الممانعة تحكم قبضتها على لبنان… وتهز مصر

Posted: سبتمبر 10, 2011 in مجتمع, تاريخ, دين, سياسة
بطريرك الموارنة الجديد… أول بطريرك منفتح منذ تأسيس الكنيسة المارونية؟


يعيش لبنان اليوم حالة استثنائية لم يشهدها سابقا في تاريخه منذ ما يزيد على ألف عام، فلأول مرة في تاريخ لبنان نجد أن هناك غالبية شعبية من مختلف الطوائف (بما في ذلك المارونية) تدعم الخط السياسي السوري أو العربي، وهي حالة غير مسبوقة حسب ما أعلم.

مفتي السنة في لبنان نأى بنفسه مؤخرا عن تيار الحريري وأصبح يتقارب مع نجيب ميقاتي (المحسوب على سورية) ومع حزب الله، وهذا تطور هام ويعبر عن توجه تيار لا يستهان به بين سنة لبنان. ليس كل السنة في لبنان مع الحريري، وكثير من جمهور الحريري بدأ يضيع منه لعدة أسباب أولها أزمته المالية وثانيها سياساته الرعناء التي تسعى لإحداث صدام بين السنة والشيعة.

الأهم من موقف السنة هو موقف الطائفة المعروفة تاريخيا بالعداء لمحيطها السوري والمشرقي ألا وهي الطائفة المارونية، وهي الطائفة التي كانت سبب وجود لبنان من الأساس. في الأيام الأخيرة أعلن بشارة الراعي بطريرك الموارنة الجديد في لبنان مواقف سياسية عميقة تؤيد الخط السوري أو الممانع، وهو أمر يحصل لأول مرة في تاريخ الكنيسة المارونية على ما أعتقد، مما يعد انقلابا استراتيجيا جذريا في موقف هذه الطائفة التي عرفت دائما بالانعزال والتقوقع والولاء للغرب.

الجمهور الماروني عموما كان قد بدأ ينبذ فكر الانعزال والتبعية للغرب منذ عقد الثمانينات. الموارنة عانوا خلال الحرب الأخيرة كثيرا من الويلات وفي النهاية لم يحققوا أيا من الأهداف التي خاضوا الحرب من أجلها، بل هم في الواقع خسروا كل شيء كانوا يتمسكون به. هذه الهزيمة القاسية التي تعرضوا لها (رغم استخدامهم لكل وسائل الصراع الممكنة بما في ذلك الاستعانة بالغرب وإسرائيل) أصابت قطاعا كبيرا منهم باليأس من إمكانية تحقيق حلم الانعزال، ولذلك بدؤوا يفكرون ببدائل أكثر واقعية.

ميشيل عون هو الزعيم السياسي الماروني الأبرز، وبشارة الراعي هو رأس الكنيسة المارونية. عندما يتفق هذان الرجلان على سياسة التعاون مع سورية فهذا يعني أن سياسة بشار الأسد (والتي هي أصلا سياسة والده حافظ الأسد) قد نجحت أخيرا وآتت أكلها.

حافظ وبشار الأسد ينتميان للمدرسة البعثية القومية، والمدرسة القومية هي نقيض المدرسة الانعزالية الطائفية التي بني على أساسها الكيان اللبناني. إن ما يحدث الآن هو أن أرباب النموذج اللبناني يعلنون فشل نموذجهم الانعزالي الطائفي وتبنيهم للنموذج البديل ألا وهو النموذج القومي.

الفكر القومي يعالج مسألة الطائفية بإزالة الفوارق والخلافات بين الطوائف والسعي لتحقيق مجتمع المواطنة الذي يعامل فيه كل مواطن على أساس مواطنته وليس على أساس طائفته. الوصول لتحقيق مجتمع المواطنة هو مسألة بحاجة لكثير من الجهد، ولكن ميزة سورية عن غيرها هي أنها على الأقل تسعى للتقدم في هذا المجال وليس الرجوع إلى الوراء.

