طالعنا كثيرا في وسائل الإعلام الغربية (بما فيها تلك الناطقة بالعربية) قصصا وأقاويل عن تنسيق سوري-أميركي لإنقاذ النظام السوري وعن خطة طريق أميركية مزعومة لذلك. كانت صحيفة الغارديان البريطانية من أوائل الصحف التي تحدثت عن خطة الطريق الأميركية المزعومة ثم انتشرت هذه القصة بعد ذلك في وسائل الإعلام وتطور الأمر حتى قرأنا مؤخرا مقالات صحفية عن صفقة سورية-أميركية مزعومة تقضي بتخلي سورية عن حزب الله مقابل أن تساهم أميركا في إنقاذ النظام.
فهل أميركا تسعى فعلا لإنقاذ النظام السوري؟
الجواب هو لا، وكل ما نشر حول خطة طريق أميركية مزعومة لإنقاذ النظام يدخل في باب الحملة الإعلامية الغربية ضد سورية.
التنسيق الأميركي-السوري بدأ على ما أعتقد بعد هذا الخبر (وهو خبر تجاهلته وسائل الإعلام الغربية بما فيها تلك الناطقة بالعربية رغم أهميته الكبيرة):
http://www.alwatan.sy/dindex.php?idn=103515
وقال لافروف: إن روسيا والولايات المتحدة الأميركية توصلتا إلى تفاهم حول ضرورة عدم الإذعان لأولئك الذين يريدون استثارة الوضع في سورية على غرار ما جرى في ليبيا.
وأكد لافروف خلال مؤتمر صحفي في موسكو أمس أن روسيا الاتحادية ستبذل كل ما بوسعها لعدم السماح بانزلاق الوضع في سورية كما جرى في ليبيا، وقال: إنه تم التوصل إلى تفاهم مشترك في الاتصال الهاتفي الأخير مع وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون حول ضرورة عدم تكرار السيناريو الليبي في سورية. وذكر لافروف أن بلاده ستعمل على حث المعارضة وجميع الأطراف في سورية على الانخراط في الحوار الذي أعلنت عنه القيادة السورية ونبذ الاستفزازات وستدعو موسكو أيضاً المعارضة السورية للاستجابة للخطوات الإصلاحية التي أعلنت عنها القيادة السورية، كما ستدعو الأسرة الدولية لمساعدة جميع الأطراف على تجاوز الأزمة الراهنة في البلاد، وذلك بحسب وكالة الأنباء السورية «سانا».
وأعرب لافروف عن قلق بلاده من الاجتماع الذي عقدته المعارضة السورية في مدينة أنطاليا التركية مؤخراً وأعلنت فيه أنها لا تعتزم الدخول في أي حوار مع القيادة السورية، واصفا هذا الموقف بالسيئ والذي يتعارض كلياً مع مهمات تهدئة الوضع، ومؤكداً أن روسيا لن تؤيد المعارضة السورية في هذا الموقف وستعمل في الاتجاه المعاكس.
وأوضح وزير الخارجية الروسي أن هناك بعض الأشخاص الذين يستغلون التظاهرات التي تحمل مطالب محقة في سورية لإثارة الاضطرابات والعنف في محاولة لاستدراج التدخل الأجنبي في شؤون سورية الداخلية.
التواصل السوري-الأميركي الجاري حاليا هو بسبب هذا الاتفاق بين روسيا وأميركا وليس بسبب أي شيء آخر. السياسة الغربية المبدئية تجاه سورية هي الحرب الشاملة ومحاولة إضعاف البلد إلى أقصى حد ممكن (بما في ذلك إسقاط النظام)، ولقد تحدثت عن هذا الأمر كثيرا في تدويناتي السابقة حيث أن الغرب لم يترك أي سلاح بيده ضد سورية إلا واستخدمه، وهو طبعا لم يميز بين شعب ولا نظام (أصلا هذا التمييز لا وجود له إلا في مخيلة العوام والناس الذين لا يعرفون شيئا في السياسة وهو لا وجود له في سياسات الدول. قصة التمييز بين الشعب والنظام هي ألعوبة لفظية من الألاعيب اللفظية التي يستخدمها ساسة الغرب لإراحة ضمائر شعوبهم، تماما كما كانوا يقولون قبل 70 سنة أن الاستعمار هو لنشر الحرية والحضارة والتقدم في الشعوب المتخلفة، وكانت شعوبهم توافق على ذلك).
