لا رئاسة مدى الحياة؟

Posted: سبتمبر 13, 2011 in سياسة
هل يقتدي الرئيس الأسد بفلاديمر بوتين ويتخلى عن السلطة حفاظا على النظام؟



نشرت صحيفة الوطن السورية خلال اليومين الماضيين بعض مطالبات من شاركوا في حوار المحافظات، وكانت المطالبة الأبرز حسب الصحيفة هي مطالبة البعض بتحديد مدة الرئاسة بفترتين رئاسيتين (أي وضع حد لحكم الرئيس الأسد).

قضية تغيير الرئيس هي قضية جوهرية لدى كثير من المعارضين (خاصة الشباب)، لأنهم يعتقدون أن تغيير الرئيس سيؤدي لانقلاب جذري وفجائي في الواقع السوري. أيضا لا ننسى تأثير الإعلام الأميركي الذي يقنع كثيرا من الناس بأن تغير الرئيس كل بضعة سنوات هو جوهر الحضارة والتقدم وأنه الحل السحري لكافة المشاكل وكفيل بوضع المن والسلوى على موائد المواطنين.

أميركا تحرص على تبدل الرؤساء كل بضعة سنوات ليس حبا منها بـ”الديمقراطية” ولكن لأن هذا يمنحها الفرصة لاختراق الدول الأخرى والسيطرة على سياساتها. لو نظرنا إلى لبنان مثلا لوجدنا أن أميركا أنفقت منذ التسعينات حتى الآن مليارات الدولارات (سواء بشكل مباشر أو عبر أتباعها وخاصة السعودية) بهدف تغيير الرأي العام السياسي وتوجيهه بما يتوافق مع مصالحها.

في عقد الثمانينات كان هناك صراع مرير في لبنان بين أميركا وأتباعها من جهة وبين قوى الممانعة من جهة أخرى، ووصل الصراع إلى حد أن قام حلف الناتو بإرسال قوات عسكرية إلى لبنان في عام 1982 لحماية مشروع أمين الجميل (رجل أميركا في ذلك الوقت) المتمثل في اتفاقية 17 أيار 1983، وهي اتفاقية كانت تهدف إلى أخذ لبنان إلى معسكر دول الاعتدال وتحويله إلى أردن جديد.

في النهاية هزم هذا المشروع وفرت قوات الناتو بدون قيد أو شرط، والسبب الرئيسي في هذه الهزيمة لم يكن سورية وإيران بقدر ما كان تضحيات الشعب اللبناني نفسه الذي كان قسم كبير منه يرفض مشروع 17 أيار. هزيمة أميركا وفرارها من لبنان في عام 1986 فتحت الطريق أمام اتفاق الطائف، والذي كرس تماما الهزيمة الأميركية في لبنان.

رفيق الحريري الذي بدأ منذ الثمانينات في إنفاق الأموال السعودية على اللبنانيين (وخاصة السنة) نجح في تحقيق ما عجز عن تحقيقه الغزو الإسرائيلي وحلف الناتو، حيث أنه نجح في أخذ معظم السنة اللبنانيين إلى معسكر الاعتدال، ومن يتابع أدبيات أتباع الحريري يجد أنهم يعتبرون بشير الجميل وأمين الجميل أبطالا استقلاليين ويخطئّون أسلافهم السنة الذين تصدوا للغزو الإسرائيلي ومشروع 17 أيار. هذا المثال يظهر كم أن المال يؤثر في السياسة وكيف أنه قادر على تغيير الهوية السياسية لشعب بأكمله. طبعا رفيق الحريري وأميركا استغلوا أخطاء سورية في لبنان، ولكن الأخطاء لوحدها لا تبرر الانقلاب الجذري الذي حصل في الرأي العام السني في لبنان.

بعد خروج الجيش السوري من لبنان في عام 2005 أنفقت أموال طائلة لدعم المعسكر السياسي الموالي للغرب (14 آذار)، ولقد اعترف جيفري فيلتمان علنا بأن أميركا أنفقت نصف مليار دولار في لبنان لتشويه صورة حزب الله، فما بالك بما أنفقته السعودية مثلا؟

لبنان ليس هو البلد الوحيد الذي نجحت الولايات المتحدة في اختراقه سياسيا، بل هناك أمثلة كثيرة ولعل أهمها في عالمنا المعاصر هو المثال الياباني، حيث أن الولايات المتحدة تمكنت عبر احتلالها وهيمنتها على اليابان من مسخ هوية الشعب الياباني (الذي كان قبل الحرب العالمية الثانية يعتز بهويته القومية إلى حد الفاشية والعنصرية) وحولته إلى شعب قنوع جدا ومجرد تابع مخلص للولايات المتحدة، وهذا هو النموذج الذي تطمح الولايات المتحدة إلى تعميمه على كل دول العالم.

