عباس يفاجئ الجميع ويتجه للصدام مع الولايات المتحدة…. والمنطقة إلى مزيد من التوتر والتصعيد

Posted: سبتمبر 17, 2011 in سياسة
إسقاط أميركا لمشروع عباس في مجلس الأمن سيرفع من منسوب التوتر في المنطقة بشكل كبير، وهذا يتماشى مع سياسة الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة التي عملت على إيجاد استقطاب حاد في المنطقة وتصعيد التوتر إلى أقصى حد ممكن


توجه محمود عباس إلى مجلس الأمن لطرح الاعتراف بالدولة الفلسطينية لن يؤدي على الأغلب إلى اعتراف مجلس الأمن بهذه الدولة، ولكن المهم في هذه القضية هو أن الولايات المتحدة ستتلقى ضربة قوية في فترة حرجة تسعى فيها لإظهار نفسها بمظهر القائد لثورات الشعوب ضد الأنظمة “المستبدة”.

روسيا والصين حرصتا على استغلال هذه المناسبة لزيادة الضغط على أميركا، فبعد أن تبنت روسيا مشروع الاعتراف بالدولة الفلسطينية بحماس أعلنت الصين بالأمس موقفا حازما يحذر أميركا من مغبة استخدام الفيتو في مجلس الأمن ضد الاعتراف بالدولة الفلسطينية. الصين عللت موقفها بأن الفيتو الأميركي سوف يصعد التوتر في الشرق الأوسط، وهو ما يذكر بالموقف الروسي-الصيني التقليدي الذي يتهم الولايات المتحدة بتصعيد التوتر بهدف إحداث الفوضى في المنطقة (ومن ذلك مثلا المقاربة الأميركية للوضع السوري).

استخدام أميركا للفيتو لحماية إسرائيل سوف يفيد سورية حتما لأن أميركا سوف تفقد الزخم في حملتها التي تشنها ضد سورية عالميا (سورية رسميا هي العدو الأول لإسرائيل، وبالتالي فانحياز الولايات المتحدة الأعمى لإسرائيل سيفقدها ماء وجهها عندما تحاول استهداف سورية). أيضا إن استخدام الولايات المتحدة للفيتو سيدمر ما يسمى بعملية السلام التي ترعاها الولايات المتحدة منذ مؤتمر مدريد في بداية التسعينات، وهو أمر مفيد جدا لسورية لأنه سيرفع ورقة التوت التي يستر بها حلفاء أميركا العرب عوراتهم.

مجلس التعاون الخليجي سوف يصاب بالحرج إذا انهارت عملية السلام، لأن الهدف الأول (وعمليا الهدف الوحيد) من عملية السلام هو توفير الغطاء لدول هذا المجلس وأمثالها وتبرير تحالفها مع أميركا وإسرائيل. بدون عملية سلام لن يستطيع أمير قطر أن يفسر لنا مغزى علاقاته الحميمة مع إسرائيل؟ وبدون عملية سلام لن يستطيع سعود الفيصل أن يتبجح بالقول بأن إيران وسورية هما من تمنعان حل القضية الفلسطينية (وهو نفس الموقف الصهيوني تماما).

بدون عملية سلام سوف تفقد اتفاقية كامب دافيد بين مصر وإسرائيل أي مبرر لوجودها (وهذا هو سبب استقتال حسني مبارك سابقا لمنع انهيار عملية السلام، ولو كان اليوم موجودا لكان ضغط على محمود عباس بكل ما أوتي من قوة لمنعه من التوجه للأمم المتحدة). وبدون عملية سلام سوف تفقد اتفاقية وادي عربة بين إسرائيل والأردن أيضا معنى وجودها.

هل تقبل الولايات المتحدة بتحمل كل هذه العواقب وتستخدم الفيتو ضد الدولة الفلسطينية؟

التاريخ يقول نعم، لأن مصلحة إسرائيل هي هكذا ظروف هي مقدمة دائما على مصلحة الولايات المتحدة.

موقع دبكا فايل الصهيوني يزعم أن الطلب الذي سوف يقدمه عباس إلى مجلس الأمن سوف يكون على أساس حدود التقسيم في عام 1947 وليس على أساس حدود عام 1967 (حدود التقسيم تجعل الجليل ويافا من نصيب الدولة الفلسطينية). نتمنى أن يكون هذا صحيحا حتى نضمن استخدام الولايات المتحدة للفيتو ضد القرار.

