الاقتصاد السوري… إصلاحات جيدة وضغوط خارجية وداخلية خانقة

Posted: أكتوبر 27, 2011 in اقتصاد

كتبت في السابق عدة تدوينات عن الاقتصاد السوري، والحقيقة أن الدولة السورية ومن خلال متابعتي لتصريحات مسؤوليها في الأسابيع الأخيرة يبدو أنها تتجه إلى تطبيق قسم كبير من الإصلاحات التي تحدثت عنها في تدويناتي، والتي لم آت بها من مخيلتي وإنما أخذتها مما هو موجود في اقتصادات الدول الأخرى الناجحة.

مما ساعد الدولة السورية وحفزها على أن تتجه للإصلاح المالي هو طبعا الضغط الخارجي الكبير والذي يهدف بشكل معلن إلى تجفيف مواردها المالية، وهذه ربما تكون الفائدة الإيجابية الوحيدة من وراء العقوبات والتي كنت قد تحدثت عنها سابقا وقلت أن سورية يجب أن تحذو حذو إيران في ترشيد إنفاقها على ما يسمى بالدعم الاجتماعي.

الحكومة السورية تتحدث الآن (ولأول مرة ربما) عن رفع أسعار المحروقات بحيث تغطي سعر التكلفة والتعويض على المواطنين عن ارتفاع الأسعار باللجوء إلى نظام البطاقة الذكية لتوزيع حصص المحروقات المدعومة، وهذا توجه إيجابي. أيضا الحكومة بدأت تتحدث لأول مرة عن إلغاء نظام التعليم المجاني العشوائي وحصر التعليم المجاني بالفقراء، وهذا أيضا توجه إيجابي وهام لرفع مستوى التعليم في سورية.

هناك إصلاحات كثيرة بدأت الحكومة تجريها لتقليل الهدر في الإنفاق، وهذا أمر جيد ولكن المؤسف فيه أنه جاء تحت وطأة العقوبات بينما كان المفترض هو أن تجري الحكومة هذه الإصلاحات منذ سنوات بل منذ عقود.

هذا الإصلاح المالي الكبير يجب أن يوفر للدولة بعض المال، ولكنه لن يكفي طبعا لتغطية الخسائر المالية الناجمة عن الأزمة والتي قدرها البعض بـ27 مليار دولار، وهو مبلغ خرافي بالنسبة لبلد كسورية حجم اقتصاده لا يتجاوز 55 مليار دولار. من المؤكد أن سورية هي أكثر بلدان المنطقة تأثرا بما يسمى “بالربيع العربي” من حيث قيمة الخسائر، وهو أمر مؤسف جدا لأن سورية هي أكثر بلدان المنطقة حاجة للمال.

المؤلم في الوضع السوري هو أن الخسائر ليست قصيرة الأمد بل هي في معظمها خسائر بعيدة الأمد ومعظمها لن يمكن تعويضه أبدا في المدى المنظور. لقد حذرت في تدويناتي منذ بداية الأزمة من أن أميركا سوف تستغلها إلى الحد الأقصى لتدمير أسس الاقتصاد السوري على المدى البعيد، وهذا ما حدث بالفعل حيث أن الكم الهائل من العقوبات والضربات التي سددتها أميركا للاقتصاد السوري هي أمور لن يمكن إلغاء أو إزالة آثارها إلا بعد مرور سنين طويلة جدا، هذا في حال كان من الممكن أصلا أن تزال آثارها.

العقوبات الأميركية والأوروبية على سورية لن تزال أبدا إلا في حال غيرت سورية اصطفافها السياسي وانتقلت إلى المعسكر الأميركي (وهو كلام نظري لأن سورية عمليا لا تستطيع أن تنتقل إلى المعسكر الأميركي حتى لو أرادت ذلك. بالنسبة لسورية الانتقال إلى المعسكر الأميركي يعني القبول بأن تكون تحت سيطرة وإدارة إسرائيل، وهو أمر غير منطقي من الناحية الجيوسياسية البحتة حيث أن مشروع إسرائيل القائم على التقسيم الطائفي والدولة اليهودية يتناقض مع مبدأ الدولة السورية التي تقوم على القومية وتعدد الأديان، وبالتالي فوضع  سورية تحت النفوذ الإسرائيلي يعني تقسيم سورية وإلغاءها)، وإذا لم تنتقل سورية إلى المعسكر الأميركي فإن العقوبات لن تزال، وبالتالي فالمتوقع هو أن سورية ستبقى تحت الحصار الغربي لسنين طويلة. من الممكن طبعا لسورية أن تتكيف مع الواقع الجديد، ولكن إلى أن تتكيف فإنها ستكون قد خسرت أموالا طائلة، وحتى بعد التكيف فإنها ستظل تخسر المال بسبب مقاطعة الغرب لها.

الأخطر من الحصار الغربي هو الحصار الخليجي والذي سيكون هناك سعي لتعميمه لكي يشمل مصر وتونس وليبيا وكل بلدان ما يسمى بالربيع العربي.

