة رسوم عبور الشاحنات التركية للأراضي السورية وغير ذلك. سورية قامت بالفعل بمعاقبة تركيا اقتصاديا خلال الأشهر الماضية (بشكل غير معلن) وهو ما أحس به الأتراك وساهم في تخفيف اندفاعتهم نحو الصدام مع سورية، ولكن هذه المرة سوف تكون الإجراءات السورية أشد. تأثير العقوبات السورية على تركيا سوف يكون أكبر بكثير من تأثير العقوبات التركية على سورية، ولذلك فإن تركيا هي حتما الخاسرة من فرضها لأية عقوبات اقتصادية (أو غير اقتصادية) على سورية. الأخطر بالنسبة لتركيا هو إن قامت إيران بتنفيذ تهديداتها وقامت هي والعراق بفرض عقوبات على تركيا، وهو ما سيجعل خسارة الأتراك فادحة جدا.
الوضع مع دول الخليج مختلف. أية عقوبات تفرضها دول الخليج على سورية ستهز الاقتصاد السوري بقوة. صحيح أن سورية تستطيع الرد بإجراءات عقابية هي الأخرى وهذه الإجراءات يمكنها أن تكلف دول الخليج خسائر كبيرة، ولكن في المحصلة فإن سورية ستكون الخاسرة ولا مصلحة لها في أي نزاع تجاري مع دول الخليج.
السعودية هي شريك تجاري كبير لسورية وهي ربما تكون الشريك العربي الثاني بعد العراق. كثير من الواردات السعودية إلى سورية (إن لم يكن كلها) يمكن تعويضها من مصادر أخرى، ولكن المشكلة هي في الصادرات السورية إلى السعودية وفي المعاملات المالية بين البلدين والتي هي مهمة جدا لسورية. في حال قامت السعودية بحظر التعامل مع البنوك السورية فهذا سوف يسبب هزة كبيرة في الاقتصاد السوري.
ماذا عن الأردن ولبنان؟
أميركا تكثف ضغوطها على هذين البلدين لدفعهما لحصار سورية.
http://www.syria-news.com/readnews.php?sy_seq=139745
أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية يوم الاثنين أن مسؤولا كبيرا بالوزارة سيسافر إلى الأردن ولبنان ليبحث مع المسؤولين اثر العقوبات الاقتصادية ضد سوريا.
وأضافت الوزارة في بيان لها نشرته وكالة (رويترز) للأنباء أنه من المتوقع أن “يطلع مساعد وزير الخزانة دانييل جليزر الذي يحقق في تمويل الإرهاب المسؤولين في بيروت وعمان على محاولات محتملة من سوريا لتجنب العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من خلال القطاعين الماليين اللبناني والأردني”.
وبينت الوزارة أن جليزر سيتوقف أولا في موسكو ليبحث إستراتيجية إدارة اوباما لمكافحة الجريمة الدولية المنظمة قبل أن يتوج بيروت ثم إلى عمان”.
يبدو أن أميركا لن تكتفي بالضغط على جيران سورية بل هي تحاول أن تضغط أيضا على روسيا لمنعها من مساعدة سورية في الأمور المالية.
طبعا العراق ما زال في جعبة أميركا وهي ليست بحاجة لإرسال مبعوثين إليه لكي تطلب منه الالتزام بالعقوبات ضد سورية، وهناك بالمناسبة لقاء قريب سيجمع المالكي بأوباما ومن المؤكد انه سيتم بحث الشأن السوري فيه.
أميركا لا تملك أي نفوذ اقتصادي على سورية، ولذلك فهي تلجأ إلى أسلوب رخيص هو منع سورية من التعامل بالدولار ومع نظامها المالي. هي تستغل كون عملتها هي العملة الدولية لكي تخنق سورية اقتصاديا. هذا النفوذ الأميركي الاقتصادي هو نفوذ طارئ ولولا أن الدولار الأميركي هو العملة الدولية الرئيسية لما كانت أميركا استطاعت أن تؤذي سورية بأي شيء يذكر.
