
- العراق الأميركي… هل بدأ يخرج من يد أميركا؟
بخلاف ما يظن الكثيرون فإن المعركة الكبرى الجارية في المنطقة حاليا ليست في سورية ولا مصر وإنما هي في العراق. العراق هو بلا شك درة المنطقة وهو كنز جيوسياسي ثمين لمن يمسك به. العراق كان أول مناطق السلطنة العثمانية التي غزاها البريطانيون في عام 1914 وذلك لما يحويه من احتياطات هائلة من النفط السطحي سهل الاستخراج وبسبب موقعه الاستراتيجي بين فارس والخليج وسورية وتركيا.
في عهد عبد الكريم قاسم وعندما تصاعد نفوذ الشيوعيين في العراق دعمت المخابرات الأميركية وصول البعثيين إلى السلطة في عام 1963 وذلك لكونهم “أهون الشرين” مقارنة بالشيوعيين. وعندما ضاعت إيران من يد أميركا في عام 1979 حرصت أميركا على منع الخميني من الاستيلاء على العراق عبر دعم صدام في وجهه بالعتاد والمال (عبر حلفائها الخليجيين). بعد أن انتهت الحرب مع إيران (وانتهى دور صدام حسين) انتهزت الولايات المتحدة فرصة انهيار الاتحاد السوفييتي وتغير موازين القوى الدولية فشنت هي وحلفاؤها الخليجيون حربا تدميرية ضد العراق، ولكنها أحجمت عن إسقاط نظام صدام في اللحظة الأخيرة لخوفها من الثورة الشيعية التي اندلعت ضده والتي هددت بنشوء نظام إسلامي على غرار النظام الإيراني. بدلا من إسقاط صدام عملت الولايات المتحدة في عهد بيل كلينتون على عزل العراق وإضعافه إلى أقصى حد ممكن عبر تدمير اقتصاده وتدمير أسلحته وتدمير كل شيء فيه.
عندما أتى جورج بوش الابن إلى الحكم في عام 2001 كان موضوع غزو العراق على رأس أولوياته (وذلك بسبب هيمنة المحافظين الجدد على إدارته، والمحافظون الجدد كما هو معروف كانوا يرون أن بيل كلينتون والديمقراطيين لم يحسنوا استغلال سقوط الاتحاد السوفييتي لمد سيطرة أميركا في العالم). قام جورج بوش بغزو أفغانستان تحت ذريعة القاعدة (وذلك لتحقيق أهداف استراتيجية عديدة أهمها إيجاد موطئ قدم أميركي في منطقة استراتيجية مهمة تقع بين الصين وروسيا وإيران)، ثم قام جورج بوش بغزو العراق أيضا تحت ذريعة القاعدة وأسلحة الدمار الشامل. الهدف الأساسي لغزو العراق كان تثبيت الوجود الأميركي في الخليج ومحاصرة إيران (بالإضافة طبعا للسيطرة على النفط العراقي)، أما الهدف الثاني فكان فرض “السلام الإسرائيلي” على سورية والفلسطينيين. بيل كلينتون حاول جاهدا أن يفرض على حافظ الأسد وياسر عرفات القبول بتسوية مع إسرائيل لا تحقق الحد الأدنى من المطالب العربية (هو كان يراهن على أن تغير موازين القوى الدولية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي سيرغم سورية والفلسطينيين على القبول بأي شيء يعرض عليهم)، ولكن حافظ الأسد وياسر عرفات رفضا الضغوط الأميركية. جورج بوش أوقف كليا عملية السلام الكلينتونية (التي أرادت فرض الاستسلام على سورية والفلسطينيين بشكل دبلوماسي) وانتقل إلى عملية سلام جديدة يتم فرضها بقوة الحديد والنار، وهذا كان أحد أهداف غزو العراق والهدف الأساسي لـ “ثورة الأرز” التي قامت في لبنان (والتي لم تكن إلا توطئة لحرب تموز 2006).
خطة المحافظين الجدد فشلت فشلا ذريعا. بعد مرور 10 سنوات على بدء حملة المحافظين الجدد للسيطرة على العالم نجد أنهم ما يزالون يعانون في بسط سلطتهم في أفغانستان ولم يتمكنوا من إسقاط النظام الإيراني رغم الجهود الهائلة التي بذلوها لذلك. وبالنسبة للسلام الإسرائيلي فهم فشلوا كليا في فرضه على سورية والمنطقة، بل وهم حتى خسروا حسني مبارك الذي كان يعد أبرز وأهم ركائز هذا السلام.
