سورية بين سيناريو حافظ الأسد وسيناريو أتاتورك

Posted: اغسطس 28, 2011 in مجتمع, سياسة

بعد أن نشرت صحيفة الوطن (المحسوبة على السيد رامي مخلوف) وثيقة حكومية تتحدث عن “أولويات الحكومة في المرحلة المقبلة” ومنها رفع أسعار المحروقات والجمارك، خرج علينا اليوم وزير إعلام الحكومة لينفي صحة ما جاء في الوثيقة التي تحمل توقيع رئيس حكومته (الحكومة تنفي نيتها رفع الدعم عن المحروقات والطاقة وزيادة رسوم السيارات).

وبعد أن أتحفتنا صحيفة الوطن طوال الفترة الماضية بمقالات تتحدث عن العلمانية وعن علمنة الدستور، ظهر سيادة الرئيس قبل يومين ليحدثنا عن إسلامية الدستور وعن تثبيت المادة الثالثة في الدستور الجديد.

من نصدق يا ترى؟

كلام الأسد هو أقرب إلى قلوب الجماهير الثائرة، ولكن كلام رامي مخلوف هو الأقرب إلى العقل والمنطق، وإلى مصلحة البلد بالطبع.

ظهور الأسد قبل يومين، والذي حاول فيه أن يتقمص شخصية إمام المسلمين، هو محاولة واضحة لاستعياب مد التحريض الطائفي المتصاعد في الإعلام الخليجي.

من الواضح أن دول الخليج كانت تخطط لإشعال ثورة دينية في دمشق في “ليلة القدر”، ولهذا السبب على ما يبدو اضطر الأسد للاجتماع ببعض أئمة الجوامع وخطب فيهم مطولا عن الإسلام والإيمان وعن تثبيت الإسلام في الدستور.

أنا ليس لدي شك في أن كلام رامي مخلوف هو الأقرب إلى قناعات بشار الأسد، ولكن يبدو أن قادة الأجهزة الأمنية طلبوا من بشار أن يخطب عن الإسلام وعن تثبيت المادة الثالثة من الدستور وأن يعلن التراجع عن استراتيجية الحكومة التي نشرتها جريدة الوطن.

هذا التناقض بين مصلحة البلد وبين الاعتبارات الأمنية يعيدنا إلى المربع الأول الذي وجد حافظ الأسد نفسه فيه في عام 1973. حافظ الأسد أراد في بداية عهده أن يحدث بعض الإصلاحات، ولكنه سرعان ما أدرك أن الإصلاحات ستقوده إلى صدام كبير مع الإسلاميين يطيح بنظامه، ولهذا السبب تراجع وأدخل البلد في المستنقع الذي نعرفه جميعا.

بشار الأسد في بداية عهده حاول أيضا أن يحدث بعض الإصلاحات، ولكنه سرعان ما تراجع لنفس الاعتبارات، ألا وهي الخوف من انهيار النظام.

ما حدث في الأيام الأخيرة، وخاصة خطبة بشار الأسد أمام شيوخ الجوامع، أعاد إلى ذهني حالة بشار الأسد في شهر نيسان عندما كانت الأحداث الحالية ما تزال في بدايتها. بشار بخطبته أمام شيوخ الجوامع أعطى الانطباع بأنه يخشى تصاعد غضب الإسلاميين، ما يعني أن التيار الإسلامي ما زال يمثل تهديدا له.

طالما أن النظام السوري ما زال يخشى من أئمة الجوامع ويقدم لهم تنازلات من قبيل التعهد بإبقاء المادة الثالثة في الدستور فهذا يعني أننا ما زلنا في المربع الأول (مربع حافظ الأسد) وأنه لن يكون هناك تغيير سياسي جوهري في سورية.

أنا كتبت سابقا أن سيناريوهات بقاء النظام تتراوح بين سيناريو حافظ الأسد والسيناريو التركي والروسي. تحقيق السيناريو التركي أو الروسي في سورية يستلزم نظاما قويا من الناحية الأمنية، أما النظام الذي يخشى من شيوخ الجوامع ويجمعهم كل بضعة أسابيع ليقدم لهم التنازلات السياسية فهذا نظام هش لا يمكنه أن يطبق أي سيناريو ما عدا سيناريو حافظ الأسد.

إن صدق ما ذكره وزير الإعلام عن أن الحكومة تراجعت عن سياسة رفع أسعار المحروقات فهذا دليل آخر على هشاشة النظام وعدم قدرته على التغيير.