هذه الضغوطات الخارجية الخانقة لن تزول إلا بتغير جذري في مسار الصراع السوري-الإسرائيلي. ما يحدد موقف الغرب من سورية هو بالأساس قضية إسرائيل. لو لم يوافق حافظ الأسد على المشاركة في مؤتمر مدريد في أوائل التسعينات لما كانت العقوبات الغربية رفعت عن سورية في ذلك الوقت، وحاليا لن يكون هناك أي رفع للعقوبات بدون تطور جذري على مسار العلاقة مع إسرائيل.

بالإضافة للإصلاح المالي فإن الدولة السورية ستلجأ للتقشف لضبط النفقات، والتقشف له معاني كثيرة، وأحد معانيه هو تقليل الاستيراد، وتقليل الاستيراد يعني حكما ارتفاع الأسعار (زيادة التضخم)، وارتفاع الأسعار يعني نقص الدخل الفعلي للمواطن السوري وزيادة الفقر.

زيادة الفقر ونقص دخل المواطن السوري هو أمر حتمي في السنوات القادمة. ما يحدد مستوى دخل المواطن هو أمران: المدخول الذي يحصل عليه بالعملة السورية وقيمة هذه العملة أمام العملات الصعبة (مستوى التضخم). إذا نقص الاستثمار والنمو الاقتصادي في سورية (وهو ما يحدث الآن وبشكل كبير) فإن البطالة ستزداد، وبالتالي فإن الأجور بالليرة السورية ستنخفض، وهو ما يعني ازدياد الفقر. أيضا إن نقص تواجد العملة الصعبة في البلد يعني أن الاستيراد سينخفض، وانخفاض الاستيراد يعني زيادة الأسعار وانخفاض قيمة الليرة السورية (زيادة التضخم)، وهو ما يعني مزيدا من انخفاض الدخل وانخفاض القوة الشرائية للمواطن، وانخفاض القوة الشرائية للمواطن يضعف الاستهلاك، وهو ما يؤثر على التجار والمصنعين فيزيد من خسائرهم ويدخل البلاد في دورة الكساد الجهنمية التي هي آخر ما ينقص المواطن السوري المعتر والفقير أصلا.

يبدو أن الحكومة ستسعى في الفترة القادمة لكي توجه إنفاقها نحو إقراض صغار المستثمرين، وهو إجراء يهدف إلى التخفيف من البطالة وآثار الفقر المنتظر. ولكن السؤال هو حول مشاريع البنية التحتية التي تم إيقاف تمويلها والتي بدونها لا يمكن أن يقوم استثمار. من الذي سوف يستثمر في هذه المشاريع؟ حتى الآن لم نسمع عن إقدام أية شركة روسية أو صينية على الاستثمار في مشاريع الطاقة في سورية، وهو مؤشر سلبي جدا إذا كان هذا الإحجام سيستمر لفترة طويلة.

قطاع الطاقة في سورية هو معضلة كبيرة بالأساس لأنه عبارة عن بالوعة لأموال الدولة والهدر فيه كبير جدا. الدولة تحاول أن تخفف الهدر عبر تحسين الشبكة وزيادة الجباية، ولكن المشكلة هي في الأساس مشكلة أسعار. أسعار الطاقة في سورية منخفضة جدا، وفي حال قررت الدولة رفعها فهذا سوف يؤثر على معيشة المواطنين وسوف يؤثر أيضا على القطاعات الإنتاجية، وبالتالي سوف تكون المحصلة زيادة الفقر في المجتمع. أحد الحلول الهامة لهذه المعضلة هو التركيز على موضوع ترشيد استهلاك الطاقة والذي يجب أن يترافق مع رفع الأسعار. رفع الأسعار بدون ترشيد استهلاك الطاقة سوف يؤدي إلى زيادة الفقر، والدعوة لترشيد استهلاك الطاقة بدون رفع الأسعار لن تؤدي إلى نتيجة، وبالتالي فالمطلوب هو حل يجمع بين الفكرتين معا.

الفترة القادمة ستكون صعبة، وما يزيدها صعوبة هو استمرار نشاط المسلحين والذين حرصوا منذ البداية على شل حركة النقل بين مناطق البلاد. المسلحون يستهدفون بشكل دوري القطارات وطرق السيارات مما جعل من التنقل بين مناطق البلاد أمرا صعبا، وهذا يضر النشاط الاقتصادي بشدة ويساهم في تدهور الأوضاع. لا أدري من الذي أوعز للمسلحين باستهداف وسائل النقل لشل الحركة في البلاد ولكنني لا أظن أنهم على درجة من العلم والفهم تسمح لهم بأن يضعوا خططا بعيدة المدى لشل النشاط الاقتصادي كهذه الخطة. استراتيجية شل حركة النقل في البلاد لضرب النشاط الاقتصادي هي استراتجية تتوافق مع الخطة الأميركية لضرب الاقتصاد السوري على المدى المتوسط، وبالتالي فأنا أظن أن من أوعز للمسلحين بأن يستهدفوا القطارات وطرق السيارات بشكل دوري هو نفسه من أوعز لهم باستهداف أنابيب النفط. هذه كلها خطط من صنع أجهزة مخابرات وهي أبعد من مدى تفكير العصابات المسلحة في رأيي.

