النظام السوري يربح معركة رمضان… وأميركا تجعجع لحفظ ماء وجهها

Posted: اغسطس 11, 2011 in سياسة
تركيا أوقفت محاولاتها الجدية للتدخل في الشأن الداخلي السوري منذ أن اكتشفت رفض إيران الشديد لذلك وضعف المعارضة السورية في الداخل، وكل ما تفعله تركيا منذ ذلك الوقت حتى الآن هو مجرد مناورات إعلامية لحفظ ماء وجه أردوغان ولتخفيف الضغط الأميركي عليه


كنت قد تحدثت في تدوينة سابقة عن تاريخ النظام السوري في المجازفات المحسوبة وكيف أنه يتقن رفع مستوى المجازفة إلى حد كبير جدا دون أن يتجاوز العتبة التي تفصل بين الإقدام والتهور، وبناء على تاريخ النظام السوري افترضت أن الهجوم الاستباقي الذي شنه في 31 تموز هو هجوم محسوب وليس هجوما انتحاريا. ولكن مع مرور الأيام وتصاعد الرد الأميركي ووصوله إلى حد صاخب جدا تزعزع قلبي وشعرت بأن الأمور أفلتت من النظام السوري هذه المرة، ليتضح في النهاية أن تزعزع قلبي لم يكن له ما يبرره وأن النظام السوري في الواقع حقق انتصارا واضحا في هذه المعركة الرمضانية التي تعد من أكبر المعارك في تاريخ النظام إن لم تكن أكبرها على الإطلاق.

كثيرون مثلي فقدوا الثقة في النظام، ومنهم على ما أعتقد وليد جنبلاط الذي شن هجوما قويا على الأسد قبل أيام ونصحه بالاتعاظ من مصير حسني مبارك، ولكنه اليوم تراجع وأعلن ثقته في بقاء النظام السوري بعد أن زار دمشق والتقى اللواء محمد ناصيف.

لعل أفضل من قرأ الواقع بهدوء وبرودة أعصاب خلال الفترة التي كانت المعركة فيها محتدمة هو العميد أمين حطيط الذي ظهر على قناة OTV  قبل زيارة داود أوغلو إلى دمشق وقال بأن هذه الزيارة هي للحد من الخسائر التركية وليست لأي شيء آخر، وهذا ما تبينت صحته بالفعل حيث أن داود أوغلو في زيارته إلى دمشق لم يحصل من الأسد على أي تنازل على الإطلاق، ولكنه في المقابل قدم للأسد خدمات جليلة جدا تسببت في تداعي المخطط الأميركي بالكامل.

الولايات المتحدة كانت تريد أن تختتم مهرجانها الذي أقامته خلال الأسبوع الماضي بحفلة كبيرة اليوم الخميس تعلن فيها أن الأسد مرفوض إقليميا ودوليا ويجب عليه أن يغادر السلطة، ولكن الخازوق التركي الذي تلقته خلال اليومين الماضيين أجبرها على إلغاء الحفلة الختامية.

تركيا أثبتت في هذه الأزمة أنها تملك دبلوماسية فذة وأنها تستطيع أن تلعب على الحبال بين أميركا وإيران دون أن تورط نفسها في مواقف تضر بمصالحها. أميركا تريد من تركيا أن تعادي النظام السوري، وإيران تريد منها أن تدعمه. تركيا راوغت كلا من أميركا وإيران واستطاعت أن تخرج بموقف هو ظاهريا متناغم مع الموقف الأميركي (والخليجي بالاستتباع) وعمليا أقرب للموقف الإيراني، وبذلك حفظت تركيا مصالحها على الجانبين. هذا الأسلوب من المراوغة هو أسلوب اشتهر به النظام السوري في السابق وهو أسلوب حصيف جدا ويرفع من الوزن الإقليمي للدولة التي تتقنه. من الواضح أن داود أوغلو هو سياسي ناجح وهو في الواقع استطاع أن يوازن علاقات تركيا الإقليمية بشكل يتوافق مع النظرية التي طرحها سابقا عن تصفير الخلافات مع دول الجوار، وبالتالي لا نستغرب أن وزن تركيا الإقليمي يتصاعد يوما بعد يوم. إيران وتركيا وسورية هي حاليا الدول الثلاث التي تتقن لعب السياسة الإقليمية بشكل صحيح، ولذلك نجد فعليا أن نفوذ هذه الدول في المنطقة هو في تصاعد مستمر، أما السعودية ومصر فهما للأسف لا دور إقليمي لهما على الإطلاق وهما يتصرفان كأدوات للولايات المتحدة وليس أكثر.

النظام السوري (الذي هو ليس أقل شأنا من داود أوغلو في السياسة) نجح في الاستفادة من زيارة داود أوغلو  إلى الحد الأقصى، فهو استقبله بصرامة وبموقف حازم تمثل بالتأكيد على أن سورية لن تتهاون في ملاحقة العصابات المسلحة، وبالتالي فالنظام حافظ على هيبته الإعلامية ولم يخسر منها شيئا، وأيضا تركيا حافظت على هيبتها الإعلامية بمواقفها العنترية ضد سورية، وبالتالي فالصفقة التي تمت كانت مفيدة لكلا الجانبين من الناحية الدعائية والإعلامية، حيث أنها أظهرت تركيا بمظهر القوة الإقليمية النافذة وأظهرت سورية أيضا بمظهر القوة الممانعة التي ترفض الإملاءات الخارجية.

