كما قلت في تدويتني السابقة فإن أميركا نصبت كمينا لسورية وروسيا في حماة، ففي حال أقدمت السلطات السورية على فرض النظام في حماة كانوا سيقولون أن النظام السوري لا يرغب بالحل السلمي والإصلاح، وفي حال تركت السلطات السورية الأمور تفلت كانوا سيقولون أن الحوار غير مجد والنظام فقد السيطرة وعليه أن يرحل.
انتقال السفير الأميركي إلى حماة جاء بهدف الضغط على السلطة السورية لاتخاذ الخيار الثاني (أي ترك الأمور تفلت)، وهذا ما حصل بالفعل حيث أن السلطة تركت الأمور تفلت في حماة وعموم البلاد، وللتعويض عن هذا قامت السلطة السورية (بالتنسيق مع روسيا) بشن حملة إعلامية مكثفة ضد التدخل الأميركي واتهام أميركا بأنها تسعى لإفشال الحوار.
التلفزيون السوري يقوم منذ صباح الجمعة بحملة مكثفة وغير منقطعة ضد السفير الأميركي، ولقد صدرت ثلاث بيانات على الأقل عن الحكومة السورية تهاجم السفير الأميركي، أشدها كان بيان وزارة الداخلية الذي ورد فيه ما يلي:
“السفير الأميركي التقى في حماة ببعض هؤلاء المخربين وحضهم على التظاهر والعنف ورفض الحوار كما التقى بعض الأشخاص تحت غطاء زيارته بعض المشافي في الإطار ذاته ما يعد تحريضا على استمرار العنف وعدم الاستقرار ومحاولة لتخريب الحوار الوطني الجاري بين القوى الوطنية الشريفة وتعميقا للشقاق والفتنة بين أبناء الشعب السوري الواحد الذي يرفض رفضا قاطعا مثل هذا التحريض الأجنبي ويستنكره بشدة.”
بالإضافة إلى ذلك كان هناك بالأمس تصريح وزير الخارجية الروسي الذي جاء في نفس السياق واتهم الغرب بإفشال الحوار (أظن أن وزير الخارجية السوري تحدث مع وزير الخارجية الروسي بالأمس وقاما بتنسيق المواقف).
الجميع كانوا يعلمون سلفا أن الحوار لن ينجح، بمعنى أن المتظاهرين لن يتجاوبوا معه وذلك لأن أميركا لم تسع لإنجاحه أصلا بل هي سعت للعب لعبة مزدوجة حيث أنها وعدت روسيا بدعم الحوار وقامت بإطلاق بعض التصريحات وبعض التسريبات الصحفية الداعمة للحوار ولكنها على أرض الواقع لم تفعل أي شيء لإنجاح الحوار بل استمرت في تشجيع المتمردين على رفضه (لأن الهدف الأميركي الحقيقي هو إسقاط النظام). سورية وروسيا كلتاهما تعلمان حقيقة الموقف الأميركي ولذلك فإن الحوار بالنسبة للجميع كان مجرد محطة ومعركة إعلامية. سورية وروسيا كانتا تأملان أن الحوار سيشوش إعلاميا على المتمردين الرافضين للحوار (كما ذكرت في تدوينة سابقة) وأميركا تدرك هذا ولذلك قامت باستثارة الوضع في حماة وعموم سورية عشية الحوار لأنها لا تريد للحوار أن يحقق أهدافه التي تريدها سورية وروسيا.
طالما أن المعركة في هذه المرحلة هي معركة إعلامية (سورية وروسيا تريدان للحوار أن يغطي إعلاميا على المظاهرات وأميركا لا تريد لهذا أن يحدث) فليس من المستغرب أن السلطات السورية لجأت لخيار الحرب الإعلامية بدلا من الخيار الأمني. الحل الاستراتيجي للصراع هو بلا شك حل أمني كما قلت سابقا، ولكن في هذه المرحلة بالذات (مرحلة بدء الحوار) فإن الخيار الإعلامي أفضل من الحل الأمني لأن الحل الأمني من شأنه إفساد مفاعيل الحوار الإعلامية خاصة مع التهويل الأميركي وقيام أميركا بإرسال سفيرها إلى حماة في خطوة تهدف إلى تأجيج المظاهرات وتسليط الأضواء عليها وإبعادها عن الحوار. أميركا أرادت سحب الأنظار بعيدا عن الحوار وتسليطها على المظاهرات، وسورية وروسيا ردتا بتسليط الأضواء على الدور الأميركي التحريضي الذي يسعى لإفشال الحوار.
مدينة حماة (بخلاف درعا و تل كلخ و جسر الشغور) تقع في وسط سورية وهي بعيدة عن الحدود، وبالتالي فإن خطر تحولها إلى بنغازي جديدة هو ليس بالخطر الكبير نظرا لصعوبة تهريب السلاح إليها. لهذا السبب فإن السلطات قررت ترك الأمور تفلت في حماة مؤقتا والتركيز على المعركة الإعلامية المرتبطة بالحوار. أميركا ربما تكون نجحت في إفساد المفاعيل الإعلامية والسياسية للحوار قبل أن يبدأ، ولكن سورية وروسيا تحاولان إفساد مفاعيل التحرك الأميركي بالتركيز على دور أميركا التخريبي للحوار، وبالتالي هما تسعيان لتحويل الكمين الذي نصبته أميركا لهما إلى كمين معاكس. فهل تنجحان في ذلك؟
المعركة في الداخل السوري سترجح على الأغلب لمصلحة السلطات السورية (السفير الأميركي ليس شخصية ذات شعبية لدى أغلب السوريين)، ولكن في العالم الخارجي (حيث المعركة الأهم) فإن روسيا ربما ستخسر المعركة في وجه الإعلام الغربي، وبالتالي يجب على السلطات السورية استثمار نجاحاتها الإعلامية في الداخل لقمع التمرد بأقصى سرعة ممكنة بعد بدء الحوار لأن الموقف الروسي ربما لا يصمد طويلا.



جاهل بحقائق الأمور ولا تعرف الشعب السوري