بدون السيطرة على نشاط العصابات المسلحة وإعادة الثقة للمواطنين في التنقل بين المحافظات بأمان فإن الاقتصاد السوري سوف ينهار في غضون أشهر قليلة كما تقول أميركا. هذا على ما أظن أمر حتمي.

تعليقات
  1. أسمح لي أن أقول بأنك متشاءم إلى حد بعيد… ربما بسبب أنك ترتكز بتحليلاتك على المنهج العلمي البحت… وربما شيء آخر..
    لكن كل ما أوردته أنت من معلومات (متاحة) صحيحة وتقود مباشرة لاستنتاجاتك حقاً… خاصة من ناحية الاقتصاد..

    لكن أليس للجوانب الأخرى (العسكرية والميدانية والاجتماعية والنفسية) لعموم المجتمع السوري علاقة وثيقة بالاقتصاد وبالصمود للحصار الاقتصادي؟
    ثم، هل تظن أن روسيا والصين رمت بكل أوراقهما في هذه المعمعة؟
    ألم يشكك البعض بإمكانية تراجع الروس أو الصينيين في مجلس الأمن؟
    ثم برأيك، (حتى لو كانت الأحداث قد استقطبت المزيد من المسلحين) ألم تقم الأجهزة الأمنية بحد قسم كبير من هؤلاء؟
    سبب هذه الأسئلة هو ما أشاهده حولي من بعض البسطاء الذين أراهم اليوم (مع) وغداً (ضد).. مع أنهم على كل الأحوال مجرد مشاهدين فقط..
    فخطاب الإعلام الرسمي السوري ما يزال (رغم كل الانتقادات) فعالاً.. وحقاً لعب بمجموعة أوراق (كالطائفية، والتشكيك، والتذكير بالعراق، وليبيا الخ..) بغض النظر عن أخلاقية ذلك…

    أنا معك بأن الاقتصاد أهم أسباب بقاء سورية واقفة إلى الآن..
    لكن يحكي التاريخ عن صمود عكا أمام نابليون؟ وستالينغراد أمام الألمان؟ الخ.. العوامل الأخرى مهمة أيضاً.. بحدود.

    إن التباين الشاسع والهائل بين النفسية السورية (الشعبية ومواقفها الداعمة للمقاومة على مدى سنين) (حتى لو كان ذلك كما يتهمها البعض نفاقاً) وبين النفسية النابعة عن سياسة دولة مثل مصر (حيث الشعب محبط وكالح ومتشاءم لمدى التبعية لأمريكا أيام مبارك)..
    إن مثل هذا التباين الكبير يجعل الناس البسطاء يستسهلون الكثير من الصعوبات، ويصبرون أكثر… فلا قدرة لهم للانتقال بين هاتين النفسيتين بسرعة… (يمكن للسياسيين والاقتصاديين ذلك، لكن ليس بقية الناس).. فما رأيك أستاذ؟
    ربما أسئلتي نابعة من طابعي التفاؤلي..ربما..

    • Hani يقول :

      الوضع الاقتصادي إلى الآن ما زال محتملا… رغم ان هناك ركودا وكسادا واضحا… ولكن استمرار المسلحين في إرهاب الناس على الطرقات واستمرار النزيف في العملة الصعبة سوف يجعل الوضع الاقتصادي سيئا جدا… هذا ما أقوله… لا أدري كيف سيكون رد فعل الناس…

    • shanfara يقول :

      أتفق مع أخي أيهم في ما قاله
      أما رأيي
      1 – من العنوان، لا يوجد اصلاحات لا سياسية و لا اقتصادية، و الفشل الذي نحن فيه ليس سببه إلا انفسنا (لو بدها تشتي كانت غيمت).
      2 – لن بنهار الاقتصاد السوري لأنه أصلا منهار خلقة، ما يحدث من تفاوت اقتصادي هو تخوف مؤقت من التجار الكبار سوف يتغير بعد أن يعتادوا على الوضع.
      3 – عن المسلحين، المسلحين طرفين و ليسوا طرف واحد، و هذا يدل على فشل الاصلاحات الأمنية، و مازال رجال الأمن يسرقوننا أمام أعيننا مما يدل على وهمية هذه الاصلاحات على المستوى الامني.
      4 – توفير النفقات يتطلب كف يد السارقين الكبار، السؤال هل تستطيع الحكومة أن تفعل ذلك، الجواب لا، إذا لا يوجد توفير في النفقات إلا على حساب الفقراء أنفسهم، و هذه لا تسمى اصلاحات بل تدمير.

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s