بشار الأسد بين النموذجين التركي والمصري

Posted: يوليو 10, 2011 in سياسة

لا شك أن المحنة التي تمر بها سورية حاليا هي الأخطر منذ استقلالها في عام 1943، ومن المؤسف لبشار الأسد أن يضطر لخوض هذه التجربة التي يخوضها الآن، والتي في معظمها ليست بسبب أخطائه هو وإنما هي تعود في المرتبة الأولى إلى تراث والده وفي المرتبة الثانية إلى مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي تحدثت عنه سابقا بإسهاب (مشروع الشرق الأوسط الجديد = الديمقراطية الأميركية = الفوضى الطائفية الخلاقة).

الدولة التي خلفها حافظ الأسد لولده بشار هي دولة فاشلة بامتياز، وأفشل ما فيها هو نموذجها الاقتصادي الاجتماعي القائم على بنى وهياكل فاشلة مقتبسة عن نموذج الاتحاد السوفييتي السابق. بشار أراد أن يصلح هذه الدولة ولكنه تردد وتخبط لأنه لم يعرف كيف يبدأ بالإصلاح في دولة معقدة ومتحجرة وفاسدة كدولة حافظ الأسد. في بداية عهده تحدث بشار عن الانفتاح السياسي، ولكنه سرعان ما أدرك أن الانفتاح السياسي في دولة كدولة حافظ الأسد سيقود إلى تكرار السيناريو السوفييتي في سورية (وهو محق في ذلك)، ولذلك قرر أن يبدأ بالإصلاح الاقتصادي. الإصلاح الاقتصادي يستوجب انفتاحا اقتصاديا، والانفتاح يمكن أن يقود إلى كوارث إن لم يسبقه إصلاح إداري، ولذلك بدأ بشار ببعض الإصلاحات الإدارية المحدودة ثم انتقل إلى مرحلة الانفتاح الاقتصادي في عام 2005.

الانفتاح الاقتصادي أدى إلى احتقانات شعبية خطيرة، ولذلك قرر بشار أن يقوم ببعض الانفتاح السياسي لتنفيس الاحتقان الشعبي الناجم عن الانفتاح الاقتصادي المحدود، ولكن الانفتاح السياسي في دولة كسورية يمكن أن يقود إلى تحلل الدولة كليا، وبذلك نكون رجعنا إلى المربع الأول.

هذه الحلقة المفرغة هي ما أخر الإصلاح لعشر سنوات. بشار أدرك في النهاية (في عام 2008 على ما أظن) أنه لا يوجد حل إلا بالسير في جميع مسارات الإصلاح بشكل متزامن (الإداري والاقتصادي والسياسي)، ولذلك قرر في عام 2008 أن يبدأ في حملة لمكافحة التعصب الديني كمقدمة لبعض الخطوات الانفتاحية المحدودة على الصعيد السياسي.

هذه الخطة التي قررها بشار الأسد وشرع في تنفيذها متأخرا (في عام 2009) كانت هي الخيار السليم والطريق الصحيح لإصلاح سورية. ولكن لسوء حظ هذا البلد فإن الديمقراطية الأميركية كانت أسرع منا فضربتنا في عام 2011 وأعادتنا خلال أسابيع قليلة 30 عاما إلى الوراء. سورية الآن تعيش مرحلة من الفوضى السياسية-الطائفية شبيهة بالمرحلة التي كانت تعيشها في السبعينات.

كما قلت منذ البداية، لا يوجد أي حل لإنقاذ البلاد من التحلل والتفكك إلا بإخماد الاضطرابات وفرض الاستقرار بالقوة، وهو ما فشلت السلطة في تحقيقه لأن القوى الدولية والإقليمية دخلت على الخط بقوة وهي تمنع الاستقرار حاليا في سورية. إن زيارة السفير الأميركي إلى حماة هي رسالة صريحة جدا بأن الولايات المتحدة لن تسمح بالاستقرار في سورية في ظل هذا النظام (أو على الأقل في ظل خياراته السياسية الحالية).