الولايات المتحدة لا تملك الموارد البشرية الكافية لغزو العالم عسكريا، لأن عدد سكانها هو 300 مليون فقط بينما عدد سكان العالم هو 6 مليارات. الولايات المتحدة حاولت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية أن تتوسع عسكريا ولكنها فشلت في تحقيق ذلك في كل من كوريا الشمالية وفيتنام، ولذلك تخلت عن منطق الاستعمار العسكري وركزت على أسلوب جديد هو الاستعمار الفكري والثقافي الذي يهدف لإقناع الشعوب بأن أميركا هي قوة الخير الأبدية في العالم ولذلك يجب على الجميع أن يسمعوا لها ويطيعوا ويحكموها في شؤونهم كبيرها وصغيرها، وهي نجحت في تحقيق ذلك إلى حد كبير.

لهذه الأسباب نرى حرص الولايات المتحدة الشديد على “الديمقراطية” والتغيير الدوري للرؤساء في دول العالم، وخاصة في الدول الممانعة للهيمنة الأميركية كروسيا وإيران وسورية. بقاء الرئيس الأسد مدى الحياة هو عقبة كبيرة أمام الاختراق الأميركي السياسي لسورية، وأما “الانفتاح السياسي” والتغير الدوري للرؤساء فهو سيفتح المجال واسعا أمام أميركا وأتباعها للتدخل في السياسة السورية وتوجيهها بما يخدم مصالحهم عبر إنفاق الأموال وشراء الذمم والتأثير على الرأي العام وتطبيق سياسة فرق تسد التي تم تطبيقها في دول أخرى، كالعراق مثلا الذي قامت السعودية وأميركا بإيجاد استقطاب طائفي حاد فيه بين السنة والشيعة بهدف منع العراق من التقارب مع إيران، وأيضا في لبنان تم تطبيق نفس السياسة بهدف محاصرة حزب الله، وحاليا يتم العمل على تطبيقها في سورية لعزل النظام السوري عن قسم كبير من مجتمعه.

تاريخ سورية يشهد على أحداث كثيرة تدخلت فيها القوى الخارجية وأحبطت مشاريع قومية كانت ستغير وجه المنطقة، ومن ذلك مثلا تدخل مصر والسعودية في الأربعينات وتحريضهما للنخبة الحاكمة الدمشقية على إحباط مشروع الوحدة بين سورية والعراق، والذي لو تحقق لكان تاريخ المنطق كله اختلف. أيضا تدخل السعودية والأردن وغيرهما لعب دورا جوهريا في إنهاء الوحدة بين سورية ومصر في عام 1961، حيث أن هذه الدول قامت بتحريض الطبقة البرجوازية الدمشقية (الرجعية) على الانقلاب على الوحدة مع مصر وإفشالها، وهو ما دفع كل من البلدين ثمنه غاليا فيما بعد.

ليس قصدي مما سبق الترويج ضد الديمقراطية، ولكن قصدي هو تبيان سبب حرص الولايات المتحدة وأتباعها على نشر “الديمقراطية” في العالم.

الديمقراطية المطبقة في الولايات المتحدة هي ديمقراطية قومية بامتياز، حيث أن النظام السياسي الأميركي يسمح بتداول المناصب القيادية في الدولة بشكل دوري، ولكن هذا التداول لا يؤثر أبدا على المصالح القومية الأميركية ولا على مبادئ السياسة الخارجية. السياسة القومية الأميركية هي سياسة ثابتة لا تتغير بتغير الحكومات، ومن يرسم هذه السياسة هي النخبة السياسية والمالية والثقافية في المجتمع الأميركي التي لا تسمح بأن يصل إلى السلطة أي تيار أو توجه يتعارض مع سياستهم المرسومة والمحددة منذ زمن “الآباء المؤسسين”.

