بعد يوم واحد من توقيع اتفاقية نقل الغاز بين إيران والعراق وسورية (وهي اتفاقية ذات أبعاد استراتيجية وربما حتى جيوسياسية) فوجئ العالم بتصريحات قوية جدا تخرج عن وزارة الخارجية الأميركية تجاه سورية. هذه التصريحات كانت غير مسبوقة من حيث كونها سيلا من الشتائم تجاه الرئيس الأسد والجيش السوري.
ما هو السبب المباشر وراء هذا التصعيد الكلامي (والذي ترافق أيضا بتصعيد على قناة الجزيرة)؟ من الصعب أن أحدد، ولكن هناك عدة أسباب محتملة (وكنت قد تحدثت عنها كلها من قبل):
- ربما تكون هذه الشتائم بسبب اتفاقية الغاز الإيراني وفشل الولايات المتحدة في تمديد بقاء قواتها في العراق كما كانت تريد. الفشل في العراق هو ضربة استراتيجية مؤلمة للولايات المتحدة وكنت قد كتبت تدوينة سابقة عن هذا الموضوع وتوقعت أن تحاول الولايات المتحدة الانتقام من سورية.
- ربما تكون بسبب موضوع الاعتراف بالدولة الفلسطينية أوالفشل في إسقاط النظام الليبي.
- ربما تكون الشتائم بسبب شعور الولايات المتحدة بأن الأمور لا تسير لصالح “الثوار” في سورية. إن اتفاقية الغاز الإيراني هي مكسب استراتيجي لسورية نظرا لأنها ستفيد سورية ماليا على المدى المتوسط والبعيد وليست مجرد إجراء تنفيسي طارئ. أي أنها تضرب المخطط الأميركي لعزل سورية وإضعافها على المدى المتوسط والبعيد. أيضا إن اشتداد القمع الأمني ضد “الثوار” ربما يكون أخاف الولايات المتحدة من أن تخمد الثورة ولذلك قامت بمهاجمة الجيش السوري تحديدا وكالت له الشتائم. ولا ننسى أيضا أن سورية منعت السفير الأميركي من التحرك وزيارة مناطق “الثورة”.
هناك أسباب عديدة تدفع الولايات المتحدة لكيل الشتائم لسورية، ولكن ما هي الغاية المرتجاة من الشتائم؟ الغاية طبعا هي تحريض الثوار على الاستمرار في الثورة والمحافظة على زخم الحملة الإعلامية الغربية ضد سورية. إن توجيه الشتائم للجيش السوري تحديدا هي إشارة ذات مغزى لأنها تريد أن توحي للثوار بأن الجيش يتعرض للضغط وأنه ربما ينقسم أو يتمرد على الرئيس الأسد. أيضا لا بد أن الولايات المتحدة حاولت كثيرا منذ بداية الأزمة أن تتصل بضباط الجيش السوري وتحرضهم على التمرد، وكون الجيش ما زال متماسكا حتى الآن هو أمر يدفع الولايات المتحدة للغضب ولذلك ربما قامت بكيل الشتائم للجيش في محاولة لإخافة ضباطه ودفعهم للتمرد حتى لا يكون مصيرهم كمصير الرئيس الأسد حسب الإيحاء الأميركي.
الثوار يعلقون آمالا عريضة على شهر رمضان، والسلطات السورية صعّدت من حملة القمع قبل رمضان في محاولة لكسر معنوياتهم. لهذا السبب تدخلت الولايات المتحدة وكالت الشتائم للرئيس الأسد وللجيش السوري في محاولة جديدة منها لرفع معنويات الثوار وإضعاف معنويات الجيش. الولايات المتحدة تقوم بالتصعيد دائما عند اللحظات المفصلية. في السابق قامت بالتصعيد قبيل انعقاد مجلس الأمن للبحث في الموضوع السوري، وقبيل انعقاد “اللقاء التشاوري” الذي ترأسه فاروق الشرع، والآن هي تقوم بالتصعيد قبيل رمضان ومع صدور بعض القوانين السياسية الجديدة في سورية كقانون الأحزاب وغيره وذلك في محاولة منها لامتصاص مفاعيل هذه القوانين على الصعيد الإعلامي الدولي والمحلي ورفع معنويات الثوار.
