
الثروة النفطية السورية والعربية وفرت أموالا طائلة لسورية منذ السبعينات حتى الآن ولكن هذه الأموال ضاعت هدرا
كان من المقرر في موازنة عام 2011 التي قدمت العام الماضي أن يكون الإنفاق الإجمالي للحكومة السورية ما قيمته 17.5 مليار دولار (مقارنة مع 15 مليار دولار في عام 2010). الحكومة كانت تقول أن حوالي 60-70% من هذا المبلغ سيأتي من الضرائب، والباقي كان سيأتي من عائدات النفط وقطاع الاتصالات والدين.
الوضع المثالي لأية دولة هو أن تكون عائدات الضرائب تغطي الإنفاق العام، ولكن في سورية فإن الضرائب تغطي نصف الإنفاق فقط، مما يدل على فشل كبير للدولة وأجهزتها.
المشكلة المالية في سورية مركبة من شقين: ضعف جباية الضرائب والهدر الكبير في الإنفاق.
رغم أن الحكومة السابقة حاولت أن تحسن من جباية الضرائب إلا أن النظام الضريبي في سورية ما يزال سيئا للغاية. معظم الضرائب التي تجبيها الدولة تأتي من موظفي الدولة ومن رسم الاستهلاك (الذي يفرض بشكل عشوائي على الأغنياء والفقراء وبدون مراعاة فوارق الدخل). الأغنياء ومتوسطوا الدخل في سورية لا يدفعون إلا جزءا يسيرا من الضرائب التي يجب أن يدفعوها (بسبب استشراء ثقافة التهرب الضريبي والاحتيال على القوانين والفساد والمحسوبية)، أما الفقراء فهم أبرز دافعي الضرائب. وهكذا فإن النظام الضريبي غير كفء ماليا وغير متوازن من الناحية الاجتماعية.
الحكومة السورية كانت تخطط لمتابعة إصلاح النظام الضريبي وفرض ضريبة القيمة المضافة، ولكن الأحداث الحالية أعاقت هذه الخطط. حاليا تقوم الحكومة بتخفيض وإلغاء الكثير من الضرائب (لسبب سياسي هو إرضاء الناس) ولا تقوم بأي جهد جدي لتعزيز جباية الضرائب، مما يعني أن عائدات الدولة من الضرائب في هذا العام ستقل بدلا من أن تزيد.
الشق الثاني من الأزمة المالية السورية هو الهدر الكبير في الإنفاق. بعيدا عن زيادة الرواتب وهبّة التوظيف التي ضربت الحكومة مؤخرا فإن الحكومة السورية تهدر حوالي نصف مواردها المالية (تقريبا 8 مليارات دولار) على ما يسمى بدعم المحروقات وبعض المواد الغذائية.
المصيبة في نظام الدعم السوري هي أنه نظام بدائي وفاشل جدا ولا يحقق أهدافه. الغاية التي تقوم الدولة بإنفاق كل هذا المال من أجلها هي دعم الفقراء، ولكن على أرض الواقع فإن ما يصل إلى الفقراء من هذا الدعم هو قليل، حيث يذهب قسم كبير من أموال الدعم إلى السارقين واللصوص والمهربين والناس الذين ليسوا بحاجة للدعم، وفي المقابل فإن هذه الأموال الطائلة التي تهدر على الدعم المزعوم كان يمكن أن تنفق على تحسين التعليم والطبابة الحكومية وعلى تحسين بيئة الاستثمار الخاص، وذلك كان سيفيد الفقراء أكثر بكثير من خفض الأسعار.
نسمع منذ عدة سنوات كثيرا من المقترحات حول الطريقة الأمثل لإيصال الدعم الحكومي للمواد الأولية إلى مستحقيه الفعليين. الحكومة جربت عدة طرق فاشلة كالقسائم والشيكات، وحاليا هناك حديث عن البطاقات الذكية. وهناك طرح جديد ورد في هذا الموقع (ذو النزعة الإشتراكية المعادية للإصلاح الاقتصادي):
http://www.syriasteps.com/?d=126&id=71630&in_main_page=1
المشكلة في النقاش الدائر هي أنه يركز على جانب واحد فقط وهو منع الهدر الناجم عن التهريب والسرقة. معظم المواطنين البسطاء (والمحللين الاقتصاديين البسطاء أيضا) يظنون أن المشكلة الحالية هي في التهريب فقط، وهذا ناجم عن طبيعة الثقافة السائدة في المجتمع السوري والتي هي ثقافة اشتراكية لا تستوعب مبادئ ترشيد الاستهلاك والتمايز الطبقي.
