كان من الواضح منذ يداية الأزمة الحالية أن هناك توجها في الغرب للقطيعة التامة والشاملة مع سورية على نحو شبيه بالحصار المفروض على كورية الشمالية.
القطيعة بين سورية والغرب ليست أمرا جديدا، بل هي أمر ميز معظم تاريخ سورية المعاصر. في فترة الأربعينات كانت العلاقات السورية-الفرنسية سيئة بسبب قضية الاستعمار واستماتة فرنسا لأجل البقاء في سورية حتى اللحظة الأخيرة، أما العلاقات مع بريطانيا فمرت بشهر عسل قصير بعد استقلال سورية سببه أن بريطانيا كانت هي من أخرج فرنسا من سورية وأنهى الاستعمار. الولايات المتحدة في ذلك الوقت كانت تحظى بسمعة جيدة في سورية والعالم العربي عموما بسبب شعاراتها عن حرية الشعوب والسلام العالمي، وكان العرب ينظرون لها على أنها دولة غير استعمارية، خاصة وأنها كانت غير متحمسة للمشروع الصهيوني والاستعمار الأوروبي، وكانت الإدارات الأميركية تعلن دائما حرصها على الصداقة مع العرب وأن مصلحة الولايات المتحدة هي مع العرب وليس الصهاينة.
كل شيء تغير بعد صدور قرار تقسيم فلسطين في عام 1947. الولايات المتحدة قبل العام 1947 كانت تعيش انقساما حول مسألة فلسطين والصهيونية. وزارتا الخارجية والدفاع الأميركيتان كانتا تعارضان فكرة إقامة دولة يهودية في فلسطين وكانتا تحذران من أن دعم الولايات المتحدة لهذا المشروع سيخسرها صداقتها مع العرب، ولكن الرأي العام الأميركي عموما كان يميل إلى الصهيونية لأن العرب لم يكن لهم أي تأثير في الداخل الأميركي بخلاف الصهاينة الذي كان لهم حضور قوي في المجتمع المدني والسياسي الأميركي. لهذا السبب قررت الإدارة الأميركية تبني مشروع تقسيم فلسطين ورمت بكل ثقلها لإنجاحه، بل وساهمت حتى في تعديل خريطة التقسيم لصالح الدولة اليهودية الموعودة، فاللجنة التي رسمت حدود التقسيم في البداية جعلت صحراء النقب من نصيب الدولة العربية، ولكن الرئيس الأميركي وبعد أن تلقى اتصالات من اللوبي الصهيوني تدخل لدى اللجنة وطلب منها تغيير الحدود وضم النقب إلى إسرائيل.
إذن الولايات المتحدة كانت عراب نجاح مشروع التقسيم، ولهذا السبب أصيب العرب بالغضب الشديد منها، وسورية كانت من بين أكثر الدول التي شعرت بالغضب تجاه الولايات المتحدة، فتعرضت القنصليتان الأميركيتان في دمشق وحلب لهجوم المتظاهرين ورفض البرلمان السوري التصديق على اتفاقية التابلاين لنقل النفط عبر الأراضي السورية، وهو ما أدى إلى أن دعمت الولايات المتحدة في عام 1949 انقلاب حسني الزعيم الذي قضى على ما كان يسمى حينها بالديمقراطية في سورية.
استمرت العلاقات السورية مع الغرب بالتدهور أكثر وأكثر في الخمسينات والستينات، وبعد حرب 1967 قام النظام البعثي في سورية بقطع العلاقات كليا مع الولايات المتحدة وطرد السفير الأميركي، وهذا السفير نفسه كان قد صرح علنا في عام 1966 بأن سورية دولة غير قابلة للاستمرار وأن مصيرها هو التقسيم والزوال، مما يعكس التوتر الشديد في العلاقات السورية-الأميركية في ذلك الوقت.
في فترة السبعينات والثمانينات كانت سورية معتمدة بشكل شبه تام على الاتحاد السوفييتي. العلاقات السورية مع الغرب وصلت إلى أسوأ مراحلها في الثمانينات بعد الاشتباك السوري مع أميركا في لبنان، وفي أواخر الثمانينات كانت معظم دول الغرب قد فرضت عقوبات شديدة على سورية.
هذه العقوبات أزيلت في أوائل التسعينات بموجب الصفقة التي شاركت سورية بموجبها في حرب الخليج ودخلت في عملية السلام (وهي صفقة لم تكن تملك سورية بديلا عنها بعد سقوط الاتحاد السوفييتي)، ولكن شهر العسل هذا سرعان ما انتهى بعد أن وصلت المفاوضات بين سورية وإسرائيل إلى طريق مسدود في عام 1998.