من الناحية العملية لم يقدم النظام السوري أي تنازل، حيث أن الانسحاب من حماة كان مقررا سلفا وتم الإعلان عنه قبل زيارة أوغلو، ولكن أوغلو مع ذلك استفاد من هذا الانسحاب وأظهره وكأنه ثمرة لزيارته، وبالتالي تمكن من تخفيف الضغط الأميركي عليه. ونفس الكلام ينطبق على بقية الانسحابات المنتظرة حيث أنها كلها لن تتم إلا بعد إنهاء الجيش السوري لمهامه، وأيضا الإصلاحات التي سيعلن عنها الأسد قريبا كلها كانت مقررة سلفا وهي تحصيل حاصل (تحديد موعد لتعديل الدستور وموعد للانتخابات إلخ)، ولكن تركيا ستظهر كل هذا وكأنه ثمرة للاتفاق بينها وبين سورية.

إذن الصفقة التي تمت ما هي إلا صفقة دعائية بحتة وليس فيها تنازل من أي طرف للآخر. إنها مجرد مسرحية تركية-سورية-إيرانية للتخلص من الضغط الأميركي. لهذا السبب فإن الولايات المتحدة تلقت صفعة شديدة واضطرت لإلغاء حفلتها الختامية وسربت تصريحا لوكالة فرانس برس يقول أن الحفلة لم تلغ ولكنها تأجلت، وذلك في محاولة منها للحد من الخسائر وحفظ ما أمكن من ماء الوجه. وبعد هذا التسريب بقليل ظهر تصريح السفير الأميركي في دمشق والذي هدد فيه بفرض المزيد من العقوبات، وظهر أيضا بيان عن البيت الأبيض يقول أن أوباما اتصل بأردوغان واتفق معه على ضرورة “الانتقال إلى الديمقراطية” في سورية (البيان لم يذكر شيئا عن رحيل الأسد أو “مرحلة انتقالية” كما زعمت وسائل الإعلام الخليجية البائسة، وهذا هو النص). كل هذه الجعجعة تهدف لحفظ ماء وجه الولايات المتحدة وتهدف أيضا لإبقاء معنويات المتمردين في سورية مرتفعة ما أمكن.

هذا الفشل الإقليمي الذريع في كسر المثلث السوري-التركي-الإيراني انعكس فشلا في مجلس الأمن، حيث أن العود الروسي اشتد مجددا وتمكنت روسيا من إجهاض صدور قرار ضد سورية، وبذلك رجعت أميركا بخفي حنين وعدنا عمليا إلى مرحلة شبيهة بمرحلة ما قبل صدور البيان الرئاسي، رغم أن الدول الغربية سعت مع ذلك لإبقاء الموضوع السوري داخل مجلس الأمن حيث سيتم بحثه مجددا في الأسبوع القادم.

العامل الأهم في كل هذا الصراع هو عامل الوقت. القوى الأمنية السورية تشن حاليا حملة كاسحة ضد المتمردين وتقوم باعتقال أعداد كبيرة منهم. هذا القمع الأمني الشديد يؤدي حتما إلى إضعاف حركة التمرد، وبالتالي فكل يوم يمر يزيد من قوة النظام السوري، وقوة النظام السوري تقوي موقف حلفائه الدوليين (خاصة روسيا)، وبالتالي فطرح الموضوع السوري مجددا على مجلس الأمن في المستقبل سيكون أقل خطورة من طرحه الآن.

عندما تنتهي مهلة أردوغان بعد أسبوعين سيكون رمضان قد انتهى تقريبا، وفي ذلك الوقت سيكون التمرد قد أصيب بإنهاك كبير وسيكون الأسد قد أعلن عن عدة خطوات إصلاحية هامة، وبالتالي فموقف النظام السوري دوليا سيكون جيدا جدا وموقف أميركا سيكون تعيسا، خاصة وأن التطورات الدولية تسير عكس مصالح الدول الغربية بشكل واضح (فشل في ليبيا وأفغانستان والعراق، أزمات مالية وكوارث اقتصادية، ثورات، انتخابات قريبة، إلخ).

من كل ما سبق يمكننا الاستنتاج بأن النظام السوري ربح معركة رمضان وبخسائر محدودة (العقوبات الأميركية كانت ستفرض في كل الأحوال)، وبالتالي لا نستغرب أن جنبلاط عاد أدراجه وأن الحريري سكت وأن الإعلام الخليجي أصيب بحالة هياج إلى درجة أنه بات في الأيام الأخيرة يحرف البيانات والتصاريح التي تخرج عن المسؤولين الدوليين بشكل سافر.

المؤلم في كل هذه القصة هو حال المتمردين في سورية الذين تستخدمهم أميركا وأتباعها كأكباش محرقة في معركة خاسرة ولا أفق لها، وهذا أمر مؤلم جدا لأن أغلب هؤلاء المتمردين هم من الشباب الصغار ومن الناس البسطاء الذين يتحركون عن حسن نية وبتأثير الإعلام الأميركي المضلل. لا شك أن النظام السوري هو المسؤول الأول عن حال هؤلاء الناس لأنه هو من خلق الأسباب التي أدت إلى ثورتهم. هذا الشعب المسكين الثائر في سورية هو ضحية النظام السوري كما أنه ضحية أميركا، أي أنه ضحية الطرفين المتصارعين وليس له أي ناصر حقيقي. من المؤلم جدا أن يرى الإنسان شعبه وهو يحرق بدون سبب. هذه المسؤولية التاريخية هي مسؤولية النظام السوري قبل غيره ولا يمكننا تبرئته منها.

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s