جاء عزوز ليكحلها فعماها

Posted: يوليو 25, 2011 in مجتمع, إعلام, سياسة
بقاء عزوز وأمثاله في مناصبهم هو من أهم أسباب تفاقم الأزمة في سورية

تحدث إلى التلفزيون السوري بالأمس أحد مستحاثات النظام السوري وهو محمد شعبان عزوز رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال، واستعرض أبو الزوز خلال حديثه المطول “إنجازات” الدولة السورية على الصعيد العمالي والتي تتمثل بأشكال لا تعد ولا تحصى من هدر المال العام، ومن ذلك “تشحيد” الصدقات والإعانات للعمال بدون وجه حق (تباهى أبو الزوز مثلا بأن الدولة تدفع رواتب منذ ثلاث سنوات لعمال لا يقومون بأي عمل!).

أبو الزوز كان يتحدث معنا ليس كمواطنين في دولة وإنما كرعايا في دولة. أنا كمواطن أشعر بالحنق عندما أعلم أن المال العام (الذي هو مالي ومال غيري من المواطنين) يوزع كهبات وصدقات على ناس لا يقومون بأي عمل، بينما هناك ناس آخرون بأمس الحاجة إلى المال ولا يستطيعون الحصول عليه. أنا كمواطن أعتبر الدولة السورية مؤسستي وأعتبر أن كل هدر لأموالها وإساءة لإدارتها هو هدر لأموالي وإفشال للمؤسسة التي أنتمي إليها. ولكن العقلية التي ينطلق منها أبو الزوز هي عقلية مختلفة تماما، فهو لا يعتبر أن الدولة هي ملك للمشاهدين الذين يتحدث إليهم وإنما هي ملك له ولزمرته ونحن مجرد رعايا عندهم، ولذلك فهو لا يتوقع منا أن نهتم بمالية الدولة ولا بكيفية إدارتها، لأنه يفترض أن هذه أمور لا تعنينا وليست من شأننا. هو يفترض أن ما يعنينا هو أن نحصل من الدولة على المال فقط وليس أي شيء آخر.

هذه العقلية، أي عقلية الراعي والرعية، هي النقيض لعقلية الوطن والمواطن. الدولة السورية كانت وما زالت تربي السوريين على أنهم رعايا وليسوا مواطنين، وبالتالي لا نستغرب انعدام ثقافة المواطنة لدى معظم الشعب السوري وانتشار ثقافة الانعزال والأنانية واللامسؤولية.

الرئيس الأسد كان غاضبا في خطابه الأخير على “الحاقدين على الدولة” ومن لا يملكون حس الانتماء إليها (يقصد “الثوار”). أنا أتفق معه في أن الثوار فاقدون لحس المواطنة، ولكن السؤال هو من المسؤول عن ذلك؟ أليس النظام السوري هو المسؤول عن انعدام ثقافة المواطنة لدى السوريين؟

هل النظام السوري يتعامل مع السوريين كمواطنين أم كرعايا؟ هل النظام شفاف معنا ويخبرنا بصدق كبف يدير شؤون الدولة وما هي خططه ورؤاه الحقيقية؟ أم أنه يتعامل معنا كمجموعة من المغفلين الذين لا نفهم شيئا؟ هل النظام يشركنا بصدق في إدارة شؤون الدولة ورسم سياساتها؟ أم أنه يضعنا على الهامش ولا يهتم بنا ولا يعيرنا بالا؟ هل النظام كان يتعب نفسه أصلا في الحديث معنا؟

هناك مشكلة كبرى في التواصل بين السوريين والدولة التي من المفترض أنها دولتهم، ومن الجيد أن الرئيس الأسد اعترف بهذه المشكلة، ولكن للأسف أن هذا حدث بعد فوات الأوان وبعد أن اندلعت “الثورة”. الثوار في سورية لا يعترفون بالدولة ولا يشعرون بالانتماء لها، بل على العكس هم يرونها عدوا ويسعون للتحالف مع الغرب (وحتى إسرائيل) ضدها. هذا الواقع المأساوي بحاجة لمعالجة جذرية لكل بنية الدولة والنظام السياسي. كلام السيد عزوز ونضال الشعار وأمثالهما من الجيل البائد لا يفيد الوضع بل على العكس هم بكلامهم يتسببون في مفاقمة الأزمة. الثوار في سورية لا يريدون هبات ومعونات من الدولة. الأزمة ليست في سعر المازوت ولا في مخالفات البناء. الأزمة هي أزمة مواطنة.

