نشرت صحيفة الوطن اليوم تصريحات لمدير المكتب المركزي للإحصاء يؤكد فيها صحة أرقام النمو الاقتصادي التي أعلنتها الحكومة السابقة (والتي تراوحت حول 5%) ويشكك فيها بخبرة الخبراء الذين استعان بهم نائب رئيس الجمهورية فاروق الشرع:
http://www.alwatan.sy/dindex.php?idn=105112
«الوطن» اتصلت بمدير المكتب المركزي للإحصاء الدكتور شفيق عربش الذي أوضح في تصريح خاص بـ«الوطن» أن الحكومة السابقة لم تمارس أي نوع من الضغط على المكتب المركزي للإحصاء، وأن أرقام معدلات النمو الصادرة عن المكتب صحيحة، «وما قاله السيد نائب الرئيس نسبه إلى خبراء».
وأكد عربش أن المكتب خارج نطاق ردود الفعل، والمكتب مؤسسة عمرها عقود في البلد ولها آليات عملها المتعارف عليها دولياً، وعندما صدرنا أرقامنا كنا نعتمد على منهجيات وكنا حذرين جداً ومتوخين الدقة فيها، ومن عنده ما يثبت العكس فعليه أن يقدم ذلك، وهو الذي يجب أن يراجع أرقامه وليس نحن في المكتب المركزي. الخبراء المذكورون الذين صرحوا بنسبة 3.5 بالمئة، وأرقام الاتحاد العام لنقابات العمال 3.7 بالمئة، بيّن بشأنهم عربش أنهم أصدروا أرقامهم مستندين إلى خبراء، «وأنا أضع أمام كلمة (خبراء) عشرات إشارات الاستفهام».
وقال عربش: إن القضية ليست مسألة مصداقية، وإنما مسألة أدوات ووسائل وعناصر وفريق عمل إلى آخره، إضافة إلى بيانات واردة ومتجمعة، والمصداقية يمكن أن تكون موجودة عند الجميع ولكن هناك من ينقصه الأدوات التي قد لا تكون متاحة له.
وعن الفرق بين الخبير العادي والخبير العامل في المكتب المركزي للإحصاء – كما وصفهم عربش – أوضح أن الخبير العادي لا يعمل في المكتب المركزي للإحصاء، وفي الوقت ذاته لدى المكتب المركزي مديريات فيها عناصر في كل المحافظات السورية، والخبير العادي لا يمكنه الوصول إلى مثل هذه البيانات التي يتمتع بها المكتب المركزي.
ولفت عربش إلى أن المكتب المركزي ترده بيانات من جميع الجهات العامة في الدولة، ويجمع معلومات من كل مكونات القطاع الخاص، ويقوم بإجراء المسوح على جميع القضايا والأمور المتعلقة باقتصاد البلد، وقال: إذا كان الحديث عن خبراء، فما الأدوات المتاحة عندهم؟
وختم عربش بأن هؤلاء الموظفين يعملون في المكتب المركزي منذ سنوات طويلة وخاضعين لدورات تدريبية وتأهيلية، ويعملون ضمن طرائق علمية متعارف عليها عالمياً، ويقومون بتطبيق هذه الطرائق للوصول إلى جميع المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية في سورية.
طبعا من المعروف من هم الخبراء الذين ذكرهم فاروق الشرع (هم بعض المستحاثات “الاشتراكية” التي لا تفقه شيئا في علم الاقتصاد والذين ما يزالون يهيمنون على معظم مراكز الحكومة والإعلام والجامعات في سورية). بالنسبة لي شخصيا فأنا لم أتوقف أبدا عند كلام فاروق الشرع لسبب بسيط هو أنني أتابع منذ سنوات تقارير البنك الدولي والمنظمات الدولية والمجلات الاقتصادية الدولية وكل تلك المصادر الدولية تؤكد أن النمو في سورية في ظل حكومة العطري كان يزيد عن 5% (حتى المخابرات الأميركية لم تنكر ذلك). وأيضا أنا أتابع الإعلام السوري وأستمع للمستحاثات الاشتراكية وأعلم بأنهم يشككون في نسب النمو منذ بدء عملية الإصلاح الاقتصادي (لأسباب غير شريفة).
المستحاثات الاشتراكية لا تستطيع أن تجادل بشكل علمي في أي مسألة تتعلق بالاقتصاد، ولهذا السبب هم كانوا يمقتون عبد الله الدردري بشدة لأنه كان يواجههم دائما بالأرقام والبيانات الإحصائية التي كانت تلقمهم أحجارا وتجبرهم إما على السكوت والانكفاء أو على التشكيك بالأرقام.
