
- هل تنجح الوساطة الروسية في إشراك معارضة الداخل في الحكومة؟
بعد زيارة ميخائيل بوغدانوف الأخيرة إلى سورية (والتي توقعت في تدوينة سابقة أن يكون هدفها طرح مبادرة روسية لحل الأزمة في سورية) برزت عدة مؤشرات جديرة بالملاحظة.
أولا: مقابلة ميشيل كيلو مع قناة روسيا اليوم
هذه المقابلة مثيرة للانتباه لعدة أسباب:
- أن كيلو تبرأ فيها من المعارضة الخارجية (المعارضة المرعية من تركيا وأميركا)
- أن كيلو تبرأ فيها من مطلب إسقاط النظام ودعا لإصلاح يقوده النظام الحالي
- الأمر الثالث والأهم هو أن المقابلة كانت مع قناة روسية
هذه الأمور الثلاثة توحي بأن ميشيل كيلو يقبل المنطق الروسي لكيفية حل الأزمة في سورية، لأن روسيا لطالما انتقدت المعارضة السورية الخارجية ومطلب إسقاط النظام وطالبت بالحوار بين المعارضة والسلطة.
ثانيا: زيارة بثينة شعبان إلى موسكو وتزامنها مع زيارة وفد من المعارضة السورية
ما هو سر هذه الزيارة الغريبة في الشكل والتوقيت والملابسات؟
ثالثا: الهدوء الدولي والإقليمي المريب حول الوضع في سورية
لاحظت اليوم أن تغطية الشأن السوري تراجعت بشكل ملحوظ على القنوات الخليجية ولم تعد تتصدر النشرات.
هذه الأمور وغيرها تدفعني للاعتقاد بأن روسيا تريد جمع المعارضة الداخلية في سورية مع السلطة على أساس اتفاق ما، وكلام ميشيل كيلو حول وحدة المعارضة الداخلية وانفصالها عن الخارجية يدل على قبول المعارضة الداخلية بالطرح الروسي. الإعلام السوري سرب قبل أيام خبرا يقول أنه سوف يتم إجراء تعديل حكومي وإدخال شخصيات من المعارضة إلى الحكومة، وهذا مرتبط على ما أظن بالمبادرة الروسية (والتي أظن أنها لا تختلف كثيرا عما اتفق عليه الرئيس الأسد مع داود أوغلو في جلسة الست ساعات).
المعارضة الداخلية في سورية أغلبها علمانية قومية-يسارية وهي حتما ستميل إلى روسيا وليس إلى أميركا إن خيرت بين الاثنتين، ولذلك لن أستغرب إن رأيت المعارضة الداخلية تشارك في حوار مع السلطة قريبا.
ميشيل كيلو وأمثاله لا مصلحة لهم في مشروع “الثورة السورية” وهم كانوا في الفترة الماضية محرجين لأنهم كانوا لا يريدون أن يظهروا بمظهر من ينفصل عن الشارع الثائر ويصطف مع السلطة، ولكنني أظن الآن أنهم سوف يستغلون دعوات التسلح وتدخل حلف الناتو وسوف يشاركون في الحوار مع السلطة تحت ذريعة أنهم يريدون تجنب تدخل حلف الناتو.
لهذا السبب ربما بدأنا نسمع التأكيدات الغربية بأنه لن يكون هناك تدخل للناتو في سورية، وذلك لقطع الطريق على المساعي الروسية لإنقاذ الوضع السوري. أميركا تعلم أن روسيا تستخدم تدخل الناتو كذريعة لانتشال سورية من بين براثن أميركا، ولهذا فهي أوعزت على ما يبدو لأتباعها بأن يؤكدوا عدم وجود نية لتدخل الناتو في سورية وذلك بهدف قطع الطريق على المساعي الروسية.
هناك احتمال لأن تكون التهدئة الأميركية الحالية هي نتيجة اتفاق بين روسيا وأميركا ينص على إعطاء الفرصة للمساعي الروسية لحل الأزمة السورية. يجب أن نلاحظ أن روسيا اعترفت في الأسبوع الماضي بالمجلس الانتقالي الليبي بشكل مفاجئ وبعد أن كانت قد قالت قبل ذلك بأيام بأنها لن تعترف به قبل أن يسيطر على ليبيا بالكامل. إن تراجع روسيا عن موقفها بهذا الشكل الغريب هو ربما جزء من الصفقة التي تمت.
روسيا على ما أظن صعدت في الموضوع الليبي لكي تقايض به في الموضوع السوري. أمير قطر كان في زيارة إلى فرنسا قبل يومين وبعد أن عاد من هناك تغيرت تغطية الجزيرة للشأن السوري بشكل مفاجئ. من المعروف أن أمير قطر يتلقى تعليماته عادة من فرنسا حيث أنها الوسيط بينه وبين أميركا فيما يتعلق بشؤون المنطقة (وذلك في إطار اتفاق أميركي-فرنسي على إعطاء فرنسا دورا في المنطقة). يبدو أن ساركوزي أعطى تعليمات لأمير قطر بتخفيف الحملة ضد سورية، وهذا ما أثار امتعاض أمير قطر ففش خلقه بالتصريح الذي أطلقه على قناة الجزيرة وقال فيه أن أحداث سورية لن تتوقف، وقصده من ذلك أن يقول للرئيس الأسد أنني لن أتركك ولكنني مضطر الآن لتخفيف الحملة لأن ساركوزي طلب مني ذلك. طبعا مصلحة ساركوزي في هذه الصفقة واضحة حيث أنه حصل على اعتراف روسيا بالمجلس الانتقالي الليبي بشكل سريع، وأيضا سمعنا اليوم تجاوبا صينيا مع مطلب الاعتراف بهذا المجلس.