الآباء المؤسسون للولايات المتحدة، وهم كانوا نخبة قومية علمانية، أوجدوا نظاما سياسيا محكما يجمع بين تداول السلطة وبين منع عامة الناس (الغوغاء) من التأثير على سياسات الدولة الاستراتيجية بشكل سلبي. أين لسورية مثل هذا النظام السياسي؟ وهل من الممكن أصلا أن يتم إقامة هكذا نظام سياسي في سورية؟

حتى لو كانت الإجابة هي نعم (وهي نظريا نعم لأن الشعب السوري هو شعب بشري مثل الشعب الأميركي) فإن المؤكد هو أن الوصول للديمقراطية القومية (الديمقراطية الوطنية) في سورية هو مسألة لا يمكن أن تتحقق بين يوم وليلة وإنما هي بحاجة لمرحلة انتقالية طويلة تمتد لعقود.

شكل المرحلة الانتقالية؟

الإصلاح المطلوب في سورية هو إصلاح يحافظ على المبادئ القومية العلمانية للدولة السورية. أي إصلاح خارج إطار القومية والعلمانية هو إصلاح أميركي استعماري، وهذا هو جوهر الصراع الحقيقي في المنطقة. الصراع في المنطقة الآن هو بين الثقافة الأميركية (التفتت الطائفي والتبعية لأميركا) وبين الثقافة القومية الوحدوية الاستقلالية.

هل سيشمل الإصلاح في المرحلة الانتقالية وضع حد لحكم الرئيس بشار الأسد كما نقلت صحيفة الوطن عن المعارضين الذين طالبوا بإنهاء الرئاسة مدى الحياة؟

تبديل الرئيس كل بضعة سنوات هو أمر له فوائده، ولكن ليس في الحالة السورية. الوضع السوري الحالي لا يحتمل خروج الرئيس الأسد من الحكم ولا تداول السلطة كل بضعة سنوات كما هو مطبق في الدول الغربية، وذلك لأسباب معروفة لمعظم السوريين ولقد تحدثت عنها سابقا في هذ المدونة.

من يطالب بتنحي الرئيس الأسد الآن هو لا يطالب بمجرد تبديل شخص الرئيس الأسد، ولا حتى تبديل النظام السياسي السوري، وإنما يطالب بتبديل الدولة السورية بكاملها. لهذا السبب فإن غالبية الشعب السوري ترفض هذا الطرح، لأن الناس بالفطرة يتمسكون بكيان الدولة ولا يطالب بهدم الدولة إلا أرعن أو شاب جاهل (أو مستعمر حاقد كالولايات المتحدة).

لو كانت القضية مجرد استقالة الرئيس الأسد لما كان هذا الأمر مشكلة كبيرة، ولكن الموضوع هو أعمق بكثير من شخص الرئيس الأسد وهو يتعلق بدولة بكاملها، بل هو حتى أعمق من ذلك ويتعلق بشعب.

ولكن كون تنحي الرئيس الأسد خيارا غير متاح حاليا لا يعني بقاء الرئيس الأسد في السلطة إلى الأبد. قضية الرئاسة مدى الحياة وتوريثها للأبناء هي قضية من الصعب أن تتماشى ومصلحة سورية في هذا الزمن لأن العالم حاليا محكوم عموما بالثقافة الأميركية والغربية وهذه الثقافة تشيطن فكرة الحكم مدى الحياة وتصور من ينتهجها بأقبح الصور (وذلك لأسباب تحدثت عنها في الأعلى)، وبالتالي فبقاء شخص في سدة الحكم مدى الحياة سيكون أمرا مكلفا له ولدولته لأن أميركا ستستغل ذلك كسلاح إعلامي فتاك ضده وكذريعة للعدوان المستمر عليه، والأمثلة في العالم كثيرة.

لهذا السبب نجد أن روسيا مثلا قد طورت نظاما سياسيا ذكيا يقوم على مبدأ تداول السلطة على النمط الغربي مع إبقاء النظام عصيا على الاختراق الأميركي، وهذا النموذج هو في رأيي الأفضل عالميا والأكثر إيلاما للولايات المتحدة لأنه يجمع بين حماية المصالح القومية الروسية وسحب الذرائع الإعلامية الأميركية التي تتهم الممانعين بأنهم طغاة ومستبدون طامعون بالسلطة.

روسيا هي أكثر بلد جدير بأن تقتدي سورية بتجربته. النظام السوري القائم الآن هو شبيه هيكليا بالنظام السوفييتي السابق، وما تقوم به روسيا الآن من إصلاحات سياسية واقتصادية (ناجحة عموما) يجب أن يكون في رأيي نموذجا تحتذي به سورية في عملية الإصلاح القادمة.

