أوردت قناة “الرأي” يوم الخميس خبر إطلاق حزب الله العراقي لصواريخ تجاه ميناء “مبارك” الكويتي، وأكد موقع دبكا الإسرائيلي اليوم هذه الأنباء وقال أن الصواريخ المطلقة هي من نوع سكود.
هذا الحدث هو تطور خطير وذو أبعاد كبيرة جدا. حزب الله العراقي هو كحزب الله اللبناني مرتبط بإيران، وإقدام حزب الله العراقي على تبني قضية الدفاع عن حدود العراق المائية وإطلاقه لصواريخ سكود تجاه دول الخليج يذكرنا تماما بسيناريو حزب الله اللبناني وكيف أنه تولى مسؤولية الدفاع عن حدود لبنان وصار يطلق الصواريخ على إسرائيل بين كل فترة وأخرى.
إيران تريد أن تجعل من جنوب العراق جبهة شبيهة بالجبهة اللبنانية الإسرائيلية، وهذا تهديد مباشر واستراتيجي لدول الخليج، والأخطر والأهم من دول الخليج هو طبعا القواعد العسكرية الأميركية في دول الخليج. حزب الله العراقي بإطلاقه للصواريخ على الكويت دشن عهدا جديدا في المنطقة هو عهد الحرب المباشرة بين إيران وبين الوجود الأميركي في الخليج.
هذا التطور هو ذو أبعاد استراتيجية هائلة، ومجيئه بعد فشل الزيارة التي قام بها أمير قطر إلى إيران يؤكد التوقعات التي تنبأت بتصعيد ضخم قادم إلى المنطقة.
إيران تثبت الآن بشكل عملي أنها تتحكم بالعراق وأنه لن يستطيع أحد أخذه منها. الخطير في قضية الميناء الكويتي هي أنها قضية وطنية عراقية وليست قضية فئوية، وبالتالي فتبني حزب الله العراقي لهذه القضية سيحظى بتأييد شعبي في العراق، وهو ما سيخلق أمام أميركا معضلة شبيهة بمعضلة حزب الله اللبناني الذي يتبنى قضايا وطنية عامة ويتجنب الخوض في الأمور الفئوية.
“لبننة” العراق تحولت إلى واقع مع هذه العملية التي نفذها حزب الله العراقي، وتغيير هذا الواقع هو أمر صعب جدا. قضية ميناء مبارك هي مجرد البداية فقط لقضايا أخرى ستظهر في المستقبل، وأهمها هو التواجد الأميركي في الخليج والذي أتوقع أنه سيصبح هدفا دائما لحزب الله العراقي.
الحكومة العراقية –كما الحكومة اللبنانية- لن تستطيع أن تنهي ظاهرة حزب الله، وبالتالي فمن المتوقع أن تتدهور علاقات العراق مع أميركا ودول الخليج، وهو ما سيرسخ انتماء العراق لمحور الممانعة. هذا أيضا مكسب هام.
جنوب العراق هو قوة جيوسياسية كبيرة لا قبل لدول الخليج بها. صدام حسين هزم هزيمة نكراء في الكويت لأنه حارب بطريقة كلاسيكية عقيمة، أما حزب الله العراقي فهو يمكنه أن يلحق هزائم فادحة بدول الخليج إن شن عليها حروبا غير تقليدية على غرار حروب حزب الله اللبناني.
إيران اليوم تعلن جاهزيتها التامة لخوض حرب مع الوجود الأميركي في الخليج، وهي تلوح باستخدام جنوب العراق كعامل أساسي في هذا الصراع، وهو تهديد كبير وخطير.
هذا التلويح الإيراني باستهداف دول الخليج عسكريا من جبهة العراق جاء بعد الزيارة الفاشلة لأمير قطر إلى إيران، مما يوحي بأن أمير قطر حمل ربما تهديدا عسكريا من نوع ما إلى إيران. على ما يبدو فإن أمير قطر حمل إلى إيران تهديدا بتدخل عسكري في سورية إن لم يستجب الرئيس السوري للمطالب المطروحة عليه، وهذا ما استدعى الرد العسكري القوي من إيران لإثبات أن الحرب لن تقتصر على سورية فقط بل ستطال الخليج. ربما تفيد هذه الهجمة الصاروخية أمير قطر بتذكيره بأن بضعة صواريخ شهاب يطلقها حزب الله العراقي كفيلة بجعل مقر قناة الجزيرة ركاما.