ربما يكون أكثر ما يريح الموارنة في النموذج السوري هو وجود شخص من أقلية دينية (هي الأقلية العلوية) على رأس السلطة في سورية. هذا الأمر هو بمثابة ضمانة لهم على أن سورية تسعى بالفعل لأن تكون دولة مواطنة ولن تتجه نحو الشمولية الدينية التي يروج لها الإسلاميون والأميركان.

مصطلح “حلف الأقليات” الذي يروج له البعض في لبنان ربما يكون مناسبا للثقافة اللبنانية، ولكنني لا أظن أن لهذا المصطلح معنى في الثقافة السورية. في سورية لا توجد انقسامات طائفية بل انقسامات أيديولوجية. “الطائفة السنية” في سورية ليست مجتمعة على رأي واحد بل هي تشمل تيارات متعددة كالتيار الإسلامي الطائفي والتيار القومي (الذي هو تيار قوي في صفوف السنة وخاصة الطبقة الوسطى) وأيضا هناك التيار الليبرالي الأميركي الذي بدأ يظهر حديثا. ونفس الأمر ينطبق على باقي الطوائف حيث أنني لا أظن أن العلويين مثلا هم متفقون جميعا في السياسة ولكن ما يوحدهم حاليا هو الخوف من الخطر المشترك المتمثل بأميركا والإسلاميين، وهذا الخطر لا يهددهم وحدهم بل يهدد كل الأقليات ويهدد أيضا القوميين والعلمانيين.

بغض النظر عن كيفية فهم اللبنانيين للعلاقة مع سورية (سواء فهموها على أنها حلف أقليات أو على أنها سياسة تعاون قومي)، المهم هو النتيجة، والنتيجة هي أن لبنان يتجه نحو التخلي عن سياساته الانعزالية القديمة وعن التبعية للغرب، وهذا مكسب كبير لسورية وللممانعين عموما.

خروج الجيش السوري من لبنان في عام 2005 كان نعمة في زي نقمة… فهل تكون الأزمة الحالية في سورية كذلك؟

خروج الجيش السوري من لبنان في عام 2005، والذي أراد له مصمموه أن يكون كارثة تؤدي لانهيار سورية، أعطى تأثيرا معاكسا لم يكن مخططوا واشنطن يتصورونه.

اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب اللبنانية هو اتفاق يحفظ مصالح سورية بشكل كبير، فهو ينص على وحدة المسار والمصير بين لبنان وسورية وعلى تنسيق السياسة الخارجية والدفاعية بين البلدين، بل وهو ينص حتى على بقاء القوات السورية في البقاع اللبناني بدون تحديد سقف زمني لذلك. هذا الاتفاق لو تم تطبيقه بشكل سليم لكان جعل العلاقة بين البلدين أشبه بالوحدة الكونفدرالية، ولكن المؤسف هو أنه لم يطبق بشكل سليم، وبالتالي فهو أعطى نتيجة عكسية كادت أن تطيح بكل ما صمم الاتفاق من أجله.

الخطيئة الكبرى كانت بقاء الجيش السوري في بيروت وتحكمه بكل مفاصل الحياة السياسية والأمنية. الممارسات التي كان الجيش السوري يقوم بها في لبنان معظمها لم يكن ضروريا لأمن سورية، ولكن هذه الممارسات فتحت الباب أمام أعداء سورية لخلق مناخ شعبي معاد لها في لبنان وتحميلها مسؤولية كل المشاكل التي عانى منها هذا البلد.

خروج الجيش السوري من لبنان خدم سورية في أنه خفف من الشحن الشعبي المعادي لها، وبالتالي فالمناخ اللبناني بدأ يتغير تدريجيا من الاحتقان ضد سورية والولاء لأعدائها نحو التعامل الإيجابي معها. الموارنة الذين كانوا يسخرّون كل جهودهم عالميا لإيذاء سورية وتشويه صورتها أصبحوا الآن من أبرز الداعمين لها، وهذا ما ظهر بوضوح خلال الأزمة الأخيرة.