هذه المؤشرات التي ظهرت في الأيام الأخيرة تتناقض مع الشعور العام بتراجع قوة التمرد في سورية والذي يدل عليه التناقص في أعداد القتلى من المتمردين. طالما أن أعداد القتلى تتراجع فهذا يعني أن التمرد يتراجع، ولكن الغريب هو أن النظام يعيش حالة رعب تدفعه لتقديم التنازلات ومنها تنازلات من العيار الثقيل كحديث بشار عن تثبيت المادة الثالثة من الدستور.

يبدو أن النظام خائف من انقلاب الدمشقيين عليه ولذلك يقوم بتقديم هذه التنازلات.

هذا الجو السائد حاليا شبيه بالجو الذي ساد قبيل نهاية تمرد الإخوان المسلمين في عام 1982، ويبدو أن التاريخ سيكرر نفسه. النظام السوري سيستمر كما هو من الناحية السياسية ولن يكون هناك أي تغيير سوى بعض التغييرات الديكورية.

هذا الأمر ليس مستغربا كثيرا، رغم أنه يتعارض مع مؤشرات كانت ترد في الإعلام السوري عن نية النظام لاتخاذ بعض الخطوات “الأتاتوركية”، كنقل وكالة سانا خبرا عن مؤتمر للعلمانيين مثلا، وكنقل القناة الإخبارية السورية وقائع  مؤتمر آخر عن العلمانية، وكمقالات جريدة الوطن عن علمنة الدستور، وغير ذلك من الإيحاءات التي وردت بكثرة في الإعلام السوري مؤخرا. ولكن يبدو أن هذا التوجه تم نبذه لأسباب أمنية (كما حدث في عام 1973) وبالتالي حسم بشار الأسد الموضوع وقال أن الدستور سيبقى إسلاميا، مما يعني أن النظام السياسي سيبقى كما هو وبدون أي تغيير جوهري.

ما مدى استقرار النظام السوري؟

برز في الآونة الأخيرة خبر فرض حظر السفر على ﻣﺤﻤﺪ ﻛﺎﻣﻞ ﺷﺮﺑﺎﺗﻲ الذي وصفه الإعلام بأنه كبير صناعيي سورية، وهو من مدينة حلب. إذا جمعنا هذا الخبر مع ما ورد على لسان مسؤولين أميركيين عن وجود مؤشرات لديهم على تململ طبقة رجال الأعمال من حكم بشار، يمكننا أن نفترض أن كامل شرباتي هو ممن تحدثوا إلى السفير الأميركي وأعربوا له عن استعدادهم للانقلاب على بشار.

الولايات المتحدة بنت قرارها بالقطيعة التامة مع بشار الأسد على ما قالت أنها مؤشرات تلقتها من رجال أعمال ورجال دين سوريين تدل على استعدادهم للانقلاب على بشار. العلاقة بين الطبقة الغنية والوسطى في دمشق وبين النظام هي علاقة مهمة، وبدون تأييد هذه الطبقات له ربما ينهار.

حتى الآن لا توجد مؤشرات جدية على انقلاب الطبقة الغنية والوسطى على النظام السوري سوى ما جاء على لسان المسؤولين الأميركان وأتباعهم، رغم أن خطبة بشار الأسد الدينية الأخيرة تعطي انطباعا بأن هناك ربما مشكلة ما بدأت تتكون.

تعليقات
  1. عربي مسلم إسلامي :) ؟ يقول :

    الله يعينك على ما أبتلاك .. عندك مشكلة مع الاسلام وهذا واضح من مقالك ولاتحاول أن تتلاعب بالكلمات والمعاني فمثلك كثيرون ودائما ماتفضحهم كلماتهم مهما حاولوا تغليفها بعبارات إنهم ضد التشدد والاسلاميون وليس ضد الاسلام.. كلماتكم تفضح مافي قلبوبكم وكن صادقا مع نفسك فأنت نكرة على النت ولا أحد يعرفك فلاداعي للتدثر برداء يثقلك.

    لا علمانية في الاسلام ولا يمكن أن يسمح بها أي مسلم شريف ولابد لها من زوال مهما أمتلكت من قوة.. خذها حقيقة لا لبس فيها.. فلا تعشم نفسك بإحلام مستحيلة!