هناك أيضا النموذج الصيني (والذي كان النظام السوري يحاول تقليده)، ولكن تطبيق النموذج الصيني في سورية يستلزم الإبقاء على نظام الحزب الواحد، والرئيس الأسد أعلن مرارا أنه يريد تعديل الدستور والخروج من نظام الحزب الواحد.

المشكلة الكبرى في سورية والتي تميزها عن الصين هي غياب ثقافة المواطنة في سورية. في الصين هناك إيمان عميق لدى الشعب بالدولة ومؤسساتها وهذا الإيمان يمنع النزعات الشخصية والإثنية والمناطقية الضيقة من السيطرة على عمل موظفي الدولة وتجيير هذه المؤسسات لمصلحة أشخاص أو عوائل أو مناطق أو إثنيات معينة، وبالتالي فالفساد في الصين قليل وليس كما هو عليه الحال في سورية. انتشار الفساد الحكومي في سورية وكونه ظاهرة عامة يعني أن تطبيق النموذج الصيني في سورية هو أمر صعب.

إذن السيناريو الأفضل بالنسبة لسورية في رأيي هو مرحلة انتقالية قصيرة نسبيا يقودها الرئيس الأسد توصلنا بعد ذلك إلى نموذج شبيه بالنموذج الروسي، أي دولة تجمع بين الشكل الديمقراطي الغربي وبين حماية المصالح القومية السورية.

لا شك أن الولايات المتحدة وأتباعها يخشون بقاء الرئيس الأسد وقيادته لمرحلة انتقالية تؤدي إلى نتيجة لا تناسب مصالحهم، ولذك نجد حاليا أن الرئيس الأسد يتعرض لضغوط شديدة جدا من قبل أميركا وأتباعها لمنعه من السير في عملية إصلاحية تبقي على كيان الدولة ومبادئها الحالية، وهي مبادئ لا تروق لأميركا وأتباعها.

ولكن السؤال هو عما ستوصل إليه المرحلة الانتقالية التي سيقودها الرئيس الأسد؟ في حال كانت فكرة “لا رئاسة مدى الحياة” ستطبق بالفعل (وهو أمر نشك فيه ولا نقطع في شأنه بشيء) فهذا يعني أن السيناريو الوحيد المطروح لسورية هو سيناريو شبيه بالسيناريو الروسي، فما هو مدى قابلية السيناريو الروسي للتطبيق في سورية؟

هل النظام السوري أوتوقراطي أم أوليغارخي؟

الفرق بين الأوتوقراطية (αὐτοκρατία) والأوليغارخية (ὀλιγαρχία) هو أن المصطلح الأول يطلق على الدولة التي يحكمها فرد واحد والثاني يطلق على الدولة التي يحكمها عدد قليل من الأفراد، فما هو المصطلح الأقرب للوضع السوري؟

النظام السوري يحرص دائما على إظهار الرئيس بشار الأسد بمظهر الحاكم الأوحد، وذلك يعود على ما أظن لاعتقاد النخبة الحاكمة بأن عدم وجود رأس واحد قوي للنظام سيتسبب في انهياره.

الولايات المتحدة كانت دائما تفترض أن الرئيس بشار ليس هو الحاكم المطلق، وهي بنت كل سياستها الأخيرة على أساس هذه الفرضية. أحد الأسباب التي دفعت الولايات المتحدة لسحب اعترافها بالرئيس بشار هو اعتقادها بأن ذلك سيدفع أفرادا من النخبة الحاكمة للانقلاب عليه.