إذن خروج الجيش السوري من لبنان وحد البلدين، وأما وجود الجيش السوري في لبنان وممارساته التسلطية فهو كاد أن يحدث كارثة.

هل استفاد النظام السوري من هذا الدرس على الصعيد الداخلي السوري؟ نتمنى أن يستفيد منه في المرحلة المقبلة. كثير من السوريين محتقنون ضد النظام بسبب ممارسات الأجهزة الأمنية، فهل يعي النظام أن انسحاب الأجهزة الأمنية من حياة الناس ووقف تسلطها غير المبرر على رقابهم سيزيد من قوته ولن يضعفه؟

نتمنى أن تترجم وعود الرئيس الأسد إلى واقع وأن نرى تغييرات جذرية في أساليب عمل الأجهزة الأمنية وتعاملها مع المواطنين.

تاريخ المسيحية والكنيسة المارونية

الموارنة هم أصلا فرقة من الفرق المسيحية التي كانت تعيش في سورية البيزنطية قبيل الفتح الإسلامي. القديس مارون الذي تنسب إليه هذه الطائفة عاش في القرن الخامس في شمال سورية (في المنطقة الممتدة بين حلب وأنطاكية، وهذه المنطقة كانت في ذلك الوقت مركز الثقل السكاني والسياسي والثقافي لسورية)، ولكن أتباع مارون لم يتحولوا إلى فرقة منفصلة عن كنيسة الروم الأورثوذوكس (الكنيسة الرسمية للإمبراطورية البيزنطية) إلا قبيل الفتح الإسلامي في القرن السابع.

الديانة المسيحية ظهرت في القرن الأول الميلادي على يد شاؤول الطرسوسي (بولس الرسول أو القديس بولس، وهو يعتبر القديس الأول في المسيحية). بولس وضع أساسات عامة وخطوطا عريضة للديانة المسيحية في عظاته ورسائله التي أرسلها إلى بعض مدن الإمبراطورية الرومانية، ولكن بما أن الشيطان يكمن في التفاصيل فإن المسيحيين من بعده سرعان ما تفرقوا وانقسموا إلى طوائف وفرق عديدة، والسبب الأساسي للخلاف كان السؤال حول طبيعة المسيح الإلهية (اللاهوتية) وكيفية توفيقها مع حياته البشرية على الأرض.

صليب قسطنطين أصبح شعارا للإمبراطورية الرومانية بعد دخول قسطنطين الكبير في المسيحية في القرن الرابع. هذا الصليب مكون من حرفي Χρ  اليونانيين وهما أول حرفين من اسم المسيح باليونانية Χριστός (خريستوس)


المسيحية أصبحت ديانة رسمية للإمبراطورية الرومانية في عهد قسطنطين الكبير الذي تحول للمسيحية في القرن الرابع وبنى مدينة القسطنطينية لكي تكون بديلا عن روما كعاصمة للإمبراطورية. قسطنطين حاول أن يجمع كلمة المسيحيين على عقيدة واحدة فقام بعقد مجمع نيقية Nicaea في عام 325 والذي تم الاتفاق فيه على مبادئ العقيدة المسيحية الأورثوذوكسية (الأورثوذوكسية كلمة يونانية تعني القويمة أو الصحيحة). هذه العقيدة التي تم التوصل إليها في مجمع نيقية تسمى العقيدة النيقية Nicene Creed وهي كانت تهدف في الأساس للرد على عقيدة آريوس Arius (وهو رجل دين مسيحي ولد في ليبيا وتعلم في الإسكندرية) التي كانت المنافس الأبرز في ذلك الزمن للعقيدة النيقية. آريوس كان ينكر الطبيعة الإلهية (اللاهوتية) الأزلية للمسيح وكان يقول أن ألوهية المسيح نشأت من تبني الله (الأب) له بعد ولادته وليست ألوهية أزلية، لأن المسيح مولود وهذا أمر يتنافي مع الطبيعة الإلهية، أي أن ألوهية المسيح حسب عقيدة آريوس كانت ألوهية بالتبني وأما الطبيعة الذاتية للمسيح فهي تختلف عن طبيعة الله الأب. هذه العقيدة كانت منافسا قويا للعقيدة النيقية في القرن الرابع، ورغم أن الأباطرة الرومان حظروها وحاربوها لصالح العقيدة النيقية إلا أن عقيدة آريوس ظلت منتشرة بين القبائل الجرمانية في أوروبا الشرقية حتى القرن السادس.

