
على عكس المتوقع فإن وزير الخارجية التركي لم يأت إلى سورية لتسليم إنذار أميركي على ما يبدو، وإلا فإنه ما كان تباحث مع الأسد لمدة سبع ساعات وخرج بعد ذلك بتصريح يوحي بأن تركيا ستعطي مهلة جديدة للأسد رغم تمسك الأسد بمحاربة العصابات المسلحة.
مجرد إرسال تركيا لوزير خارجيتها إلى دمشق للتباحث هو خطوة إيجابية وتختلف عن الموقفين السعودي والمصري الذين بديا وكأنهما نقل ببغائي لرسالة أميركية، وهو ما يدل على طبيعة العلاقة التركية-الأميركية التي هي أقرب للتحالف وتختلف عن علاقة التبعية التي تربط كل من السعودية ومصر بأميركا (وذلك لأسباب تحدثت عنها في تدوينة سابقة).
يبدو أن تركيا ستعطي سورية مهلة جديدة لعدة أيام، وهو أمر إيجابي وفي مصلحة سورية التي تخوض سباقا مع الوقت لقمع التمرد. عندما أصدرت أميركا الأمر لدول الخليج ومصر بمهاجمة سورية فإن تلك الدول تحركت فورا وبسرعة الضوء لأخذ المواقف ضد سورية، أما تركيا فهي تروت كثيرا في الموضوع، فبعد عدة أيام من الصمت قرر أردوغان إرسال وزير خارجيته للتباحث، وبعد وصول وزير الخارجية فإن تركيا يبدو أنها ستصمت لأيام أخرى، مما يظهر بوضوح أن تركيا ليست على عجلة من أمرها (أو بالأحرى هي ليست على نفس قدر العجلة الأميركية).
ربما يكون سبب التروي التركي هو أن الدور المطلوب من تركيا هو دور كبير وشنيع وسيفسد علاقة تركيا بإيران ويدخل تركيا في فوضى كبيرة تخسرها كثيرا من مصالحها في المنطقة، ولذلك فالأتراك مترددون على ما يبدو في أخذ قرار المواجهة مع سورية وما زالوا يأملون بحل سياسي.
شخصيا أنا أشك بإمكانية أن يقبل الأسد بالحل السياسي الذي يرضي تركيا وأميركا، ولكنه على الأرجح يناور لكسب الوقت، وعموما هو لم يخف موقفه وهو يقول علنا أنه سيستمر في قمع العصابات الإرهابية بالقوة، فإذن هو لا يناور وهو يعلن موقفه بصراحة، وقبول تركيا بهذا الموقف هو تنازل منها وخدمة جيدة للأسد.
إعلان الأسد لبعض الإصلاحات في الأيام القادمة مقابل كسب المزيد من الوقت لمواصلة الحملة العسكرية ضد المتمردين هو صفقة ممتازة إن كانت ستتم فعلا. أنا متأكد من أن أميركا لن تقبل أبدا بهكذا صفقة، ولكن إن كانت تركيا تستطيع تمرير هكذا صفقة رغما عن إرادة أميركا فهذه خدمة ممتازة للأسد.
أظن أن المطلوب من الأسد هو تحديد موعد لـ “انتخابات حرة”، وهذه ليست مشكلة للأسد بل هي مطلب هين. حتى مطلب تعديل الدستور ليس بالمطلب الكبير. المهم بالنسبة للأسد هو عدم إجباره على ترك الساحة الأمنية تفلت منه لمصلحة المتمردين.
إن قام الأسد بتحديد موعد لانتخابات حرة وإصلاحات دستورية وسكتت تركيا مقابل ذلك عن عمليات الجيش السوري (بمعنى أنها قبلت برواية العصابات المسلحة) فهذه ستكون صفعة كبيرة لأميركا وانتصارا عظيما للأسد، ولكنني أشك في قبول تركيا بهكذا صفقة ولن أصدقها إلا بعد أن أراها بعيني. إن قبول تركيا بهكذا صفقة يعني أنها تتمرد على الخطة الأميركية لتدمير سورية وتريد فعلا علاقات جيدة مع سورية وإيران بعيدا عن عضويتها في حلف الأطلسي.
الأيام المقبلة هي فعلا أيام حرجة كما قال وزير الخارجية التركي لأنها ستكشف حقيقة الموقف التركي وما إذا كانت تركيا تريد أن تكون أطلسية أم أنها تريد الاستمرار في مشروع الترابط مع سورية وإيران الذي راهن عليه الأسد في السنوات الماضية. الأيام المقبلة ستظهر ما إذا كان رهان الأسد على تركيا في السنوات الماضية صائبا أم لا.
إضافة: ماذا قال الأسد لداود أوغلو؟
ما يلي هو تصريح وزير الخارجية التركي بعد عودته من دمشق:
انقرة (رويترز) – قال وزير الخارجية التركي احمد داود اوغلو في مؤتمر صحفي يوم الثلاثاء لدى عودته الى انقرة بعد محادثات مع الزعماء السوريين في دمشق ان تركيا طالبت الحكومة السورية بالكف عن قتل المدنيين. وقال داود اوغلو ان حكومته ستراقب الاحداث في سوريا على مدى الايام القادمة. وقال في مؤتمر صحفي في أنقرة “التطورات في الايام القادمة ستكون حاسمة لكل من سوريا وتركيا … هدف تركيا الرئيسي والاول هو وقف اراقة الدماء ووضع نهاية لقتل المدنيين.”
بناء على هذا التصريح يمكننا تصور الحوار التالي بين أوغلو والأسد (بإيجاز):
- أوغلو: نطالب بالكف عن قتل المدنيين وسحب الجيش من الشوارع (الرسالة الأميركية)
- الأسد: نحن نقتل الإرهابيين وليس المدنيين، وسنسحب الجيش من الشوارع قريبا.
- أوغلو: متى؟
- الأسد: بعد أيام، والجيش بدأ بالانسحاب من حماة بالفعل.
- أوغلو: نرجو أن يتم سحب الجيش بعد أيام فعلا وليس بعد أسابيع أو أشهر، ونرجو عدم استخدام الجيش ضد المدنيين مجددا.
ثم تحدثا بعد ذلك عن الإصلاحات والحوار مع المعارضة ودور السعودية في إفشال الحوار وتحريض المتظاهرين (ولهذا السبب سمعنا بعد عودة أوغلو من دمشق خبر زيارة الرئيس التركي للسعودية قريبا).
الخلاصة إذن هي كما قلت في الأعلى، وهي أن تركيا منحت الأسد مهلة إضافية لإنهاء عمليته العسكرية، وهذه المهلة ستمتد لأيام وليس أسابيع أو أشهر كما قال أوغلو في تصريحه الصحفي. بالتالي زيارة أوغلو تعتبر نجاحا مهما للأسد لأنه كسب بضعة أيام إضافية ثمينة، وربما تساهم هذه الأيام الإضافية في تمييع الهجمة الأميركية الكاسحة وإفقادها جزءا من زخمها، كما أنها ربما تؤدي إلى تأخير صدور قرار من مجلس الأمن أو حتى إلغاء صدور القرار في حال نجحت العملية العسكرية السورية في تحقيق أهدافها خلال الأيام القادمة.
الخلاصة إذن هي أن زيارة أوغلو شكلت ضربة قوية للمساعي الأميركية ضد سورية على ما يبدو، وطبعا كل ما ورد في الأعلى هو تحليلي الشخصي وليس معلومات.