ما يلي مقال من جريدة الشرق الأوسط حول زيارة ميقاتي إلى بريطانيا:
http://www.aawsat.com/details.asp?section=4&article=648790&issueno=12033
لندن: راغدة بهنام
بدأ رئيس الحكومة اللبنانية، نجيب ميقاتي، زيارة رسمية إلى بريطانيا، أجرى خلالها محادثات مع رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، الذي استقبله بعد ظهر أمس في داونينغ ستريت. وقال مسؤول بريطاني إن اللقاء تناول الوضع في لبنان في ظل الأزمة السورية، وتحديدا مساعي فصل الاقتصاد اللبناني عن الاقتصاد السوري؛ كي لا يتأثر بالعقوبات المفروضة على دمشق.وتأمل بريطانيا وحلفاؤها في الغرب أن يبقى لبنان مستقرا، وألا تمتد التوترات في سوريا إلى أراضيه. وقد أبدى دبلوماسي غربي تفاؤله لأن لبنان سيتمكن من الحفاظ على «حياديته» في القضية السورية، مشيرا إلى أن حديث المدير العام لقوى الأمن الداخلي، اللواء أشرف ريفي، عن وجود حالات اختطاف لناشطين سوريين من لبنان، هو أمر مشجع ويدل على إرادة وضع حد لتدخل سوريا في لبنان.
وأكد الدبلوماسي أن الرئيس السوري بشار الأسد «بدأ يفقد الكثير من تأثيره على لبنان»، مشيرا إلى أنه «كلما مر الوقت وضعف النظام السوري، تشجع اللبنانيون على تحديه». وتحدث الدبلوماسي الذي رفض الإفصاح عن اسمه، عن «آراء كثيرة ومختلفة» داخل حزب الله، وعن «تأملات» تجري داخل الحزب حاليا لاتخاذ قرار حول أي مدى على الحزب أن يلصق نفسه بنظام الأسد، وأضاف: «حزب الله لم يعد يأخذ أوامر من دمشق كما في الماضي».
طبعا بالإضافة إلى العقوبات العربية والتركية سيكون هناك مزيد من العقوبات الأوروبية:
دمشق – بيروت: «الشرق الأوسط باريس: ميشال أبو نجم واشنطن: محمد علي صالح
في موقف فرنسي لافت، اعتبر وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه أن مبادرة الجامعة العربية للحل في سوريا قد «ماتت»، مؤكدا أن الدول العربية تتحمل مسؤولية «كبرى» تجاه الوضع في سوريا وعليها ممارسة ضغوط كبيرة على دمشق من أجل أن «تتطور» الأمور فيها، كما على تركيا لعب دور لما لها من «إمكانيات كبيرة» للتأثير على سوريا. وكشف الوزير الفرنسي في حوار لـ«الشرق الأوسط» أنه ونظراءه الأوروبيين سيدرسون فرض سلة عقوبات اقتصادية ومالية جديدة على سوريا في اجتماعهم القادم، معلنا أن باريس «مستعدة» للاعتراف بالمجلس الوطني السوري, شريطة تنظيم انفسهم».
أوروبا فرضت 8 مجموعات من العقوبات على سورية منذ بداية العام حتى الآن، وهذه سوف تكون التاسعة. هذا الأسلوب في العقوبات غير طبيعي لأن الهدف منه ليس مجرد التأثير على وضع الحكومة السورية وإنما المطلوب هو خلق أزمة اقتصادية واجتماعية حادة في سورية. المتوقع هو أن الأوروبيين سوف يستمرون في التصعيد إلى حد القطيعة الاقتصادية والمالية شبه الكاملة مع سورية كما فعلت أميركا، ولذلك فإن سورية أعدت نفسها في الأسابيع الماضية للتعامل بالروبل الروسي بدلا من اليورو. التعامل بالروبل الروسي سوف يزيد من خسائر الاقتصاد السوري وسوف تكون له مخاطر كبيرة نظرا لأن الروبل عملة غير مستقرة وسعرها يتقلب بشكل كبير وحاد.
