لا شك أن الغزو الأميركي للعراق سدد ضربة قاصمة للفكر القومي في هذا البلد، فبعد سقوط صدام سيطرت على المشهد السياسي العراقي القوى الطائفية والإثنية وغابت القوى القومية بشكل شبه كامل، وهذه القوى الطائفية والإثنية سارعت إلى إعداد دستور جديد يقوم على مبادئ التقسيم والتجزئة تحت شعار “الفدرالية”.
البعث العراقي (أو البعث “اليميني” كما يسمى في التراث البعثي) كان –بخلاف البعث السوري- يجنح نحو الفاشية. الانقسام بين البعثين “اليميني” و”اليساري” بدأ منذ عام 1963 وسرعان ما تحول إلى حرب إلغائية استخدمت فيها كل وسائل الصراع -الشريف منها وغير الشريف- بما في ذلك التحريض الطائفي الذي كان رائجا جدا في عقد الستينات بين صفوف “الرفاق” البعثيين في سورية. عندما أقدم “اليساريون” في سورية في عام 1966 على الإطاحة بـ”القيادة القومية” التي كانت تمثل الاتجاه “اليميني” (أو الاتجاه “الرجعي المتعفن” كما كانوا يسمونه) فر “اليمينيون” إلى العراق وشنوا من هناك حملة كاسحة من التحريض الطائفي والفاشي العنصري ضد النظام السوري (وفقا لنظرية صدام حسين الشهيرة التي تقول بأن العلويين أصلهم أكراد من الأناضول وبالتالي لا يحق لهم قيادة حزب البعث).
البعث العراقي كان يفهم القومية العربية على أنها شكل من الفاشية، ولذلك كان يستخدم كثيرا في أدبياته التحريض العنصري ضد “الفرس” والأكراد وغيرهم. هذا الفهم العرقي للقومية العربية مختلف عن الفهم السوري والذي يفهم الفومية العربية على أنها رابطة توحد كل الطوائف والإثنيات المقيمة على الأرض العربية (بحدودها المعروفة والتي تمتد من جبال طوروس شمالا إلى جزر القمر جنوبا).
النزعة الفاشية لدى البعث العراقي (والتي أخذت الطابع الدموي في الحروب ضد الأكراد والإيرانيين) خلقت ردات فعل سلبية في المجتمع العراقي المتعدد إثنيا، وهذا ما نراه الآن لدى الإثنيات العراقية غير العربية (خاصة الأكراد والعراقيين من أصل إيراني) والذين نجد لديهم الحقد الشديد على حزب البعث والقومية العربية. هذا الحقد الإثني (والذي تلاقى مع مشروع الفوضى الخلاقة الأميركي) أنتج الدستور العراقي الجديد الذي يشرعن تقسيم العراق تحت شعار “الفدرالية”.
حقيقة المشكلة في العراق هي إثنية وليست طائفية. الشيعة العرب في العراق هم عموما ذووا توجه قومي ويعارضون فكرة تقسيم العراق. القوى السياسية “الشيعية” التي كانت منفية في زمن صدام (والتي تضم في صفوفها كثيرا من ذوي الأصول الإيرانية الذين نفاهم صدام بسبب أصولهم الإيرانية) حاولت بعد سقوط صدام أن تنشئ إقليما “للشيعة” في وسط وجنوب العراق، ولكن هذا المشروع فشل بسبب عدم تجاوب الشعية العرب معه، مما يظهر بوضوح الانقسام على أساس إثني بين صفوف الشيعة العراقيين.
وحدة العراق هي أمر مرغوب لدى العرب فقط (سواء شيعة أم سنة)، ولكن الأكراد والعراقيين المرتبطين بإيران (سواء بسبب أصولهم الإثنية أو بسبب التبعية الفكرية) يرفضون هذه الوحدة بل ويمقتونها. المقلق في العراق الآن هو مدى التغلغل الإيراني في المجتمع العراقي والذي يسعى لهدم الفكر القومي لدى الشيعة العرب واستبداله بفكر انعزالي طائفي يروج لإنشاء إقليم “شيعي” في العراق. ويقابل هذا التغلغل الإيراني تغلغل آخر لا يقل عنه خطورة هو التغلغل الوهابي لدى سنة العراق والذي ساهم بشكل جوهري في إنشاء حالة الاستقطاب الطائفي الحاد في العراق حاليا.
