نجح النظام السوري على ما يبدو في إضعاف حركة التمرد بدليل تراجع أعداد المعارضين الذين خرجوا اليوم من الجوامع، وما يدل على تراجع الأعداد هو تراجع عدد المشاهد التي تم بثها وتراجع أعداد القتلى التي ذكرها المعارضون رغم اشتداد القمع الأمني (المعارضون قالوا أن هناك 10 قتلى سقطوا اليوم في ريف دمشق، والتلفزيون السوري نفى ذلك).
ولكن هل هذا التراجع كاف حتى نقول أن النظام يربح المعركة؟ سؤال غير معروف الإجابة بالنسبة لي.
المعركة الآن لم تعد مجرد معركة عضلات كما كانت قبل أسبوع وإنما هي سباق مع الوقت. الولايات المتحدة تقوم بتصعيد إعلامي ودبلوماسي هائل جدا والنظام السوري لن يصمد طويلا إن لم يحسم الموقف على الأرض قريبا جدا.
التدويل
بيان مجلس الأمن الذي صدر قبل أيام كان تطورا سيئا لأنه وضع للنظام السوري سقفا زمنيا لحسم الموقف وإلا فإن الأزمة السورية ستدخل نفق التدويل. أسوأ ما في البيان هو الفقرة التي قالت أن مجلس الأمن سينعقد مجددا لبحث القضية السورية بعد أسبوع. هذه الفقرة ضيقت الهامش الزمني أمام النظام بشكل كبير جدا.
الموقف الروسي غامض. إن محتوى البيان الرئاسي الذي وافقت روسيا على إصداره كان سيئا من ناحية أنه أبقى القضية السورية مفتوحة في مجلس الأمن ودعا لبحثها مجددا بعد أسبوع. ما الذي ستقوله روسيا بعد أسبوع؟ هل ستوافق على إصدار قرار ضد سورية؟ وماذا سيكون محتوى القرار؟
مهما كان محتوى القرار الذي سيصدر فإنه سيكون بداية تدويل الأزمة، وبالتالي فإن النظام السوري لم يعد يملك عمليا إلا هامشا زمنيا ضيقا جدا لا يتخطى الأيام قبل أن تدخل سورية نفق التدويل (اللهم إلا إن عادت روسيا أدراجها ورفضت تدويل الوضع السوري، وهو أمر مشكوك فيه بناء على المعطيات الراهنة).
العزلة الإقليمية
توقعت منذ ما قبل رمضان أن تتنطح إحدى الدول الخليجية بإيعاز أميركي لكي تأخذ موقفا ضد سورية يكون بداية لموقف عام ضد سورية من الدول العربية الموالية لأميركا. ولكن بخلاف ما توقعت فإن الموقف الأول لم يأت من قطر وإنما أتى من الكويت، حيث صدر موقف عن “مصدر مسؤول في وزارة الخارجية الكويتية” يقول فيه أن:
الكويت تعرب عن ألمها البالغ لاستمرار نزيف الدم في صفوف أبناء الشعب السوري الشقيق وتدعو إلى الحوار والحل السياسي بما يمكن من الشروع بتنفيذ الإصلاحات الحقيقية التي تلبي المطالب المشروعة للشعب السوري بعيدا عن المعالجات الأمنية وذلك حتى يتحقق الأمن والاستقرار وحقن الدماء.
صياغة هذا البيان وصدوره عن طريق مصدر مجهول الهوية توحي بأنه صدر بالإكراه وبعد ضغط أميركي شديد. على ما يبدو فإن دول الخليج غير متحمسة بعد لأخذ مواقف علنية ضد سورية وإلا فإن هذا البيان ما كان صدر من الكويت. صدور البيان من الكويت يدل على أنه صدر بناء على أمر عسكري أميركي لأن الكويت هي أقل دول الخليج قدرة على مقاومة الضغوط الأميركية، كما أن الكويت دولة صديقة للنظام السوري بسبب موقف حافظ الأسد في حرب الخليج، وهي دولة لا تتدخل عادة في الشؤون الداخلية للدول العربية ولا تميل للنزاعات والمشاكل، وبالتالي فليس لدي شك بأن الكويت أصدرت هذا البيان مرغمة واستجابة لضغط أميركي هائل.
أميركا تريد من هذا الموقف الكويتي أن يكون مقدمة لموقف عربي عام ضد سورية شبيه بالموقف الذي اتخذ سابقا ضد ليبيا وضد العراق قبل احتلاله، وهذا مشوار طويل لن يكتمل قبل مضي بعض الوقت، ولكن لا شك أن الولايات المتحدة تضغط بكل قوتها على العرب لدفعهم لمحاصرة سورية وهي لا تخفي هذا السعي أصلا. إن بروز موقف عربي (أو على الأقل خليجي) ضد سورية سيفتح المجال أمام تركيا لكي تعود مجددا للضغط على سورية إعلاميا وسياسيا، وهذا هو الحلم الأميركي القديم الذي سعت أميركا لتحقيقه منذ عام 2003 (عزل سورية وإيران كليا في المنطقة وفرض حصار عليهما شبيه بالحصار المفروض على كوريا الشمالية).
