المشروع الصهيوني قام على فكرة واضحة وبسيطة وهي ملء أرض إسرائيل (فلسطين) بالمستوطنين اليهود وطرد العرب منها. في عام 1948 اكتفى الصهاينة بقسم من فلسطين ليس من باب القناعة ولكن من باب الواقعية، لأن عدد المستوطنين اليهود في فلسطين في ذلك الوقت لم يكن يكفي لإقامة دولة يهودية على كافة أراضي فلسطين، ولذلك اكتفى الصهاينة بالقسم الذي حصلوا عليه بعد الحرب وأعلنوا فيه دولة إسرائيل. هذا القسم الذي حصلوا عليه كان أكبر مما يمكن أن يحلموا به، لأنه ضم مناطق ذات غالبية عربية ساحقة (كالجليل) لم يكن فيها للمستوطنات اليهودية وجود يذكر.
لا شك أن الصهاينة اليمينيين يحلمون بتكرار سيناريو العام 1948 في الضفة الغربية، ولذلك هم يسابقون الزمن بزرع المستوطنات في كل أنحاء الضفة. حاليا الضفة الغربية تعج بالمستوطنات، وخاصة في منطقتي القدس الشرقية وغور الأردن، مما يظهر بوضوح أن إسرائيل لا تعتزم أبدا التخلي عن هاتين المنطقتين. الخيار الصهيوني الأمثل هو الاحتفاظ بكامل الضفة وطرد الفلسطينيين منها كما حدث في العام 1948، وفي حال تعذر هذا الخيار فالخطة الصهونية هي إقامة دويلة فلسطينية وهمية على شاكلة الأبارتهايد الجنوب أفريقي لا تشمل القدس الشرقية ولا غور الأردن.
هذا هو المشروع الصهيوني حاليا. الولايات المتحدة لا تمانع هذا المشروع من حيث المبدأ، ولكنها بحاجة لتسوية القضية الفلسطينية في أسرع وقت لكي تدعم موقفها الاستراتيجي في وجه إيران.
سر التحالف الإيراني-السوري هو القضية الفلسطينية. لولا القضية الفلسطينية لما كان للتحالف الإيراني-السوري معنى كبير ولكانت سورية ربما اضطرت للدخول في صفقة تسوية مع إسرائيل على غرار كامب دافيد (الجولان مقابل السلام). سورية رفضت كامب دافيد في السبعينات ودفعت ثمن ذلك غاليا، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتغير موازين القوى الإقليمية والعالمية أعلنت سورية قبولها لمبدأ التسوية وشاركت في مؤتمر مدريد، ولكن تجربة عشرين عاما من المفاوضات السورية-الإسرائيلية أظهرت بوضوح أن سورية لا تريد توقيع اتفاقية على شاكلة اتفاقية كامب دافيد المصرية.
الولايات المتحدة وإسرائيل عرضتا على سورية أكثر من مرة اتفاقية على شاكلة اتفاقية كامب دافيد (عودة الجولان مع بعض الترتيبات الأمنية المذلة مقابل دعم مالي سخي)، ولكن سورية كانت تتهرب من هذه التسوية في كل مرة بذرائع مختلفة. الأسدان الأب والابن لم يكونا جديين في موضوع التسوية وهو أمر ليس خافيا على أحد. الرئيس بشار الأسد قال بصراحة في الأعوام الأخيرة أن سورية لن تقبل بالتطبيع مع إسرائيل قبل حل القضية الفسطينية، مما يعني أنه لا يسعى لاتفاقية على شاكلة كامب دافيد، والأهم هو أن الأسد يرفض قطع علاقاته بإيران، مما يعني أن التعاون العسكري بين سورية وإيران لن ينقطع، وبالتالي فإن السلام من وجهة النظر الإسرائيلية-الأميركية سيكون سلاما وهميا وضحكا على الذقون طالما أن سورية ستستمر في بناء قوتها العسكرية بالتعاون مع دولة معادية جدا لإسرائيل والغرب (الرئيس الإيراني وزعيم حزب الله لا يتورعان عن التهديد بمحو إسرائيل بين الفينة والأخرى).
منطقة الشرق الأوسط تعيش تناقضا جيوسياسيا بين الولايات المتحدة وإيران، حيث أن كلا من هاتين الأمتين تحاول أن تهيمن على المنطقة وتخرج الأخرى منها. لا يمكن –والحال كذلك- لأي دولة أن تكون على تحالف مع الجهتين معا. السلام الحقيقي مع إسرائيل والولايات المتحدة يتناقض جذريا مع التحالف مع إيران، وبالتالي عندما يرفض الرئيس الأسد إنهاء تحالفه مع إيران فهذا يعني أنه غير جاد بالدخول في مشروع التسوية وأنه يرغب بالاستمرار في بناء قوته العسكرية وصولا إلى مرحلة يساهم فيها بإزالة إسرائيل والنفوذ الأميركي من المنطقة. لا يمكن والحال كذلك لإسرائيل أن تقبل بإعادة الجولان لسورية لأن هذا قد يشكل خطرا عليها في المستقبل.