عبد الله الدردري (ومن ورائه الرئيس الأسد) ليس ساحرا وهو لا يستطيع أن يغير منظومة متهالكة وبالية كالدولة السورية في يوم وليلة (خاصة وأنه كان يواجه مقاومة شرسة من المستحاثات الاشتراكية التي ليس لها أي مصلحة في الإصلاح)، ولكنه مع ذلك أبلى بلاء حسنا وحكومته هي أول حكومة سورية منذ عهد أديب الشيشكلي تحقق نموا حقيقيا مستداما في الاقتصاد السوري بنسبة تتجاوز 5% رغم أن سورية في السنوات الماضية عانت جفافا شديدا وغير مسبوق، ولولا الجفاف والقحط لكانت سورية حققت النمو بنسبة 7% كما وعدت الحكومة في خطتها الخمسية.
بعد عهد أديب الشيشكلي دخلت سورية في فترة الاشتراكية التي شهدت تراجعا في النمو، وحتى النمو الذي حصل في السبعينات (بسبب المال الخليجي) فإنه كان مجرد فقاعة سرعان ما انهارت في الثمانينات كما ذكرت في تدوينات سابقة. في ظل حكومة الزعبي كان النمو يتراوح حول 1% فقط، وفي عهد ميرو ارتفع النمو إلى 3%، ولكن حكومة العطري والدردري هي أول حكومة تحقق نموا بنسب تتجاوز 5% رغم صعوبة الظروف التي عملت فيها من حصار دولي (بعد قتل الحريري) وجفاف وارتفاع عالمي غير مسبوق في أسعار المحروقات والمواد الغذائية.
إن إصلاح الاقتصاد السوري وتحوله إلى اقتصاد حر متطور يعني أن المستحاثات الاشتراكية ستخرج من المشهد وستصبح على الهامش (ناهيك عن أنهم سيخسرون كثيرا من امتيازاتهم التي يحصلون عليها من المال العام)، وهذا طبعا لا يناسبهم ولذلك قاموا بشن حملة شعبوية غوغائية كاسحة على عملية الإصلاح الاقتصادي وعلى عبد الله الدردري وقاموا بتشويه سمعة الأخير بين الناس وأوهموهم بأنه هو سبب كل معاناتهم، بينما الحقيقة هي أن معاناة الناس ليست بسبب الدردري وإنما هي بسبب المستحاثات الإشتراكية وسياساتها الفاسدة التي أفسدت المجتمع وأضاعت المال العام ووضعته في جيوب اللصوص على مدار خمسة عقود.
الوضع الاقتصادي في ظل العطري والدردري لم يكن مثاليا وكانت هناك معاناة شعر بها الناس، ولكن هذه المعاناة لا يتحمل مسؤوليتها الدردري ولا عملية الإصلاح الاقتصادي إلا بقدر ضئيل.
معاناة السوريين خلال السنوات الماضية هي في معظمها معاناة “طبيعية” ناتجة عن تغير نمط الحياة من نمط خامل غير منتج (إشتراكي) إلى نمط منتج. السوريون عموما معتادون على الكسل وهدر الوقت (وهذا واقع مؤسف) وهم معتادون على عدم دفع الضرائب والتفلت من القوانين والحصول على السلع والخدمات بأسعار شبه مجانية. هذا النمط من الحياة مريح للفرد، ولكنه ضار بالمجتمع ويقود إلى مستقبل كارثي (ونحن وصلنا إلى هذا المستقبل الكارثي بالفعل، ولذلك صار الخروج منه صعبا).
من كان لا يدفع الضرائب في السابق فمن الطبيعي أنه سيعاني إن بدأ بدفعها (مع العلم أن الحكومة السورية حتى الآن لا تتقاضى إلا جزءا يسيرا من الضرائب التي يجب أن تتقاضاها). ومن كان يحصل على المازوت والغذاء بشكل شبه مجاني في السابق فإنه سيعاني إن بدأ بدفع بعض المال مقابل هذه المواد. هذه معاناة طبيعية ومفهومة، وفي الحقيقة فإن هذا الشكل من المعاناة مطلوب ومفيد. لا يعقل أن الفرد في الولايات المتحدة (وهي أغنى دولة في العالم) يعمل وينتج أكثر بأضعاف مضاعفة من الفرد في سورية (وهي من أفقر دول العالم). لا بد للفرد السوري من أن يتنشط قليلا ويزيد من إنتاجه لأن المهازل التي تحصل حاليا في المؤسسات السورية (خاصة فيما يسمى بالقطاع العام) لا بد أن تنتهي.
السبب الثاني لمعاناة السوريين هو سبب ثقافي يعود إلى الفلسفة الاشتراكية السائدة لديهم. معظم السوريين ما زالوا يؤمنون بدور “أبوي” للدولة في الاقتصاد ويتوقعون منها أن توظفهم وتطعمهم وتكسيهم وأن تكون هي المبادرة للاستثمار وتوليد الوظائف، وهذا الفهم لدور الدولة يتناقض جذريا مع منطق الاقتصاد الليبرالي. لذلك عندما قلصت الدولة من دورها في الاقتصاد فهم السوريون ذلك بأنه تراجع للوضع الاقتصادي، وهو ليس كذلك بل على العكس.
