هل اقتربت التسوية الشاملة؟

Posted: اغسطس 25, 2011 in سياسة

مع اقتراب شهر آب من نهايته تبرز مؤشرات على إعادة خلط للأوراق الإقليمية وعلى تغيرات محتملة في مواقف بعض الدول توحي باستعدادها لتسوية شاملة قريبة.

المشهد الإقليمي مع نهاية شهر آب وصل إلى أقصى درجات الالتهاب. محور الممانعة استنفر كل طاقاته وقام بإشعال كل الجبهات تقريبا. أهم ما يجب ملاحظته في الآونة الأخيرة هو تصاعد العمليات الكردية ضد الجيش التركي في جنوب شرق تركيا والتي باتت ظاهرة جدية وتنذر بتصعيد كبير. أيضا يجب أن نلاحظ التصعيد الكبير على جبهة سيناء وغزة والذي يتهم كثيرون محور الممانعة بالوقوف ورائه. والأخطر من كل ذلك هو الجبهة الليبية التي تأكد أنها لن تكون جبهة هادئة على الإطلاق مع تصاعد المواجهات بين أنصار القذافي وثوار الناتو.

قناة “الرأي” التي تبث من دمشق تحت ستار عراقي هي رد سوري قوي على القنوات الخليجية. لقد تابعت هذه القناة بالأمس وصدمني ما شاهدت. هذه القناة تؤدي نفس دور قناة الجزيرة وغيرها ولكن في الاتجاه المضاد، حيث أنها تقوم بعملية شحن قوي جدا ضد ثوار الناتو في ليبيا والدول الداعمة لهم، ومن متابعتي لها تبين لي أن لها مفعولا جديا حيث أنها تستقبل الاتصالات الحماسية من المشاهدين على مدار 24 ساعة تقريبا وبدون توقف، والأخطر هو أن القناة تدعو العرب للتطوع للقتال في ليبيا وتقول أنها ستوفر لهم التسليح والتدريب.

من الواضح أن المنطقة تعيش الآن حالة مواجهة شاملة بين المحور الأميركي والمحور الممانع. والملفت أيضا أن روسيا ما زالت تتابع مساعيها للم شمل محور الممانعة حيث أنها بعد التوسط في القضية الإيرانية طرحت مبادرة لحل أزمة كوريا الشمالية، وهي تتابع التواصل والتنسيق مع كل دول الممانعة حول العالم بشكل مكثف. وكان من اللافت موقف روسيا من الوضع الليبي حيث أنها رفضت أن تعترف بالنظام الجديد في ليبيا واعتبرت أن الوضع لم يحسم بعد، وبما أننا نعرف أن الوضع في ليبيا لن يحسم بالشكل الذي تريده روسيا قريبا فهذا يعني أن روسيا ترفض الاعتراف بعملية تغيير النظام الليبي التي قادتها الدول الغربية، وهو موقف متقدم ويثبت أن روسيا لا تنوي التنازل عن ليبيا دون مقابل.

برز أيضا في الفترة الماضية التناقض الحاد في المواقف بين أميركا وبين محور الممانعة حول الموضوع السوري، فبينما دعت أميركا وأتباعها لإسقاط النظام السوري ورموا بكل ثقلهم من أجل ذلك رأينا أن الرد الروسي والصيني كان صارما وآخر تجلياته هو الموقف الذي أعلنته روسيا والصين اليوم برفض التدخل في الشؤون الداخلية السورية. أيضا جاءت المواقف الإيرانية قوية ولافتة في الدفاع عن سورية.

باختصار، ما نعيشه حاليا هو حالة اشتباك تام بين المحور الأميركي ومحور الممانعة الذي تقوده روسيا وإيران، ويبدو واضحا أن كل محور يحاول أن يثبت لنفسه مواقعا وأوراقا استعدادا للمقايضة الشاملة والتي يبدو أن ظروفها بدأت تنضج.

