كنت قد دونت بتاريخ 7 تموز ما يلي:
وإن قامت السلطة بحسم الموقف في حماة … فإن أميركا والغرب سيقيمون جلبة إعلامية ضخمة وسيطلبون من روسيا تغيير موقفها بذريعة أن النظام يرفض الحوار والحل السلمي. الموقف بالنسبة للسلطة هو موقف صعب، وبرأيي أن أفضل ما يمكن للسلطة أن تفعله هو تكثيف التواصل مع روسيا لشرح الموقف … إن موقف روسيا في الأزمة الحالية لا يقل حرجا عن موقف سورية والروس بعد فترة قصيرة سيجدون أنفسهم محشورين في زاوية أمام الغرب إن لم تتمكن السلطة السورية من حسم الموقف لصالحها… إما أن تتمكن السلطات السورية من حسم الموقف قريبا (قبل رمضان مثلا) وإلا فإن الموقف في سورية سيتداعى بسرعة كبيرة.
وبتاريخ 8 تموز:
المعركة في الداخل السوري سترجح على الأغلب لمصلحة السلطات السورية (السفير الأميركي ليس شخصية ذات شعبية لدى أغلب السوريين)، ولكن في العالم الخارجي (حيث المعركة الأهم) فإن روسيا ربما ستخسر المعركة في وجه الإعلام الغربي.
وبتاريخ 10 تموز:
مفاعيل زيارة السفير الأميركي إلى حماة لن تزول إلا بعملية أمنية كبيرة في حماة، وهو ما صار صعبا الآن لأن العملية في حماة ربما تكلف سورية قرارا في مجلس الأمن لأن روسيا ربما لا تستطيع تغطيتها. العملية في حماة محورية بالنسبة للنظام إن أراد أن يستمر، ولكنه يجب أن ينسقها جيدا مع روسيا ويجب أن يحضر لها تحضيرا خاصا يختلف عن العمليات السابقة، ويجب أن يتم ذلك بسرعة لأن الوقت لا يسير في صالحه.
وكنت قد تحدثت في 27 تموز عن “معركة رمضان” التي يحضر لها الغرب بشكل كبير والتي ستقوم على مبدأ إحداث جلبة إعلامية كبيرة تستخدم لتمرير المزيد من العقوبات ضد سورية.
السلطة السورية كانت تفهم جيدا أن هناك هجوما كاسحا سيشن عليها في رمضان، ولذلك اختار النظام (كعادته) الحرب الاستباقية وأن يفجر الصراع في التوقيت الذي يناسبه هو وليس خصومه.
موعد الهجوم هو أمر أساسي لربح أي معركة، والنظام السوري اختار موعد 31 تموز لعدة عوامل جعلت من هذا التاريخ توقيتا مناسبا، منها ما يلي:
- انشغال الإعلام الغربي بأزمة الدين الأميركي قبيل حلول موعد 2 آب المنتظر.
- انشغال الأتراك وإعلامهم بأزمة استقالة قادة الجيش.
- انشغال العالم العربي بحلول شهر رمضان.
- وجود كلام عن فرض عقوبات أوروبية جديدة على سورية قريبا (وبالتالي تراجع خطر إعطاء الغرب مبررا لفرض المزيد من العقوبات طالما أن فرض المزيد من العقوبات مقرر أصلا).
- والأهم هو استغلال تدهور العلاقات الروسية-الأميركية الذي تحدثت عنه في تدوينة سابقة.
النظام السوري (وفقا لنهجه التاريخي الإقدامي-العقلاني الذي سأشرحه بإسهاب في نهاية هذه التدوينة) دخل في مجازفة ورهان كبير ضد الغرب وحلفائه ربما تعتبر المجازفة الأكبر في تاريخه، وهو إن ربح هذه المجازفة (كعادته) فسيحقق مكاسب سياسية كبيرة جدا ترفع من قيمة سورية الإقليمية بشكل كبير (وهذا مضمون ما جاء في كلمة الرئيس الأسد للجيش السوري بالأمس)، وإن خسرها فسيكون لم يخسر شيئا فعليا لأن المطلوب منه لا يختلف كثيرا عن الخسارة (الهزيمة الافتراضية كما سماها الأسد في خطابه الأول).
