بالنسبة لأصحاب الحملة الإعلامية ضد النظام السوري والذين يروجون ليل نهار لأن الولايات المتحدة تدعم النظام وتحميه وتسعى لإنقاذه إلخ فهؤلاء الآن يجب أن يكونوا متفاجئين مما حدث في دمشق. أما بالنسبة لي فالأمر ليس فيه أي مفاجأة بل هو أمر متوقع.
لقد كتبت في تدوينة سابقة بأن الغرب قد وصل إلى المرحلة القصوى في ضغوطه على الأسد وأنه لم يعد يملك شيئا ليفعله سوى محاولة التأثير على الموقف الروسي. الولايات المتحدة رمت بكل ثقلها لإسقاط نظام الأسد لدرجة أنها أصبحت مكشوفة أمام أي “اعتداء” يقوم به الأسد لأنها لن تستطيع الرد.
بعض الصحفيين الجهال (وأغلبهم من أعداء النظام السوري الذين يروجون الأكاذيب عن قصد) يتحدثون عن أن “واشنطن لم ترفع الشرعية عن الأسد بعد” (بمعنى أنها لم تطالبه بالرحيل). هذا الكلام غريب لأن الأسد لا يستمد شرعيته من أميركا أولا وثانيا لأن الولايات المتحدة بمطالبتها الأسد بالرحيل ستكون تحرج نفسها فقط لأنه لن يرحل. ما هي الحكمة من أن تظهر الولايات المتحدة نفسها بمظهر العاجز عن إجبار الأسد على الرحيل؟ وما هي الحكمة من قطع خط الرجعة معه خاصة وأن احتمال رحيله ليس كبيرا؟ إن مطالبة الولايات المتحدة الأسد بالرحيل ستقويه ولن تضعفه لأن الأسد مناوئ للولايات المتحدة وليس من حلفائها كحسني مبارك وعلي عبد الله صالح.
أما السفير الأميركي في دمشق فسحبه سيضر الولايات المتحدة ولن يفيدها، لأنه سيحرج أوباما أمام الكونغرس أولا وسيجعل الولايات المتحدة تخسر منفذا مهما على الداخل السوري. أميركا لم تعد تملك أي وسيلة للضغط على الأسد سوى سفيرها في دمشق الذي يتصل وينسق مع “المعارضة السورية” كما أعلن هو نفسه. إن قيام السفير الأميركي بالتواصل مع “المعارضين” هو أمر مضر بالأسد لأنه يشجعهم على التصلب والتشدد، كما أن زيارة السفير الأميركي لحماة ولقائه بـ “زعماء المعارضة” هناك كانت ضربة قوية للأسد.
أميركا لا تملك أي شيء تستطيع أن تؤذي به الأسد لأنها استنفذت كل أسلحتها وهي الآن في موضع انكشاف أمامه. لهذا السبب فإن الأسد الآن “يتلذذ” بإذلال الولايات المتحدة. هو لم يقم بطرد السفير الأميركي ولكنه قام أولا بشن حملة إعلامية مكثفة عليه، ثم قام بتنظيم مظاهرات حاشدة أمام سفارته، وبعد ذلك قام باستدعائه إلى وزارة الخارجية و”بهدلته”، واليوم قام باقتحام سفارته. كل هذه الضربات يوجهها الأسد لأميركا وهي عاجزة عن الرد لأنها إن سحبت السفير فستخسر سلاحها الأخير ضده، أي أنها ستؤذي نفسها وليس هو.
غالبا سيقوم الأسد بطرد السفير الأميركي في النهاية، أو ربما سيستمر في التحرش به حتى يغادر البلاد هو والسفير الفرنسي. وجود السفير الأميركي في سورية يضر الأسد ولا يفيده، وإن قام الأسد بطرده فهو لن يخسر شيئا لأن أميركا لن تفعل شيئا. ما فائدة العلاقات الدبلوماسية مع دولة تفعل كل ما بوسعها لإسقاطك؟