قناة الرأي تنطق بلسان سورية
بينما تنشغل قناة الجزيرة بتصعيد هجومها على سورية تبرز قناة “الرأي” المملوكة لمشعان الجبوري كناطق شبه رسمي باسم الحكومة السورية. ما يقوله مشعان الجبوري في هذه القناة يعبر عن وجهة نظر النظام السوري بنسبة 100%.
خطاب قناة الرأي هو نفس الكلام الذي أكتبه في مدونتي ولكن مع فارق واحد هام هو أن القناة تحرص بشكل صارم على تجنب الإساءة للمملكة السعودية. القناة تهاجم قطر والإمارات وتركيا بشكل مقذع ولكنها تتجنب مهاجمة السعودية لعدة اعتبارات أهمها أن النظام السوري يراهن -كما يظهر من كلام مشعان الجبوري ومن كلام المنافذ الإعلامية الأخرى للنظام السوري- على الانقسامات في العائلة المالكة السعودية.
النظام السوري يعتبر أن جناح الملك السعودي في العائلة السعودية الحاكمة يختلف جوهريا عن الجناح “السديري” الذي ينتمي إليه سعود الفيصل وبندر بن سلطان ونايف بن عبد العزيز المعروفين بولائهم الشديد للولايات المتحدة وعدائهم الشديد للقومية العربية ولإيران. النظام السوري تفاءل على ما يبدو بتحجيم دور سعود الفيصل في وزارة الخارجية وتعيين ابن الملك عبد الله نائبا له تمهيدا لسحب المنصب من الجناح السديري، ولهذا السبب فالنظام السوري يراهن على أن السياسة الخارجية السعودية ستخرج مستقبلا من يد الجناح السديري، وهو ما سيفتح باب المصالحة مع سورية.
مشعان الجبوري يحاول شحن الشعب السعودي ضد تركيا والإخوان المسلمين على نحو شبيه بمحاولة السديريين المستمرة لشحن السعوديين والعرب ضد إيران وحزب الله. النظام السوري يريد أن يحبط فكرة الحلف التركي-السعودي الذي تدفع أميركا باتجاه إنشائه ليواجه سورية وإيران ويحاول أن يروج بدلا من ذلك لحلف بين سورية والسعودية (وإيران بالضرورة). أي أن النظام السوري ما زال يعتقد بإمكانية جذب السعودية إلى موقف قريب من حلف الممانعة، وهو يراهن على انحسار دور الجناح السديري في الدولة السعودية لتحقيق هذا الهدف.
أديب ميالة يهيئ السوريين نفسيا لارتفاع الأسعار والبطالة
(دمشق ـ ا ف ب) اكد حاكم المصرف المركزي السوري اديب ميالة لوكالة فرانس برس انه سيكون على السوريين شد الاحزمة بعد فرض عقوبات اوروبية وامريكية قاسية على بلدهم الذي اضعفته اقتصاديا الحركة الاحتجاجية الجارية، مؤكدا ان هذه الاجراءات ستضر بالمواطن السوري.
وقال ميالة في مقابلة حصرية مع فرانس برس ‘سنواجه صعوبات متزايدة بسبب العقوبات والاحداث وسيكون علينا شد الاحزمة’.
واضاف ان ‘القطاع الاول الذي تضرر هو السياحة الذي تراجعت عائداته بنسبة تسعين بالمئة والمواطن هو المتضرر الاول. النقل والواردات والصناعات ستضطرب اكثر فاكثر وسيزداد الفقر والبطالة’.
وللضغط على سورية وادانة قمع التظاهرات الذي اسفر عن سقوط اكثر من 2200 قتيل حسب الامم المتحدة، اعلنت الاسرة الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة فرض عقوبات تجارية قاسية جدا على دمشق.
وقال ميالة ان ‘الحظر عقوبة ضد كل السوريين وخصوصا الاكثر ضعفا. تأكيدهم (الاوروبيون والامريكيون) انهم لا يريدون معاقبة الشعب هراء. هو وحده يتضرر وليس النظام’، مشيرا الى ان ‘الحظر يؤدي الى ارتفاع في الاسعار يضرب الاكثر فقرا’.
وتحدث ميالة الذي يحمل دكتوراة في الاقتصاد من جامعة ايكس اون بروفانس جنوب فرنسا، عن حادثة في تاريخ فرنسا، قائلا ‘اقول عكس ما دعت اليه ماري انطوانيت عندما طلبت من الشعب ان يأكل البسكويت اذا لم يكن لديه خبز’.
واضاف ‘اعتقد انه سيكون علينا التخلي عن تناول البسكويت لنأكل الخبز الاسمر’.
ومن العقوبات الجديدة التي فرضتها الولايات المتحدة منع استيراد النفط والمشتقات النفطية السورية الى الولايات المتحدة وتجميد كل اموال الدولة السورية التي قد تكون موجودة في اراض تخضع لقوانينها.