من الأدلة المباشرة على أن أميركا تعول على “معركة رمضان” ما جاء على لسان “دبلوماسي غربي” لوكالة رويترز من أن “رمضان يغير اللعبة”. طالما أن الغرب يرى أن رمضان “يغير اللعبة” فإذن ليس من المستغرب أن تقدم الولايات المتحدة حقنة دافعة للثوار قبيل رمضان. أنا أتوقع أن تقوم الدول الغربية بتصعيد كبير في رمضان (معظمه سيكون تصعيدا إعلاميا ودعائيا ولن تكون هناك خطوات عملية مؤثرة لأن الغرب استنفذ ما لديه كما ذكرت سابقا). ربما يكون الهدوء الغربي الحالي هو الهدوء الذي يسبق العاصفة. لو كنت مكان الغربيين لما كنت ألقيت أسلحتي الآن وإنما لكنت انتظرت أن “يحمى الوطيس” في رمضان وعند ذلك أقوم بإخراج كل ما في جعبتي من أسلحة خاصة وأن أسلحتي لم تعد بالكثيرة.
ما الذي يمكن أن يفعله الغربيون في رمضان؟ دعني أتوقع:
- سمعنا مؤخرا على لسان عدنان عرعور (الناطق باسم المخابرات السعودية) أن المخابرات السعودية قامت بإدخال أعداد كبيرة جدا من هواتف الأقمار الصناعية إلى سورية، ناهيك عما قيل في الصحف الأميركية قبل أسابيع عن أن أوباما أمر بإيصال أجهزة اتصال حديثة إلى “المعارضة السورية”.
- إذن يمكننا أن نتوقع تصعيدا كبيرا في البث الدعائي في رمضان وربما نرى ونسمع الكثير من العجائب التي لم نسمعها حتى الآن (ربما يخرج كلام عن انشقاقات في الجيش وإبادة جماعية وقصف الناس بالطائرات كما حصل في الحملة الدعائية ضد ليبيا).
- أيضا لا شك أن الثوار يخططون لصدامات كبيرة مع أجهزة الأمن والجيش مما يهيئ المجال للحملة الدعائية المنتظرة.
- وعلى ضوء هذه الحملة الدعائية سيتحرك الغرب لفرض عقوبات جديدة، ربما يكون بعضها مؤلما ويطال الشركات السورية والقطاع النفطي، ولكن الغرب سيتستر تحت ستار الحملة الدعائية “الثورية” ليفرض هذه العقوبات التي كان يتردد في فرضها حتى الآن لكونها تضرب الشعب السوري بشكل مباشر ولا يمكن تغطيتها تحت ستار “استهداف النظام”.
- ربما نرى أيضا مفاجآت من دول كانت صامتة حتى الآن، وهنا تحديدا أشير لقطر والمملكة السعودية، أما تركيا وباقي دول الخليج فلا أتوقع منهم تغيرا جذريا.
- الاحتمال الأخير والأضعف هو تدخل إسرائيل عسكريا ضد لبنان وسورية.
بالأمس تم استهداف القوات الفرنسية العاملة في جنوب لبنان، ولكن فرنسا لم ترد بشكل قوي، مما يدل على وجود نية مبيتة بعدم الرد حاليا وانتظار شهر رمضان للرد.
خلاصة الكلام هي أن الغرب وأتباعه يعدون العدة لتصعيد كبير في رمضان وهم بالتالي يراهنون على أن هذا الشهر سيكون المعركة الفاصلة. لو تمكن الغربيون من تمرير بعض العقوبات الاقتصادية اللئيمة خلال هذا الشهر فإنهم ربما يكونون انتصروا بالفعل. المعركة في الأساس هي معركة طويلة المدى ونجاح الغرب في تمرير حظر تجاري على سورية تحت ستار شهر رمضان وما سيجري فيه من “مذابح” متوقعة سيقوم بها الجيش السوري “الوحشي والبربري” (كما وصفته أميركا) سيميل كفة المعركة ضد سورية.
بناء على كل هذا لا أتوقع أن تخمد “الثورة” في رمضان، وحتى لو خمدت فإن سورية ستكون قد خرجت خاسرة لأن العقوبات المتوقعة والتشويه الإعلامي المتوقع سيقضي على أي أمل لسورية بالتعافي اقتصاديا على ما أظن. النظام السوري يحاول مؤخرا التقرب من قطر والسعودية لأنه بحاجة لأموالهما، ولكنني لا أدري إن كانت هذه الأموال ستأتي خاصة في ظل الأجواء الحالية التي توحي بتصعيد كبير متوقع في رمضان تساهم فيه قطر والسعودية بشكل أساسي.