التحدي التالي للعقيدة النيقية الأورثوذوكسية جاء من نسطور Nestorius، وهو رجل دين ولد في مدينة مرعش في سورية (حاليا في تركيا) وكان بطريركا للقسطنطينية في القرن الخامس. نسطور اتفق مع العقيدة النيقية في القول بأن للمسيح طبيعتين لاهوتية وناسوتية (بشرية) في وقت واحد، ولكنه قال بأن هاتين الطبيعتين مستقلتان من حيث الجوهر ولا يمكن اعتبارهما شخصا واحدا، وهذا يخالف العقيدة النيقية التي ترى بأن الطبيعتين اللاهوتية والناسوتية في المسيح مندمجتان في شخص واحد. العقيدة النسطورية انتشرت في أنحاء الإمبراطورية الرومانية الشرقية (البيزنطية) في القرن الخامس، وهو ما استدعى عقد مجمع إفسوس Ephesus في عام 431 والذي أعلن أن نسطور مهرطق وخلعه من منصبه. بعد هذا المجمع تعرض أتباع نسطور للاضطهاد فاضطروا للهرب نحو ما بين النهرين (الجزيرة والعراق) التي كانت تخضع لحكم الإمبراطورية الفارسية الساسانية، وهناك عاملهم الحكام الفرس بتسامح فأصبح لهم نفوذ جيد. هؤلاء النساطرة الذين فروا إلى ما بين النهرين هم أجداد المسيحيين السريان في العراق وخاصة أتباع الكنيسة النسطورية (التي تسمي نفسها الآن بالكنيسة الآشورية) والتي هي امتداد مباشرة للكنيسة النسطورية القديمة.

بعد النسطورية ظهرت فرقة جديدة هي فرقة الطبيعة الواحدة (المونوفيزيتية Monophysitism) والتي كان من أبرز دعاتها أوتوخس Eutyches (وقبله أبولينار اللاذقاني Apollinaris). أوتوخس كان ممن تصدوا للرد على نسطور، ولكنه تطرف في الرد عليه فوصل إلى إنكار الطبيعة البشرية للمسيح والقول بأن للمسيح طبيعة واحدة هي الطبيعة الإلهية فقط. هذه العقيدة أدت إلى انقسام في أوساط رجال الدين المسيحي، فتم عقد مجمع خلقيدون Chalcedon الذي رفض فكرة الطبيعة الواحدة وتبنى العقيدة الخلقيدونية Chalcedonian Creed. هذه العقيدة لم ترض أنصار مذهب الطبيعة الواحدة الذين استمروا على معتقدهم، وهو ما دعا الكنيسة البيزنطية الأورثوذوكسية في القرن السادس إلى أن تعلن أنهم هراطقة وتطردهم من عضويتها.

