تواصل السلطة السورية حملتها الإعلامية الكاسحة ضد السفير الأميركي، والتي استنفرت لأجلها كل قواها الرسمية وغير الرسمية من وزارات وإدارات ووسائل إعلام مرئية ومسموعة ومقروءة، ومنظمات شعبية واتحادات طلابية وفلاحية وعمالية ونقابات مهنية وتنظيمات اغترابية، ومؤسسات دينية وأئمة وخطباء مساجد وعلماء دين، وأدباء ومفكرين وكتاب ونواب، ورجال أعمال وغرف صناعة وتجارة، فلم يبق أحد في سورية أو خارجها ممن يحمل الجنسية السورية إلا وأدلى بدلوه استنكارا واستهجانا لزيارة السفير الأميركي إلى حماة وتحريضه لمخربيها على التظاهر ورفض الحوار، مما ذكرني بعصر الحملات الصليبية عندما استنفرت القارة الأوروبية بأكملها من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها للزحف نحو الأراضي المقدسة للدفاع عن المسيحيين المستضعفين الذين يذبحون على أيدي المسلمين.
هذه الحملة متوقعة لأن المعركة الأساسية الآن هي معركة إعلامية كما ذكرت في تدوينتي السابقة. إن إقدام أميركا على إرسال سفيرها إلى حماة بهذا الشكل السافر يدل على أن المعركة الحالية هي بالفعل معركة فاصلة وتستحق من الولايات المتحدة أن تجازف وترمي بكل ثقلها لإنقاذ الاحتجاجات من الانزواء، فإما أن تنجح أميركا في إبقاء الجذوة الإعلامية للاحتجاجات مشتعلة وإما أن تنزوي هذه الاحتجاجات تحت وطأة التهميش الإعلامي المتوقع والذي تراهن عليه السلطة السورية.
من الشخصيات البارزة التي ستشارك في الحوار غدا بوصفها “معارضة” النائب الإسلامي محمد حبش. من الملفت أن هذا النائب يحاول منذ فترة أن ينأى بنفسه عن السلطة، فهل هذا أتى بتنسيق معها لكي يكون “المعارضة” التي ستتحاور معها السلطة؟
من الذي منع النائب حبش من إقامة مؤتمره في فندق سميراميس (والذي رافقته جلبة إعلامية لافتة)؟ ولماذا تم منع مؤتمره رغم أن سقفه كان أقل من مؤتمر المعارضين الذين أقاموا مؤتمرهم قبله؟ هل كان هذا جزءا من خطة سلطوية لإظهار النائب حبش بمظهر المعارض المرفوض من السلطة؟
سواء كان توجه النائب حبش “المعارض” بتنسيق مع السلطة أم لا، الواضح هو أنه سيكون من أبرز المتحاورين مع السلطة في المرحلة المقبلة، ومن الواضح أيضا أن هذا الرجل مؤهل لكسب شعبية كبيرة بين السوريين لعدة صفات فريدة تتوفر فيه (إسلامي، وسطي، معتدل، معروف للناس، إلخ).
النائب حبش هو إسلامي معتدل بصدق وليس كغيره ممن يدعون الاعتدال وهم أقرب للإرهاب من الاعتدال. لهذا السبب لا أستغرب تسليط الأضواء نحوه لأنه لا يشكل تهديدا للنظام بل على العكس هو مفيد للنظام سواء كان في المعارضة أو تم ضمه إلى السلطة بشكل مباشر في المرحلة المقبلة. لو كان الرئيس الأسد يبحث عن شخصيات جديدة لكي تكون ضمن طاقمه السياسي في المرحلة المقبلة (كما في السيناريو الذي تحدث عن تشكيل الأسد لحزب جديد) فهو ربما سيجد ضالته في محمد حبش كونه يناسب الطبقة الوسطى المحافظة في سورية والتي تتعطش لشخصيات ذات توجه إسلامي في المسرح السياسي.


