
- عجلة الاقتصاد السوري لن تتوقف ولكن معدل النمو سينخفض بشدة وقيمة الليرة ستنخفض، مما يعني توسع الفجوة الاقتصادية بين سورية وغيرها من الدول وزيادة فقر المواطن السوري وزيادة البطالة وارتفاع الأسعار
لا شك أن معظم سنوات سورية منذ نشأتها إلى الآن هي سنوات عجاف، ولكن السنوات القليلة القادمة (والتي كنا قبل 6 أشهر نتوقع أن تكون من السنوات الأفضل في تاريخ سورية) ستكون سنوات صعبة جدا وغير مسبوقة في صعوبتها منذ عقد الثمانينات.
من الناحية السياسية والأمنية ستعيش سورية مرحلة شبيهة بالمرحلة التي عاشها العراق في العقد الماضي والمرحلة التي عاشتها سورية بين عامي 1976-1982، حيث أنه ستكون هناك عملية سياسية جديدة ولكن هذه العملية ستكون مرفوضة من قطاع كبير من الشعب لا يقل عن 30%-40% من إجمالي السكان، مما يعني أن الاضطرابات المدنية ستستمر لفترة طويلة وسيكون هناك ربما ظهور لحركة عنفية إرهابية شبيهة بالحركة التي ظهرت في العراق بعد إسقاط نظام صدام والحركة التي ظهرت في سورية بعد مقتل مروان حديد في عام 1976.
هذه الحركة ستحظى بدعم خارجي كبير شبيه بالدعم الذي حظيت به حركة الإخوان في السبعينات والثمانينات. على الصعيد الإعلامي من الواضح أن الإعلام الخليجي والإعلام الغربي سيستمر في حملة التحريض الطائفي وغير الطائفي ضد النظام السوري (كما يفعلون مع النظام العراقي الحالي)، مما سيؤجج الوضع في سورية أكثر وأكثر ولن يسمح بحل سياسي قريب للأزمة. وعلى الصعيد العسكري لا نستبعد أن تقوم المخابرات الأميركية والسعودية بتدريب وتسليح عناصر الحركة الإرهابية المرتقبة وتزويدهم بمعلومات استخباراتية وأسلحة حديثة مضادة للدروع والطائرات. هناك سوابق معروفة لأميركا في هذا المجال وقد تحدثت عنها سابقا. المعضلة الوحيدة التي ستواجههم هي المكان الذي سيؤوي عناصر هذه الحركة (التي ربما يطلقون عليها مسمى “الجيش السوري الحر” أو “حركة الضباط الأحرار” أو شيء من هذا القبيل)، حيث أن تركيا لا مصلحة لها في فتح هكذا نزاع مع سورية، والأردن لا يبدو حتى الآن في وارد تكرار تجربة السبعينات والثمانينات خاصة وأنها سترتد عليه سلبا.
بالإضافة لهذه الحركة العنفية المنظمة نخشى أيضا أنه سيحصل تدفق لمقاتلي تنظيم القاعدة نحو سورية كما حصل في العراق بعد سقوط صدام. رسالة الظواهري كانت واضحة في أنه يدعم الجهاد في سورية، ومواقف القنوات الفضائية الوهابية واضحة أيضا وهي تظهر حماسة كبيرة لدى الوهابيين للجهاد في سورية.
خطر القاعدة يأتي أساسا من العراق ولبنان، حيث أن العراق حاليا يعج بمقاتلي القاعدة والحدود بين البلدين طويلة وصعبة الحراسة، مما يعني أن احتمال انتقال مقاتلي القاعدة من العراق إلى سورية هو احتمال كبير، والحل لهذه المعضلة سيكون بالتنسيق الأمني بين العراق وسورية (وهو ما أظن أنه قائم بالفعل منذ فترة). أما الحدود اللبنانية فضبطها أسهل خاصة وأن لبنان الآن هو في الفلك السوري-الإيراني.
خطر الغزو الخارجي قائم (وهو أصلا دائما قائم منذ عام 2003 إلى الآن)، وربما يكون إضعاف سورية وإيران ولبنان هو تمهيد للحرب الشاملة المنتظرة، رغم أن ظروف أميركا وإسرائيل الحالية لا توحي بجاهزيتهما لخوض حرب شاملة في الشرق الأوسط. صعود العراق المرتقب في السنوات القادمة وخروج أميركا منه سيقوي محور الممانعة كثيرا وسيصعب مهمة أميركا وأتباعها في التخلص منه. لا أظن أن إسرائيل يمكن أن تفكر يوما بفتح جبهة ضد تحالف يمتد من الجولان وجنوب لبنان حتى حدود أفغانستان. قوة إسرائيل التسليحية مهما بلغت لا يمكنها أن تتصدى لسورية والعراق وإيران وحزب الله مجتمعين، وهذا هو الكابوس الاستراتيجي الذي يؤرق إسرائيل ويدفع الولايات المتحدة لمحاولة إضعاف محور الممانعة بشتى الوسائل. الخلاص الوحيد لإسرائيل هو في إيجاد تصادم بين محور الممانعة وبين الدول “السنية” في المنطقة، ولكن تركيا على ما يبدو لا تريد هذا السيناريو لأنها ليست بدرجة غباء المملكة السعودية الوهابية.