إذن المرحلة المقبلة ستشهد أزمة اقتصادية حقيقية في سورية، ولكن المشكلة ليست فقط في الأزمة الاقتصادية بل هناك أيضا التصعيد العسكري. وزير الخارجية التركي تحدث مجددا بالأمس عن رغبة بلاده في التدخل عسكريا في سورية، وهو قال أن تركيا أجرت مباحثات مع البرازيل وجنوب أفريقيا لدفعهما لتغيير موقفهما من القضية السورية في مجلس الأمن.
من الواضح بالنسبة لي أن هناك اتفاقا تركيا-أميركيا على أن تتدخل تركيا عسكريا في سورية. هناك مؤشرات كثيرة تدل على وجود هذا الاتفاق. تركيا كانت تنتظر قرارا من مجلس الأمن يجيز لها هذا التدخل، ولكن غياب القرار هو ما أخر تنفيذ الخطط التركية.
الهدف الأساسي من المبادرة العربية هو العودة مجددا لمجلس الأمن لاستصدار قرار يغطي التدخل التركي في سورية. حاليا تقوم تركيا وفرنسا وغيرها من الدول بالضغط على البرازيل وجنوب أفريقيا تحديدا لدفع هذه الدول لتغيير موقفها من سورية. إذا غيرت هذه الدول موقفها فهذا سيضعف الموقف الروسي في مجلس الأمن، وبالتالي ستعود أميركا مجددا وبزخم أكبر لكي تطرح قضية التدخل في سورية على مجلس الأمن.
هناك نية أميركية أكيدة للتدخل عسكريا في سورية، وفي رأيي أن من أكبر الأدلة على ذلك هو النفي المتكرر لوجود هذه النية. لو كانت دول الغرب لا تريد التدخل عسكريا في سورية لما كانوا قالوا ذلك علنا وإنما لكانوا هددوا وهولوا كما يفعلون الآن مع إيران، لأن التهديد بالتدخل العسكري يرفع معنويات المتمردين ويضعف معنويات بقية السوريين.
أميركا أعجبت جدا بالسيناريو الليبي وهي تريد تكراره في سورية، ولكنها لا تتحدث عن ذلك علنا لأنها تعلم أن دول مجلس الأمن والدول النامية سترفض تكرار السيناريو الليبي في سورية. السيناريو الليبي لم يكلف أميركا شيئا يذكر من المال وهو في رأيي سيصبح استراتيجية أميركية للتطبيق في مناطق كثيرة من العالم، وروسيا تعلم هذا جيدا ولذلك هي تتصلب في الموضوع السوري.
أميركا في الفترة الأخيرة باتت تتحدث بشكل علني عن المسلحين في سورية بل وتدعمهم وتطالبهم بألا يسلموا سلاحهم، والهدف من ذلك هو خلق انطباع لدى الرأي العام العالمي بأن الوضع في سورية هو كالوضع في ليبيا وأن حركة التمرد في سورية هي حركة مشروعة ويجب دعمها.
عناصر الخطة الأميركية لإسقاط سورية تتكامل بسرعة والطبخة على وشك أن تنضج، وهذا هو ما دفع الأسد في الأسابيع الأخيرة لأن يرسل عدة رسائل ترهيبية وترغيبية عبر الصحف الأوروبية إلى أوروبا. الأسد يعلم أن حلف الناتو سيشارك في قصف سورية في حال اندلع نزاع بين تركيا وسورية، ولذلك هو أرسل تهديدا بتنفيذ تفجيرات انتحارية في أوروبا، وهذا التهديد تم تكراره عدة مرات مما يدل على أنه تهديد جاد.
طبعا نتائج التدخل التركي لا يعلمها أحد، وهي على الأغلب ستؤدي إلى فوضى شبيهة بالفوضى التي حصلت في لبنان بعد الاجتياح الإسرائيلي في عام 1982 والفوضى التي حصلت في العراق بعد الاجتياح الأميركي في عام 2003. الأسد قال في تهديده للأوروبيين بأن المنطقة سوف تتحول إلى “أفغانستانات”، وهو يقصد بهذا أن المنطقة لن تستقر أبدا تحت سيطرة حلف الناتو وحلفائه لأن إيران مثلا (وربما روسيا أيضا) لن تسمحا بذلك.
