
بعد أن حذر ناشطوا “الثورة” في الأسبوع الماضي مدينة حلب من أن يوم الجمعة هو “الفرصة الأخيرة” لها لكي تنضم للثورة، جاءت العقوبة اليوم بمحاولة قتل 500 مدني على قطار متجه من حلب إلى دمشق، وهي رسالة دموية للغاية نظرا لأن عدد 500 راكب هو عدد كبير ولو كانت العملية نجحت لكانت هذه مجزرة حقيقية.
يشكو الحلبييون منذ أسابيع من أنهم يتعرضون للمضايقات أثناء تنقلهم عبر المحافظات الأخرى (خاصة حمص)، وهناك بعض حوادث القتل التي طالت مسافرين حلبيين (خاصة من المسيحيين الذين هم الأكثر استهدافا في سورية بعد العلويين). إن رسالة الأسبوع الماضي كانت تقول للحلبيين أن يوم الجمعة هو الفرصة الأخيرة لكم قبل أن يصير حكمكم كحكم العلويين، والعملية السريعة اليوم (بعد يوم واحد فقط من جمعة الإنذار الأخير) هي رسالة قوية تقول للحلبيين بأن التعامل معهم سيكون أسوأ حتى من التعامل مع العلويين.
هذه الأحداث ليست جديدة حيث أنها تكررت سابقا في مناطق كثيرة من البلاد (في درعا وريف دمشق وحمص تم تخيير الناس بين “الانضمام للثورة” وبين أن يكون مصيريهم كمصير العلويين). “الثوار” عموما لا يقبلون الحياد وهم يعتبرون أن من لا يؤيدهم هو عميل للنظام أو شبيح أو ذيل للعلويين وغير ذلك من الألفاظ، وهذا لا يقتصر فقط على الطبقات الدنيا من الثوار بل هو يشمل حتى قيادييهم.
عملية القطار حسب ما فهمنا تم تنفيذها بشكل احترافي، مما يطرح احتمال تدخل جهات خارجية في تنفيذها، وهو احتمال وارد بقوة لأسباب عديدة أبسطها هو أن هناك سوابق في تاريخ سورية لذلك. في السبعينات والثمانينات كانت المخابرات المركزية الأميركية تشرف على تدريب مقاتلي الإخوان المسلمين في المخيمات الأردنية وكانت تزودهم بالأهداف (هناك خبير روسي اسمه ماتوزوف روى على قنوات فضائية أنه كان يرأس لجنة تحقيق رسمية سوفييتية في حوادث اغتيال الضباط الروس في سورية في ذلك الوقت، وقال أنه سمع من ملك الأردن الحسين شخصيا أن المخابرات الأميركية هي من كانت توجه مسلحي الإخوان لاغتيال الضباط الروس وأنه لم تكن له علاقة بما يجري).
سورية الآن هي محط صراع إقليمي (بل وحتى دولي) طاحن بين أميركا ومناوئيها (وعلى رأسهم إيران). أميركا دأبت منذ بداية الأحداث على اتهام إيران بالتدخل في الشأن السوري. أنا شخصيا أستبعد ألا تكون المخابرات الأميركية تدعم الثوار ميدانيا في سورية. إن عدم تدخل المخابرات الأميركية (مع مخابرات الدول الموالية لها طبعا) في مثل هذا الصراع سيكون جنونا من الولايات المتحدة.
المخابرات الأميركية لها تاريخ عريق ومعروف في التدخل في الشؤون الداخلية للدول ودعم الثورات بل وحتى إيجادها من العدم. هناك أنظمة كثيرة أسقطتها المخابرات الأميركية وهناك أنظمة أخرى جاءت بها المخابرات الأميركية. إن تدخل المخابرات السعودية والأردنية وغيرها في سورية هو أمر معروف منذ زمن (وعملية اغتيال عماد مغنية في دمشق كانت فضيحة كبيرة لسورية وإيران على هذا الصعيد). قبل بضعة سنوات فككت الأجهزة الأمنية السورية شبكة وهابية من صنع المخابرات السعودية (بندر بن سلطان) كانت تهدف لإثارة ثورة إسلامية في سورية، وتبع ذلك العصيان المعروف في سجن صيدنايا والذي كان يهدف أيضا إلى إثارة ثورة إسلامية في سورية. وكانت هناك أيضا عملية اغتيال المبحوح في دبي وعملية اغتيال العميد محمد سليمان وتفجير موقع دير الزور وغير ذلك الكثير مما ربما لم نسمع عنه. إن سورية هي ساحة صراع كبيرة لأجهزة المخابرات الدولية والإقليمية منذ زمن بعيد، ومن الطبيعي في مثل الظرف الحالي أن تكون أجهزة المخابرات تسرح وتمرح في سورية (كما كان الحال في لبنان في السبعينات والثمانينات) وتقوم بتأجيج “الثورة” وربما تدريب وتسليح بعض العصابات الوهابية الجهادية (وتوجيهها لاغتيال ضباط إيرانيين في سورية واستهداف مواقع تخزين أسلحة حزب الله، ولذلك ربما سمعنا مؤخرا عن أن حزب الله ينقل أسلحته من سورية إلى لبنان).
منذ بداية “الثورة” كانت هناك ملامح لعمليات من تنفيذ تنظيم القاعدة (تقطيع الجثث والتمثيل بها). عندما نعلم بأن المخابرات السعودية تسعى جاهدة منذ سنوات لإقامة ثورة وهابية سورية لا يمكننا إلا أن نفترض أن هذه المخابرات تسرح وتمرح الآن في سورية وتقوم بتوزيع الأموال وأجهزة الثريا وربما الأسلحة أيضا (وبرنامج عدنان العرعور لم يترك أسرارا مخفية فهو يقول كل شيء تقريبا على العلن).