الولايات المتحدة لا يهمها أن يحدث تغيير جذري في النظام السوري. السيناريو المفضل لدى الولايات المتحدة هو أن يحدث انقلاب من داخل النظام ويأتي شخص جديد (سيكون ضابطا علويا على الأغلب) ينفذ لها رغباتها المتعلقة بإيران وإسرائيل، ولهذا السبب على ما أظن قام الرئيس الأسد بتغيير وزير الدفاع (المرشح الأول لقيادة انقلاب) ووضع ضابطا مسيحيا على رأس المؤسسة العسكرية، وذلك في إشارة تحد وتعجيز لأميركا وحلفائها الإسلاميين تقول لهم (في أحد معانيها) أنكم إذا أردتم أن ينقلب الجيش علي فعليكم أن تقبلوا بضابط مسيحي على رأس الدولة، فهل تقبلون بذلك؟ والجواب طبعا هو مؤلم بالنسبة للإسلاميين، وعلى العموم فالضابط المسيحي لن يفكر أصلا في الانقلاب على الرئيس الأسد ولن يسمح بحدوث أي انقلاب من داخل الجيش لأنه يعلم أنه شخصيا لن يكون له مستقبل في النظام الجديد، وبذلك يكون الرئيس الأسد عمليا قد حيد الجيش وفي نفس الوقت كسب مزيدا من ولاء المسيحيين في سورية له، وهو ما أثار غضب أميركا التي خسرت عمليا رهانها على أن يستلم الجيش السلطة بدلا من الرئيس الأسد. الولايات المتحدة تراهن الآن على السيناريو البديل وهو أن تؤدي العقوبات الاقتصادية والضغط المستمر إلى تحلل مؤسسات الدولة السورية وانهيارها، وهذا السيناريو لا يتعارض مع مصالح الولايات المتحدة رغم أنه أخطر من السيناريو السابق لأن الفوضى في سورية ستصيب بشظاياها حلفاء أميركا في المنطقة.

هل من الممكن مأسسة النخبة الحاكمة؟

من يحكم سورية نظريا هو حزب البعث العربي الاشتراكي، ولكن ما يقال بين الناس هو أن الحاكم الفعلي لسورية هو الأجهزة الأمنية التي تسيطر على كل مفاصل الدولة والحياة العامة.

الرئيس الأسد وعد بتغيير أسلوب عمل الأجهزة الأمنية وتخفيف احتكاكها بالمواطنين، وهذا أمر ممتاز ولكنه لا يجيب عن السؤال المهم وهو عن مدى قدرة هذه الأجهزة على حماية النظام السياسي في حال كانت هناك نية لتنحي الرئيس الأسد مستقبلا عن السلطة (سواء في عام 2014 أو 2021). تنحي الرئيس الأسد عن السلطة يعني أن الأجهزة الأمنية الملزمة بحماية الدستور والمصالح القومية للبلاد ستبقى بدون رأس، فهل هي مهيأة لأن تعمل بدون رأس؟

إذا كان النظام السوري أوليغارخيا بالفعل فهذا يعني أنه من الناحية النظرية قابل لأن يعمل بدون رأس (أو بالأحرى برأس متبدل)، ولكنه بحاجة لمأسسة سليمة لكي ينجح في ذلك.

إذا كانت عقيدة الأجهزة الأمنية هي الولاء المطلق لشخص الرئيس الأسد فقط فهذه مشكلة لأن ذلك يعني أن النظام السوري سوف ينهار بكامله بمجرد تنحي الرئيس الأسد، وهو ما لا يتوافق مع قاعدة “لا رئاسة مدى الحياة” ومع مبدأ مأسسة الدولة عموما.

في حال كانت هناك نية لرحيل الرئيس الأسد مستقبلا فهذا يستلزم من الرئيس الأسد أن يقوم خلال المرحلة الانتقالية القادمة بعملية مأسسة قوية للأجهزة الأمنية تؤهلها للاستمرار في حماية النظام من بعده. المأسسة تعني أن ولاء الأجهزة الأمنية يجب أن يتحول من الولاء لشخص الرئيس الأسد إلى الولاء للدستور (القائم على القومية والعلمانية)، ويجب أن تكون هناك أنظمة وقوانين واضحة لهذه الأجهزة تحدد كيفية تداول مناصبها وحدود صلاحياتها ومسؤولياتها بحيث لا تنشأ أية خلافات أو صراعات داخلها أو فيما بينها.

الأجهزة الأمنية لن تتخلى عن دورها، بل هي ستظل موجودة وبنفس عناصرها الحاليين وبنفس أهدافها العامة، ولكن ما سيتغير هو أساليب عملها بحيث يقل احتكاكها المباشر مع المواطنين، وهيكليتها وأنظمتها بحيث تصبح مؤسسات مستقلة قادرة على العمل بدون رأس (بدون وجود الرئيس الأسد). هذا الأمر ليس مستحيلا على ما أعتقد بل هو ممكن جدا، لأن الأجهزة الأمنية لن تتخلى عن أي شيء من سطوتها ونفوذها الحاليين ولكن أساليب عملها ستتغير إلى أساليب أكثر حضارية، وأما بالنسبة للمعارضة الشعبية لها فهي من المفترض أن تزول أو تخف إذا ما تم التوصل إلى اتفاق شامل مع المعارضة (الوطنية) ينص على تداول المناصب الحكومية بشكل ديمقراطي مقابل الالتزام بمبادئ الدستور وخاصة القومية والعلمانية.