الإنسان ذو الثقافة الاشتراكية يعتقد أن الدولة هي بقرة حلوب يجب عليه أن يحلبها إلى أقصى حد ممكن. هذا الفكر الذي يتناقض كليا مع ثقافة المواطنة والشعور بالمسؤولية الجماعية هو أحد أهم أسباب استشراء ثقافة الفساد والهدر في المجتمع السوري. مشكلة دعم الأسعار ليست فقط في وجود التهريب وإنما أيضا في وجود الهدر. المواطن الذي يشتري المازوت والخبز بأسعار رخيصة يسرف في استهلاك هذه المواد (وهو ما أثبتته الأرقام التي أظهرت تراجع استهلاك المازوت بشكل كبير بعد رفع أسعاره في السنوات الماضية). إن بيع المواد بسعر يغطي قيمتها الحقيقية سيخفف من هدر هذه المواد والإسراف في استهلاكها وسيرفع عن الدولة (والمجتمع) تحمل عبء من يسرفون فيها (ناهيك عن أنه يخفف من تلوث البيئة واستهلاك مواردها ويجبر الناس على اللجوء إلى مصادر الطاقة المتجددة وغير ذلك من الفوائد).
المشكلة الأخرى الكبيرة (والتي لا يلتفت إليها أحد حتى الآن) هي مسألة تفاوت الدخل. العقل السوري المتأثر بالاشتراكية ينظر إلى المجتمع بنظرة شيوعية مثالية لا وجود لها في الواقع. طبقات المجتمع تتفاوت في دخلها، وتقديم الدعم بشكل متساوي لكل المواطنين هو هدر للمال العام يجب إيقافه. إن تقديم الدعم في الحالة السليمة يجب أن يكون محصورا بالفقراء والعاطلين عن العمل دون غيرهم. ليس هناك أي معنى لتقديم التعليم المجاني والمازوت المخفض بشكل عشوائي لكل المواطنين. إن هذا الشكل من الدعم “الشيوعي” يظلم الفقراء قبل غيرهم لأن المجتمع السوري ليس شيوعيا وهناك تفاوت في الدخل.
المؤسف هو أن الدولة السورية ظلت طوال عقود تهدر المال العام وتظلم الفقراء وتدمر الاقتصاد دون أن تلتفت للإصلاح إلا في السنوات الأخيرة بعد أن بدأت التحذيرات تظهر بقرب نضوب النفط (إذا نضب النفط الذي يمثل جزءا كبيرا من الموارد المالية للدولة فهذا سيعني عجزا هائلا في الموازنة). طبيعة النظام السوري لا تسمح له بالقيام بأي إصلاح استشرافي جدي، ولذلك فإن إصلاحاته تأتي دائما على شكل تنفيس أزمات وبعد أن يكون البلد قد خسر الكثير جدا بسبب التأخر في الإصلاح. حتى لو قامت الدولة بإصلاح نظام الدعم في السنوات القادمة وحسنت جباية الضرائب فإن هذا لن يؤثر إيجابا على حياة المواطنين (بل سيؤثر سلبا) لأن النفط سينضب قريبا، وبالتالي فإن عائدات النفط (والتي تهدر حاليا بدون فائدة) لن تكون موجودة ولن تتمكن الدولة من زيادة الإنفاق على التعليم والصحة والبنية التحتية بشكل كبير. أي أننا ببساطة أهدرنا الثروة النفطية على مدار عقود ولم نفكر في الاستفادة منها واستثمارها إلا حينما شارفت على النضوب.
بالإضافة لثروة النفط المهدورة تمتلك الدولة السورية بعض المؤسسات المسماة بمؤسسات القطاع العام. هذه المؤسسات جميعها خاسرة أو غير رابحة (ما عدا مؤسسة الاتصالات) وهي عبارة عن مزارع للهدر والفساد والعمالة الوهمية. لو تم خصخصة هذه المؤسسات بشكل سليم (بتحويلها لشركات مساهمة مثلا وطرحها للاكتتاب العام) فإنها كانت من الممكن أن تنمو وتتحول لشركات منتجة ومولدة للوظائف والدخل (الذي تستفيد الدولة منه عن طريق الضرائب أو امتلاك حصة من أسهمها)، بالإضافة طبعا إلى المال الذي ستحصل الدولة عليه عند طرح الشركات للاكتتاب. ولكن الدولة –رغم مرور عقود من الزمن على ثبات فشل هذه الشركات- لا تزال حتى الآن لا تفكر بخصخصة هذه الشركات وتعتبر ذلك “خطا أحمر.”
الاقتصاد السوري يبنى على مصلحة النظام الحاكم وليس على مصلحة الشعب، ولهذا السبب فإن الإصلاح لا يأتي إلا بصعوبة بالغة وبعد أن تكون الغاية المرجوة منه قد ضاع معظمها. النظام الحاكم في سورية هو عبارة عن شبكة كبيرة من المصالح ولكنه لا يمثل كل الشعب، ولهذا السبب لا نستغرب أن القسم المهمش والمظلوم من الشعب (الذي لا تشمله شبكة المصالح) قد غضب وثار. ولكن للأسف هذه الثورة لن تحسن شيئا في حال الاقتصاد السوري بل هي ستزيد من الأزمة وتعمقها لأن الثورة أدت إلى تباطؤ الإصلاح وخسارة سورية لوقت وأموال ثمينة كانت بحاجة ماسة إليها.


ان ما هو وارد من انتقاد متلاحق لدولةو السورية والعقل السوري يعيبه انه مجرد انتقاد ادانة لوضع نتفق جميعا على سوئه ولكن كيلا نكون جزءا من هذا السوء لا بد من طرح مقترحات تفصيلية افكار جديدة بدلا من مجرد التشاؤم