لا حرب ضد إيران… وحرب في سورية

Posted: نوفمبر 6, 2011 in سياسة

ما يحدث الآن في إسرائيل هو مهزلة، حيث أن نتنياهو يحاول أن “يقنع” وزراء حكومته باتخاذ قرار “بضرب إيران عسكريا.”

هذه مهزلة حقيقية لعدة أسباب، أبسطها أن إسرائيل لا تملك القدرة من قريب أو بعيد على أن تعلن حربا ضد إيران على هذا النحو الاستعراضي.

إسرائيل تاريخيا (عندما كانت تريد أن تحارب فعلا) كانت تقوم بشن ضربات خاطفة ومباغتة، بدءا من ضربة العام 1967 (والتي تم تضليل عبد الناصر قبلها وإيهامه بأنه لن يكون هناك هجوم إسرائيلي) وصولا إلى ضرب المفاعل العراقي في عام 1981 (عندما كان العراق مشغولا بالحرب مع إيران والتمرد الداخلي) وصولا أخيرا إلى ضرب الموقع السوري المشبوه في عام 2007.

كل التقارير التي قرأتها خلال السنوات الماضية تؤكد أن البرنامج النووي الإيراني لا يمكن إلغاؤه بضربة عسكرية، وبالتالي لا يوجد أي مبرر لضرب إيران عسكريا تحت ذريعة البرنامج النووي.

هناك هدفان تريدهما الولايات المتحدة في إيران: تغيير النظام الإيراني (كما حدث في العراق وليبيا) وإنهاء البرنامج النووي الإيراني، فهل يمكن تحقيق أي من هذين الهدفين بضربة عسكرية؟

الجواب هو لا باعتراف الأميركان أنفسهم. السبيل الوحيد لتحقيق هذبن الهدفين عسكريا هو الغزو البري لإيران، والغزو البري لإيران أمر مكلف جدا ومن شبه المستحيل لأميركا أن تقوم به.

إسرائيل لو “ضربت إيران عسكريا” فهي لن تحقق شيئا. لا البرنامج النووي سوف يزال ولا النظام الإيراني سوف يسقط، ولكن تبعات الضربة على إسرائيل وأميركا ستكون وخيمة.

أميركا قررت منذ سنوات أن لا حلا عسكريا للقضية الإيرانية. الاستراتيجية الأميركية في التعامل مع إيران هي نفس الاستراتيجية في التعامل مع كوريا الشمالية، أي استراتيجية العزل والحصار الخانق.

أميركا كانت تريد في الفترة الأخيرة أن تتفاوض مع إيران (على أساس أن أميركا الآن هي في عزها خاصة مع ما يحدث في سورية) وأرسلت لهذا الغرض أمير قطر عدة مرات إلى طهران، ولكن إيران رفضت التفاوض لأنها تعلم أن الظروف الآن هي لمصلحة أميركا وفي الفترة المقبلة سوف يكون هناك انحسار أميركي كبير يحسن ظروف التفاوض لمصلحة إيران.

أميركا غضبت من هذا وقررت معاقبة إيران بفرض عقوبات جديدة خانقة عليها، ولذلك تم الإعلان عن “مؤامرة اغتيال السفير السعودي”، وسيتم قريبا أيضا إصدار تقرير جديد من وكالة الطاقة الذرية (التي يديرها الدمية أمانو) يتهم إيران بالسعي لتصنيع سلاح نووي.

قصة اغتيال السفير السعودي لم تقنع كثيرا من دول العالم، كما أن التقرير الذي سيصدر قريبا عن وكالة الطاقة الذرية ربما لن يقنع أيضا الكثير من دول العالم (خاصة روسيا والصين). لهذا السبب أوعزت أميركا لأتباعها في الشرق الأوسط (خاصة إسرائيل) للبدء بهذه المسرحيات الحربية التي تتحدث عن قرب ضرب إيران.