منذ بدء الأحداث الأخيرة في سورية تلقى الأميركيون عدة ضربات استراتيجية موجعة في المنطقة أهمها:
- تشكيل الحكومة الجديدة في لبنان وإقصاء سعد الحريري (رجل أميركا) عن السلطة كليا تمهيدا لإلغائه من الحياة السياسية. هذه الخسارة تعتبر خسارة جيوسياسية شنيعة للولايات المتحدة والغرب لأنهم فقدوا نفوذهم في لبنان بشكل شبه كامل، وهذا أمر يحدث لأول مرة منذ قرون (تقليديا كان المسيحيون الموارنة هم الضمانة لاستمرار النفوذ الغربي في لبنان، ولكن انتقال قسم كبير من الموارنة إلى كفة “الممانعة” ووجود هذا القسم بمفرده في السلطة هو سابقة خطيرة وقضاء شبه كامل على النفوذ الغربي في السلطة اللبنانية. حاليا يبقى السنة هم الأمل الوحيد للولايات المتحدة في لبنان، وهنا سيدور الصراع الأساسي في المرحلة المقبلة حيث أن سورية [ممثلة بنجيب ميقاتي] وأميركا [ممثلة بسعد الحريري] سيتصارعان على كسب التأييد السني. حتى لو فشلت سورية في كسب تأييد الغالبية السنية [وهو أمر متوقع] فإنها ستلجئ لعزل وإقصاء سنة الحريري كما فعلت مع موارنة عون في مرحلة التسعينات).
- تجدد الثورة في مصر ضد نظام الحكم. الأميركان ضحوا بمبارك (رأس النظام) وأبقوا جسم النظام على أمل أن يكون هذا الجسم هو الضمانة لاستمرار نفوذهم (هم كانوا يأملون أن يبقى الحكم بيد العسكر مع وصول الإخوان المسلمين كواجهة جديدة تحل محل مبارك)، ولكن تجدد الثورة ضد المجلس العسكري هو مؤشر خطير ويدل على أن الخطة الأميركية المرسومة لمصر ربما لن تسير كما يأمل الأميركان. ضعف سلطة المجلس العسكري في مصر يعني ضعف القبضة الأميركية على هذا البلد (والقبضة الأميركية كانت أصلا قد ضعفت بعد إقصاء مبارك). على كل حال فإن القبضة الأميركية من المستبعد أن تزول كليا عن مصر كما حدث في لبنان (وإيران في عام 1979) لأن مصر ستظل محتاجة للأموال الأميركية (والخليجية) إلى وقت طويل، وهذه هي نقطة ضعف مصر الأساسية التي تمكنت أميركا من خلالها أن تسطير على هذا البلد منذ السبعينات وحتى الآن.
- فشل أميركا وحلف الأطلسي في إسقاط القذافي. ليبيا تحولت إلى مستنقع جديد بالنسبة للغرب أسوأ من المستنقعين الأفغاني والعراقي لأنهم لم يفلحوا حتى في إسقاط النظام ناهيك عن أن يركبوا نظاما جديدا.
- تأييد سورية لدولة فلسطينية على حدود عام 1967 يعتبر ضربة للولايات المتحدة وحلفائها الذين كانوا يمنون أنفسهم بأن سورية وإيران ستحبطان هذا المسعى ولن تسمحا بوصوله للأمم المتحدة (سورية وإيران قررتا تأييد هذا المسعى من باب إيذاء الولايات المتحدة وإسرائيل فقط وليس بدافع قناعة استراتيجية على ما أعتقد. إنها مجرد مناورة جديدة على شاكلة المفاوضات السورية-الإسرائيلية، وقد تحدثت عن هذا في تدوينة سابقة).
- رغم الأساليب القمعية ورغم الغزو السعودي فإن نظام الحكم البحريني فشل في تثبيت وجوده وهو ما يزال مهتزا، وهذا يعتبر تهديدا كبيرا للولايات المتحدة لأن منطقة الخليج هي بالنسبة لأميركا المنطقة الحساسة (مثل كيس الصفن) والضربة فيها هي ضربة مؤذية جدا وتصيب المصلحة الأميركية في صميمها. الصحف الغربية تنقل عن الولايات المتحدة أنها بدأت تستعد لاحتمال نقل أسطولها الخامس من البحرين إلى الإمارات أو قطر، وهو تطور إن حدث فعلا فسيكون تطورا دراماتيكيا للغاية.