النظام بإقدامه على بدء الحسم العسكري الشامل (خاصة في حماة التي جعلت منها أميركا عجلا مقدسا) لم يخسر شيئا إضافيا عما كان قد خسره منذ بداية الأحداث. العقوبات التي أقرها الاتحاد الاوروبي بالأمس كانت مقررة سلفا (والاتحاد الأوروبي أخطأ بفرض هذه العقوبات قبل عملية حماة لأنه زاد من من استنزاف موقفه الذي هو مستنزف أصلا). وأما الموقف الروسي فهو ثابت بدليل البيان الروسي الذي صدر بالأمس عن وزارة الخارجية، والذي قامت وسائل الإعلام الخليجية بتحريفه بشكل سافر حيث أن البيان الحقيقي لم يدن الحكومة السورية وإنما أدان العنف من جانب السلطة والمعارضة ودعاهما للحوار، وهو نفس الموقف الروسي الأصلي، وروسيا كانت منذ البداية قد أدانت عنف السلطة ضد المدنيين بل وذهبت أبعد من ذلك عندما دعت قبل أسابيع للضغط على الحكومة السورية لكي توقف العنف. البيان بالأمس كان متعاطفا مع السلطة السورية بشكل كبير (مقارنة بالهجمة الغربية الكاسحة) مما يعكس التأزم في العلاقات الروسية-الأميركية وحسن اختيار النظام السوري للحظة بدء العملية الأمنية (وربما وجود التنسيق المسبق مع روسيا).
ما حدث هو أن النظام السوري فجر معركة رمضان باكرا، وبالتالي فالغرب أخذ على حين غرة واضطر لبدء المعركة في توقيت غير مناسب حيث أن تركيا منشغلة والعرب منشغلون وروسيا غاضبة، وبالتالي فإن مفاعيل الهجوم الغربي قد خفتت بشكل كبير.
كما هو متوقع، فإن وسائل الإعلام الخليجية فور بدء العملية في حماة تفرغت بشكل كامل للتحريض والتهويل ضد الجيش السوري وفقا لبرمجة معدة سلفا تهدف للوصول إلى مستوى جديد من الخطاب الإعلامي يصور الجيش السوري على أنه يرتكب “مجازر” ويكيل السباب الصريح له متجاهلا كليا ما يقوله الإعلام السوري.
هذه الهجمة الإعلامية أتاحت تحويل الموضوع السوري مجددا إلى مجلس الأمن، ولكن من المستبعد أن تغير روسيا موقفها في مجلس الأمن، وأقصى ما يمكن أن يحصل هو صدور بيان أو قرار “بلا أسنان” يدين العنف، ولكن حتى هذا البيان فإنني أشك في صدوره لأن التباعد بين الموقف الروسي والمواقف الغربية ما زال كبيرا جدا ومن الصعب التوصل إلى صيغة وسط بين الموقف الروسي الذي يدين العنف من الجانبين ويدعو للحوار وبين الموقف الغربي الذي يريد شيطنة الحكومة السورية ونبذها ومعاقبتها.