تخفيض سعر المازوت والسماح بمخالفات البناء ومخالفات قانون السير هي إجراءات ترضي الشريحة الدنيا من المجتمع (الشريحة الجاهلة تماما) والتي هي راضية أصلا ولا تريد أن تثور، أما الثائرون في الشوارع فهذه الإجراءات لم تؤثر عليهم بشيء سوى أنها زادت من استفزازهم. الثائرون في الشوارع يريدون من الدولة أن تتعامل معهم كمواطنين، بمعنى أنهم جزء من الدولة وليسوا رعايا لديها. كان الأحرى بالدولة بدلا من إغداق النعم والعطايا على الشعب (والتي لم تفد بشيء سوى تعميق الأزمة سواء على الصعيد الشعبي أو على صعيد مالية الدولة) أن تقوم بعملية تغيير جذرية وشاملة لكيفية تعاطيها مع المواطنين، وهكذا عملية لا يمكن أن تتم بدون تغيير شامل لكل الوجوه القديمة المحنطة كالسيد عزوز وأمثاله.

الرئيس الأسد شخصيا أراد تغيير الأمور وأن يتواصل بصراحة مع المواطنين، ولكن المشكلة هي في طاقمه وفي نظامه الذي صار خارج العصر ويجب أن يتغير. طالما أن المسؤولين السوريين ما زالوا لا يتحدثون بصراحة وما زالوا يتحدثون مع السوريين وكأنهم جهال ومغفلون ولا يفهمون شيئا فإن الأزمة ستستمر وتتفاقم.

يجب على الرئيس الأسد أن يصدر مرسوما جمهوريا بفصل كل من لا يحترم عقول السوريين في حديثه ومن لا يتحدث بعلم ومنطق. في الدول المتقدمة يلعب الإعلام الدور الأساسي في تسليط الضوء على المسؤولين الفاشلين والمغفلين والفاسدين، ولكن المشكلة لدينا هي في أن الإعلام أكثر فسادا من الدولة والإعلاميون السوريون في معظمهم يجب رميهم في مكب النفايات.

هناك طبعا مسؤولون جيدون في الدولة وأذكر منهم (على سبيل المثال) الوزير سفيان العلاو الذي كان علميا وصريحا في مقابلته مع تلفزيون الدنيا (بخلاف المذيع الذي كان يجري المقابلة معه والذي هو مجرد شخص معتوه). المقابلة كانت جيدة لأن الوزير كان صريحا ولم يكذب على المواطنين. أما لو أخذنا الوزير نضال الشعار مثلا فهو يجب أن يفصل من الحكومة لأن مقابلاته كانت وكأنها موجهة لمعاقين ومهابيل ولم يكن لها علاقة بالعلم والمنطق.

بين الشمولية وغياب الشفافية

لا شك أن ثقافة تهميش الشعب هي ثقافة قديمة في سورية وهي بدأت مع وصول حزب البعث للسلطة في عام 1963. البعثيون كانوا ينظرون لأنفسهم على أنهم حزب تقدمي في مجتمع رجعي جاهل، ولهذا السبب كانوا يسمون نظامهم “بالثورة” وكانوا يعتقدون أنه لا بد من الاستبداد والقمع لـ “تحضير” الشعب السوري ونقله من الرجعية والتخلف إلى الحضارة والتقدم.

هذه النظرية فيها شيء من المنطق، ولكن المشكلة فيها أن تطبيقها على أرض الواقع يقود إلى انحرافات كبيرة (مثلها مثل معظم نظريات المنظومة الفكرية “الاشتراكية”). مشكلة الأنظمة الشمولية أن الأمور فيها تبدأ من منطق “الفرض” على الشعب لتصل فيما بعد إلى “تجاهل” الشعب وعدم التواصل معه. الحكم السلطوي يصيب الحكام بالكسل فلا يعودون يشعرون بالحاجة للحديث مع الشعب وشرح الأمور له، ناهيك عن أن وجود الفساد والفشل في إدارة الدولة لا يشجع المسؤولين على الحديث أيضا. وعدم الحديث مع الناس وتجاهلهم وتهميشهم يقودهم إلى اليأس والإحباط من الدولة فيكفرون بها وينهار شعور المواطنة لديهم.