الغرب استخدم كل ما بإمكانه من وسائل لضرب سورية تحت ستار ما يجري حاليا في سورية من “ثورة” شعبية (وهي فرصة ذهبية جاءتهم على طبق من ذهب لتحقيق أهداف كانوا يسعون لتحقيقها منذ عقود)، ولكنهم اصطدموا بالموقف الروسي المتصلب في مجلس الأمن والذي ينبع على الأغلب من بواعث قلق استراتيجي.
أميركا حاولت هي وأوروبا تليين الموقف الروسي ولكنهم فشلوا في ذلك، وبالنسبة لسيناريو التدخل عن طريق تركيا فهو فشل أيضا بسبب الموقف الإيراني الصارم، وبالتالي لاحظنا كيف أن تركيا انكفأت بشكل شبه تام ولم تعد تتدخل في الشأن السوري بشكل سافر كما كان الوضع قبل أسابيع.
بعد أن وصلت أميركا إلى طريق مسدود في مجلس الأمن فإنها لم تجد بدا من التفاهم مع روسيا على كيفية التعامل مع الأزمة السورية كما قال لافروف في تصريحه. هذا الاتفاق بين لافروف وهيلاري كلينتون لم يأت بسبب قناعة أميركية وإنما هو الخيار الوحيد الذي تملكه أميركا للتعامل مع الموضوع السوري حاليا. أميركا تقوم حاليا بالتواصل مع السلطات السورية و”مباركة” حوارها مع المعارضة لسبيين:
- حتى لا يقال أن أميركا تقف عاجزة في الموضوع السوري ولا تستطيع أن تفعل شيئا لإسقاط النظام، وبالتالي فمن الأفضل أن يقول الإعلام أن أميركا تريد إبقاء النظام بدلا من أن يقول أنها عاجزة عن إسقاطه (هذا أيضا مفيد لأوباما في وضعه السياسي الداخلي لأن غالبية أعضاء الكونغرس يتهمونه منذ أشهر بأنه فشل في التعامل مع سورية).
- السبب الثاني والأهم هو سحب الذريعة من روسيا ومحاولة إضعاف موقفها الرافض لتدخل مجلس الأمن. الولايات المتحدة (والغرب عموما) يسايرون روسيا الآن حتى يصلوا بعد بضعة أسابيع إلى نقطة يقولون فيها أن الأسلوب الروسي في تشجيع الحوار بين السلطة والمعارضة لم يجد نفعا، وبالتالي لا بد من تدخل مجلس الأمن. هذا هو السبب الأساسي والجوهري وراء الموقف الأميركي والأوروبي الحالي. إنهم يريدون أن يقولوا لروسيا أننا سايرناك وجربنا أسلوبك ولكنه لم يجد نفعا، وبالتالي عليك الآن أن تسايرينا وترفعي اعتراضك عن قرار مجلس الأمن لأن هذا هو مفهوم التعاون الدولي لحل الأزمات.
إذن ما تقوم به أميركا الآن من محاولات “لإنقاذ” النظام يهدف إلى العكس تماما. أميركا الآن تدعي أنها تشجع الحل السلمي للأزمة السورية ولكن غايتها الحقيقية هي تنفيس الموقف الروسي وصولا إلى إسقاط النظام.