فعليا الغرب لن يحقق شيئا سوى بعض الاستعراضات الإعلامية والدبلوماسية كزيادة اللقاءات مع “معارضين سوريين” (في إيحاء بأنهم يصنعون بديلا للنظام السوري) وسحب السفراء وغير ذلك من الهجمات الضعيفة نسبيا والتي لن تغير شيئا في مسار الحرب. أقصى ما يمكن للغرب فعله هو فرض الحظر التجاري على النفط السوري والبنوك والشركات السورية. الحظر التجاري ارتبط في الوعي الغربي باستهداف المدنيين (خاصة بسبب تجربة العراق) وبالتالي فإن الحكومات الغربية تتردد في فرضه خشية من ردات الفعل على صعيد الإعلام الغربي والعربي. الغرب لا يريد أن يتخذ خطوة تخفف من الضغط الإعلامي على النظام السوري في المرحلة الحالية، ولكن خشيتي هي أنهم في النهاية سوف يفرضون الحظر التجاري تحت أي ذريعة ولن يسمحوا للنظام بأن يخرج منتصرا من الحرب بدون أن يفرضوا هذا الحظر. أظن أنهم في نهاية المطاف سوف يتذرعون بالمجازر والمذابح أو أية ذريعة أخرى ويفرضون الحظر التجاري، اللهم إلا إذا سار المناخ الإعلامي والسياسي على نحو لا يناسبهم. ربما يكون خوف الغربيين على قوات اليونيفيل في جنوب لبنان والخوف من اندلاع حرب جديدة بين حزب الله وإسرائيل هو ما يكبلهم حتى الآن ويمنعهم من فرض الحظر التجاري. الوزير المعلم أوجد معادلة تقول بأن الحظر التجاري يعادل الحرب، ولا أعلم إن كانت هذه المعادلة ستردع الأوروبيين فعلا عن فرض أشكال محدودة ولكن مؤلمة من الحظر التجاري.
النزاع في سورية يتخذ تدريجيا شكل الحرب الأهلية… والإسلاميون الخاسر الأكبر في حال صمود النظام

- الإسلاميون لا يستطيعون أن يربحوا أي حرب لافتقارهم للتفكير العلمي وغرقهم في الجهل و التعصب الذي يشوش تفكيرهم وتقديراتهم
كان من الملفت بالأمس إقرار قناة “وصال” (والتي تعد أصدق قنوات المعارضة السورية وأقربها للواقع) بأن غالبية السوريين لا يدعمون “الثورة السورية”، وكان هناك برنامج على القناة يتلقى اتصالات المشاهدين في محاولة للإجابة عن سبب “صمت الغالبية” التي لم تدعم الـ”ثورة”.
الإسلاميون في سورية لديهم وهم قديم مترسخ ومتجذر لا يستطيعون أن يغادروه أبدا يقوم على فكرة أنهم يمثلون 85% من تعداد الشعب السوري. رغم كل النكسات التي تعرضوا لها في ثوراتهم المتعاقبة منذ عام 1964 حتى الآن ما زال الإسلاميون لا يستوعبون أنهم لا يشكلون الغالبية الساحقة من الشعب السوري، ولهذا السبب نجد الآن أنهم في حالة إرباك وذهول بعد أن سارت “الثورة” بشكل مغاير تماما لما كانوا يتصورونه (هم كانوا يتصورون أن 85% من الشعب سينضمون إليهم وأن النظام سيسقط في غضون 10 أيام كحد أقصى).
مرت أشهر طويلة على بدء “الثورة” وتبين للإسلاميين أن أوهامهم عن تفكك الجيش وانهيار النظام في غضون أيام قليلة لم تتحقق، وهم حاليا في حالة إرباك ومراجعة، ولا أظن أن هذه المراجعة ستسفر عن تصحيح لمفاهيمهم لأن من لم يتعلم منذ عام 1964 حتى الآن لن يتعلم أبدا.
كنت قد توقعت أن يقوم النظام بالتحول إلى شكل ما من الديمقراطية العلمانية، ولكن تطور الأحداث وتعنت “الثوار” ورفضهم للحوار يجعلني أعيد النظر في توقعاتي.