    أكثر شيء شدني في المقالة هو إستنتاجك الغريب المثير للسخرية والرثاء بإن تناقص عدد قتلى الثوار معناه هو أن الثورة تتراجع! .. إستنتاج مريض سادي يدين صاحبه أكثر مما يبرئه فهذا إعتراف منك بإن النظام وحشي دموي لايتورع عن قتل الناس كل يوم.. ومع ذلك فهو إستنتاج غبي لأن ببساطة قد يكون النظام أضطر ليخفف وحشيته بسبب فضائح وحشيته والادانات الدولية لهذه الفظائع, كما إن القياس على تراجع أو تمدد الثورة يتم بناء على عدد المتظاهرين والمظاهرات يوميا وإتساعها وإستمراريتها وليس على حسب عدد القتلى فيها !

    أخيرا أعانك الله على ما أبتلاك وهداك للحق فالحق أحق أن يتبع!

  2. Hani يقول :

    عزيزي أنا لا أتلاعب بشيء وليس لدي ما أخفيه… كلامي واضح وصريح تماما… أظن أن من يفضحه كلامه هو حضرتك وليس أنا…

  3. سورية قلب العروبة النابض يقول :

    ألإسلام شيء حضاري جدا ومنهج فكري راق لأبعد الحدود ولكن بعض القوى الإسلامية هي عبارة عن أغبياء لا يفهمون حقيقى الاسلام ولا باي شكل والاهم ان النظام في وريا ليس وحشيا ولا دمويا الدمويون هم اخوان التخريب الذين يحاولون التستر بالاسلام والاسلام منهم براء هؤلاء هم اهل “الإسلام بحد السيف” وهذا يتنقاض مع قوله تعالى ” ادفع بالتي هي أحسن ” لكن عندما يفرض عليك التعامل مع زمرة مثل هؤلاء إخوان الشياطين وما تشاهده من فظاعاتهم تقطيع أجساد سحل حرق لواطة جثث موتى اعتقد أنه لا يوجد طريقة للتعامل معهم إلا قولع تعالى “قاتلوا التي تبغى حتى تفيء ” أما هل الدافع لتثبيت المادة الثالثة هو الخوف من القوى الإسلامية اعتقد ان هذا الكلام فارغ لان القوى المتأسلمة (وليست الاسلامية) التي تدعي حرصها على الإسلام هي أداة طيعة بيد الصهيونية العالمية وإلا فسر لي وجود قيادة اخوان الشياطين في اوروبا وبلاد الغرب وهم الذين يدعمون اسرائيل ويحاربون دولا لأجلها أم صدقنا ان الغرب دعاة حقوق انسان وملايين الشهداء في العراق وفلسطين لم تهزهم فهزهتهم زمرة اخوان الشياطين فاستقبلوهم
    هناك إطاران حضاريان موجودان في هذه المنطقة يستوعبان باقي المكونات الأول و هو العروبة التي يجب أن تحوي باقي القوميات وتحترم خصوصيتها واستقلاليتها والثاني هو اسلآم سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الذي اسس لنا التعامل مع أهل الكتاب ضمن الاطار الشرعي وبشكل ايضا يضمن لهم ولنا حسن المعايشة والاحترام في هذين الاطاريين يندرج كلام الرئيس الاسد عن عروبة الدولة واسلاميتها المحمدية التي تعنى بجوهر الانسان لا التي تعنى بقشوره (حلق الشوارب واطالة الذقون وارضاع الكبير …..من فضائح فقهية ينتجها الوهابيون يوميا) وليس خوفا من زمرة نسمع كلامها الفارغ ولا نرى شيء على ارض الواقع الا فظائعها
    وهنا اريد ان الفت النظر الى شيء لو ان هذه القوى لها الشعبية التي تدعيها وانها بهذا الخطر الذي تتكلمون عنه مالذي منعها من العمل فترة ثلاثين عاما اي منذ ال1982 وحتى الان …..؟
    ان حقيقة هذه القوى هي اداة بيد الغرب يسخرها لدعم عملائه من الأعراب في الخليج اولا وللضغط على من لايسير في ركبهم ثانيا ووجود هذه العصبة مرهون بوجود اسيادهم فاذا كان الرئيس الاسد تحدى الغرب عموما وامريكا خصوصا عندم طلبوا منه التنحي فرفض بل وقال لهم انتم عليكم ان تتنحوا فان مثل اطين هذا القائد لا يمكن انيقيم وزنا لعبد مامور كاخوان الشياطين وهو بالاساس لم يقم وزنا لاسيادهم

  4. إلى سورية قلب العروبة وليست قلب الاستبداد يقول :