سورية في القرن السابع ممزقة دينيا

هذا العرض التاريخي الوجيز يوضح بعضا من التشرذم والتفرق الديني الذي كان يعيشه العالم البيزنطي في القرون التي سبقت ظهور الإسلام في القرن السابع. الديانة الرسمية للإمبراطورية البيزنطية (التي كانت تحكم سورية ومصر والأناضول واليونان) كانت المذهب الرومي الأورثوذوكسي المستند إلى عقيدة مجمع نيقية وعقيدة مجمع خلقيدون. كلمة “روم” في السياق البيزنطي تعني يوناني، لأن سكان الدولة البيزنطية لم يكونوا يتحدثون اللاتينية وإنما اليونانية، ولكنهم مع ذلك كانوا يسمون أنفسهم “روم” ويسمون لغتهم باللغة “الرومية” Ῥωμαϊική وذلك لأنهم كانوا رعايا في الدولة الرومانية وليس لأنهم كانوا رومانا أو يتحدثون اللاتينية، وفي عهد الإمبراطور هرقل في القرن السابع (قبيل الفتح الإسلامي) أصبحت اللغة الرومية (اليونانية) هي اللغة الرسمية للإمبراطورية البيزنطية بدلا من اللغة اللاتينية (لغة الرومان القدماء التي لم يكن يتحدثها أحد في الإمبراطورية الشرقية أو البيزنطية). لهذا السبب يجب أن نعلم أن الكتاب العرب القدماء عندما يستخدمون مصطلح “اللغة الرومية” فهم يقصدون به اللغة اليونانية وليس اللاتينية كما يظن بعض الجهال، وأيضا يجب أن نعلم أن كنيسة “الروم الأورثوذوكس” (وهي أكبر الكنائس المسيحية في سورية حاليا) تعني كنيسة “اليونان الأورثوذوكس” (وهذا يتضح من اسمها الأجنبي Greek Orthodox)، وسبب هذه التسمية ليس أن أتباعها من اليونانيين ولكن لأن هذه الكنيسة هي امتداد للكنيسة البيزنطية القديمة التي كانت تحمل هذا الاسم. أغلب أتباع كنيسة الروم الأرثوذوكس في سورية حاليا هم من أصول عربية وليسوا من اليونانيين.

السكان في سورية البيزنطية كانوا مزيجا متنوعا. المدن الكبيرة -وخاصة تلك التي تقع في شمال غرب البلاد- كأنطاكية وبيرويا (حلب) واللاذقية وأفاميا وحمص كانت تحوي كثيرا من متحدثي اللغة الرومية (اليونانية)، وهولاء لم يكونوا بالضرورة من أصول يونانية ولكنهم كانوا يتحدثون الرومية بوصفها اللغة الرسمية للدولة ولغة العلم والثقافة والأدب والدين، وهؤلاء طبعا كانوا يمثلون الطبقة العليا من المجتمع.

أما الطبقات الأدنى من المجتمع فكانت تتحدث لغتين: الآرامية والعربية. اللغة الآرامية (والتي كانت تسمى بالسُريانية، ومعنى كلمة “السريانية” هو “السورية” باللغة السريانية) كانت اللغة الأم لأغلب سكان المدن وكثير من سكان الريف. أما اللغة العربية فهي كانت لغة البدو أو العربان الذين استوطنوا في كثير من مناطق الريف وفي أطراف المدن الكبيرة وبعض أحيائها (تماما كما هو الحال الآن حيث أنك تجد البدو عادة في الأحياء الخارجية للمدن وفي الضواحي). أكثر تواجد العرب كان في المناطق المحاذية للبادية كشرق الأردن وحوران والجولان وفلسطين والجزيرة، والعرب في سورية عموما كانوا يتحدثون لهجات مميزة تسمى الآن باللهجات العربية الشمالية القديمة Ancient North Arabian، وهذه اللهجات تختلف عن اللهجات العربية التي كان يتحدثها بدو نجد والحجاز (والتي اشتقت منها لغة القرآن). كثير من مميزات اللهجات السورية الحالية تشبه تلك اللهجات العربية الشمالية القديمة، ومن ذلك مثلا أسلوب الإضافة في الأسماء (في لهجة القرآن يقال “النهر البارد” بينما في اللهجات الشمالية واللهجة السورية يقال “نهر البارد”، وأيضا في اللهجة السورية يقال “هوا الشمالي” بدلا من “الهوا الشمالي” ويقال “ضراب السخن” بدلا من “الضراب السخن”، وهكذا.) أيضا يجب أن نلاحظ أن اللهجات السورية الحالية (كما اللهجات العربية الشمالية القديمة) تحوي تأثيرات آرامية كثيرة، ومن ذلك مثلا الضمائر (في اللهجات السورية يقال “كتابكن” بدلا “كتابكم”، وهذا مماثل للغة الآرامية). هذا التأثير الآرامي في اللهجات السورية الحالية هو على الأغلب يعود إلى اللهجات العربية الشمالية القديمة التي عاش متحدثوها مع الآراميين لقرون طويلة.