أي أن الهدف من هذا السيناريو باختصار هو تحويل النظام السوري الحالي من نظام أمني-سياسي-اجتماعي-اقتصادي (أي من نظام شمولي) إلى نظام أمني-دستوري بحت لا يتدخل في مناحي الدولة الأخرى، بمعنى أن تنسحب النخبة الحاكمة الحالية إلى الاهتمام بالأمن وحماية الدستور فقط، وأما المناصب السياسية وباقي شؤون الدولة والمجتمع فيجب ألا تتدخل فيها إلا في إطار تطبيق الدستور والقانون.

هذا السيناريو من وجهة نظري المتواضعة هو الأفضل لسورية لأنه يحقق مصلحة غالبية الشعب السوري ولا يزعج إلا أميركا وحلفاءها.

ما حقيقة تسليم تركيا للضباط المنشقين إلى سورية؟

زعمت قناة العربية أن تركيا تسلم الضباط السوريين المنشقين إلى سورية، فهل هناك حقيقة في هذا؟

على الأغلب لا؛ لأنه لا يوجد ما يدل على تحسن في العلاقات بين سورية وتركيا، بل على العكس ما يظهر هو التوجه نحو مزيد من التصعيد من جانب تركيا، خاصة وأن تركيا وأميركا هما على وشك إعلان “مجلس انتقالي سوري” في اسطنبول قريبا، وهناك إشارات تدل على أن أردوغان يحاول تسليح المتمردين السوريين (وذلك يتفق مع قوله لبشار من على قناة الجزيرة أنك لن ترحل إلا بالدم).

أظن أن الإشاعات التي يطلقها المتمردون عن تسليم تركيا لضباط منشقين إلى سورية هي ببساطة تعود إلى إحباطهم من اعتقال الجيش السوري لهؤلاء الضباط. الضابط “الهرموش” الذي أثير لغط كبير حول اعتقاله اعتقل في جبل الزاوية بعد معركة مع القوى الأمنية السورية (وبعد تقارير تحدثت عن قرب إعلان تحرير هذه المنطقة من النظام السوري)، وبالتالي فاعتقاله كان نجاحا أمنيا كبيرا للسلطات السورية وضربة للأجهزة الأمنية التركية التي هي ربما ترعى الهرموش وأمثاله.

هذه النجاحات الأمنية التي يعلن عنها النظام السوري مؤخرا تعود على ما أظن إلى انحسار قوة التمرد بفعل الاستنزاف والضغط الأمني ولا دخل لها بتواطئ تركي أو بغيره. مقابلة أردوغان مع الجزيرة لم تظهر أبدا أنه متواطئ.

العربية والجزيرة وتكرار الصور القديمة

اللافت في اليومين الماضيين كثرة تكرار مقاطع الفيديو القديمة على شاشتي العربية والجزيرة تحت ذرائع مختلفة، فما هو السر في ذلك؟

السر ببساطة هو أن هناك تراجعا كبيرا وحادا في عدد ونوعية مقاطع الفيديو الخارجة من سورية مؤخرا. المتمردون أشاعوا في الآونة الأخيرة معلومات تتحدث عن وصول أجهزة تشويش حديثة إلى السلطات السورية تمنعهم من بث الصور، وهذا في رأيي كلام فارغ. التفسير المنطقي لتراجع عدد مقاطع الفيديو هو أن التمرد في سورية عموما هو في حالة انحسار كبير، وفي الأسابيع الأخيرة بات من الواضح أن من تبقى من المتمردين يجنحون نحو العمل المسلح بشكل أكبر من السابق، والعمل المسلح لا تظهر صوره على قناتي العربية والجزيرة.

مسؤولوا الإخوان المسلمين والنفاق

استعمت بالأمس مجددا إلى أحد مسؤولي الإخوان المسلمين على قناة الجزيرة وهو يدعي أن جماعته لا تمانع وصول مسيحي إلى الحكم في حال اختار الشعب ذلك، والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا إذن تعارض جماعة الإخوان المسلمين بشدة حذف المادة الثالثة من الدستور السوري؟!