إذن تاريخ سورية مع الغرب تاريخ سيء وهذا أمر لا علاقة له ببشار الأسد وإنما هو نتيجة لموقف الغرب من إسرائيل، وطالما أن مشكلة إسرائيل ما تزال قائمة فلا يوجد أمل جدي بتحسن العلاقات بين سورية والغرب.
المشكلة لدى سورية هي في موقعها الجغرافي، حيث أن سورية تقع في المدى الجغرافي لأوروبا، وبالتالي فالقطيعة مع أوروبا هي بدون شك خسارة اقتصادية كبيرة لسورية.
الوضع السوري الآن أفضل بكثير مما كان عليه في السبعينات والثمانينات، حيث أن سورية الآن تملك عمقا اقتصاديا يتمثل بالعراق وإيران، وهذا العمق لم يكن متوفرا في تلك الحقبة، بل على العكس في ذلك الوقت كان العراق هو التهديد الأكبر لسورية. العراق الآن هو دولة واعدة جدا بسبب مخزوناته الهائلة من النفط، ومحافظة سورية على علاقة جيدة مع العراق قد يكفل لها حتى الاستغناء عن المملكة السعودية في المستقبل، بشرط طبعا أن يستقر العراق وأن يزداد إنتاجه من النفط.
إيران
إيران تدعم سورية منذ الثمانينات، ولكنها الآن تعاني من حصار خانق، وهو حصار لن يرفع عنها إلا في إطار صفقة شاملة مع الولايات المتحدة. إن حدثت مثل هذه الصفقة الشاملة فأمور المنطقة كلها ستتحلحل وسيتم رفع العقوبات عن سورية أيضا، ولكن المشكلة هي أن الولايات المتحدة لا تريد إلى الآن عقد الصفقة التي تريدها إيران. الصفقة التي تريدها إيران تتطلب من الولايات المتحدة تقديم تنازلات ضخمة والاعتراف بإيران على أنها الدولة المهيمنة في الشرق الأوسط، وهو أمر من الصعب أن تقبل الولايات المتحدة به في ظل النظام الإيراني الحالي، كما أنه سيعني عمليا تخلي الولايات المتحدة عن مصالح إسرائيل وحلفائها الخليجيين، ولذلك فالتوصل إلى هذه الصفقة صعب جدا، وحتى لو فكرت الولايات المتحدة في عقد هكذا صفقة فإن إسرائيل ودول الخليج سوف يفشلونها عبر مهاجمة إيران وافتعال حرب تنجر الولايات المتحدة إليها رغما عن إرادتها، وهذا سيناريو خطير تحرص الولايات المتحدة على تجنبه.
تركيا
النظام السوري كان يراهن كثيرا على تركيا كصلة وصل جغرافية بينه وبين روسيا وأوروبا الشرقية (وكصلة وصل سياسية مع الغرب)، ولكن يبدو الآن أنه قد بدأ يعيد النظر في هذه النظرية. ما يلي مأخوذ من موقع “سيريا ستيبس”:
أكدت مصادر مطلعة أن رئيس مجلس الوزراء د. عادل سفر قد أعد مذكرة رسمية سيتم مناقشتها في إحدى جلسات الحكومة تقضي بتعليق اتفاقية منطقة التجارة الحرة بين سورية وتركيا، في قناعة من سفر لا تستند لموقف سياسي ضد تركيا، وإنما بعد طول مشاورات مع قطاع الأعمال السوري الذي أبدى تضرره من هذه الاتفاقية والتي انعكست لصالح الجانب التركي في الغالب.
طبعا إلغاء اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا لو تم فسيكون موقفا سياسيا بامتياز ولا علاقة له بالمصلحة الاقتصادية. أظن أن هذا الخبر هو إما تهديد لتركيا أو أنه بسبب معلومات لدى القيادة السورية عن قرب حصول تصعيد ما من جانب تركيا. هل التصعيد التركي الأخير ضد إسرائيل هو مقدمة لتصعيد مماثل ضد سورية؟ هذا أمر وارد، وسنتأكد منه في حال أقدمت سورية على تخفيف علاقاتها مع تركيا بالفعل.