هذا هو جوهر المشكلة الأميركية مع سورية. سورية حتى الآن لم تقتنع بمشروع التسوية (مشروع الهيمنة الأميركية) وما زالت تتمسك بفكر الممانعة الذي ينادي بإزالة إسرائيل وطرد أميركا من المنطقة، ولكنها تقول عكس ذلك لأسباب سياسية. الموقف السوري من إسرائيل والغرب هو نفسه الموقف الإيراني ولكن سورية تلجأ للتقية والنفاق لكي لا تقطع شعرة معاوية مع الغرب والدول العربية التابعة للغرب (رغم أن اللغة السورية بدأت تتغير قليلا في الفترة الأخيرة وتأخذ طابعا أكثر وضوحا بسبب اشتداد عود محور الممانعة).
أميركا جربت سياسة الارتباط engagement مع سورية وقدمت لها المغريات والعروض في العامين الأخيرين على أمل أن تغير اصطفافها الإقليمي وتدخل في المحور الأميركي، ولكن سورية رفضت ذلك.
بالإضافة إلى سياسة الارتباط فهناك سلاح آخر سعت الولايات المتحدة جاهدة لاستخدامه لتغيير الموقف السوري وهو تسوية القضية الفلسطينية. الولايات المتحدة حاولت جاهدة أن تتوصل إلى تسوية للقضية الفلسطينية لكي تسحب من سورية السبب الأبرز لتحالفها مع إيران وترغمها على الدخول في السلام الأميركي (وهو ما يعني عزل إيران في المنطقة)، ولكن السعي الأميركي فشل لاصطدامه بالطموح الصهيوني الذي يرفض تقديم أي تنازلات. محور الممانعة سعى إلى دعم حركة حماس لأنه لم يكن أيضا يريد للتسوية الأميركية أن تنجح.
ما حدث في العالم العربي مؤخرا أدى إلى خروج الورقة الفلسطينية من يد محور الممانعة، فرأينا أن حماس دخلت في مشروع التسوية الأميركية ووافقت على الاعتراف بإسرائيل، وسبب هذا ليس الأحداث في سورية كما زعم الإعلام المعادي لسورية وإنما سببه هو التفاهم الأميركي-الإخواني في المنطقة. الإخوان ببساطة اعترفوا بإسرائيل مقابل أن تقبل أميركا بوصولهم للسلطة في مصر وسورية.
حاليا يجري حراك كبير لإقامة دولة فلسطينية من بوابة الأمم المتحدة. الفلسطينيون يتحدثون عن الحصول على اعتراف بالدولة الفلسطينية من الأمم المتحدة. هكذا حراك –وإن اعترض عليه الصهاينة- هو في الحقيقة يقدم خدمة كبيرة لأميركا التي ستستفيد منه للضغط على إسرائيل للوصول إلى تسوية نهائية للموضوع الفلسطيني.
موعد طرح الاعتراف بدولة فلسطين على الأمم المتحدة يقترب، وفي حال أدى هذا الحراك إلى تسوية للقضية الفلسطينية فهذه ستكون ضربة كبيرة واستراتيجية لمحور الممانعة. إن تم التوصل لتسوية للقضية الفلسطينية فهذا سيحرج الموقفين السوري والإيراني ويجعلهما في موضع من هو فلسطيني أكثر من الفلسطينيين.
ولكن يبقى السؤال الكبير هو: هل يقبل الصهاينة بتسوية على أساس حدود عام 1967 مع إعادة القدس الشرقية وحل قضية اللاجئين حلا عادلا؟ إن موضوع التسوية بين الفلسطينيين وإسرائيل أمر صعب جدا، ولكي ينجح لا بد لأحد الطرفين أن يتنازل عن قسم كبير من مطالبه. هل يتنازل الصهاينة تحت الضغط الأميركي عن القدس الشرقية وغور الأردن؟ هل تقبل حماس والفلسطينيون عموما بدولة منزوعة السلاح بدون القدس الشرقية وبدون غور الأردن؟ أسئلة صعبة جدا. أميركا تضغط حتما على الطرفين بكل قوتها، ولكن السؤال هو عمن سيتنازل وعن مدى التنازلات الممكنة من كل طرف.



أخي العزيز بدي قول كلمة واحدة بس
لو النظام ممانع لكان أنهى الثورة من بدايته وقوى شوكة الممانعة
كلنا بنعرف مدى كره السوري سواء كان قومياً إسلامياً شيوعياً……………. للأمريكا وإسرائيل وأقول لك
أن أي حزب أو شخص سوري سيبيع فلسطين سيلفظه الشعب السوري