وبعد فرض العقوبات، اوقفت سورية ابرام اي صفقات بالدولار وتحولت بالكامل الى اليورو.
وقال ميالة (55 عاما) الذي يشغل منصب حاكم المصرف المركزي السوري منذ ست سنوات ‘توقف (ابرام الصفقات بالدولار). انها المرة الاولى في تاريخ البلاد’.
الا انه اوضح ان بلده فكر في هذا الاحتمال من قبل. وقال آسفا ‘منذ 2005 شجعنا كل القطاعات الاقتصادية على ابرام صفقات باليورو لكنه اغلبهم واصلوا مع الاسف ابرامها بالدولار’.
وصرح ميالة ان احتياطات بلده من القطع تبلغ حاليا 17.4 مليار دولار اي اقل بـ800 مليون دولار عما كانت عليه في منتصف آذار/مارس في بداية الحركة الاحتجاجية.
وقال ان ‘سعر صرف الليرة السورية بقي مستقرا الى حد ما وهذا هو هدفنا منذ بداية الازمة’، مؤكدا ان سعر الدولار في السوق الموازية بلغ 50.4 ليرة سورية وسعره الرسمي 47.69 ليرة.
ونفى الشائعات عن تحويل ستة مليارات دولار من ايران لدعم الليرة السورية التي تحدث عنها دبلوماسيون. وقال ‘انها مسخرة. كيف جاءت المليارات؟ هذا مثير للسخرية’.
وتابع ان استقرار الليرة السورية ناجم عن انشاء ‘صندوق لتقلبات اسعار صرف العملة’ قبل سنتين.
وقال ان ملياري دولار غادرت سورية خلال خمسة اشهر، حسب تقديره.
اما الودائع المصرفية، ‘فإذا كانت المبالغ التي سحبت في بداية الازمة وصلت الى ثلاثين مليار ليرة سوري (600 مليون دولار)، فقد عادت 24 مليارا (480 مليار دولار) الى المصارف. هناك فرق يبلغ ستة مليارات وهذا امر طبيعي لان الناس يريدون الابقاء على سيولة لديهم’.
واخيرا وجه ميالة تحذيرا الى الاوروبيين. وقال ‘يمكننا ان نحل مشاكلنا بمساعدة الصين. اذا انسحب الاوروبيون فسيحل الصينيون محلهم بسهولة ويسدون الفراغ. روسيا ايضا يمكن ان تساعدنا’.
كلام ميالة يتوافق مع تدويناتي السابقة عن مستقبل الاقتصاد السوري. الدولة السورية سوف تقوم بتحرير أسعار المحروقات وسترفع قيمة الجمارك على المستوردات غير الأساسية (كالغذاء والدواء مثلا)، وهو ما سيؤدي إلى ارتفاع كبير في الأسعار ولكنه سيحفظ الاستقرار المالي للدولة وسيحافظ على قيمة الليرة. أي أن الاقتصاد السوري سيظل صامدا ولكن على حساب الانفاق الاستهلاكي للمواطنين حيث أن هذا الانفاق سينخفض. هذا هو المقصود بشد الأحزمة الذي تحدث عنه ميالة.
ميالة تحدث أيضا عن الأموال الصينية التي ستعوض عن الأموال الأوروبية، وهو أيضا أمر أشرت له في تدوينة سابقة.
الشعب السوري سيعاني في السنوات في القادمة من الغلاء والبطالة، ولكن الاقتصاد السوري لن ينهار والدولة لن تعاني من أزمة مالية. أي أن تأثير العقوبات الاقتصادية سيكون على الشعب وليس على الدولة، وهذا أمر معروف سلفا والغربيون يعرفونه أكثر من غيرهم، ولكن فلسفتهم هي أن إفقار الشعب السوري سيضعف تأييده للنظام الحاكم، وهي سياسة بعيدة المدى وغير أخلاقية، ولذلك تسترت أميركا وراء ما يسمى بالمعارضة السورية لفرضها (على أساس أن أميركا تقرر سياساتها بناء على طلبات محمد العبد الله ورضوان زيادة).
بالنسبة لتأثير العقوبات بعيد المدى فهو تأثير مشكوك فيه وقد تحدثت عن ذلك سابقا. يكفي فقط أن نعلم أن الغرب لم تعد له ذات الأهمية الاقتصادية التي كان يتمتع بها سابقا في العالم، وبالتالي فالقطيعة الاقتصادية معه لم تعد بنفس التأثير الذي كانت تملكه قبل 20 سنة مثلا.