أردوغان طرد السفير الإسرائيلي وألغى الاتفاقيات التجارية والعسكرية مع إسرائيل، وفي حال أقدم على خطوات مماثلة تجاه سورية فهو سيكون يضر نفسه بشدة، لأن سورية ليست إسرائيل وهي بالنسبة لتركيا منفذ نحو المنطقة العربية ومورد اقتصادي هام. كما أن التصعيد التركي ضد سورية سيفسد علاقات تركيا مع إيران، وهو ما يعني أن تركيا ستكون تحاصر نفسها وليس العكس. لهذه الأسباب أشك كثيرا في إقدام تركيا على التصعيد ضد سورية، وأستغرب ما ورد في موقع سيريا ستيبس عن نية سورية تعليق الاتفاقيات مع تركيا. هذا الخبر في رأيي هو للاستهلاك الإعلامي فقط.
روسيا
روسيا دولة مهمة وصاعدة ولكنها لا تعتبر قوة اقتصادية كبرى ولا يمكنها أن تكون بديلا عن أوروبا. ما يلي هو ترتيب الدول الكبرى حسب أحجام اقتصاداتها:
الاقتصاد الروسي يعتمد كثيرا على تصدير المواد الخام وخاصة النفط، وهو يعتبر اقتصادا متخلفا مقارنة بالاقتصاديات الغربية.
الصين
الصين هي البديل المحتمل الوحيد للغرب. الاقتصاد الصيني هو حاليا الاقتصاد الثاني بعد الاقتصاد الأميركي وهو اقتصاد صناعي، والصين هي من الدول ذات السيولة النقدية الجيدة بخلاف الدول الغربية التي تعاني من أزمة مالية مستحكمة وتحاول أن تحصل على الأموال عبر سرقة نفط ليبيا وغيرها (كالسعودية مثلا التي قامت مؤخرا يتوقيع صفقات تسلح هائلة مع أميركا).
مشكلة الصين هي أنها بعيدة جدا عن سورية، وبالتالي فما الذي سيدفعها لضخ الأموال في سورية؟ السبب الوحيد لهذا الأمر لو تم سيكون سببا سياسيا. إن إقدام الصين على ضخ المليارات في سورية سيزيد من نفوذ الصين في سورية بشكل كبير وسيجعل سورية أشبه بمستعمرة صينية على سواحل البحر المتوسط.
دول الغرب تريد تطهير سواحل المتوسط من الصين وروسيا كما قال مسؤول أميركي في مقابلة أشرت لها سابقا، وحاليا هم نجحوا في ذلك ولم يبق لهم إلا سورية والجزائر. لهذا السبب نرى تصلب روسيا والصين في الموضوع السوري وحرصهما على عدم فرض عقوبات دولية على سورية.
الغرب بإعلانه القطيعة التامة مع سورية حولها عمليا إلى مستعمرة صينية، لأن سورية لن تجد أي بديل عن الغرب سوى الصين. الغرب يراهن على فرض عقوبات دولية على سورية تمنع الصين وغيرها من الاستثمار في سورية، ولكن لا يبدو إلى الأن أن روسيا والصين هما في وارد القبول بفرض عقوبات دولية على سورية.
تشدد الغرب في حصاره لسورية سيقودها قريبا إلى أن تتخلى عن التعامل بالعملات الغربية وأن تستعيض عنها باليوان الصيني وغيره من العملات الآسيوية، وهو ما فعلته إيران من قبل على ما أعتقد. التجارة السورية مع أوروبا سوف تتضائل وسوف يزداد اعتماد سورية على التجارة مع الصين وروسيا، وهو ما سيخلق وضعا غريبا حيث أن سورية القريبة جغرافيا من أوروبا سوف تكون معزولة عنها بشكل شبه تام ومعتمدة تماما على آسيا. هل هذا في صالح أوروبا؟ المنطق يقول لا، ولكني لا أدري كيف يفكر الأوروبيون وما هي رهاناتهم. هم على ما يبدو ما زالوا يفكرون بطريقة عفى عليها الزمن ويظنون أن عقوباتهم ستؤدي إلى حدوث انشقاقات في النظام السوري ومجيء نظام جديد موال لهم.
وجود سوريا على ساحل المتوسط وقربها من أوروبا سيجعلها موطئ قدم استراتيجي بالنسبة للصين وروسيا في المستقبل. الولايات المتحدة أنفقت طوال العقود الماضية أموالا طائلة على كوريا الجنوبية لقربها من كوريا الشمالية والصين، ومن المحتمل أن يتكرر نفس السيناريو مع سورية حيث ربما تقدم الصين على ضخ أموال طائلة فيها لكي تجعلها قاعدة متقدمة لها في مواجهة الغرب. القاعدة الروسية في طرطوس أعطت مفعولا إيجابيا بالنسبة لسورية حيث أنها دفعت روسيا للتمسك بها بقوة، وفي حال وافقت سورية مستقبلا على إنشاء قاعدة صينية مثلا فربما نرى اهتماما صينيا كبيرا بسورية وضخا للأموال فيها كما تفعل إيران الآن.