حافظ الأسد حاول التوصل إلى حل سياسي مع الإخوان في السبعينات قبل اتخاذه قرار الحسم العسكري، ولكن الإخوان برفضهم للحوار وإصرارهم على إسقاط النظام النصيري الباطني غير الشرعي أوصلوا الأمور إلى حد الحل الدموي، وبعد الحل الدموي لم يعد هناك ما يبرر لحافظ الأسد أن يقدم أية تنازلات طالما أنه قد ربح الحرب وطالما أن خصومه قد خسروا كل شيء. وهكذا كان تعنت الإخوان وإصرارهم على المواجهة حتى النهاية سببا في استفحال القمع في سورية ودخول البلاد في مرحلة من الركود السياسي التام.
ما أشبه اليوم بالبارحة. إن تعنت “الثوار” (والذين ما هم إلا أدوات بيد القوى الخارجية) أوصل سورية إلى حد المواجهة الدموية الشاملة، وطالما أن الأمور ستحسم بالقوة الدموية فإذن لن يكون هناك مبرر للنظام لكي يقدم أية تنازلات عاجلة وأنا أظن أن النظام سوف يعود إلى مساره الأصلي بعد انتهاء الأحداث.
إن استمرار التعبئة الإعلامية يقود المزيد والمزيد من الإسلاميين في البلاد إلى الانضمام للتمرد، وحاليا وصلت التعبئة الإسلامية إلى حدها الأقصى تقريبا ولم تعد هناك منطقة في البلاد لم تشارك في التمرد إلا حلب. لقد توقعت منذ بداية الأحداث أن نصل إلى مرحلة يشارك فيها معظم الإسلاميين في سورية في التمرد بما في ذلك إسلاميوا دمشق وحلب. في مدينة دمشق تحرك الإسلاميون في أحياء كثيرة (وخاصة حي الميدان المعروف بالتعصب) وهناك كثير من رجال الدين (بل أظن معظمهم) يدعمون التمرد بالسر ويوعزون لأتباعهم بالمشاركة في المظاهرات. البوطي هو استثناء ولا أعلم مدى تأثيره الفعلي على الناس في دمشق، ولكني أظن أن تأثيره مبالغ فيه ولا أظن أن من يريد المشاركة في التمرد سيمتنع عن ذلك بسبب كلام البوطي.
إسلاميوا حلب لم يتحركوا بعد، ولكن تحركهم وارد ومتوقع. اعتقادي هو أن الإسلاميين في حلب يحاولون التحرك منذ بداية الأحداث ولكن السلطات على ما يبدو تستعين بنظام أمني محكم جدا في حلب نجح في إجهاض التحركات ووأدها في مهدها.
إذن واقعيا نستطيع القول بأن الإسلاميين استنفذوا كل طاقتهم تقريبا في هذا التمرد، وهم بهذا يكونون رفعوا المجازفة عاليا جدا لأنهم إن خسروا فسيدفعون ثمن الخسارة غاليا جدا.
النظام السوري كانت لديه نوايا منذ سنتين لما يسمى بعلمنة المجتمع. عند بداية الأحداث تراجع النظام عن هذا النهج على أمل تهدئة الإسلاميين، ولكن تصعيدهم الكبير ووصولهم إلى حد الحرب الشاملة وضعهم في موقف حرج للغاية، لأنهم إن خسروا الحرب فلن يكون هناك ما يمنع النظام من السير في عملية “علمنة المجتمع” (والتي تعني عمليا القضاء على الإسلاميين) حتى النهاية وبوتيرة أسرع من الوتيرة السابقة.
الأسدان الأب والابن واحتراف الرهانات الكبيرة
من المعروف في علم الاحتمالات أنه كلما كانت المجازفة أكبر كان الربح (أو الخسارة) أكبر، وسر نجاح الأسدين الأب والابن في عالم السياسة هو احترافهما للمجازفات الكبيرة وبراعتهما فيها.