هل الولايات المتحدة تسعى عمدا لإشعال المنطقة؟

ما تزال الولايات المتحدة مستمرة في تصعيدها وضغوطها على سورية بشكل هائل. في ليلة الخميس أصدرت أميركا تحذيرا هستيريا لرعاياها بمغادرة سورية، وهذا التحذير أتى ليلة الخميس كالعادة بهدف رفع معنويات المتمردين في سورية عشية يوم الجمعة، خاصة وأن التلفزيون السوري كان قد بث في نفس الليلة اعترافات حسين الهرموش أحد رموز التمرد والتي من شأن بثها تثبيط عزيمة المتمردين.

يبدو أن أميركا تستند في تصعيدها غير المكبوح تجاه سورية على افتراض يقول بأن النظام السوري لن يشعل الحرب ضد إسرائيل أبدا ومهما حدث. لا أعلم ما هو سبب هذه الثقة الأميركية المطلقة، ولكن يبدو أن أميركا واثقة من أن أية حرب سورية-إسرائيلية ستؤدي لهزيمة كبيرة لسورية وسقوط النظام السوري.

هناك طبعا خلل في ميزان التسلح بين سورية وإيران من جهة وبين إسرائيل وحلفائها من جهة أخرى، خاصة بعد دخول تركيا على خط المواجهة وانحيازها إلى جانب حلف الناتو على نحو غير متوقع. روسيا منزعجة جدا من الدور التركي في المنطقة وهي تعتقد أن أميركا تريد استخدام تركيا كرأس حربة في المواجهة ضد سورية وإيران، وهذا يتوافق مع التصريح الأميركي الذي صدر بالأمس والذي وصف تركيا بأنها الشريك الأبرز لأميركا فيما يتعلق بتطورات المنطقة العربية، وهو تصريح ذو دلالة بارزة وسلبية جدا بالنسبة لدول الممانعة.

ما يجري الآن من حملة تلميع إعلامي لأردوغان هو على الأغلب تمهيد لتصعيد كبير ضد سورية وإيران تكون تركيا رأس الحربة فيه. التصعيد المستمر الذي تقوم به الولايات المتحدة ضد سورية لا يمكن تفسيره إلا على أنه سعي من الولايات المتحدة لإشعال المنطقة عسكريا. يبدو أن الولايات المتحدة تريد أن تتكفل تركيا بسورية بينما تتكفل هي ودول الخليج بإيران.

أجواء المنطقة هي أجواء حرب. التصعيد الأميركي الجنوني والذي لا يوجد له أفق واضح لن يؤدي إلا إلى حرب. بعض المحللين يعتقدون أن التصعيد الأميركي مرتبط بقضية بقاء القوات الأميركية في العراق. هم يعتقدون أن أميركا تصعد وتهول وترمي بكل أوراقها لإجبار دول الممانعة على السماح لها بالبقاء في العراق. هذه نظرية وجيهة جدا وسنكتشف مدى صحتها عندما يحين موعد الانسحاب النهائي للقوات الأميركية من العراق نهاية الشهر الحالي.

قضية العراق هي بالفعل قضية جوهرية وهي أهم قضية بالنسبة للولايات المتحدة في المنطقة، وبالتالي فالضغط الأميركي الهائل على سورية هو على الأغلب مرتبط برغبة أميركا بالبقاء في العراق. انسحاب الولايات المتحدة من العراق معناه انسحابها من المنطقة وذلك لأسباب تحدثت عنها سابقا. انسحاب الولايات المتحدة من العراق يعني أن إيران ستمتلك حدودا برية مع إسرائيل ودول الخليج. إذا قامت حرب بين سورية وإسرائيل في نهاية العام مثلا فلن يكون هناك ما يمنع إيران من إرسال مئات آلاف الجنود عبر العراق إلى سورية للقتال ضد إسرائيل، وفي حال تم استهداف إيران من القواعد الأميركية في الخليج فلن يكون هناك ما يمنع إيران من إرسال مئات آلاف القوات البرية إلى دول الخليج.

هذا السيناريو هو الكابوس الأميركي، ولذلك فالضغط الأميركي الشديد على سورية حاليا هو أمر غير مستغرب.

ولكن ماذا لو انتهى شهر أيلول وانسحبت الولايات المتحدة من العراق بالفعل؟ هل سوف تسلم الولايات المتحدة بالقضاء والقدر وتتقبل هزيمتها؟

لا أظن ذلك، وما نخشاه هو أن أميركا سوف تستخدم المعتوه أردوغان كما استخدمت صدام حسين في 1980 و1990.

على ما يبدو فإن أميركا تحاول إغراء أردوغان لكي يتدخل عسكريا في سورية وهي توهمه بأنها ستتكفل مع دول الخليج بإيران وبالتالي فلا داعي للقلق من التدخل الإيراني ضد تركيا.