هدف أميركا من هذه المسرحيات هو الضغط على روسيا والصين وبقية دول العالم لكي يقتنعوا بفرض عقوبات جديدة خانقة على إيران. أميركا تريد أن تقول للعالم أن عدم فرض عقوبات خانقة على إيران سيؤدي إلى اندلاع حرب في الشرق الأوسط.

ما يحدث الآن بين أميركا وبين أتباعها في الشرق الأوسط هو توزيع أدوار، حيث أن إسرائيل ودول الخليج يبدون متحمسين جدا للحرب (هذه هي العصا) أما أميركا وأوروبا فهم يقولون أنهم ضد الحرب و”سيكتفون” بالعقوبات (وهذه هي الجزرة). أي أن أميركا تريد أن تخير العالم (خاصة روسيا والصين) بين حرب مفترضة ستشنها إسرائيل ودول الخليج على إيران وبين القبول بفرض عقوبات جديدة خانقة عليها.

هذا في رأيي هو الوضع الإيراني. أميركا ليست في وارد ضرب إيران ولكنها تريد الضغط على دول العالم لفرض عقوبات عليها تعدل ميزان القوى في المنطقة لمصلحة أميركا في المرحلة القادمة التي كان من المفترض أن تشهد انحسارا أميركا كبيرا بعد الانسحاب من العراق.

ماذا عن سورية؟

سورية وضع مختلف لأن أميركا تفكر على ما يبدو بتكرار السيناريو الليبي فيها (والذي لم يكلف أميركا شيئا يذكر)، وبالتالي فالتدخل العسكري في سورية هو مطروح في رأيي (بل مرغوب بشدة لأنه سوف يكون له على الأغلب هزات ارتدادية تصيب لبنان وإيران نفسها) وهذا هو سبب استماتة دول الخليج لتكرار السيناريو الليبي في سورية.

شاهدت بالأمس أخبار الساعة 11 على الجزيرة وكان من الواضح أن الهدف من النشرة هو إقناع الناس بتكرار السيناريو الليبي في سورية. ما يسمى بالمبادرة العربية هو مجرد مهزلة كما قلت سابقا وأصر على ذلك. ما يلي هو مقال كتبه اليوم رئيس تحرير جريدة الشرق الأوسط (الناطقة باسم الخارجية السعودية):

لماذا هي مبادرة إنقاذ الأسد؟

عندما قلنا قبل أيام إن مبادرة الجامعة العربية تجاه سوريا ما هي إلا مبادرة من أجل إنقاذ بشار الأسد، لم نكن نبالغ. والدليل أنه منذ إعلان النظام الأسدي قبوله بالمبادرة لم يتغير شيء على الأرض، فقتل السوريين مستمر، ولم يتم سحب الجيش والشبيحة، ولم يطلق أيضا سراح السجناء.

وعلى العكس من كل بنود المبادرة العربية، فإن النظام الأسدي هو من أطلق دعوة للناشطين السوريين لتسليم أنفسهم من أجل أن يضمن لهم العفو، وهي حركة استغلال وتذاكٍ واضحة من النظام، وسبق أن فعلها (النظام) في كل اتفاق أبرمه، ليس في عهد بشار الأسد فقط، بل وعلى مدى أربعة عقود من عمر النظام البعثي في سوريا. فالنظام الأسدي يمارس اليوم لعبته المعتادة وهي الاتفاق ثم إفراغ الاتفاق من مضمونه.. فعلها في لبنان، والعراق، وفعلها كذلك مع السعوديين، والأتراك، والأميركيين، والفرنسيين، وها هو يفعلها اليوم بالجامعة العربية!