السريان في سورية كانوا مسيحيين، ولكنهم لم يكونوا جميعا من أتباع المذهب الرومي الأورثوذوكسي بل كان هناك قسم كبير منهم يتبع مذهب الطبيعة الواحدة الذي كانت له شعبية كبيرة في أوساط السريان، ولهذا السبب حاولت الإمبراطورة ثيودورا في عام 543 استمالة السريان بأن سمحت بتعيين يعقوب بر عدي أسقفا للرها، ويعقوب هذا هو رجل دين سرياني من أتباع مذهب الطبيعة الواحدة والسماح بتعيينه في منصب أسقف كان تجاوزا كبيرا من قبل الإمبراطورة لأن مذهب الطبيعة الواحدة كان يعتبر هرطقة حسب الموقف الرسمي للسلطات والكنيسة البيزنطية. إلى يومنا هذا ما زال معظم السريان في سورية يتبعون مذهب الطبيعة الواحدة، وهم يسمون تاريخيا باليعاقبة نسبة إلى يعقوب أسقف الرها آنف الذكر، وهناك أيضا أتباع للكنيسة السريانية اليعقوبية في تركيا والعراق.

العرب في سورية البيزنطية كانوا عموما مسيحيين ولكن كثيرا منهم كانوا يعتنقون المسيحية من باب المسايرة والرغبة في الاندماج في المجتمع فقط دون أن يلتزموا بالشعائر المسيحية بقوة، وهذا ينطبق بالذات على البدو الرحل الذين كان الكثير منهم مسيحيين بالاسم فقط. المذهب اليعقوبي كانت له شعبية كبيرة في صفوف العرب وخاصة أولئك المقيمون في المناطق الجنوبية (حوران والجولان وفلسطين)، وأغلب هؤلاء كانوا من الغساسنة القحطانيين الذين كان البيزنطيون يعتمدون عليهم في الحروب ضد الدولة الساسانية.

خلاصة ما سبق هي أن مجتمع سورية البيزنطية كان ممزقا من الناحيتين الدينية والإثنية، خاصة وأن الدولة البيزنطية كانت تهرطق أتباع مذهب الطبيعة الواحدة الذين كانوا يمثلون نسبة كبيرة من السريان والعرب (أيضا الكنيسة القبطية في مصر كانت تتبع مذهب الطبيعة الواحدة، ومثلها الكنيسة الحبشية). هذه الانقسامات الدينية أضعفت قبضة البيزنطيين على سورية بشكل كبير، وهو ما تجلى بوضوح أثناء الغزو الساساني لسورية في أوائل القرن السابع، حيث أن الفرس اكتسحوا سورية عسكريا مستغلين الخلافات الطائفية بين السكان، فاليهود واليعاقبة (المضطهدين من قبل الدولة البيزنطية) تعاونوا مع الغزو الفارسي واستغلوه لارتكاب مجازر ضد الروم الأورثوذوكس في مختلف المدن بما في ذلك أنطاكية عاصمة سورية البيزنطية.