هناك عدة مؤشرات تدل على أننا نعيش آخر لحظات المواجهة وأن الأمور تتجه نحو التسوية قريبا. أهم هذه المؤشرات هي أن أميركا وأتباعها وصلوا عمليا إلى أقصى مدى ممكن في هجمتهم. دول الغرب تعاني من أزمة اقتصادية كبيرة وعميقة وهذه الأزمة تكبلهم وتفقدهم القدرة على شن أية حروب جديدة، ناهيك عن أن مواسم الانتخابات في الدول الغربية قد اقتربت ولم يعد هناك مجال للمجازفات. يجب أن نلاحظ أن الهجمة على سورية وصلت إلى حدها الأقصى ولم يعد بإمكان الغربيين فعل أي شيء بعد أن اصطدموا بحائط مسدود في مجلس الأمن وبعد أن انتهى شهر رمضان دون أن تظهر أية علامات تدل على تصدع النظام السوري. الوضع على الأرض في سورية حسم تقريبا لصالح النظام حيث لم تعد هناك أية إمكانية لأن يفقد النظام السيطرة على البلاد أو على جزء منها، كما أن احتمالات التدخل العسكري التركي ضد سورية صارت سرابا، والوضع على الصعيد السياسي ليس أفضل حيث أن أميركا وتركيا فشلتا في توحيد “المعارضة السورية” وخلق بديل للنظام السوري من بين صفوفها رغم سعيهما الحثيث لذلك.

المحور الأميركي وصل إلى مرحلة الاستنزاف على كل الجبهات ولم يعد بإمكانه فعل أي شيء. إن استمرار المواجهة بعد شهر آب سيؤدي إلى تحول مكاسب المحور الأميركي إلى خسائر، حيث أن التمرد في سورية سيضعف كثيرا بعد انتهاء رمضان، وفي ليبيا من المتوقع أن يشتعل الوضع ويزداد استعارا في الفترة القادمة، وعلى الصعيد الإيراني بات واضحا أن أمور إيران تتجه نحول الحلحلة (ونفس الأمر على الصعيد الكوري الشمالي). باختصار، أميركا الآن وصلت إلى ذورة مجدها ولا بد لها أن تجري صفقة الآن وإلا فإنها ستخسر إن أجرتها لاحقا، لأن الأمور لن تسير لصالحها.

من هذا المنطلق نفهم ربما التغير الذي بدأ يظهر على المواقف الخليجية. كان لافتا بالأمس خبر قمع السلطات السعودية لمظاهرة ضد بشار الأسد في الرياض بعد أن كانت تسمح بهذه المظاهرات سابقا. أيضا هناك تراجع في قسوة تغطية الجزيرة للشأن السوري، وهذا التراجع يتزامن مع زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء القطري إلى إيران، والتي سيبحث فيها طبعا الشأن السوري والبحريني.

الدعوة القطرية لبحث الشأن السوري في الجامعة العربية هي دعوة غامضة. إذا أخذنا هذه الدعوة في سياق مسار الأشهر الماضية فهي بلا شك تهدف لإيذاء سورية، ولكن إذا أخذناها في سياق التهدئة الأخيرة فهي ربما تكون بداية لحلحلة الأمور تمهيدا للتسوية.

ما يلي هو نص الدعوة القطرية لعقد الجلسة (من جريدة السفير):

http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=1930&ChannelId=45550&ArticleId=3057&Author=

وكان رئيس الحكومة القطرية الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني قد قال، في ختام اجتماع «لجنة مبادرة السلام» في الدوحة أمس الأول، «تكلمنا في موضوع سوريا الشقيقة، واتفقنا على أن يكون هناك اجتماع طارئ لمناقشة الوضع العربي وسوريا بالتحديد، لبحث كيفية المساعدة في حلحلة الأمور في سوريا، بحيث تلبي الاستقرار وتقوم سوريا بالإصلاح المطلوب، وكذلك كيفية أن تكون الدول العربية معاونا ومساعدا في هذا». وقال إن «القيادة السورية أعلنت إصلاحات ومن المهم وضع جدول زمني لتنفيذها ووقف إراقة الدماء في سوريا أيا كان الجانب الذي يقوم بذلك».
وأضاف أن «الاجتماع المقبل في القاهرة سيتدارس بداية مسيرة الإصلاح في سوريا، وهذا ما نتمناه في قطر، وهذا ما سنحاول أن نقوم به». واعتبر أن «العالم العربي يمر بمراحل صعبة قد تكون في المستقبل إيجابية، ولكننا نريد أن تنتقل الأمور إلى الأحسن بأقل خسائر ممكنة».