جماعة الإخوان المسلمين حملت السلاح في السابق دفاعا عن هذه المادة التي يدعي مسؤولوا الإخوان الآن عدم تمسكهم بها. الإخوان المسلمون هي جماعة تتقن النفاق والتقية بشكل عجيب. في مرة من المرات استمعت إلى علي البيانوني وهو يتحدث عن المواطنة، وسررت بكلامه لأنني أحسست أنه علماني أكثر من بشار الأسد، ولكن جاءت المفاجأة في نهاية كلامه عندما زعم بأن ما يقوله هو نفس معتقدات مصطفى السباعي مؤسس جماعة الإخوان!

من يقرأ تاريخ مصطفى السباعي ومروان حديد وأمثالهما يعلم أنهم كانوا أبعد الناس عن فكر المواطنة، والغريب هو تمسك منتسبي جماعة الإخوان بالدفاع عنهم والزعم في نفس الوقت بأنهم مع المواطنة وضد الطائفية، وهو أمر لا يستقيم أبدا ولا يمكن فهمه إلا على أنه نفاق.

عدنان سعد الدين. أحد مؤسسي جماعة الإخوان المسلمين السورية ومراقبها العام في السبعينات ومن كبار رجالاتها ومفكريها. من أقواله المأثورة: إن سورية لا تتسع لكلينا السنة والنصيرية إما نحن وإما هم (المصدر: علي الأحمد العضو السابق في جماعة الإخوان المسلمين السورية وأحد كبار معارضي النظام السوري)


أظن أن أصدق ما يعبر عن فكر الإخوان المسلمين الحقيقي (بشكله الذي نجده في كتب التاريخ) هو مقالات علي الأحمد (الذي يتبرأ منه الإخوان الآن بعد أن فضحهم). علي الأحمد يعتبر النظام السوري نظاما باطنيا قرمطيا نصيريا ويطالب السنة في سورية بالانتقام من العلويين وتطهير جبال العلويين منهم لأنهم مسؤولون عن جرائم النظام ومتواطئون فيها، ومقالاته بهذا المعنى موجودة على الإنترنت. الأجمل من مقالاته هو ما كشفه عن معتقدات عدنان سعد الدين زعيم جماعة الإخوان في السبعينات والذي قال بأن سورية لا تتسع للسنة والنصيريين معا، ناهيك عما نشره من مذكرات لمنتسبي جماعة الإخوان يتفاخرون فيها بأعمال القتل والإرهاب التي قاموا بها في السبعينات والثمانينات بوصفها جهادا ضد النصيرية الباطنية. هذا هو الفكر الحقيقي لجماعة الإخوان.

الغريب هو أن الرئيس بشار الأسد قال مؤخرا أنه متمسك بالمادة الثالثة من الدستور السوري، بينما بالأمس قال المتحدث باسم الإخوان أن جماعته لا تمانع وصول مسيحي للرئاسة إذا اختاره الشعب. إذن يبدو أن جماعة الإخوان صارت علمانية أكثر من حزب البعث، أو ربما حزب البعث صار إسلاميا أكثر من الإخوان؟ أو ربما الاثنان منافقان أكثر من بعض؟

المهرجان الإخواني بدأ

كما توقعنا بدأ الإخوان المسلمون وإعلامهم في النفخ والتطبيل والتزمير لأردوغان واستعراضاته، فما أن أعلن أردوغان عن زيارته لمصر حتى ارتفعت أصوات الإخوان المسلمين تشبهه بالسلطان العثماني وتطالب بإعادة الخلافة الإسلامية، ولا أدري ما هي علاقة زيارة أردوغان لمصر بالخلافة الإسلامية؟ وهل عودة الخلافة الإسلامية مرتبطة بموافقة الخليفة على نشر رادارات حلف الناتو على أراضيه أم ماذا؟

اليوم نشرت صحيفة القدس العربي افتتاحية بعنوان ” السلطان العثماني في قاهرة المعز”، وهذا أول الغيث فقط والآتي أعظم، خاصة وأن أردوغان يعتزم زيارة غزة وبعد ذلك سوف يرسل سفنه الحربية إلى غزة لكي تمنحه أميركا شرف الظهور بمظهر من هزم إسرائيل وكسر الحصار المفروض على غزة بالقوة، وهو ما سيترك تبعات وخيمة على الوضع السوري بالذات. أنا شبه متأكد من أن هذه الاستعراضات الأردوغانية تستهدف الوضع السوري دون غيره، لأن أميركا ليس من مصلحتها إشعال مشاعر الخلافة الإسلامية في مصر أو الأردن أو فلسطين أو تركيا، وليس من مصلحتها حصول مواجهة بين تركيا وإسرائيل، ولكن مصلحتها الوحيدة والأكيدة هي إشعال مشاعر الخلافة الإسلامية في سورية لكي تطيح بالنظام السوري.