الغزو الفارسي الذي بدأ في عام 602 كان نقطة تحول في تاريخ سورية، حيث أن هذا الغزو دمر البلاد وأنهك العباد وفرق الشمل ونشر الضغائن والأحقاد. الإمبراطور هرقل نجح في عام 628 في إخراج الفرس من سورية (قبل الفتح الإسلامي بعشر سنوات فقط)، ولكن البلاد كانت مدمرة تماما وكانت تسود فيها المجاعات والأوبئة والأحقاد الدينية. لهذا السبب قام هرقل باقتراح مبادرة للتقريب بين المذهبين اليعقوبي والرومي الأورثوذوكسي، وهذه المبادرة هي ما يسمى بمذهب الطبيعتين والمشيئة الواحدة (المونوثيليتية monothelitism). هذه المبادرة حظيت بقبول قسم من الروم الأورثوذوكس، وهؤلاء هم الذين صاروا يعرفون لاحقا بالكنيسة المارونية.

لوحة بيزنطية تصور هرقل وهو يهزم كسرى ملك الفرس

الموارنة… تاريخ من الانعزال والمجازر

لجوء الموارنة إلى جبل لبنان بدأ خلال فترة الغزو الفارسي في القرن السابع، والدافع وراء هذا اللجوء كان خوفهم من القتل على أيدي اليعاقبة. معظم اللاجئين إلى جبل لبنان كانوا في البداية من الروم الأورثوذوكس الذين يسكنون المنطقة الشمالية الغربية من سورية وحوض نهر العاصي (وهذه هي مناطق الكثافة الرومية في ذلك الزمن). بعد انتهاء الاحتلال الفارسي بدأ مذهب الطبيعتين والمشيئة الواحدة ينتشر في سورية، ولكن هذا المذهب الجديد بدلا من أن يحل الخلاف أوجد طائفة جديدة معرضة للاضطهاد، خاصة وأن الأباطرة البيزنطيين اللاحقين لهرقل رفضوا هذا المذهب واعتبروه هرطقة جديدة، وبالتالي بدأ أتباع هذا المذهب يهاجرون أيضا إلى جبل لبنان.

ظل الموارنة منعزلين في جبل لبنان حتى زمن الحروب الصليبية. في زمن الحروب الصليبية دخل الموارنة في الكاثوليكية وتعاونوا مع الصليبيين، وبذلك تحولت الكنيسة المارونية إلى كنيسة كاثوليكية غربية في المشرق. في زمن الحروب الصليبية أيضا بدأ وصول الدروز إلى الجبل، وهي طائفة جديدة تفرعت عن الإسماعيليين في مصر وانتقلت إلى سورية حتى وصلت إلى جبل لبنان.

لم يكن الموارنة قبل زمن الحروب الصليبية يشكلون غالبية السكان في جبل لبنان، ولكن حملات التطهير العرقي التي شنها المماليك ضد الشيعة والعلويين في تلك المنطقة (بناء على فتاوى ابن تيمية مفتي التطهير العرقي والإبادة الجماعية) أدت إلى زيادة نسبة الموارنة في الجبل، وبذلك تحولوا إلى غالبية السكان مع مرور الزمن، خاصة وأن جبل لبنان كان يعتبر ملجأ للمسيحيين طوال العصر العثماني وكان المسيحيون يتوافدون عليه من محتلف مناطق سورية ويتحولون فيه إلى المارونية.