كانت سورية في الأربعينات والخمسينات شبيهة بلبنان الآن من حيث كونها ساحة للصراعات الإقليمية، وفي الستينات بلغت سورية حدا من الضعف أوشكت معه على التفكك والزوال كليا. في هذه الأجواء جاء حافظ الأسد واستطاع أن ينقل البلد من كونه ملعبا إلى كونه لاعبا صاحب أوراق على الساحة الإقليمية (وهو أمر ما زالت الولايات المتحدة ترفض التسليم به حتى الآن وترفض التعامل مع سورية على أنها لاعب).
سر نجاح حافظ الأسد في السياسة كان اجتماع عاملين في صنع قراراته:
- براعته في تقدير الأمور وتقدير موازين القوى
- الإقدام والجسارة
أعداء حافظ الأسد كانوا وما زالوا يشيعون عنه أنه كان خانعا ومتواطئا مع الولايات المتحدة، وهذا طبعا غير صحيح. حافظ الأسد كان جسورا جدا في سياسته ولكن الفرق بينه وبين غيره هو أنه كان يحسب خطواته جيدا ويتحرك وفق إمكاناته، وهذا هو سر نجاحه مقارنة مع الكثيرين غيره من أصحاب الشعارات الرنانة التي لم يستطيعوا أن يحققوا منها شيئا.
صلاح جديد وبقية البعثيين الذين كانوا يحكمون سورية قبل حافظ الأسد كانوا شجعانا ومقدامين في السياسة، ولكن شجاعتهم وإقدامهم كانت تقودهم إلى قرارات تتجاوز إمكاناتهم بكثير وليس فيها حساب واقعي لموازين القوى، فكانت نتيجة حقبتهم هي الفشل والهزائم وعلى رأسها هزيمة العام 1967 التي حاولوا أن يصوروها بأنها لم تكن هزيمة (وهزيمة العام 1970 في الأردن والتي حاولوا أن يلبسوها لحافظ الأسد). صدام حسين في العراق كان أيضا جسورا ومقداما ولكن مغامراته في إيران والكويت لم تكن محسوبة جيدا فباءت بالفشل والهزيمة.
حافظ الأسد كان بعثيا بتبنى نفس شعارات صلاح جديد ونور الدين الأتاسي ولكنه كان واقعيا، والواقعية لا تعنى الخنوع. حافظ الأسد اتخذ في حياته عدة قرارات جريئة كانت قرارات مفصلية غيرت واقع سورية والمنطقة.
ما يلي بعض من أهم المجازفات التي قام بها حافظ الأسد في حياته وربح من خلالها الكثير في السياسة.
تنصيب نفسه رئيسا للجمهورية
بعض الناس ينظرون لحافظ الأسد وكأنه مجرد شخص قاد انقلابا ووصل للسلطة كمن سبقه من رؤساء سورية، وهذه نظرة سطحية. حافظ الأسد كان يختلف جوهريا عمن سبقه من الرؤساء في كونه علويا.
الضباط العلويون في الجيش لعبوا دورا بارزا في السياسة السورية منذ بدأت الانقلابات العسكرية في عام 1949، ولكنهم كانوا دائما مختفين في الكواليس ويتجنبون الأضواء لاعتبارات طائفية وطبقية. عندما وصل البعث إلى السلطة في عام 1963 تنامى دور العلويين وبقية الأقليات الدينية في السياسة، وهو ما أثار حفيظة الإسلاميين الذين أخذوا موقف العداء من نظام البعث وبدؤوا يهاجمونه بوصفه نظاما قرمطيا باطنيا وغير ذلك من الألفاظ التي يستخدمونها في ذم الأقليات الدينية الموجودة في سورية.
الشحن ضد العلويين تنامى في عقد الستينات باضطراد مع تنامي نفوذهم في السلطة. في البداية كان التحربض ضد العلويين والأقليات الباطنية عموما يأتي من الإسلاميين (الإخوان المسلمين) والناصريين، ثم انضم البعثيون “اليمينيون” إلى حملة التحريض، وتبعهم أخيرا الإسماعيليون والدروز في العام 1966 بعد أن فشلت محاولات الانقلاب “الدرزية” وانفرد العلويون دون غيرهم بمواقع النفوذ في الجيش والدولة، وهو ما جعلهم وحيدين في مرمى الاستهداف الطائفي.