هذه الصياغة ملتبسة ويمكن فهمها على الوجهين، ولكن الطابع العام لها يوحي بنية في “حلحلة الأمور في سوريا” كما جاء في نصها حرفيا وليس التصعيد. بالتالي يمكننا أن نفترض أن عقد جلسة الجامعة العربية بشأن سورية يهدف للتهدئة وليس التصعيد، وذلك ببساطة لأن وقت التصعيد قد فات على ما أظن.

قطر (بالنيابة عن أميركا) تريد أن تجري الصفقة مع سورية وإيران الآن وبينما الأمور هي في صالح أميركا سواء في ليبيا أو في سورية (على اعتبار أن بحث قرار مجلس الأمن ضد سورية لم ينته بعد)، ولذلك قامت قطر بالتهدئة وسيزور رئيس الوزراء القطري إيران قريبا لبحث الصفقة. في المقابل محور الممانعة بكل أعضائه يتصلب ويتشدد ويرعد ويزبد لإظهار أن الأمور تسير في صالحه وأنه ليس في حالة ضعف.

لا أدري ما هي الصفقة التي ستتم، ولكنني أفترض أن أميركا تريد صفقة من قبيل “أعطونا ليبيا والعراق والبحرين واحتفظوا بسورية ولبنان وإيران”. بالأمس صدر تصريح عن مسؤول أميركي يقول بأن العراق هو أقرب للولايات المتحدة من إيران، وهذه إشارة واضحة إلى النوايا الأميركية. أميركا تريد ببساطة أن تبقى في العراق، وهي ستترك سورية إن تركتها إيران في العراق، وأيضا قطر ستكون مستعدة لتخفيف الضغط عن سورية ومساعدتها ماليا في حال اعترف محور الممانعة بأن ليبيا صارت من نصيب قطر وفرنسا وأميركا. إذن قطر الآن ستعرض على سورية وإيران صفقة وتخيرهما بين العصا والجزرة. العصا هي جلسة مجلس الجامعة العربية وجلسة مجلس الأمن والتهديد بتكرار السيناريو الليبي في سورية، والجزرة هي “المساعدة على حلحلة الأمور في سوريا” كما قال رئيس الوزراء القطري.

السؤال هو حول ما إذا كان محور الممانعة سيقبل بهذه الصفقة أم لا؟ الجواب المفترض هو لا، ولكن لننتظر ونرى ما سيحدث. ربما يتم التوصل إلى صفقة شكلية تكون عبارة عن خدعة لأميركا وأتباعها، وهو أمر قام به محور الممانعة عدة مرات من قبل، ومن الأمثلة على ذلك لبنان الذي باعه بشار الأسد وبعد أن قبض ثمنه أعادته إيران إلى جيبه. هذا التلاعب في الصفقات هو أمر معتاد من سورية وإيران اللتين تحترفانه منذ زمن بعيد. لا أظن أن سورية وإيران ستتركان العراق لأميركا أبدا ولكنهما ربما تدعيان ذلك شكليا لكي توفرا مخرجا مشرفا لأميركا من الأزمة (ولكي تقبضا ثمنه). من الاستقراء التاريخي أظن أن إيران وسورية ربما تبيعان العراق وليبيا رسميا ولكنهما بعد فترة ستستعيدانهما من جديد بطرق ملتوية، وبذلك تكون أميركا وأتباعها قد خرجوا من المولد بلا حمص كما حصل في لبنان.

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s