زيادة أعداد الموارنة في الجبل أدت إلى أزمة سياسية-اجتماعية بينهم وبين الدروز، حيث أن الدروز كانوا تاريخيا الفئة المهيمنة في الجبل وكانوا يملكون الأراضي ويجمعون الضرائب للسلطات العثمانية، ولكن زيادة أعداد الموارنة (وجلهم من الفلاحين الفقراء) أدت إلى حدوث ثورات مارونية ضد هيمنة الإقطاعيين الدروز، وهذه الثورات أدت إلى حروب طائفية دموية بين الموارنة والدروز أعنفها كان في عام 1860 عندما قام الدروز بشن حملة من المجازر ضد الموارنة امتدت حتى مدينة دمشق، حيث تقول المصادر الأوروبية بأن المسيحيين في دمشق تعرضوا في أيلول 1860 لمذبحة كادت أن تفنيهم لولا تدخل الأمير عبد القادر الجزائري الذي أنقذ كثيرا منهم.

 أحداث العام 1860 كانت بداية التدخل الغربي المباشر في لبنان، وخاصة الفرنسي، وهذا التدخل هو ما فاقم من نزعة الانعزال المهيمنة على الموارنة وأعطاها شكلا سياسيا حاول الموارنة جاهدين أن يحولوه إلى شكل قومي، ولكنهم فشلوا في ذلك لحسن الحظ.

مصر: حرق علم سفارة اسرائيل وهدم جدارها والمطالبة بوقف تصدير الغاز والغاء كامب ديفيد

القاهرة – القدس العربي’: تجمع الالاف في ميدان التحرير بوسط القاهرة الجمعة في تظاهرة حاشدة للمطالبة بتطبيق مزيد من الاصلاحات والديموقراطية، كما قام متظاهرون اخرون بهدم جزء من جدار حول السفارة الاسرائيلية في العاصمة المصرية. وباشر المتظاهرون بهدم الجدار بالمطارق والقضبان الحديدية من دون ان تتدخل الشرطة العسكرية التي كانت على مقربة من المكان. ويبلغ ارتفاع الجدار مترين ونصف متر وتم بناؤه خلال الايام القليلة الماضية على طول الطريق الذي يقع فيه المبنى الذي يضم مكاتب السفارة. وكان المتظاهرون يهتفون ‘ارفع رأسك لفوق انت مصري’. وفي وقت لاحق قام اربعة متظاهرين بتسلق المبنى ونزع العلم الاسرائيلي، والقائه على الحشود التي قامت بحرقه. وجاء بناء هذا الجدار اثر تظاهرات حاشدة جرت خلال الاسابيع القليلة الماضية امام مقر السفارة.

اللهم اضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين

رام الله ـ الناصرة ـ ‘القدس العربي’ من وليد عوض وزهير اندراوس: اكدت مصادر اسرائيلية الجمعة بان تل ابيب اعدت خطة تشمل اجراءات وخطوات ضد تركيا واهمها تقديم السلاح للاكراد شرق تركيا لدعمهم في سعيهم لاقامة دولة خاصة بهم هناك.
واوضحت المصادر بأن قرار تل ابيب مد الاكراد بالسلاح والتدريب جاء ضمن خطة اعدها وزير الخارجية الاسرائيلي أفيغدور ليبرمان ضد تركيا ردا على سياستها تجاه اسرائيل.
وتنص هذه الخطة وفق صحيفة ‘يديعوت احرونوت’ الاسرائيلية على التعاون الوثيق مع الاقلية الكردية التي تناضل من أجل اقامة دولة مستقلة خاصة بها في شرق تركيا بما في ذلك عقد لقاءات مع قادة الانفصاليين الاكراد، وتقديم مساعدات عسكرية اسرائيلية.
ويتحدث بند آخر في الخطة الاسرائيلية ضد تركيا عن عرض المساعدة على رؤساء اللوبي الارمني في الكونغرس الامريكي في مسعاهم للحصول على اعتراف دولي بما تعرض له الارمن من ابادة جماعية على يد الاتراك قبل حوالى مئة عام.
كما تقضي خطة ليبرمان بتقديم شكاوى الى المؤسسات الدولية حول انتهاكات تركية لحقوق الانسان في التعامل مع الاقليات.

تعليقات
  1. نعم للأبد يقول :

    رائع أخي .. الأسد او لا أحد ..

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s