بسرعة أكبر مما توقعنا تسارعت بيانات ومواقف الدول الموالية لأميركا ضد سورية. بعد بيان مجلس الأمن صدر سريعا البيان الكويتي وتبعه بسرعة أكبر بيان مجلس التعاون الخليجي، وهذه المواقف شكلت الرافعة التي استند إليها أردوغان في عودته مجددا إلى لغة التهديد والوعيد، والتي أعادت مجددا أجواء الحرب والحديث عن تدخل محتمل لحلف الناتو في سورية من البوابة التركية.
بناء على هذه الاندفاعة القوية لأميركا وحلفائها لا يمكننا استبعاد أي شيء بما في ذلك صدور موقف قريب من جامعة الدول العربية ضد سورية. الدولة العربية الوحيدة التي ستدعم سورية حتى النهاية هي لبنان (والتي هي فعليا سورية)، أما بقية الدول فلا يمكننا الوثوق بمواقفها بما في ذلك العراق. صحيح أن العراق مساند لسورية ولكنني شخصيا لا أثق باستقلالية قرار العراق طالما أن القوات الأميركية ما زالت تسرح وتمرح فيه.
روسيا لا يمكنها تغطية سورية طالما أن تركيا والدول العربية رفعت الغطاء عنها، وبالتالي فروسيا ستضطر حتما للقبول بعقوبات دولية من نوع ما ضد سورية، ولكنها ستسعى لتخفيف هذه العقوبات ما أمكن وستسعى لمنع صدور أي كلام عن مجلس الأمن يمكن استخدامه لتبرير العمل العسكري ضد سورية، رغم أن التاريخ يعلمنا أن أميركا وحلفاءها ليسوا بحاجة لكلام صريح من مجلس الأمن حتى يتدخلوا عسكريا في أي بلد.
قرار الجامعة العربية سيكون له دور جوهري في شرعنة العمل العسكري ضد سورية. تجربة حرب الكويت في عام 1990 تخبرنا بأن الجامعة العربية يمكنها أن تمرر قرارا بالعمل العسكري ضد سورية بغض النظر عن وجود بعض الأصوات المعارضة، وبالتالي فإن احتمال صدور قرار عن الجامعة العربية يشرعن التدخل العسكري الأميركي في سورية هو احتمال وارد جدا من الناحية النظرية.
على الأغلب أن العمل العسكري ضد سورية لن يتم في وقت قريب، اللهم إلا إذا كانت الخطة هي إشعال حرب بين تركيا وسورية تكون المدخل لحلف الناتو لكي يقصف سورية وإيران ولبنان، وبذلك تندلع الحرب الكبرى المنتظرة من البوابة السورية وبدور سيء (وغير متوقع) لتركيا.
حتى لو نجح النظام في قمع التمرد قريبا (وهو أمر ما زلت أشك فيه، خاصة في ظل حملة التحريض الخارجي الهائلة ودخول العنصر الطائفي بقوة) فإنه سيعاني بعد انتهاء الأزمة من حصار وعزلة خانقة ستطول ربما لسنة أو سنتين، وهو ما يعني أن احتمالات انهيار الدولة من البوابة الاقتصادية ستظل قائمة.
حلب ودمشق البؤر الملتهبة القادمة؟
تتسارع التحركات في مدينتي حلب ودمشق مؤخرا وتزداد شدة، مما يوحي بأن النظام الأمني في هاتين المدينتين بدأ بالتهاوي أخيرا. آخر فصول التصعيد في حلب البيان الذي صدر اليوم عن “علماء حلب” (هل هناك رابط بين هذا البيان وبين ما سمعناه مؤخرا عن اتصالات بين السفارة الأميركية وعلماء دين في حلب ودمشق؟).
تحاول أميركا منذ بداية الأحداث تصوير حلب ودمشق على أنهما عجلان مقدسان وأن النظام سينهار إن امتد التمرد إليهما. هذا الكلام جزء من حملة التهويل ورسم الخطوط الحمراء المصطنعة. مدينة حلب لها تاريخ معروف في التمرد وفي الثمانينات تم قصف أحد أحياء حلب وقتل فيه كثير من الناس، ومع ذلك فإن النظام لم يسقط. أيضا دمشق لم تكن هادئة في تلك الأحداث.
التمرد سيمتد حتما إلى حلب ودمشق (وهو امتد بالفعل)، وهذا الأمر لا يعني نهاية النظام. عدد سكان مدينة حلب هو مليونان تقريبا، ولو فرضنا أن عدد سكان الأحياء الغنية والمسيحية والأحياء التي تسكنها العشائر المتحالفة مع النظام هو نصف عدد سكان حلب تقريبا، فهذا يعني أن التمرد لا يمكن أن يشمل أكثر من نصف عدد سكان حلب، أي مليون شخص تقريبا، وهذا العدد لا يزيد كثيرا عن عدد سكان حماة. هذا الكلام هو طبعا كلام نظري وفيه أنا أفترض أن التمرد سيعم كل أحياء حلب الفقيرة.
لا يوجد من الناحية العسكرية والأمنية سبب يمنع النظام من قمع تمرد في مدينتي حلب ودمشق، وهذا الأمر تم بالفعل في الثمانينات.
لسقوط النظام يجب أن تتصدع النخبة الحاكمة
ما يمكن أن يهدد النظام هو ليس امتداد التمرد إلى حلب ودمشق كما يشاع وإنما امتداد التمرد إلى الطبقة الاجتماعية الغنية وإلى النخبة الأمنية والعسكرية الحاكمة، وهو أمر ما يزال غير وارد. أميركا تبذل كل ما بوسعها منذ بداية الأحداث لإحداث انشقاقات في النخبة الحاكمة والمسيطرة (لأنها تعلم أن المعركة الحقيقية هي هنا)، ولكنها فشلت حتى الآن.
أميركا تتجنب منذ بداية الأحداث أن تضع نفسها في واجهة الحملة ضد سورية، ولهذا الموقف أسباب عديدة ولكن أحد أهم الأسباب هو رغبة أميركا في تحريض الطبقات الغنية والمثقفة ضد النظام. النخب العليا في الدول القومية تلتف عادة حول الدولة عند التعرض لخطر خارجي، ولهذا السبب فإن وجود أميركا في الصورة يدفع النخب العليا من المجتمع للالتفاف حول النظام الحاكم، وهو ما لا تريده أميركا ولذلك سعت منذ بداية الأحداث لإبقاء نفسها في الكواليس وتجنب محاولات النظام لاستدراجها إلى مواجهة علنية.
حاليا تريد أميركا من الضغط الإقليمي (العربي والتركي وربما حتى الروسي) أن يدفع بعض أفراد النخبة الحاكمة للتمرد على الأسد، وهو أمر وارد في حال اشتد العنف في سورية وبدأنا نرى مجازر كبيرة. لهذا السبب تسعى أميركا منذ البداية لتصعيد النزاع في سورية لأنها تريد أن ينقلب أحد ما على الأسد ويخطف السلطة كما حدث في مصر وتونس.