ما السوريون بحاجة له قبل كل شيء هو تغيير الثقافة “الاعتمادية” السائدة لديهم والانتقال بهم إلى ثقافة جديدة هي ثقافة المبادرة والإنتاج والابتكار. هذه الانتقالة هي أهم جزء في عملية الإصلاح الاقتصادي-الاجتماعي وبدونها فإن أي شيء ستفعله الدولة سيفشل، ولذلك ركزت في تدوينة سابقا على ضرورة قيام نهضة ثقافية في سورية تجتاح الجامعات ووسائل الإعلام قبل الشروع بأية خطوات عملية للإصلاح. لا بد للناس أن تفهم الدور المطلوب منها في ظل النظام الجديد قبل الانتقال إليه، وإلا فإن النتيجة ستكون الفشل. لا يمكن أن نربي الناس في المدارس والجامعات على الثقافة الاشتراكية ثم نتوقع منهم أن يتفهموا الاقتصاد الحر.
سيقول قائلون كثيرون بأن ما أتحدث عنه يتطلب دخلا كبيرا للمواطن وأن الدخل الحالي للمواطن السوري لا يسمح له بالتخلي عن الميزات التي يقدمها له النظام الحالي، ناهيك عن أن الاستثمار الخاص في سورية ضعيف والقطاع الخاص لا يوفر حاليا إلا قدرا ضئيلا من الوظائف ذات الشروط والمواصفات السيئة.
هذا الكلام صحيح، ولكن من المسؤول عن تدهور دخل المواطن السوري وتدهور القطاع الخاص السوري؟ أليس المسؤول هم أصحاب النظريات الاشتراكية؟… إن الإصلاح الاقتصادي ليس هو السبب في قلة دخل المواطن السوري وضعف القطاع الخاص ولكن السبب في ذلك هم المستحاثات الاشتراكية الذين أفسدوا البلاد سابقا ودمروا مستقبلها و الآن يتشدقون بمعارضة عملية الإصلاح. إن أفكار المستحاثات الاشتراكية ونظرياتهم الفاسدة هي ما أوصل المواطن السوري إلى الحفرة التي هو فيها الآن. عملية الإصلاح الاقتصادي تسعى لانتشال المواطن من الحفرة وليس تعميقها، ولكن المستحاثات هي من تريد تعميق الحفرة وأن تمنعنا من الخروج منها.
لا بد أن نخرج من الحفرة في أسرع وقت ممكن وإلا فإننا سنزول ونندثر من خارطة العالم. الخروج من الحفرة صعب ومؤلم، ولكن الألم يمكن تخفيفه بأسلوب التدرج، وهو ما كانت الدولة السورية تفعله في السنوات الماضية.
وقع الإصلاح الاقتصادي كان أشد على سكان الريف من غيرهم (وهم أكبر شريحة من الشعب السوري)، وهنا يكمن خطأ الحكومات السابقة الذي تحدث عنه الرئيس الأسد والذي ينبغي أن نصححه. إن الإصلاح في السنوات السابقة أهمل المناطق الريفية ولم يقم بجذب استثمارات كافية إليها للتعويض عن آثار الجفاف وعن ارتفاع أسعار المحروقات والغذاء. صحيح أن هذه المسؤولية لا تتحملها حكومة العطري لوحدها (لأن الحكومات السابقة لم تفعل شيئا أيضا)، ولكن حكومة العطري كان يجب أن تهتم أكثر بتنمية المناطق الريفية وحل مشاكلها. المشكلة الكبرى في سورية هي المركزية الإدارية الشديدة والتي هي في الواقع السبب الأساسي للثورة السورية الحالية. الرئيس الأسد أدرك هذا الأمر وحاول أن يستبق الثورة بإصدار قانون الإدارة المحلية الجديد، ولكن الثورة كانت أسرع منه بكثير. إن قانون الإدارة المحلية الجديد وتخفيف المركزية الإدارية هو الحل الأمثل لمشكلة الريف السوري، وبحل هذه المشكلة يمكننا أن نتابع مسيرة الإصلاح كما كانت تسير سابقا وبدون أن نلتفت للمستحاثات والمومياءات التي لا تريد لهذا البلد إلا الدمار والخراب والتخلف.
إن أحد أهم أسباب تأييدي للرئيس الأسد هي ثقتي بأنه من أنصار الإصلاح الاقتصادي وأنه يفهم علات البلد الاقتصادية جيدا، ولكن المشكلة الآن هي أنه يتعرض لطوفان (أو بالأحرى “ثورة”) وهذا الطوفان يتم ركوبه من قبل بعض المستحاثات التي أخشى أن تضيع علينا مزيدا من الوقت الثمين الذي لا نملكه. أنا أرفض الديمقراطية في سورية حاليا لأنني أعتقد أن نهج الرئيس الأسد هو الأمثل لتنمية سورية اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا. أما “الديمقراطية” الكاملة في المرحلة الحالية فهي لن تفعل شيئا سوى إعاقة سورية وتأخيرها (في أحسن الاحوال) إذا لم نقل تدميرها.