البعثيون حرصوا منذ وصولهم إلى السلطة في عام 1963 على إبقاء أشخاص من “السنة” في واجهة الحكم، وهو موقف غريب من حزب يدعي أنه تقدمي. أمين الحافظ أصبح رئيسا للدولة في عام 1965 بدلا من ميشيل عفلق (والذي كان من المفترض أن يتولى هو الرئاسة كونه رئيس حزب البعث)، وسبب اختيار الحافظ بدلا من عفلق كان سببا طائفيا بحتا يتعلق بكون عفلق مسيحيا، وهو ما رأى بعض البعثيين من “السنة” أنه يمنع تولي عفلق للرئاسة تجنبا للصدام مع الإسلاميين. (لا شك أن الصراعات “الطائفية” التي كانت تدور بين سياسيي تلك الفترة كانت تحمل كثيرا من الأبعاد الشخصية، فالذين عارضوا تولي عفلق للرئاسة مثلا وطالبوا بأن يكون الرئيس سنيا كانوا يطمحون لأن يتولوا هم الرئاسة وبعضهم تذرع بالقضية الطائفية كستار لذلك).
بعد انقلاب العام 1966 على أمين الحافظ أتى الضباط العلويون بنور الدين الأتاسي كواجهة “سنية” جديدة للنظام، وترافق ذلك مع تصاعد التحريض الطائفي ضد العلويين واتهامهم بأنهم يستأثرون بالسلطة ويحكمون من وراء الستار.
نظام الأتاسي انهار بعد فشل التدخل العسكري في الأردن في عام 1970، وأتى الرئيس حافظ الأسد. حافظ الأسد اتخذ قرارا جريئا لم يسبقه إليه أحد من قبل ألا وهو تنصيب نفسه رئيسا للدولة، وبذلك كسر العرف السائد منذ العصر المملوكي والذي يمنع أي شخص من غير الطائفة السنية أن يتولى الحكم، وكسر أيضا التقليد العلوي الذي كان يتحاشى الأضواء منذ العام 1949 وحتى العام 1970.
إن إقدام حافظ الأسد على تنصيب نفسه رئيسا للدولة كان مجازفة كبيرة. الإسلاميون في سورية كانوا يشنون حملة شعواء خلال الستينات على نظام البعث بحجة أن هذا النظام تحكمه الأقليات الباطنية من وراء الستار، وبالتالي فإن إقدام ضابط علوي على وضع نفسه في موقع الرئاسة بشكل سافر وعلني كان بالنسبة للإسلاميين قنبلة من العيار الثقيل وأمرا صاعقا يفوق قدرتهم على الاحتمال والإدراك والتصور. ولكن حافظ الأسد مع ذلك نجح واستمر في الحكم لعقود طويلة هو وابنه، مما أوجد واقعا جديدا وغير مسبوق في السياسة السورية بل وحتى سياسة المنطقة.
مواجهته مع الإخوان المسلمين
فور أن أعلن حافظ الأسد نفسه رئيسا للجمهورية بدأ الإسلاميون حملة مسعورة لإسقاطه بوصفه مغتصبا للسلطة ورئيسا غير شرعي. حافظ الأسد كان يعلم أنه مقبل على مواجهة شرسة مع الإسلاميين ومن وراءهم (خاصة البعث العراقي)، ولكنه مع هذا تابع مساره وأصدر دستورا جديدا في العام 1973، وكان هذا الدستور مناسبة جديدة للصدام الدموي مع الإسلاميين.
