تكاثرت الأنباء الواردة في الأيام الأخيرة عن مظاهرات في مناطق متعددة من مدينة حلب. هذه التحركات في حلب كانت منتظرة منذ أشهر وليس فيها أي مفاجأة.
هذه التحركات مفيدة للنظام السوري وليس العكس. النظام السوري ربح المعركة نهائيا على الصعيد الدولي والإقليمي والمحلي. من الواضح أن جلسة مجلس الأمن غدا لن تخرج بأي قرار يؤذي النظام السوري، بل المتوقع هو ألا يخرج مجلس الأمن بأي قرار من الأساس.
النظام السوري هو الآن في وضع مريح جدا، ولهذا عاد للحديث مجددا عن الإصلاح السياسي والذي نتوقع أن يعود إلى الواجهة الإعلامية في الأسبوع المقبل بناء على الخطة المتفق عليها مع داود أوغلو.
النظام السوري خرج من الأزمة، ودخول إسلاميي حلب إليها الآن هو انتحار سياسي شنيع، مما يجعلني أشك بوجود مؤامرة محتملة من النظام السوري وراء التحركات الأخيرة في حلب.
لو كان إسلاميوا حلب لم يتحركوا خلال هذه الأحداث لكان ذلك بقي في ذاكرة الإسلاميين على أنه السبب وراء فشل حركة التمرد. الإسلاميون معروفون بتفكيرهم الخرافي وغير العلمي وهم دائما ما يخرجون بفرضيات خرندعية لا أساس لها في الواقع ويبنون عليها نظريات وخططا واستراتيجيات تقودهم نحو الهاوية كما حدث الآن. لو كانت حلب لم تتحرك الآن لكان ذلك دخل في التاريخ الإسلامي على أنه السبب وراء فشل حركة التمرد، وكان الإسلاميون سيتوارثون هذه الخرافة لخمسين سنة قادمة ويبنون عليها خططا وأوهاما تقودهم نحو هاوية جديدة. تحرك حلب ودمشق الآن هو ضروري حتى يقتنع الإسلاميون بأن سبب فشل تمردهم ليس عدم مشاركة حلب ودمشق.
بعد فشل تمرد الإخوان المسلمين في الثمانينات سرت نظرية في الفكر الإسلامي تقول بأن سبب فشل ذلك التمرد كان عدم مشاركة كل المدن السورية في وقت واحد والتعتيم الإعلامي المفروض على الأحداث. طبعا هذا الكلام لا أساس له من العلم والمنطق والواقع، ولكن الإسلاميين مع ذلك أخذوه كحقيقة مقدسة وظلوا لعشرات السنين يبنون عليه آمالا وأحلاما وخططا قادتهم إلى المأساة الحالية. أنا لا أقول هذا الكلام شماتة بهم بل أنا صدقا حزين عليهم ويؤلمني ما يحصل في سورية (وأحمل النظام مسؤولية الأحداث الحالية وليس هم)، ولكنني فقط أصف الواقع.
ما حدث في سورية في السبعينات والثمانينات كان معروفا لكل دول العالم ولم يكن هناك أي تعتيم كما يزعم الإسلاميون، وفي تلك الأوقات سورية لم تكن متروكة بل كانت محل صراع إقليمي طاحن. السبب الرئيسي لانتصار النظام السوري في تلك الأحداث كان تمتعه بالدعم السوفييتي القوي، بالإضافة إلى إمساك النظام بمفاصل القوة الأمنية والعسكرية في الداخل السوري وتمتعه بقاعدة شعبية واسعة نسبيا. هذه هي أسباب انتصار حافظ الأسد في الثمانينات وليس الأسباب الخرافية التي ظل الإسلاميون يرددونها لعقود حتى صدقوها وبنوا عليها خطة التمرد الحالي الفاشل.
أتمنى (مع أني لا أتوقع) أن يستفيد الإسلاميون من التجربة الحالية وأن يفهموا حدود قدرتهم وإمكاناتهم في المجتمع السوري، وأتمنى منهم أيضا أن يفهموا أن أميركا ليست رب الكون وأن الرؤساء ليسوا كلهم كحسني مبارك يمكن خلعهم بتصريح صحفي من البيت الأبيض.
دخول إسلاميي حلب ودمشق إلى التمرد يعني أن الإسلاميين في سورية استنفذوا كل طاقاتهم وإمكانياتهم، وبالتالي فهم أصبحوا الآن في حالة انكشاف تام أمام النظام السوري. من الآن فصاعدا لن يستطيع الإسلاميون أن يضغطوا على النظام برفع ورقة التمرد في وجهه لأن هذه صارت ورقة محروقة. حتى ورقة التحريض الطائفي (والتي هي تقليديا أكثر ما يخيف النظام السوري) صارت ورقة محروقة بعد أن انتشرت دعوات التحريض الطائفي والديني بشكل سافر على القنوات الفضائية الخليجية.