    هم إخوان الشياطين وأنتم ماذا إخوان الملائكة؟؟؟ .. أي كلام فاضي وأي إسطوانات عقيمة لازلتم ترددوها منذ القدم, ألا تطورون أنفسكم قليلا؟!.. والمثير للدهشة أن جميع أنظمة الاستبداد العربية مع إختلافها سواءا ملكية أو جملوكية أو مشيخية وسواءا كانت إمبريالية صديقة للغرب كمصر ودول الخليج والمغرب أو إشتراكية علمانية كسوريا والعراق والجزائر وليبيا وغيرها .. كلهم بلا إستثناء كانوا ولايزالون يعادون الاخوان المسلمين والحركات الاسلامية بشكل عام ويتهموها بأقذع التهم والتلفيقات :)

    لأنهم ببساطة كلهم يخافون منهم على سلطانهم ولأنهم يعجزون عن سحب البساط من تحت أرجلهم في قلوب الناس فلو كانوا كما تدعي أنظمة حكم مبنية على الاسلام المحمدي وتطبق تعاليمه وإنسانيته لما كان للاخوان المسلمين أي وجود أو تأثير ولكن لأن تلك الانظمة هي في الواقع الحقيقي أنظمة أبعد ماتكون عن الاسلام وتعاليمه وتقريبا تعادي الاسلام في تشريعاتها وسياستها فلذلك فالاخوان المسلمين وأمثالهم هم أشد أعدائها وأخطرهم على وجودهم ولو لم يكن لهم تأثير وشعبية بين الناس لما أجمع الخصوم على محاربتهم والتنكيل بهم وقتلهم وحبسهم ونفيهم منذ عشرات السنين وحتى الآن!

    هذه حقائق لا يستطيع أحد أن ينكرها مهما تشدق وتنطع بالكلام ونظريات المؤامرة .. الغرب بكل مساوئه أثبت أنه أرحم بهم وغيرهم من المغضوب عليهم من تلك الأنظمة الاستبدادية التي لا ترحم مواطنيها ولا تسمح بأي رأي يخالف هوى ومزاجية القائد الرمز!

    وفي الخلاصة إذا كان الغرب يتأمر مع الاخوان المسلمين على الحكم الرشيد الوطني الرحيم في سوريا وغيرها لتنفيذ المخططات الصهيونية والامبريالية المريخية .. فبكل بساطة لماذا نظام حكمك كان ولازال يتعامل مع الغرب ويطلب ودهم ويتقرب إليهم في كل فرصة من تحت الطاولة ومن فوقها !.. فلتقطعوا علاقاتكم بهم ولتعلنوا عدائكم ومقاطعتكم لهولاء المتأمرين الصهيونيين إن كنتم صادقين فيما تقولون! :)

  5. بعثي سابق يقول :

    عزيزي كاتب المقال ,, كل ما يحدث في سورية من قتل و تدمير و تهجير من قبل النظام للشعب الذي تسميه حضرتك بالمتمردين ما هو إلا نتيجة (ممانعة) النظام البعثي أو العصابة البعثية للتحول الديمقراطي الذي تشهده المنطقة و الذي أدى و سيؤدي إلى وصول الاسلاميين المعتدلين إلى الحكم , التحول الديمقراطي قادم إلى سورية لا محالة و لو بعد حين لأن هذه الدولة الديكتاتورية التي يحاول الأسد بشتى الطرق المحافظة عليها ستسقط,, و إن صمدت طويلاً أمام الثورة السورية التي يحاول بعضكم إنكار و جودها لأنها لن تستطيع الاستمرار بمعزل عن الدول المحيطة بها و التي تأثرت كلها بالربيع العربي أو بالمد الديمقراطي ,, كل ما سنجنيه من ممانعة النظام و محاولاته الالتفافية هو المزيد من القتلى و المزيد من الخراب و الدمار و التدهور الاقتصادي لأن الديمقراطية قااااااااادمة و مهما تأخرت فإنها قااادمة ,, و الشعب السوري لن يصبر على رؤية جيرانه ينعمون بالديمقراطية بينما هو ما يزال مداساً بالحذاء العسكري الذي ورثه بشار عن أبيه . أما بالنسبة للإصلاحات (الغير مرجوة) فلن تكون محل قبول إلا إذا بدأت بتنحي بشار و هروبه إلى أي مكان من العالم .

    • Hani يقول :

      أية ديمقراطية هذه التي ستأتي من مجرمين عملاء لا يؤمنون بالديمقراطية؟… هؤلاء لن يجلبوا الديمقراطية بل سيجلبون الحرب الأهلية… وهم جلبوها بالفعل… هل يعقل أنك ما زلت حتى الآن تظن أنه ستكون هناك ديمقراطية؟… للأسف هذا تأثير غسيل العقول من القنوات الخليجية والغربية…

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s