- الوضع المضطرب في اليمن واكتساب القاعدة للنفوذ.
ولكن الضربة الكبرى أو الضربة القاصمة هي الضربة التي تلقتها الولايات المتحدة مؤخرا في العراق. الولايات المتحدة ضغطت بكل ثقلها على السياسيين العراقيين لكي تمدد وجودها العسكري في العراق بعد العام الحالي (والمتابع لقناة العربية وقناة الحرة ظن أن أميركا قد نجحت في فرض ذلك بالفعل)، ولكن المفاجأة هي أن السياسيين العراقيين (وعلى رأسهم المالكي) تملصوا من هذا الأمر رغم أن الضغط الأميركي عليهم وصل إلى حد أن وضعت أميركا لهم موعدا نهائيا لكي يطلبوا تمديد بقاء القوات الأميركية في العراق. من الواضح أن النفوذ الإيراني غلب النفوذ الأميركي في العراق، وحاليا تحاول الولايات المتحدة تمديد بقائها بأساليب أخرى التفافية بعد أن فشلت في فرض تعديل الاتفاقية الأمنية التي وقعت عام 2008.
إن موقف الساسة العراقيين (وخاصة المالكي) هو دلالة على أن إيران هي المؤثر الأقوى في العراق وأن الوجود الأميركي في هذا البلد يسير نحو الاضمحلال والزوال. زوال النفوذ الأميركي من العراق يعني كارثة جيوسياسية استراتيجية على الولايات المتحدة، حيث أنه سيسمح بنشوء محور “ممانع” يمتد من آسيا الوسطى إلى البحر الأبيض المتوسط. هذا المحور هو تهديد مباشر وقاتل لإسرائيل وحلفاء الولايات المتحدة الخليجيين وهو تهديد للوجود الأميركي في أفغانستان وباكستان. إن مخططات أميركا الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط ومنطقة وسط آسيا ستنهار وتتداعى في حال قيام هذا المحور “الإسلامي” الذي ستتزعمه إيران.
جمعة “أحفاد خالد”
في إطار الوضع الأميركي المهتز ربما نفهم التصعيد في سورية. إن الضربات القاسية التي تتلقاها الولايات المتحدة في المنطقة ستدفعها بلا شك للانتقام من سورية كونها الحلقة الأضعف حاليا وسقوطها سيعني سقوط مشروع الممانعة بأكمله. إن المعركة في سورية هي معركة شبه مصيرية بالنسبة للولايات المتحدة، وهذا أمر مؤسف لأنه يعني أن سورية ستدفع ثمن الصراع باهظا كما دفعه لبنان في السابق حينما كان هو ساحة الصراع. لا أتوقع أن ينتهي الصراع في سورية قريبا بل أرى حربا إقليمية ودولية مديدة ستستمر لأشهر وربما سنوات على الأراضي السورية حتى يصاب البلد بالانهاك ويتفكك وينهار كما حصل في لبنان في السبعينات والثمانينات، وكنت قد تحدثت عن هذا كثيرا في تدوينات سابقة. ما نشهده الآن ربما حتى يكون البداية لما سيعرف في التاريخ بـ “الحرب الأهلية السورية”.
من الواضح في الأسبوع الماضي أن هناك نية لتفجير الأوضاع طائفيا في سورية، وهو ما كنا ننتظره منذ البداية حيث أن جذور الحرب الطائفية قد تم بذرها في سورية منذ زمن طويل من خلال القنوات الفضائية الوهابية ومن خلال الاختراق السعودي الوهابي.
أسس الحرب الطائفية موجودة في سورية منذ سنوات. بندر بن سلطان وسعد الحريري عملوا على إشعال هذه الحرب في السابق، ولكن الحرب لم تنفجر إلا الآن بتأثر من “الربيع العربي” (والذي رغم أنه أصاب حلفاء أميركا في البداية إلا أن هدفه الأساسي هو النظامان السوري والإيراني، ونظريات المحافظين الجدد معروفة).