وعندما نقول إن المبادرة العربية – أيا كان من خلفها – لم تكن إلا مبادرة إنقاذ بشار الأسد، فالسبب واضح، وبسيط؛ فالمبادرة العربية ليست كالمبادرة الخليجية تجاه اليمن، والفارق هنا كبير جدا، وجوهري. لأن المبادرة الخليجية تجاه اليمن كانت تقول إن الحوار المقترح هو حوار حول انتقال السلطة، أي أن المبادرة تؤدي في الأخير إلى رحيل علي عبد الله صالح، أما المبادرة الخاصة بسوريا فهي تتحدث عن الحوار لكن من دون أن تضع سقفا، أو إطارا، له.. حوار على ماذا؟.. هل هو على رحيل بشار الأسد، وانتقال السلطة بشكل سلمي؟.. أم أن الحوار يهدف إلى تقديم المعارضة لبيت الطاعة، وبالتالي فعليها – أي المعارضة – أن تجد طريقا للاعتذار للنظام الأسدي عن المضايقة، وتعكير المزاج العام؟

أمر لا يستقيم بالطبع، فكيف يُطلب من المعارضة الجلوس على طاولة حوار بلا سقف، أو موضوع واحد محدد سلفا؟.. بل وحتى في حال استجاب الأسد – وهو لن يفعل – لمطلب سحب القوات من الشوارع، وإطلاق سراح المعتقلين، وإيقاف آلة القتل الوحشية، فماذا عن قرابة 4 آلاف قتيل سوري على يد النظام؟ هل يقال لذويهم عفا الله عما سلف؟ أمر لا يعقل، وغير مقبول، بل ومخجل أن ترتضيه الجامعة العربية بأي حال من الأحوال، خصوصا أنها هي التي هبت لنجدة الليبيين من معمر القذافي، وطالبت المجتمع الدولي بالتدخل من أجل ذلك. فلماذا ترفض الجامعة اليوم القيام بنفس الدور مع النظام الأسدي، وهو لا يقل إجراما، وتآمرا، ووحشية، عن نظام معمر القذافي البائد؟

لذلك، وعطفا على كل ما سبق، فإن ما فعلته الجامعة العربية مؤخرا لا يمكن وصفه إلا بأنه مبادرة من أجل إنقاذ بشار الأسد، وعلى حساب كل مآسي السوريين، ولا يمكن مقارنة المبادرة العربية تجاه سوريا بالمبادرة الخليجية تجاه اليمن، فالفارق كبير، حيث إن الحوار المقترح بالملف اليمني هو حول انتقال السلطة ورحيل صالح، أما الحوار الخاص بسوريا فيبدو أنه من أجل إطالة عمر نظام الأسد، لا أكثر ولا أقل.

لماذا يقوم الإعلام السعودي بمهاجمة المبادرة العربية بهذا الشكل إن كان مقتنعا بها؟

السعودية كما قطر هما يتبنيان الموقف الأميركي الرافض بشدة للمبادرة العربية، ولكن ما يجري الآن هو لعبة شد الحبل التي تحدثت عنها سابقا. أبلغ دليل على رفض دول المحور الأميركي للمبادرة العربية هو الموقف الرافض لهذه المبادرة الذي أعلنه برهان غليون.

هناك إرادة أميركية جامحة لإسقاط النظام السوري، وهذه الإرادة الجامحة سوف تفعل أي شيء لتحقيق هدفها، ولذلك على السوريين أن يخافوا على أنفسهم في المرحلة المقبلة لأن الأمور متجهة إلى مزيد ومزيد من التصعيد.

أميركا باختصار لن يهنأ لها بال حتى تندلع حرب أهلية في سورية تطيح بالنظام السوري. هناك وحدة هدف وتلاقي مصالح بين أميركا وتركيا ودول الخليج والمعارضة السورية الإسلامية وطبعا إسرائيل. كل هذه القوى تسعى الآن بقوة لإشعال حرب أهلية في سورية وهم لن يهدؤوا حتى يحققوا هذا الهدف. لا أظن أن النظام السوري يملك أية خطة سوى الانتظار إلى أن تتغير الظروف، والله أعلم كم سيطول هذا الانتظار وما الذي سيحدث خلاله.

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s