لكل هذه الاعتبارات فإن الغرب سوف يعيد حساباته على الأغلب وسوف يحاول التقرب مجددا من سورية بعد سنة أو سنتين، وحتى ذلك الوقت ستمر سورية بفترة عصيبة ستحاول خلالها أن تخفف ما أمكن من اعتمادها على الغرب، وهي خسارة للغرب.
مصلحة سورية هي في إبقاء العلاقات جيدة مع الجميع وعدم الانحياز لأي طرف على حساب الآخر، ولكن مشكلة الغرب هي في أنه يرفض هذا المنطق ويصر على أن تكون سورية مستعمرة تابعة له. الولايات المتحدة لا تحترم الدول الصغيرة كسورية وهي ترفض أن تتعامل معها كدول مستقلة وذات قرار حر، وهنا أساس المشكلة، ألا وهو العنجهية وغطرسة القوة لدى الغربيين.
سورية هي بالفعل دولة صغيرة سواء من حيث الحجم الجغرافي أو الاقتصادي، ولذلك فمعاركها ضد أميركا هي معارك مكلفة جدا لأنها تحارب خصما يفوقها قوة بكثير. لكي تنمو سورية وتصبح دولة كبيرة ومهمة فهي بحاجة لأن تسير على خطين: النمو الاقتصادي، وهذا الأمر بدأ يتحقق الآن مع توجه سورية أخيرا نحو الإصلاح الاقتصادي واقتصاد السوق، ولكن المشكلة هي في الحصار والعقوبات الغربية التي ستعيق النمو. والخط الثاني هو النمو الجغرافي، وهذا أمر بحاجة لتفعيل مفهوم الوحدة العربية، وخاصة الوحدة مع العراق التي يجب أن تبدأ بوحدة اقتصادية ونقدية ثم تتحول إلى وحدة سياسية.
الحكومة السورية تحول المظاهرات غير المرخصة إلى مورد للدخل
أصدر الرئيس السوري بشار الأسد الثلاثاء 6-9-2011 مرسوماً تشريعياً يحمل رقم 110 ينص على تعديل بعض المواد في قانون العقوبات العام الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 148 للعام 1949. وجاء التعديل الجديد حسبما أوردت وكالة الأنباء الألمانية الـ”د.ب.أ” على مادتين تخص التجمعات والتظاهرات، حيث نص على “تعديل الغرامة المالية في المادة 335 على أن تصبح عشرين ألف ليرة سورية”.
ونص تعديل مطلع المادة 336 ليصبح على النحو الآتي ” كل حشد أو تجمع موكب على الطرق العامة أو في مكان مباح للجمهور يعد تجمعا للشغب، ويعاقب عليه بالحبس من شهر إلى سنة وبالغرامة بخمسين ألف ليرة سورية “.
وطلب الأسد نشر المرسوم في الجريدة الرسمية، وتلقت وكالة الأنباء الألمانية ( د. ب. أ) نسخة منه اليوم الثلاثاء، والذي كان صدر بتاريخ 29 أغسطس الماضي و”اعتبر نافذا من تاريخ صدوره “
حسب ما نسمع من المتمردين فإن السجون تحوي آلاف المعتقلين بتهمة التظاهر بدون ترخيص، وكثير من هؤلاء لم يحاكموا بعد، وبالتالي نتوقع أن تدر محاكماتهم مئات ملايين الليرات السورية على خزينة الدولة.
إذا كان سعر كل متظاهر بدون ترخيص قد أصبح 50 ألف ليرة فلا شك أن الدولة الآن سترحب بخروج المظاهرات غير المرخصة لدعم الخزينة. الآن اتضح لي سبب الاعتقالات المكثفة في الآونة الأخيرة. يبدو أن الدولة تحاول جمع رواتب الموظفين من المتظاهرين بدون ترخيص.
جريدة الشرق الأوسط السعودية نشرت مؤخرا مقالات مفبركة تتحدث عن أن الشبيحة يهددون بالإضراب بعد أن تأخرت رواتبهم. أظن الآن بعد صدور هذا المرسوم أن الناس ستتسابق للعمل كشبيحة طالما أن اعتقال كل شخص يدر مبلغ 50 ألف ليرة. لو حصل الشبيح على نصف هذا المبلغ من كل مطلوب مقابل إطلاق سراحه وعدم تسليمه للأمن فهذا يعد عملا مربحا جدا.