إذن نظرية الحكم السلطوي الذي يقوم بنقل الشعب من التخلف إلى التقدم هي نظرية مثالية وغير علمية مثلها مثل كل النظريات المرتبطة بالفكر الاشتراكي الثوري والتي ثبت فشلها عالميا.

ولكن ما هو البديل؟

هناك طبعا البديل “الديمقراطي” الغربي. يقول توماس جيفرسون منظر الديمقراطية الأميركي:

“I know no safe repository of the ultimate powers of the society but the people themselves, and if we think them not enlightened enough to exercise their control with a wholesome discretion, the remedy is not to take it from them but to inform their discretion.”

توماس جيفرسون (ومعه بقية “الآباء المؤسسين” للولايات المتحدة) كانوا أيضا يعانون من مشكلة الشعب الجاهل، ولذلك مثلا قاموا بإيجاد نموذج من الديمقراطية يقوم على مبدأ الانتخاب غير المباشر. رئيس الولايات المتحدة لا ينتخب مباشرة من الشعب وإنما ينتخب من “كلية انتخابية” منتخبة من الشعب. أي أن الآباء المؤسسين لم يكونوا يثقون بقدرة الشعب على اختيار الرئيس ولذلك جعلوا انتخابه بشكل غير مباشر من خلال هيئة منتخبة لهذا الغرض (وهذا النظام شبيه نوعا ما بالنظام السياسي السوري الذي يجعل انتخاب الرئيس من مهام المجلس النيابي).

الدول الغربية عموما تتحكم بالرأي العام من خلال التحكم بوسائل الإعلام والتعليم. من يحكم الدول الغربية هو شكليا الشعب ولكن في الواقع فإن من يحكم هو النخب الاقتصادية والسياسية. عندما يتوافق السياسيون وأصحاب النفوذ في الغرب على القيام بشيء ما فإنهم يوجهون وسائل الإعلام لكي تأخذ الشعب في الاتجاه الذي يريدونه (وأكبر مثال هو الأزمتان الليبية والسورية اللتين نعيشهما حاليا). هذا النظام هو تطبيق لكلام جيفرسون الذي نقلته في الأعلى. من يحكم الدول الغربية هو النخب “البرجوازية” التي توجه الشعب كما تريد عبر تحكمها بوسائل الإعلام وبمناهج التعليم.

إذن الأنظمة الغربية لا تختلف عن الأنظمة “الثورية” في كونها أنظمة نخبوية وغير ديمقراطية بالمعنى الحرفي للكلمة. من يحكم الأنظمة الغربية والشرقية هي نخب، ولكن أدوات الحكم تختلف، ففي حين يستخدم النظام السوري مثلا أجهزة المخابرات والأمن ولا يتحدث مع الشعب إلا لماما، نجد أن الإعلام والحديث مع الشعب هو الوسيلة الأساسية للسيطرة على الشعوب في الغرب.

لا بد للنظام السوري أن يبدأ بالانتقال إلى شكل من أشكال “الديمقراطية” الممسوكة جيدا والتي تقوم على مبدأ التحكم الإعلامي والتعليمي بدلا من التحكم الأمني. طبعا الكلام سهل ولكن التطبيق صعب ويأخذ وقتا طويلا. لقد تحدثت سابقا عن مناهج التعليم السورية وضرورة تغييرها، ونفس الكلام ينطبق على الإعلام السوري الذي يجب تغييره من إعلام تلقيني دوغمائي إلى إعلام تحليلي نقدي، ومن أهم التغييرات التي يجب أن تدخل على الإعلام السوري التخلص من الثقافة العزوزية والشعارية التي تقوم على مبدأ استغباء المواطن والتعامل معه بمنطق تحقيري واستصغاري.

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s