ربما يحاول بعض الإسلاميين اختلاق ورقة جديدة بقولهم أن هناك من لم يتحرك بسبب كلام البوطي والمفتي حسون وأمثالهما، وهذه طبعا ورقة وهمية لا قيمة لها. الانتفاضات والحركات الاجتماعية لا علاقة لها بكلام فلان أو علان بل هي تعود إلى أسباب عميقة اقتصادية وسيكولوجية. من يريد الانتفاض فهو لن يتوقف عند كلام البوطي وحسون ولا حتى كلام النبي نفسه، والشواهد على هذا معروفة في التاريخ وهي لا تعد ولا تحصى. قصة أن رجال الدين يسيرون المجتمع هي خرافة لا أساس لها، والواقع هو أن المجتمع هو من يسير رجال الدين، وهذا أمر معروف في التاريخ ومشاهد في واقعنا المعاصر.
إذن الإسلاميون الآن أحرقوا كل أوراقهم وأصبحوا في موقع انكشاف تام أمام السلطة، وهذا ما تنبأت به في تدوينة سابقة عندما قلت أن دخول حلب ودمشق إلى التمرد سيزيد من خسائر الإسلاميين في سورية إلى الحد الأقصى.
علمنة المجتمع
من الأسباب المباشرة للانتفاضة السورية الحالية ما سرى قبل نحو سنتين في أوساط الإسلاميين من أن النظام السوري يعتزم “علمنة المجتمع”. الإسلاميون أخذوا اقتباسا من لقاء صحفي لبشار الأسد واقتباسا آخر لبثينة شعبان يتحدثان عن العلمانية ونشروا هذه الاقتباسات بشكل مكثف فيما بينهم، وعندما بدأت السلطة قبل نحو عام باتخاذ بعض الإجراءات التي وصفت بأنها لمكافحة التشدد الديني أصيب الإسلاميون بالغضب إلى درجة أن وفدا من “علماء الدين في دمشق” الذين ذهبوا لمقابلة بشار الأسد وحاولوا أن يثنوه عن تلك الإجراءات خرجوا من اللقاء معه ليقولوا لأتباعهم بأن تمرد الإخوان المسلمين في الثمانينات كان صائبا. حتى البوطي أصيب بالغضب إلى درجة أنه تنبأ من على منبر الجامع الأموي بـ “كارثة ستحل على الشام إن لم يوقف عرض مسلسل ما ملكت أيمانكم”، وهو بهذا التصريح كان يقصد أن ثورة إسلامية ستندلع في سورية إن لم تتراجع السلطة عن خطتها لـ”علمنة المجتمع”، وهو ما حدث بالفعل (والبوطي نفسه أقر عندما اندلع التمرد الحالي بأن هذا هو ما حذر منه).
بشار استقبل البوطي و”علماء الشام” في الأيام الأولى للأزمة الحالية ووعدهم بإجابة كل طلباتهم، فكان أن وافق على افتتاح معهد الشام الشرعي وإطلاق قناة فضائية دينية بالإضافة إلى التراجع عما سمي بإجراءات مكافحة التشدد الديني.
ولكن سير الأحداث أثبت أن البوطي وعلماء الشام لا يملكون إلا سلطة محدودة على جمهور الإسلاميين في سورية، وبالتالي فورقة البوطي وعلماء الشام صارت حسب ما أرى ورقة محروقة، والمفترض أن النظام لن يعير لهم بالا بعد الآن إلا من قبيل الوفاء لهم بسبب مواقفهم خلال الأزمة.
على كل حال يجب ألا ننسى أن البوطي وأمثاله يمثلون الإسلام السني التقليدي والإسلام الصوفي، وهذه الأنواع من الإسلام لن تتأثر كثيرا بحملة “علمنة المجتمع”. حملة “علمنة المجتمع” هي مصممة أساسا للتخلص من الإسلام الوهابي والإخواني، أما الإسلام السني التقليدي والإسلام الصوفي فهما لن يتأثرا بحملة علمنة المجتمع إلا على نحو بسيط وسطحي. لو نظرنا إلى تركيا مثلا نجد أن الإسلام السني التقليدي والإسلام الصوفي ما زالا موجودين فيها بقوة رغم مرور عقود من العلمانية. (أنا عندما أستخدم كلمة “إسلاميين” في تدويناتي أقصد بها حاملي فكر الإسلام السياسي أو الإخواني، أما المسلمون العاديون كالصوفيين مثلا فهؤلاء لا أسميهم إسلاميين).