قبل فترة صرح ساركوزي بأن إيران قد تتعرض لضربة عسكرية مباغتة، وبالتالي فسيناريو الحرب الشاملة ربما يكون مطروحا بالفعل في أجندة الغربيين. طبعا الأوضاع الاقتصادية في الغرب لا تساعد حاليا على خوض حرب شاملة، ولكن ربما يكون تفكير الغربيين هو أنهم سوف يحاولون النأي بنفسهم عن التدخل المباشر في الحرب وسيتركون دول المنطقة تتصارع فيما بينها، وبالتالي فهم سيكونون رابحين في هكذا حالة من بيع السلاح لحلفائهم (تركيا ودول الخليج) ومن عمليات إعادة الإعمار بعد الحرب.

سيناريو الحرب السنية-الشيعية هو سيناريو مثالي بالنسبة للغرب لأنه سيدمر القدرات العسكرية لدول المنطقة المعادية للغرب وفي نفس الوقت سوف يتيح للغرب امتصاص عوائد الثروة النفطية في المنطقة عبر تصدير السلاح ومشاريع إعادة الإعمار. وبالتالي ليس من المستغرب أن نرى الدول الغربية تدفع باتجاه تصعيد التوتر في المنطقة.

دول الخليج لن تستفيد شيئا من هكذا سيناريو، ولكن دول الخليج ليست بدول أصلا وهي لا تملك سياسة مستقلة حتى تقرر أين هي مصلحتها. المشكلة هي في تركيا وتحديدا في المعتوه أردوغان الذي ربما يسير على خطى صدام حسين ويشعل هذه الحرب الجنونية في المنطقة متأثرا بالوعود الأميركية الخلابة.

روسيا على ما يبدو تفهم جيدا ماذا يجري في المنطقة، ومن هنا تأتي مواقفها المتعنتة ورفضها لأي تصعيد ضد سورية وإيران. روسيا أعلنت قبل يومين أنها سوف تبحث عن “حل إيجابي” لقضية تسليم صواريخ S-300 إلى إيران. تلميح روسيا إلى أنها قد تسلم صواريخ S-300 إلى إيران هو ربما يكون رسالة إلى تركيا وبقية حلفاء أميركا تقول لهم بأن الحرب لن تكون بالسهولة التي توهمكم بها أميركا. وكانت هناك رسالة مماثلة في الأسبوع الماضي عندما نشرت وسائل إعلام روسية خبر زيارة وفد عسكري سوري إلى روسيا واهتمام الوفد بالحصول على صواريخ مضادة للطيران من طرازات مختلفة.

أيضا النبرة الصينية العالية ضد أميركا مؤخرا توحي برفض الصين لمخطط الفوضى الخلاقة الذي تسعى له أميركا في المنطقة، خاصة وأن الصين اتهمت أميركا على نحو غير مباشر بأنها تسعى للتصعيد في منطقة الشرق الأوسط.

في حال كانت هناك نية حقيقية لدى تركيا لخوض مواجهة عسكرية ضد سورية وإيران (وهو أمر غير مؤكد حتى الآن) فعندها سيكون لزاما على سورية وإيران أن تأخذا زمام المبادرة للهجوم في أسرع وقت ممكن، لأن الهجوم والحرب الاستباقية هما دوما خير وسيلة للدفاع. الهجوم السوري-الإيراني لن يكون طبعا ضد تركيا وإنما ضد إسرائيل. الفيتو الأميركي المرتقب ضد الدولة الفلسطينية وانهيار عملية السلام سيخلق مناخا متوترا جدا في المنطقة وسيترك أميركا وحلفاءها في موضع انكشاف سياسي، كما أن الانسحاب الأميركي من العراق سيترك أميركا وحلفاءها في موضع انكشاف عسكري، وبالتالي فربما تكون نهاية الشهر الحالي هي بداية العد العكسي لانطلاق الحرب؟ هذا يعتمد على موقف أميركا وحلفائها؛ إن استمروا بالتصعيد بعد أيلول فعندها ستكون الحرب على ما أعتقد مسالة وقت فقط، وسيكون المبادر إليها هو سورية وعلى نحو مفاجئ. اللهم إلا إذا كانت لدى أميركا وإسرائيل مفاجآت أخرى. شهر أيلول هو تقليديا الشهر المفضل لشن الحروب بالنسبة لأميركا وإسرائيل وبالتالي ربما تقدم أميركا على إشعال المنطقة قبل نهاية أيلول وقبل أن يكتمل انسحابها من العراق.

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s