انطلق الحوار الوطني وبخلاف المعلن سابقا فإن الحوار تطرق إلى مواضيع جوهرية وليس مواضيع تتعلق ببرنامح وآلية الحوار، وهذا طبيعي لأن المواضيع الجوهرية تعطي مفعولا إعلاميا أقوى والوقت لا يحتمل الانتظار إلى الجلسة القادمة.
أول المتحدثين كان طيب تيزيني (والذي لم يطلب أن يتكلم كما قال هو!) ولكن السلطة جعلته أول المتحدثين لأنه أقرب الموجودين للمعارضة ولأنها تعلم أن كلامه سيكون الأقرب لخطاب المعارضة، وهكذا فإن كلامه في بداية الجلسة أعطى انطباعا بأن هذا الحوار ليس لترداد خطاب السلطة فقط. أيضا منظموا المؤتمر لا بد أنهم حسبوا حساب أن تقوم القنوات الفضائية الخليجية بقطع النقل بعد فترة قصيرة من بدء الجلسة ولذلك قاموا بوضع أقوى الكلمات في البداية.
المتحدث الثاني كان “المعارض على غفلة” (أو المعارض المصنّع من السلطة؟) محمد حبش والذي كما توقعت في تدوينتي بالأمس قام بإلقاء كلمة نارية تبنى فيها كل خطاب المحتجين ما عدا المطالبة بتنحي الرئيس الأسد.
وكان هناك أيضا متحدث صغير السن يبدو أنه ينتمي للمحتجين، وكلمته كانت سيئة للغاية ولم أفهم منها شيئا، ناهيك عن أنه أبرز الوجه السيء للمحتجين بعدم احترامه للحاضرين ومهاجتمه الشخصية لهم (العقل الإقصائي الإلغائي) وعدم احترامه للنظام والدور ورغبته في جعل أصدقائه يتحدثون رغما عن الحاضرين (العقل الفوضوي التمردي). رغم أن كلمته كانت بالنسبة لي فارغة فكريا ولم أفهم منها شيئا إلا أنها ربما توحي لبعض المحتجين في الشوارع بأنهم ممثلون في الحوار، وهذا ربما يكون من فوائد الحوار بالنسبة للسلطة.
القنوات الخليجية ليس من مصلحتها طبعا نقل هذا الحوار، ولكن قناة العربية اضطرت لنقله لدوافع مهنية على الأغلب (قناة العربية رغم أنها مسيسة كغيرها إلا أنها تمتلك بعض الضوابط المهنية)، أما الجزيرة (التي هي سياسية 100% ولا علاقة لها بالمهنية، وهذا رأيي فيها منذ عام 2003) فاضطرت في البداية لنقل المؤتمر تقليدا للعربية ثم قامت بعد فترة قصيرة بقطع الصوت والاتصال بعدد كبير من معارضي الخارج لكي يهاجموا الحوار بشكل متتابع بينما كانت الشاشة ما تزال تنقل مجريات الحوار ولكن بدون صوت.
لا شك أن مفاعيل الحوار قد خفتت وفقدت جزءا كبيرا من مضمونها بسبب زيارة السفير الأميركي لحماة. لقد تحدثت إلى بعض المؤيدين للاحتجاجات وكان من الواضح أن زيارة السفير الأميركي أعطتهم دفعا كبيرا للاستمرار والتصلب وهم يفكرون منذ الآن في رمضان وما سيحدث فيه. مفاعيل زيارة السفير الأميركي إلى حماة لن تزول إلا بعملية أمنية كبيرة في حماة، وهو ما صار صعبا الآن لأن العملية في حماة ربما تكلف سورية قرارا في مجلس الأمن لأن روسيا ربما لا تستطيع تغطيتها. العملية في حماة محورية بالنسبة للنظام إن أراد أن يستمر، ولكنه يجب أن ينسقها جيدا مع روسيا ويجب أن يحضر لها تحضيرا خاصا يختلف عن العمليات السابقة، ويجب أن يتم ذلك بسرعة لأن الوقت لا يسير في صالح سورية. إنها معضلة.