ما الذي ينقص سورية حتى تكون دولة علمانية؟
الدستور السوري هو دستور علماني باستثناء المادة الثالثة منه التي أقحمت فيه إقحاما (ذكرت القصة سابقا). هذه المادة تناقض أساسات المواطنة وهي تناقض الدستور نفسه الذي تنص إحدى مواده على تساوي المواطنين في الحقوق والواجبات. هذه المادة يجب أن تحذف من الدستور الجديد لكي يكون علمانيا.
قانون الأحوال الشخصية السوري هو أكبر عائق أمام كون الدولة السورية دولة علمانية. القانون السوري الحالي للأحوال الشخصية هو قانون عثماني يتعامل مع المواطنين على أساس نظام الملل الذي كان مطبقا في زمن الدولة العثمانية. لكي تكون الدولة علمانية (ولكي تكون دولة مواطنة) لا بد من وجود قانون موحد للأحوال الشخصية، وهو أمر متعذر حاليا على ما أعتقد ولذلك فالحل هو بإصدار قانون مدني اختياري للأحوال الشخصية إلى جانب القوانين الملية، وهو أمر سهل حسب رأيي لأن القانون الجديد لن يلغي القوانين الملية بل سيكون موجودا إلى جانبها، وبالتالي لن يحق لأحد الاعتراض. معالجة مسألة قانون الأحوال الشخصية هي أمر أساسي وجوهري لعلمنة الدولة وتخفيف الطائفية في المجتمع. بالتوازي مع إصدار قانون الأحوال الشخصية المدني يجب أن تحذف خانة الديانة من سجلات القيد.
التعليم السوري علماني عموما ولكن هناك مشكلة في مناهج الدين التي يجب توحيدها في منهاج واحد مبني على أساس علمي (علم الأديان المقارن)، وأقترح أن يقوم المنهاج الجديد بتغطية عدد كبير من الأديان والمذاهب وليس فقط الإسلام والمسيحية. مثلا يمكن تدريس الطلاب في المرحة الابتدائية المبادئ العامة للإسلام والمسيحية واليهودية، وفي المرحلة الإعدادية يمكن الانتقال إلى دراسة أديان أخرى هامة كالبوذية والهندوسية والإلحاد، وفي الثانوية يمكن مثلا دراسة الفروقات بين المذاهب المختلفة في الإسلام والمسيحية وتاريخها. طبعا المنهاج يجب أن يكون مبسطا جدا ومختصرا ولا يزيد حجم الكتاب عن 30-40 صفحة حتى يستفيد منه الطلاب. تدريس علم الأديان المقارن في المدارس سيساعد كثيرا على تخفيف التعصب لدى الناشئة، أما المناهج الحالية التي تقوم على مبدأ التلقين أحادي الرأي فهي تغذي وتنمي التعصب ويجب إلغاؤها إذا كنا نريد فعلا بناء مجتمع علمي التفكير وغير طائفي.
نفس الكلام ينطبق على منهاج الثقافة القومية الذي يجب تغييره جذريا من منهاج تلقيني أحادي الرأي إلى منهاج علمي يقوم على أساس الدراسة النقدية لتاريخ الأمم والشعوب ويزرع في الطلاب مفاهيم المواطنة، ويجب أن يكون المنهاج مبسطا ومختصرا حتى يستفيد الطلاب منه. منهاج الثقافة القومية الحالي هو نقيض اسمه حيث أنه يهدم روح المواطنة والقومية في الطلاب ويرزع فيهم روح التعصب والدوغمائية.
الإعلام السوري هو عموما علماني ولكنه أصلا إعلام ضعيف ولا يقدم ولا يؤخر في ظل وجود القنوات الفضائية الخليجية التي اخترقت البيوت السورية ونشرت الطائفية والتعصب والجهل بألوانه.
إذن الأمور اللازمة لعلمنة الدولة وبناء روح المواطنة في النفوس هي في رأيي ما يلي:
- حذف المادة 3 من الدستور
- إصدار قانون مدني للأحوال الشخصية
- تحويل مناهج الدين والثقافة القومية في المدارس إلى مناهج علمية والتخلص من المناهج التلقينية
هذه الأمور لوحدها ليست كافية لبناء روح المواطنة طبعا لأن المواطنة مسألة كبيرة بحاجة إلى تحسين مستوى التعليم وإصلاح مؤسسات الدولة، ولكن هذه الأمور ضرورية وبدونها لن تكون هناك مواطنة.
بديل روسي للطائرات الغربية؟
هذه الطائرة جاءت في وقتها بالنسبة لمؤسسة الطيران السورية التي تعاني من حصار أميركي خانق أوصلها إلى الإفلاس:
http://arabic.rt.com/news_all_news/news/564728



ممكن تشرحلنا كلامك