إذن روسيا نجحت على ما يبدو في شراء الوقت وتخفيف الضغط عن سورية، ومن المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة حراكا سياسيا داخل سورية تشارك فيه شخصيات مما يسميه البعض بالمعارضة الوطنية برعاية روسية.
هل من أهداف التصعيد التركي ضد إسرائيل تشتيت الأنظار عن الوضع السوري وإعطاء الفرصة للمسعى الروسي لكي ينجح؟ هذا احتمال وارد.
ما هي مصلحة أميركا من كل ذلك؟ لقد قلت سابقا أن أميركا وصلت إلى طريق مسدود وهي إن لم تجر صفقة الآن فستخرج خاسرة، ولذلك فهي ربما تكون قبلت بالتهدئة لتقليل الخسائر المتوقعة إن استمر الوضع على ما هو عليه. لا أظن طبعا أن أميركا قبلت بتسليم سورية إلى روسيا، ولكنها ستقبل بالمسعى الروسي كحل مؤقت وإلى أن تبرز تطورات جديدة. لا يوجد أمام أميركا أي خيار آخر الآن لأنها وصلت إلى حائط مسدود في مجلس الأمن ولا بد لها من أن تساير روسيا إن أرادت استصدار قرار من مجلس الأمن ضد سورية لاحقا.
أتوقع أن أميركا ستحاول إفشال المسعى الروسي من وراء الكواليس ولن تسمح له بالوصول إلى خاتمة سعيدة، وأنا أصلا قلت في تدوينة سابقة أنني لا أتوقع أن تطرح روسيا مبادرة عميقة إلى درجة أن تحل الأزمة برمتها، لأن ذلك سيكلفها ثمنا كبيرا هي ليست في وارد دفعه، ولكن الهدف من المبادرة الروسية هو إراحة النظام السوري قليلا لكي يبدأ في عملية سياسية تساعده على إضعاف حدة التمرد.
أميركا طبعا لن تسمح بإضعاف التمرد وهي على الأغلب تراهن على الإخوان المسلمين والوهابيين بوصفهم الكنز الاستراتيجي الكفيل بإفشال أي حل. أظن أن أميركا ستوعز للإخوان المسلمين عبر أتباعها (تركيا مثلا) بأن يرفضوا الحوار مع النظام السوري، وبالتالي ما سيحصل عمليا هو انشقاق في صفوف المعارضة السورية بين تلك المحسوبة على أميركا وتلك المسماة بالوطنية.
النظام السوري سرب لمراسل صحيفة القدس العربي (وهي صحيفة محسوبة على الإخوان المسلمين) خبرا يقول بأنه ينوي إشراك شخصيات من الإسلاميين في الحكومة الجديدة، فهل يرضي ذلك الإخوان المسلمين؟ لا أظن… وحتى لو كان يرضيهم فهم لا يملكون أن يقبلوا به لأن المسألة الآن صارت أكبر منهم.
في المحصلة فإن المسعى الروسي سوف يوقف الهجمة الأميركية بشكل مؤقت ولكنه لن يلغيها، ولهذا ربما قرر الاتحاد الأوروبي أن يبدأ سريان حظره النفطي في 15 كانون الأول. أميركا على الأغلب تراهن على اشتعال الأمور مجددا بعد فترة من التراجع النسبي. أميركا تعلم منذ البداية أن معركة إسقاط سورية هي ليست معركة قصيرة الأمد، ولذلك فهي لن تمانع في تخفيف هجمتها لفترة قصيرة وبشكل تكتيكي، ولكنها ستعود مجددا إلى التصعيد بعد بضعة أسابيع. أميركا تعتقد أن الممانعة الروسية لصدور قرار من مجلس الأمن ضد سورية سوف تضعف وتتآكل مع مرور الزمن، وهو أمر وارد بالفعل ويعتمد على مدى قدرة النظام السوري وحلفائه على إجهاض المناخ الإعلامي الذي تصنعه أميركا حول الوضع في سورية.
أميركا تريد أن تطول هذه المعركة وتستمر إلى تسقط سورية وتنهار بفعل الاستنزاف، وهو ما حذرنا منه منذ البداية. أنا قلت في تدويناتي التي كتبتها في بداية الأزمة أن هذه ليست معركة قصيرة الأمد وإنما معركة طويلة الأمد. حاليا يبدو أن الأمور تسير في صالح سورية، ولكنني أخشى أن يفشل النظام السوري في إخماد التمرد قريبا، وهو ما يعني أن الهجمة الأميركية ستعود مجددا بزخم أكبر وأكثر شراسة، وحينها لن تستطيع روسيا أن تمنع صدور قرارات من مجلس الأمن ضد سورية.