التيارات السياسية “الشيعية” الأساسية في العراق هي ثلاثة: حزب الدعوة الإسلامية والتيار الصدري وتيار الحكيم. تيار الحكيم أظهر منذ الأيام الأولى لسقوط صدام حماسة كبيرة لتقسيم العراق (وذلك لأنه الأكثر قربا من إيران سواء من حيث احتوائه على أعداد كبيرة من ذوي الأصول الإيرانية أو من حيث تبعيته الفكرية والسياسية لإيران). التيار الصدري في المقابل رفض فكرة تقسيم العراق (وذلك لأن هذا التيار أكثر عروبة من تيار الحكيم). أما حزب الدعوة فهو أخذ موقفا وسطا من القضية.
المقلق في الآونة الأخيرة هو ما بدأنا نسمعه من دعوات لتقسيم العراق في أوساط التيار الصدري وفي أوساط سنة العراق. إذا كانت هذه الفئات التي تعتبر الأكثر عروبة في العراق قد بدأت تتقبل فكرة التقسيم فهذا أمر لا يبشر بالخير أبدا بل ينذر بشر كبير.
الحجة التي يطرحها مروجوا التقسيم منذ سقوط صدام حتى الآن هي حجة باطلة تقوم على الخلط بين الفدرالية واللامركزية الإدارية. اللامركزية الإدارية هي مطلب مشروع ومطبق في كثير من الدول، ولكن الفدرالية هي مفهوم آخر ينطوي على تقسيم سياسي وليس مجرد تقسيم إداري. إن مروجي التقسيم في العراق يخلطون عمدا بين هذه المفاهيم ويحاولون التلبيس على العامة وإيهامهم بأن الفدرالية هي شكل من اللامركزية الإدارية، والمؤسف هو أن هذا التشويه الفكري قد بات رائجا في العراق وحاليا صار طرح التقسيم الفدرالي طرحا عاديا ومقبولا لدى قسم كبير من العراقيين بما في ذلك العرب.
إن اجتماع المصالح الأميركية مع مصالح إيران ومصالح الأقليات الإثنية ومصالح الساسة العراقيين الفاسدين يقود العراق سريعا نحو التقسيم، وهذا خطر جدي وكبير في المرحلة القادمة بعد انسحاب الولايات المتحدة من العراق. إن مشهد تقسيم السودان الذي شاهدناه فبل أسابيع قد يتكرر مجددا في العراق في غضون السنوات القليلة القادمة.
الحل الوحيد لإنقاذ العراق من التقسيم هو بإحياء الفكر القومي أو الوطني ولكن على أساس سليم هذه المرة يبتعد عن الفاشية والتعصب العرقي، وهو أمر صعب في المرحلة الحالية بسبب سوء أوضاع العراق الاقتصادية وتردي مستوى التعليم وانتشار الفوضى والعنف، وهي كلها عوامل تؤجج التعصب والنعرات الضيقة، ناهيك عن أن الغزو الفكري المكثف من إيران والوهابيين وأميركا لا يساعد أبدا على بناء ثقافة وطنية في العراق بل يدفع بقوة نحو التقسيم.
كنت قد طرحت سابقا فكرة إقامة اتحاد سياسي فدرالي بين سورية والعراق كحل لإعادة إحياء الفكر القومي في البلدين وتهميش الأفكار الانعزالية. السيناريو المخطط لسورية هو نفس السيناريو الذي جرى تنفيذه في العراق، ولو تم إعادة إحياء فكرة الوحدة العربية حاليا (حتى ولو على أساس اقتصادي فقط) فهذا سيكون له مفعول الصدمة الإيجابية لدى الغالبية العربية في كلا البلدين وسيؤدي لتهميش الأفكار الانعزالية والطائفية.