إن معركة فرض الاستقرار في سورية هي معركة بقاء، والفشل فيها يعني دخول سورية في سيناريوهات الفوضى والتقسيم التي تحدثت عنها كثيرا في السابق.

لو فرضنا أن النظام انتصر ونجح في فرض الاستقرار (أي لو افترضنا أن سورية بقيت ككيان جيوسياسي حقيقي)، فالسؤال هو حول ما سيفعله بشار؟

في الأسابيع الأولى كان من الواضح أن بشار أراد فرض الاستقرار بالقوة واستكمال نفس المسار الذي كان يسير فيه (الإصلاح التدريجي في المسارين السياسي والاقتصادي بوقت واحد)، وخطة عبد الله الدردري الخمسية كانت طموحة وممتازة بالنسبة لبلد كسورية.

حاليا هذا السيناريو صار مستبعدا (وهو أمر مؤسف جدا لأن سيناريو الإصلاح التدريجي هو السيناريو الوحيد الآمن والمفيد لسورية). بشار اضطر (لكي يكسب الدعم الروسي في مجلس الأمن) إلى أن يعلن أنه سيحول سورية إلى دولة ديمقراطية متعددة الأحزاب خلال أسابيع قليلة، ولكنه تمسك بفرض القانون والنظام، مما يعني أنه رفض ترك النظام يسقط (وهو ما لا تريده روسيا أيضا).

السؤال الآن هو عما سيفعله بشار بالضبط. أميركا (ومعها أنصار العرعور والإخوان المسلمون) يريدون للنظام أن يسقط وللفوضى الخلاقة أن تسود تحت مسمى الديمقراطية. هذا الأمر يرفضه كل من بشار وروسيا، وبالتالي فسيناريو أن يقود بشار سورية نحو الديمقراطية الأميركية هو سيناريو مستبعد حتى وإن سمعنا أناسا يطالبون به في مؤتمر الحوار.

بشار الأسد الآن هو أمام خيارين اثنين، النموذج التركي الأتاتوركي (الذي ثبت نجاحه) والنموذج المصري المباركي (الذي ثبت فشله).

كل من هذين النموذجين ليس “ديمقراطية” حقيقية بالمعنى الغربي، ولكن الديمقراطية الغربية هي خيار مستبعد بالنسبة لمنطقتنا لأنها ستقود إما إلى فوضى خلاقة كما حصل في العراق ولبنان أو إلى ديكتاتورية دينية كما حصل في إيران. من يطالب بالديمقراطية الغربية في بلداننا هو يطالب إما بتقسيمها أو يطالب بإقامة أنظمة دينية، وكلاهما خياران مرفوضان من أي إنسان قومي حقيقي (وليس قومي مزيف كعزمي بشارة).

الفرق بين النموذجين التركي والمصري هو أن النموذج التركي ديمقراطي مبدئيا ويسمح بتداول السلطة ولكنه يمنع وصول القوى غير الوطنية (الدينية) إلى الحكم، أما النظام المباركي فهو كان نظاما سلطويا بشكل شبه كامل والليبرالية فيه كانت إلى حد كبير شكلية وديكورية.

هل ينوي بشار الأسد إقامة نظام ديمقراطي علماني يكون الجيش فيه حارسا للدولة (وليس حاكما لها كما كان الوضع في الخمسينات)؟ أما أنه ينوي إقامة نظام مباركي تكون الديمقراطية فيه شكلية ووهمية؟

أنا أرجح الخيار الأول، وأظن أن النظام السوري بدأ بالفعل يعد للمرحلة المقبلة التي ستكون فيها حسابات وصراعات داخلية معقدة. الشيء الوحيد المؤكد هو أن مستقبل البلد غامض جدا ومفتوح على كل الاحتمالات.

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s