كلام الأسد فيه تجاهل لنظرية الفوضى الخلاقة الأميركية التي طرحها الأميركان بعد أحداث عام 2001. الأميركان تخلوا عن خطة الفوضى الخلاقة بعد غزو العراق لأن التكلفة المالية والبشرية لهذه الخطة كانت مرتفعة جدا. أما الآن بعد اندلاع ما يسمى بـ”الربيع العربي” وبعد نجاح التمرد في إسقاط النظام الليبي فالنظرة الأميركية كلها تغيرت. أنا أعتقد أن الأميركان عادوا مجددا إلى فكرة الفوضى الخلاقة وهم أرادوا أن تكون ليبيا هي المنطلق لهذه الفوضى حتى تصل إلى سورية ومنها إلى العراق وإيران.
أميركا لا تمانع الفوضى في سورية بل هي تريدها وترغب بها بشدة، لأن الفوضى في سورية سوف تنتقل إلى لبنان وتدمر حزب الله. أميركا عجزت طوال السنوات الماضية عن توريط حزب الله في نزاع داخلي لبناني لأن موازين القوى في لبنان كانت مائلة بشكل كبير لمصلحة حزب الله وحلفائه. بعد سقوط النظام السوري واندلاع الفوضى في سورية فإن ميزان القوى في لبنان سوف يختل بشكل كبير، وهو ما سوف يؤدي حتما إلى اندلاع نزاع مسلح بين حزب الله وبين حلفاء أميركا في لبنان (اللهم إلا إذا قرر حزب الله إلقاء سلاحه من تلقاء نفسه اعترافا منه بالواقع الجديد).
هذا لوحده سبب كاف لكي تقوم أميركا بخلق الفوضى في سورية، ولكنه ليس السبب الوحيد.
أميركا قررت الانسحاب من العراق من الباب ولكنها في رأيي تريد العودة إليه من الشباك السوري. أميركا تريد للفوضى السورية أن تمتد إلى العراق وأن تؤدي لخلق كيان “سني” يمتد بين غرب العراق وشرق سورية. هذا الكيان سوف يكون تحت رعاية السعودية وأنا تحدثت عنه سابقا. وظيفة هذا الكيان الجديد هو أنه سوف يكون “حاجزا” بين إيران والشيعة وبين حزب الله وإسرائيل. هذا الكيان ليس فكرة خيالية بل هو فكرة تسعى السعودية وأميركا لتحقيقها بشكل عملي في العراق. أنا كنت أشاهد قناة “صفا” قبل فترة وكنت ألاحظ الترويج لفكرة خلق كيان منفصل للسنة في العراق، مما يدل على أن هناك جهات وهابية-سعودية تريد تقسيم العراق بالفعل وتسعى لذلك.
هذا سبب آخر مهم يجعل من الفوضى مرغوبة في سورية. هناك سبب ثالث هو ربما الأهم، وهو أن أميركا تأمل في مد الفوضى الخلاقة نحو إيران نفسها، وهذا أمر ممكن خاصة وأن أميركا كانت تعمل في السنوات الأخيرة على تشجيع حركات التمرد الإثنية داخل إيران.
تركيا ربما تكون تعلم بمخطط الفوضى الخلاقة، ولكنها على ما أعتقد تطمح إلى تحقيق عدة مكاسب من تدخلها في سورية:
- السيطرة بشكل مباشر على مناطق الأكراد السوريين.
- تفصيل كيان تابع لها في شمال سورية على غرار الكيان السعودي الذي سيتم تفصيله في الشرق.
- التخلص نهائيا من فكرة القومية العربية والتخلص من المطالبات بإعادة لواء الإسكندرون.
هذه ثلاثة مكاسب جيدة لتركيا كنقطة بداية.