هل تتحمل سورية الحصار الدولي الخانق الذي تخطط له أميركا؟
إن طبيعة الحصار الدولي الذي تسعى الولايات المتحدة لفرضه على سورية هو حصار خانق جدا شبيه بالحصار الذي فرض على العراق سابقا والحصار المفروض على كوريا الشمالية حاليا، وجيفري فيلتمان تحدث علنا قبل أسابيع عن أن أميركا ستجعل سورية مثل كوريا الشمالية. الولايات المتحدة جربت محاصرة سورية عدة مرات في السابق آخرها كانت بعد صدور القرار 1559 المتعلق بلبنان. كل محاولات الحصار تلك باءت بالفشل لأن أميركا لم تتمكن من جعلها خانقة بما يكفي.
الحصار الجديد سيكون خانقا تماما وهو سيقضي على النمو الاقتصادي والاجتماعي في سورية ويجعل السوريين يعيشون حالة شبيهة بالحالة التي عاشها العراقيون بعد حرب الكويت. إنه نفس الفيلم العراقي يتكرر من جديد في سورية.
المؤسف هو أن الأمور تسير بسرعة لصالح تحقيق الهدف الأميركي خاصة بعد أن عدلت روسيا موقفها وسمحت بإدانة سورية في مجلس الأمن، وأول الرقص حنجلة كما يقال. روسيا الآن ما زالت تقول أنها ضد العقوبات وتريد مقاربة جديدة للموضوع السوري تختلف عن المقاربات التي اتبعت مع العراق وإيران، ولكن هذا كلام لا يساوي شيئا لأن الهدف الأميركي هو إضعاف سورية كبلد وأميركا لن تقبل بأية مقاربة لا تؤدي لهذا الهدف، وروسيا تعلم هذا جيدا وبالتالي فكلامها عن المقاربة الجديدة هو مجرد مناورة كلامية لزيادة الثمن الذي ستقبضه مقابل تمريرها للعقوبات.
على الصعيد الداخلي فإن فرض الحصار على سورية لن يؤدي إلا إلى زيادة العنف تجاه “المعارضين” ليصل إلى حد ارتكاب المجازر كما قلت سابقا، وهو ما سيعني مزيدا من الانقسام في المجتمع السوري ليصل البلد إلى مرحلة الحرب الأهلية والتي ستقود للتدخل الخارجي والتقسيم، وهي نتيجة شبه حتمية تتوافق مع الهدف الأميركي الاستراتيجي في المنطقة.
استقالة بشار الأسد… هل تحل الأزمة أم تشعلها؟
يطرح بعض ممن يدعون الحياد والحرص على سورية استقالة بشار الأسد على أنها حل للمشكلة السورية برأيهم، وهذا طرح ينبع إما من جهل تام بالواقع السوري أو من نية مغرضة تريد تسريع اندفاع سورية نحو الحرب الأهلية.
المشكلة في سورية ليست مشكلة فرد أو عائلة حاكمة، بل هي حتى ليست مشكلة نظام أو حزب. المشكلة هي في جوهرها وأساسها مشكلة طائفية. إن استقالة بشار الأسد إن تمت فهي سيكون لها مفعول واحد فقط هو زيادة اندفاع “الثوار” وإعطائهم دعما معنويا هائلا في سعيهم لإسقاط الدولة السورية القائمة على مبادئ المواطنة والقومية وإقامة دولة جديدة على مبادئ الإقطاع الطائفي والإسلام السياسي.
“الثوار” في سورية هم إسلاميون وليبراليون موالون فكريا للولايات المتحدة. هذان الصنفان من الناس لا يمكنهما إقامة دولة وطنية بل هم سيقيمون إما دولة إقطاع طائفي على النمط العراق واللبناني (هذا في حال هيمن الليبراليون الموالون للولايات المتحدة) أو أنهم سيقيمون دولة إسلامية (في حال هيمن الإسلاميون، وهو الاحتمال الأرجح). إن تطبيق أي من هذين النموذجين في سورية سيقود البلاد نحو التفتت الحتمي، وهم أصلا لن يتمكنوا من تطبيق أي نموذج لأنهم لن يتمكنوا من فرض سيطرتهم على البلاد، وبالتالي فالتقسيم سيتم بسرعة كبيرة جدا كما حدث في يوغوسلافيا وليبيا.

