كما ذكرت في التدوينة السابقة فإن حادثة تفجير أنابيب الغاز في دير الزور كانت مجرد البداية لتصعيد كبير في المحافظة، حيث حاولت مجموعات اليوم تكرار النموذج الإدلبي هناك، وسنرى غدا ما سيحدث.
أما حماة فهي على حالها وهذا مقال من جريدة السفير عن الوضع في المدينة.
في الأسبوع القادم سيكون هناك استحقاق كبير وخطير لسورية في مجلس الأمن ألا وهو الملف النووي الذي تمت إحالته إلى المجلس قبل أسابيع. لا يتوقع أن تكون هناك عقوبات على سورية في المرحلة الراهنة لأن روسيا لن تسمح بذلك، ولكن المجلس على ما أظن سيطالب سورية بالتعاون مع وكالة الطاقة الذرية مما يعني أن القضية ستظل مفتوحة.
قبل بضعة أيام صدر بيان عن مجلس الأمن بإدانة سورية بسبب حادثة السفارتين في دمشق، وهذا البيان لن يؤثر على سورية بشيء بل على العكس هو ربما يكون مفيدا لسورية لأن روسيا بموافقتها عليه ربما تكون امتصت قليلا من الضغط الغربي عليها في موضوع استهداف سورية في مجلس الأمن.
كنت قد تحدثت سابقا عن الحرب الإعلامية بين سورية وروسيا من جهة والغرب من جهة أخرى. الولايات المتحدة على ما يبدو لي ربحت هذه الحرب والدليل هو ارتفاع معنويات “الثوار” مجددا بعد فترة من الاضطراب والارتباك. سورية وروسيا كانتا تأملان في أن يكون مؤتمر الحوار في سورية بداية لتلاشي الزخم الإعلامي الذي يحظى به المتمردون (والذي كان قد قل منذ نزول مظاهرات التأييد الكبيرة للأسد وانعقاد مؤتمر سميراميس للمعارضة)، ولكن التصعيد الأميركي الكبير المتمثل بزيارة السفير الأميركي إلى حماة وما تلا تلك الزيارة من هجوم إعلامي أميركي كثيف على سورية أربك المشهد وأعاد الانتعاش لحركة التمرد، خاصة وأن حماة ما زالت خارج سلطة الدولة وجريدة السفير تقول أنها تحولت إلى قندهار.
سورية حاولت التصدي للهجمة الأميركية الأخيرة بتصعيد إعلامي كبير ضد أميركا وباستقبال أمين عام جامعة الدول العربية الذي أدلى بتصريحات قوية ضد الموقف الغربي. أما روسيا فهي حاولت امتصاص الزخم الأميركي بإطلاق تصريحات شبه يومية تؤكد الدعم لسورية وتهاجم الموقف الغربي وتهاجم المتمردين السوريين وتطالبهم بالذهاب للحوار. لا أعلم لمصلحة من تميل الكفة حاليا ولكن شعوري هو أنها تميل لمصلحة المتمردين، وسنرى غدا كيف ستكون المظاهرات (والتي أتوقع أن تكون كبيرة جدا خاصة في حماة ودير الزور).
من الواضح أن السلطة السورية لن تنجح في إخماد التمرد قبل رمضان، وبالتالي يبرز السؤال هنا حول قدرة السلطة السورية على الاستمرار في هذا النزاع وخاصة وأن معنويات المتمردين ستكون عالية على ما يبدو في رمضان وهم يبنون آمالا كبيرة على هذا الشهر (هم يعتقدون أن النظام سيسقط قبل العيد). أظن أن النظام يستطيع الصمود لشهر آخر لأنه لا توجد مؤشرات جدية حتى الآن تدل على أزمة مالية في الدولة السورية، كما أن روسيا على ما أظن تستطيع الصمود لشهر آخر في وجه الضغط الغربي، وبالتالي ربما يكون تفاؤل المتمردين المفرط بسقوط النظام قبل العيد سلاحا ينقلب عليهم ويتسبب في إجهاض ثورتهم إن جاء العيد وبقي النظام قائما كما هو. المتمردون سيعانون الأمرين في رمضان بسبب الحر الشديد وانقطاع الكهرباء وسوء الأوضاع الاقتصادية ناهيك عن النقص في المواد الغذائية في بعض المناطق. هذا الشهر سيتسبب في استنزاف شديد للمتمردين وليس فقط للسلطة، وبالتالي ربما يكون هذا الشهر هو المعركة الفاصلة بالفعل، اللهم إلا إذا تدخل الغرب مجددا وأعطى حقنة داعمة جديدة “للثورة”، وهو أمر وارد.
كورية الشمالية
لعل أكثر خبر ملفت اليوم كان زيارة وزير التجارة الكوري الشمالي إلى سورية ولقاءه بعدد كبير من المسؤولين السوريين وتوقيعه خمس اتفاقيات للتعاون مع سورية. هذه الزيارة تعتبر استفزازية جدا للولايات المتحدة التي تعتبر التعاون التجاري (أو في أي مجال) مع كورية الشمالية خطا أحمر. سورية (بحسب المصادر الغربية) تمتلك علاقات تعاون عسكري قديمة مع كورية الشمالية ولكن هذه العلاقات سرية. انتقال التعاون بين سورية وكورية إلى مرحلة علنية وشاملة ومتقدمة هو تهديد استراتيجي للولايات المتحدة لأنه سيضرب هيبة وسمعة الولايات المتحدة عالميا، وسيزيد من موارد كورية الشمالية المالية ودورها العالمي، وسيفتح المجال لتسرب المزيد من التقنيات العسكرية الكورية إلى سورية، وهو أمر خطير كون كورية الشمالية تمتلك صناعة عسكرية متقدمة مقارنة بسورية خاصة في مجالي الصواريخ والسلاح النووي (كورية الشمالية هي دولة نووية بامتياز وهي تنتج السلاح النووي باستخدام تقنيتي البلوتونيوم واليورانيوم المخصب معا). هذه الزيارة وما حدث فيها من لقاءات وتوقيع اتفاقيات هي رسالة تحد قوية وضربة كبيرة توجهها سورية للولايات المتحدة.
إن سورية في الآونة الاخيرة تقوم بتسجيل نقاط كثيرة ضد الولايات المتحدة والولايات المتحدة تقف عاجزة عن الرد بأي سلاح فعال لأنها استنفذت كل ما تملك من أسلحة وتركت نفسها في موضع انكشاف. حتى لو صدر في الأسبوع القادم قرار من مجلس الأمن ضد سورية بسبب الملف النووي فهو سيكون قرارا “بلا أسنان” وسيطالب سورية بالتعاون بدون فرض عقوبات، وبالتالي هو لن يكون رادعا حقيقيا لسورية، بخلاف التعاون الاستراتيجي بين سورية وكورية الذي يؤذي مصالح الولايات المتحدة بشدة.