لا شك أن حرب تشرين 1973 خففت من الشحن الطائفي ضد الأسد لدى قسم من السوريين، ولكن الإخوان المسلمين كانوا مصرين على المواجهة. بعد العام 1975 بدأ الإخوان حملة عنفية منظمة ضد النظام استهدفت البعثيين عموما والعلويين خصوصا، وهذه الحملة لم تكن مجرد ثورة داخلية بل كانت مؤامرة منظمة من الخارج ساهم فيها النظام العراقي والمخابرات المركزية الأميركية والأنظمة العربية الموالية للولايات المتحدة (خاصة الأردن الذي كان ملكه حاقدا على البعث السوري منذ أن حاولت سورية احتلال الأردن في عام 1970).
تلك الفترة كانت الأسوأ في حكم حافظ الأسد، حيث أنه برفضه مشروع تسوية كامب دافيد بين مصر وإسرائيل وضع نفسه في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل ومصر وكل محور الاعتدال العربي. بالإضافة إلى ذلك كان الضغط الإعلامي والسياسي والاقتصادي والأمني من النظام العراقي شديدا حيث أن العراق كان يسعى جاهدا لإسقاط البعث السوري وتوحيد البلدين. وفي لبنان تم تفجير الأوضاع وأوشكت منظمة التحرير الفلسطينية أن تسيطر على كل لبنان، مما هدد بإشعال حرب لبنانية-إسرائيلية كانت ستمتد حتما إلى جبهة الجولان، مما أنذر بكارثة لأن سورية كانت في تلك الفترة محاصرة من جميع الجهات ولم تكن تتلقى أي دعم من أية جهة إقليمية.
حافظ الأسد تحرك في تلك الظروف العصيبة جدا واتخذ عدة قرارات جريئة. القرار الأول كان قرار إرسال جيشه إلى لبنان لمنع منظمة التحرير الفلسطينية من السيطرة على لبنان (وبالتالي تجنب حرب مع إسرائيل كانت أميركا وأتباعها يتمنونها لإسقاط نظام الأسد والإتيان بنظام جديد يدخل في تسوية كامب دافيد). القرار الثاني كان قرار التقارب مع إيران في مواجهة العزلة الإقليمية وخاصة من جهة العراق، وهذا التقارب مع إيران تحول إلى تحالف بعد سقوط الشاه ومجيء الخميني. أما القرار الثالث والأكثر جرأة فهو قرار الحسم التام ضد الإخوان المسلمين بعد أن حاولوا اغتياله في العام 1980.
لم يكن يتوقع الكثيرون أن يخرج الأسد من كل تلك المعمعة سالما، ولكنه نجح في تجاوز عاصفة كامب دافيد ونجح في تخطي الحرب المعلنة عليه من العراق والأردن ودول الخليج، ونجح في الاختبار الأصعب وهو المواجهة الداخلية الدامية مع الإخوان المسلمين والتي كان الكثيرون جدا (داخليا وإقليميا ودوليا) يراهنون عليها لإسقاطه. وكانت نتيجة نجاحه تثبيتا لوجود نظامه في سورية والمنطقة وعمرا مديدا له في ظاهرة غير معروفة سابقا في تاريخ سورية الحديث.
مواجهته مع الولايات المتحدة في لبنان
لا شك أن مجازفة حافظ الأسد الأكبر كانت قراره بمواجهة الولايات المتحدة في لبنان في العام 1982. عندما غزت إسرائيل لبنان وأرسل حلف الناتو قواته إلى بيروت اعتقد جميع أتباع أميركا أن العصر السوري في لبنان انتهى، وجاء أمين الجميل إلى حافظ الأسد حاملا له الرسائل الأميركية التي تدعوه للسمع والطاعة.
ولكن قرار حافظ الأسد بالمواجهة أثبت أنه مقامرة رابحة جدا عندما هربت إسرائيل من لبنان وهرب بعدها حلف الأطلسي في عام 1986 وبقيت سورية لوحدها في لبنان. لقد سقط مشروع بشير الجميل (التقسيم وإيجاد إسرائيل ثانية في جبل لبنان) باغتياله، وسقط مشروع أمين الجميل (اتفاقية 17 أيار) بهروب قوات المارينز من بيروت، وبذلك خلت الساحة كليا لسورية وحلفائها وصار الانعزاليون الموارنة في موقع هزيمة مؤكدة، ولكن إعلان استسلامهم تأخر حتى العام 1991 بسبب الدعم الذي كانوا يتلقونه من صدام حسين والذي أخر تطبيق اتفاق الطائف حتى العام 1991 عندما هزم صدام في حرب الكويت.