تعليقات
  1. hassan يقول :

    يا اخي انا بدي السيد الرئيس الى الابد لا بدي روسيا ولاالصين ولاامريكا ولا اليابان ولا اي دولة بالعالم تنظر علينا مشكلتنا عندنا مو عندهن نحارب هالفساد والرشاوي والمحسوبيات ونحنا بالف خير من الله انا ماعندي مشكلة مع الامن ولا مع الشرطة مشكلتنا مع اناس موظفين متكبرين وساعطيك مثال صرلي 22 سنة مسجل على خط هاتف بالله عليك مو حرام راح اكثر من نص عمري بهل الحلم العظيم اشو هالاختراع هاد بتحكي مع الموظف كانو عميحكي مع دبانة حاجتنا نغوص بشؤون غيرنا وننسى حالنا ياخي اكلنا هم العراق ولبنان وفلسطين والامة العربية من المحيط الى الخليج وما حدا اكل همنا خلينا نشتغل لبلدنا وما بدنا حدا والله احلى بلد بالعالم بس بدنا موظفين شرفاء يخدمو هالمواطن يلي تحمل عقوبات وحصار لو وزع على دول العالم لنهارت منو الله يحمي هالبلد وترجع ايام الامن والامان ونعيش حياتنا بمحبة ووئام

    • Hani يقول :

      أخي كلامك يذكرني بكلام الانعزاليين… سورية ليست معزولة عن العالم بل هي تعيش وسط غابة من الصراعات والنزاعات… لو نسينا الدول الأخرى فهل لن تنسانا بل ستهجم علينا وتفعل بنا كما فعلت بلبنان والعراق وغيره… أم لم تر ماذا فعل الفكر الانعزالي بلبنان؟… لا يمكن لسورية أن تجلس وتنتظر الآخرين حتى يهجموا عليها بل يجب أن نكون دائما يقظين ومبادرين للهجوم لأن الهجوم هو خير وسيلة للدفاع، والحرب على أرض الخصم هي دائما أفضل من الحرب على أرضنا… ولكن للأسف هذه المرة الحرب تدور على أرضنا ولذلك فنحن ندفع ثمنها غاليا… وبالنسبة للثروة الاقتصادية فهي لا يمكن أن تكون ثروة حقيقية ودائمة بدون قوة جيوسياسية تحميها… لا تغرك دول الخليج… هذه الدول يمكن أن تتحول إلى حطام في يوم وليلة… ألا تذكر ماذا حصل بالكويت عندما غزاها صدام؟… دول الخليج تعتمد على الحماية الأميركية وإذا زالت هذه الحماية (وهي ستزول حتما ولن تستمر للأبد) فعندها سترى أن كل العز الذي تعيشه دول الخليج سيتبخر بسرعة البرق… العالم هو عبارة عن غابة ومن لا يستطيع أن يحمي نفسه فهو سيزول إن عاجلا أم آجلا… لهذا السبب أنا أطالب بالوحدة العربية لأن الدول الصغيرة لا مستقبل لها في هذا العالم… سورية صغيرة جدا ولكي تصبح دولة مهمة لا بد لها أن تسعى جديا في الوحدة العربية، وخاصة مع العراق…

    • Hani يقول :

      المشكلة الكبرى في سورية هي أن الحكومة في واد والشعب في واد آخر… وهذه المشكلة يجب أن تحل في المرحلة القادمة حتى يصبح الشعب شريكا حقيقيا في إدارة الدولة…

  2. Middle East Press يقول :

    تم النشر في الموقع
    شكرا لك على المقال الجيد

  3. جد أخ هاني بيستاهل النشر… احترامي لهذا العرض الموضوعي الدقيق.

  4. بعثي سابق يقول :

    مقالك كان سيكون جميل جداً لو أنه كتب من حوالي عشر سنوات و أضيف إلى مناهج القومية التي يدرسها أبناؤنا في مدارس البعث ,

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s