زيارة السفير الأميركي الغريبة لحماة والحديث الأميركي المتكرر عن التدخل الإيراني في سورية (وحديث إيران عن اعتقال شبكة تجسس أميركية وحديث حزب الله عن اعتقال عملاء للمخابرات الأميركية وليس الموساد) هي مؤشرات تدل غالبا على أن المخابرات الأميركية بذاتها لا بد وأنها تعمل الآن بقوة في سورية.
في مثل هذا الجو لا يمكنني إلا أن أفترض أن عملية تفجير أنبوب النفط وعملية القطار اليوم هي من صنع أجهزة مخابرات أجنبية (غالبا السعودية أو الأردنية وربما حتى الأميركية بعد أن شاهدنا زيارة السفير الأميركي لحماة وحديثه عن “التواصل” مع المعارضة). الوهابيون الحماصنة ليست لديهم المعرفة الكافية لتنفيذ عمليات متقنة ولا بد أن هناك جهات خارجية تقوم بتوجيههم. لهذه الأسباب قلت سابقا أن ما يجري في سورية سيستمر لفترة طويلة وربما لن يتوقف حتى تنحل الدولة وتنهار أجهزتها كما حدث في لبنان في زمن الحرب، والسيناريو الوردي هو أن تظل الدولة متماسكة ولكن مع فوضى متصاعدة كما حصل في العراق بعد إسقاط صدام. إن منحى الأمور يوحي بالتصاعد وربما نسمع بعد فترة قريبة عن فرق موت وميليشات تستهدف المدنيين وتقتلهم كما حدث في العراق.
بيلاروسيا بعد روسيا تخصخص القطاع العام
http://ar.rian.ru/world_economy/20110721/369451396.html
أعلن رئيس اللجنة الحكومية الخاصة بأملاك بيلاروسيا غيورغي كوزنيتسوف في مؤتمر صحفي له أمس الأربعاء، أن بيلاروسيا تخطط لبيع 178 شركة حكومية بين عامي 2011 و2013.
وكانت روسيا أيضا أعلنت برنامجا كبيرا للخصخصة:
http://arabic.rt.com/news_all_news/news/560565
بيلاروسيا هي إحدى المعاقل الأخيرة للاشتراكية والقطاع العام في العالم، وهي دولة صديقة لسورية ولدينا معها اتفاقيات تعاون صناعي (بما في ذلك مشاريع مستقبلية لتصنيع الباصات والشاحنات في سورية). إن إقدام كل من روسيا وبيلاروسيا على خصخصة قطاعهما العام هو رسالة لمن لم يفهم بعد في سورية.
اعتقادي الشخصي هو أن الرئيس بشار الأسد من أنصار الخصخصة ولكنه لم يتمكن في السنوات الماضية من أن يعلن ذلك صراحة، ولذلك حاول التوصل إلى حل وسط مع مومياءات النظام وحزب البعث وهذا الحل الوسط يقوم على مبدأ تحويل “المؤسسات العامة” إلى شركات مساهمة عامة تعمل بأسلوب القطاع الخاص، وتم اختيار مؤسسة الاتصالات كبداية لتحقيق هذا الهدف:
http://www.syrianeconomic.com/?page=show_det&select_page=&id=3054
بدأت مؤسسة الاتصالات في بلورة ملامح تحولها إلى شركة مساهمة مملوكة بالكامل من قبل الدولة، حيث تم التعاقد مع إحدى المكاتب الاستشارية الألمانية بهدف وضع الإطار القانوني والأنظمة المتعلقة بالشركة من دون أن تكون منقولة عن الأنظمة الحالية وذلك انطلاقاً من معايير الاندماج والتكامل والعمل المؤسساتي.
مصادر مؤسسة الاتصالات أكدت بأن هذا الإطار الجديد للمؤسسة سيمنحها المرونة في العمل من خلال ما تنوي التركيز عليه في المرحلة القادمة والتي يأتي أولها الموارد البشرية والعناصر المنتجة والمبدعة، خاصة وأن هذه الخطوة تعتبر ذات خصوصية مميزة ومنفردة من حيث الخدمات التي ستضع أولى أولوياتها التوجه نحو زبون الاتصالات وكيفية المحافظة عليه من خلال الوصول المستهدف والمضي نحو تغيير عقلية الأداء ورفض من يعوق العمل أو غير القادر على أداء عمله بالشكل الأمثل.
الرئيس الأسد اهتم كثيرا بهذا الموضوع وكانت له زيارة في العام الماضي إلى مؤسسة الاتصالات:

http://www.syria-news.com/readnews.php?sy_seq=120762
دعا الرئيس بشار الأسد خلال زيارة له إلى مؤسسة الاتصالات يوم الأحد إلى بذل الجهود لإنجاح تحول المؤسسة إلى شركة بما يحفز باقي جهات القطاع العام لإتباع النهج نفسه
تحويل المؤسسات العامة إلى شركات مساهمة سيسهل على الدولة مستقبلا طرح جزء من أسهم هذه الشركات للاكتتاب العام أو حتى بيع الأسهم بالكامل، وهذا نهج سليم للخصخصة وبعيد عن الشبهات. المشكلة هي أن عملية تحويل المؤسسات إلى شركات مساهمة تسير ببطء وحاليا هذا النهج غير مطبق إلا على مؤسسة الاتصالات فقط حسب ما أعلم، مما يعني أن الرئيس الأسد ما زال يواجه صعوبة أمام المومياءات وهو يحاول أن يجعل من مؤسسة الاتصالات نموذجا ناجحا لكي يضغط به إعلاميا عليهم.