في درعا وحمص كان من الواضح منذ الأيام الأولى (منذ اللحظة التي تم فيها حرق أعلام حزب الله ورفع اللافتات باللغة الإنكليزية) أن هناك “سيناريو وهابي-أميركي” لهذه الثورة السورية شبيه بسيناريو ثورة الأرز في لبنان. الرائحة الوهابية العفنة كانت تفوح من درعا وحمص بالذات أكثر من غيرهما (وذلك على ما أعتقد لأن درعا قريبة من الأردن والسعودية وحمص قريبة من لبنان). ولذلك لا يستغرب أن الشرارات الأولى للحرب الطائفية الصريحة جاءت من هاتين المدينتين.
الحرب الطائفية في درعا تم احتوائها بدون ضجة كبيرة (لغياب وجود كثاقة سكانية علوية في تلك المنطقة)، ولكن في حمص فإن الحرب الطائفية انتشرت على نحو واسع وانتقلت لأول مرة من السر إلى العلن. الإسلاميون في حمص تركوا التقية وبدؤوا يهتفون بإبادة العلويين ويحملون تلك المقاطع على اليوتيوب (وهي مقاطع لم تبث على أي قناة)، وجاء اسم “جمعة أحفاد خالد” ليؤكد انتقال الثورة السورية إلى مرحلة جديدة هي مرحلة الجهاد المعلن ضد العلويين، لأن هذه التسمية لا يمكن تفسيرها بغير ذلك (“أحفاد خالد” تعني إسلاميي حمص السنة دون غيرهم من سكان المدينة).
كان “الثوار” في البداية يهتفون ضد “الشبيحة”، والذين كانوا يقصدون بهم أي مؤيد للسلطة السورية حتى لو كان من المدنيين الذين يشاركون في المسيرات، وبالتالي فهم كانوا يبذرون بذور الحرب الأهلية منذ البداية. الآن انتقلنا إلى مرحلة “أبناء خالد” ضد “أبناء القرامطة” كما شرح لنا السيد علي الأحمد (من الإخوان المسلمين) على قناة العربية. هذه الحرب ضد القرامطة (أي العلويين مبدئيا، والإسماعيليين والدروز لاحقا) ستمتد وتنتشر ولن تبقى محصورة في حمص.
النظام السوري لا يملك الكثير من الخيارات في هذه المرحلة. عندما نصل إلى مرحلة “أحفاد خالد” فإن الجرس الأحمر قد قرع ولا يوجد أمام النظام أي حل سوى استخدام القوة المفرطة لعله يتمكن من إنهاء الموضوع كما حصل في عام 1982 (رغم أنني أشك في قدرته على ذلك). ما سنشهده في المرحلة القادمة هو مزيد من التوترات والصدامات الطائفية (وربما مزيدا من أيام الجمعة التي ستحمل أسماء من قبيل “أحفاد عمر” و “أحفاد ابن تيمية” إلخ)…
يقول البعض أن النظام استنفر كل قوته العسكرية لمواجهة مرحلة أحفاد خالد، وهناك كلام عن إلغاء صلاة التراويح لهذا العام. كل في هذا في رأيي لن ينهي التمرد. التمرد سيستمر لفترة طويلة لأن استمراره مصلحة أميركية وسعودية (وربما حتى تركية) كبرى. لهذا السبب يحرص النظام السوري على التأقلم، ومن هنا جاء خفض أسعار الفائدة مثلا، لأن الأزمة ستستمر طويلا ولا حكمة من إيقاء أسعار الفائدة مرتفعة لأن ذلك يكبل الاستثمار ويكلف الدولة أعباء مالية. أيضا النظام السوري يحاول مؤخرا التصالح مع قطر لأنه يعلم أنه سيحتاج لأموالها عما قريب. ببساطة النظام السوري يعد نفسه لحرب طويلة الأمد ضد أحفاد خالد، وهو يملك مقومات ربحها حتى الآن لأننا لم نر أية تشققات أو تصدعات أو علامات ضعف جدية في النظام. على العكس نحن نرى أن الوضع الإقليمي يتغير لصالح سورية (الحكومة الجديدة في لبنان، عدم تمديد وجود القوات الأميركية في العراق، اهتزاز الوضع الأميركي في البحرين ومصر وليبيا واليمن، إلخ).