هذه هي الأخطار الأمنية التي ستواجهها سورية في المرحلة المقبلة، أما الأخطار الاقتصادية فهي تتمثل أساسا بالحظر الاقتصادي الغربي (والذي لا أظن أنه سيصبح دوليا).
معظم صادرات سورية إلى أوروبا (أكثر من 85%) هي من النفط الخام، وهذا النفظ الخام يمكن بيعه لدول أخرى غير غربية ولكن بصعوبة نظرا لأن النفط السوري هو من نوعية رديئة والمصافي التي تكرره معظمها موجود في أوروبا فقط. أنا وضحت وجهة نظري في موضوع الحظر النفطي سابقا وقلت أنه يمكن أن يكون أمرا إيجابيا إن تعاملت معه سورية كما تعاملت إيران، بمعنى أن تستغله لتسريع الإصلاح المالي وتقليل الهدر. أما إن تعاملت معه سورية بطريقة تقليل الإنفاق الاستثماري والإبقاء على الإنفاق الجاري كما هو فهذه ستكون كارثة استراتيجية.
من المتوقع أيضا أن تواجه سورية بعض الصعوبة في تأمين المشتقات النفطية (كالمازوت والبنزين والفيول) نظرا لأنها تستورد قسما كبيرا من هذه المشتقات من أوروبا. هذه المشكلة يمكن أيضا أن تكون أمرا إيجابيا في حال استغلتها سورية لتقليل استهلاك المشتقات النفطية عبر رفع أسعارها ومساعدة الناس على التحول إلى استخدام الطاقة الشمسية لتسخين المياه، أما إن لجأت الدولة إلى أسلوب معاقبة بعض المناطق بحرمانها من المشتقات النفطية (كحمص وإدلب ودرعا) فهذه السياسة ستعمق من خسائر الاقتصاد السوري.
بعيدا عن الخطر النفطي (والذي أستخف به أنا شخصيا) لا يوجد خطر جوهري على الاقتصاد السوري. بالطبع ستكون هناك خسائر كبيرة بسبب توقف التبادل التجاري مع أوروبا (خاصة بسبب توقف الاستيراد من أوروبا حيث أن قسما كبيرا من المصانع السورية يعتمد على استيراد القطع والآليات من أوروبا)، ولكنني أظن أن هذه الخسائر يمكن تعويضها على المدى الطويل بإيجاد البدائل من مصادر أخرى. أيضا لا ننسى التهريب عبر لبنان والعراق والذي سيعوض لسورية معظم ما تحتاجه من بضائع غربية بشكل غير مباشر.
معظم الصادرات السورية غير النفطية تذهب إلى السعودية والعراق. العراق لن يوقف تبادله التجاري مع سورية، وفي حال قررت السعودية وقف التعامل التجاري مع سورية فهذا سيكلفها خسائر كبيرة جدا نظرا لأن العراق وسورية سيقومان بإغلاق حدودهما أمام حركة الشاحنات السعودية مما سيقطع التواصل البري بين السعودية وتركيا وأوروبا ولبنان (هذا التهديد ورد على لسان مسؤول سوري لصحيفة الحياة).
لا شك أن الحصار سيكلف سورية خسائر كبيرة وسيقلل من نموها بشكل كبير، ولكنه لن يوقف عجلة الاقتصاد السوري. سورية ستتكيف مع الحصار على المدى الطويل كما فعلت دول أخرى من قبل.
من الجوانب السلبية التي ستعانيها سورية بسبب الحصار الغربي وتسرع الغرب في لعب ورقة الحظر النفطي والتجاري أن النظام السوري سيخفف على الأغلب من وتيرة الإصلاحات السياسية التي كان يتحدث عنها. تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في سورية لا يساعد على الانفتاح السياسي، وبالتالي أعتقد أن النظام سوف يخفف من سرعة الإصلاح. الغرب بإلقائه كل أوراقه لم يعد يملك ما يهدد به النظام السوري، وبالتالي أنا لن أستغرب إن تأخر تعديل الدستور لأعوام وليس لأشهر كما كنا نسمع. ليس من مصلحة النظام السوري إجراء انتخابات نزيهة في ظل أزمة اقتصادية طاحنة في البلد، وبالتالي أنا أظن أنه لن تكون هناك انتخابات نزيهة في سورية قريبا. أعتقد أن النظام سوف يجري انتخابات غير نزيهة في العام القادم وبعد ذلك سيتم بحث تعديل الدستور ولن يتم تعديله قبل مضي سنوات.