اتفاق الطائف (والذي هو نسخة سعودية من اتفاق كان حافظ الأسد يحاول فرضه في لبنان منذ العام 1976) قضى كليا على المشروع الانعزالي الموالي للغرب في لبنان وأعاد لبنان إلى الفلك السوري (أو الفلك القومي العربي) في السياسة الخارجية والدفاعية. ولم يبدأ عهد بشار الأسد في عام 2000 إلا وكان الانتصار السوري في لبنان قد اكتمل تماما بطرد إسرائيل من جنوب لبنان بدون قيد أو شرط.
بشار ورفضه للشرق الأوسط الجديد
فور تولي الشاب بشار الأسد للحكم فوجئ بعاصفة هوجاء هي عاصفة المحافظين الجدد الذين احتلوا العراق في عام 2003 وحاولوا أن يفرضوا على سورية الدخول في الفلك الأميركي بدون قيد أو شرط. بشار اتخذ قرارا جريئا جدا هو مواجهة الولايات المتحدة ورفض مشروعها الجديد بالمطلق (وهو ربما كان الخيار الوحيد المتاح أمامه إن أراد البقاء في الحكم، تماما كحالة والده الذي كان يواجه بخيارات غير عادلة لا تترك له مجالا سوى المواجهة).
بشار دخل المواجهة من بابها الواسع بإقصاء الحريري (رجل أميركا والغرب) من الحياة السياسية في لبنان والتمديد لإميل لحود، وطبعا خروج سورية من لبنان لم يكن بسبب إقصاء الحريري وإنما العكس هو الصحيح. سورية كانت على وشك أن تتلقى ضربة كبيرة في لبنان (هي القرار 1559 الذي أراد له معدوه أن يكون ضربة قاصمة تسقط النظام السوري وتثبت النظام الأميركي الجديد في المنطقة) ولكن سورية استبقت هذه الضربة بالتمديد للحود وإقصاء الحريري، مما أحبط جزءا كبيرا من مفاعيل القرار 1559 ومفاعيل الانسحاب السوري من لبنان.
بعد مجازفة إقصاء الحريري جاءت مجازفة أخرى كبيرة من سورية وحزب الله هي حرب تموز 2006، والتي أراد لها مخططوها أن تكون ضربة استباقية تربك إسرائيل وأميركا وتبطل مفاعيل التهديد العسكري الإسرائيلي الذي كانت أميركا تراهن عليه كثيرا لإحكام سيطرتها على لبنان وإسقاط سورية.
بعد مرور 8 سنوات على غزو العراق يتضح تماما أن مجازفة بشار الأسد آتت أكلها وأنه انتصر في المواجهة مع الولايات المتحدة في كل من العراق ولبنان. أميركا الآن على وشك أن تغادر العراق بفشل كبير، وأما لبنان فقد عاد تحت النفوذ السوري-الإيراني بشكل أقوى مما كان، حيث لم تعد هناك في لبنان ذراع سورية صريحة يمكن ليها كما كان الحال في زمن وجود الجيش السوري، وبالتالي صارت السيطرة السورية هناك أعمق بكثير لأنها نابعة من عنصر محلي وليس من وجود خارجي.
ما يحدث الآن في سورية وقرار الأسد بالمواجهة والحسم مع الولايات المتحدة ربما تكون المجازفة الكبرى في فترة حكم الأسدين الأب والابن، وإن انتصر بشار هذه المرة فسيكون ثمن انتصاره كبيرا.