ليس لأميركا أي مصلحة في نجاح الحوار والحل السلمي في سورية. أميركا تمثل في العلن أنها تدعم الحوار ولكن على أرض الواقع نحن ما نزال نرى أن الضغط مستمر كما هو. لو كانت أميركا تريد الحوار حقا فإنها تستطيع بسهولة أن تطلب من السعودية أن تطلب من العرعور وأتباعه الذهاب للحوار، وأميركا تستطيع هي نفسها وبشكل مباشر أن تطلب من الإخوان المسلمين وغيرهم أن يذهبوا للحوار (ومن الممكن أن تطلب مساعدة تركيا في ذلك)، ولكن ما نراه على الأرض هو العكس تماما حيث أن أميركا تقوم ببيعنا بعض التصريحات (من قبيل التصريح الذي أثنى على مؤتمر المعارضة في دمشق) ولكن على أرض الواقع فإن التصعيد والضغط مستمران (بما في ذلك العقوبات الاقتصادية كالتحذير الذي صدر مؤخرا للمواطنين الأميركيين بمغادرة سورية والذي جاء مع قدوم فصل الصيف بهدف إجهاض أي احتمال لقدوم سياح أجانب إلى سورية)، وحاليا قامت الولايات المتحدة بنصب كمين جديد للسلطة السورية في حماة بعد فشل كمين محافظة إدلب، حيث أن أميركا تضغط على سورية بقوة لمنع حسم الموقف في حماة (ومن ذلك زيارة السفير الأميركي اليوم إلى حماة) وفي نفس الوقت تدعي أنها تدعم الحوار، وهو أمر متناقض لأن ما يحدث في حماة لا يساعد على الحوار بل هو سيشجع المتمردين على عدم الذهاب للحوار.
ما يحدث الآن هو أن أميركا تنصب كمينا للنظام السوري ولروسيا معا. هم يدعون الرغبة في الحل السلمي ولكن على أرض الواقع هم مستمرون في إفشال هذا الحل. لكي تذهب المعارضة للحوار فإن الموقف في حماة وفي كل سورية يجب أن يحسم لصالح السلطة (كما حدث في البحرين مثلا بمباركة أميركية)، أما ترك حماة وغيرها خارج سلطة الدولة فهو سيفشل الحوار حتما. السلطة الآن واقعة في مأزق لأنها إن لم تحسم الوضع في حماة فالحوار سيفشل وأميركا ستطلب من روسيا تغيير موقفها بذريعة أن النظام فقد السيطرة، وإن قامت السلطة بحسم الموقف في حماة قبل الحوار فإن أميركا والغرب سيقيمون جلبة إعلامية ضخمة وسيطلبون من روسيا تغيير موقفها بذريعة أن النظام يرفض الحوار والحل السلمي. الموقف بالنسبة للسلطة هو موقف صعب، وبرأيي أن أفضل ما يمكن للسلطة أن تفعله هو تكثيف التواصل مع روسيا لشرح الموقف (وهو ما أظن أنه قائم بالفعل ولذلك سمعنا اليوم تصريحا جديدا للافروف يتهم فيه المعارضة السورية بالعنف ورفض الحوار ويطالب الغرب بالضغط عليها). إن موقف روسيا في الأزمة الحالية لا يقل حرجا عن موقف سورية والروس بعد فترة قصيرة سيجدون أنفسهم محشورين في زاوية أمام الغرب إن لم تتمكن السلطة السورية من حسم الموقف لصالحها. الأزمة السورية لا حل لها إلا الحل الأمني وكل ما يحكى عن حوار ووساطات دولية هو ألاعيب ومناورات سياسية داخلية ودولية. إما أن تتمكن السلطات السورية من حسم الموقف قريبا (قبل رمضان مثلا) وإلا فإن الموقف في سورية سيتداعى بسرعة كبيرة.



عشت بطل
كلام منقطي جداً
انا افكر هكذا ايضاً
الله يستر الشعب السوري ويجنبه كل المحن
اخوك خالد من اليمن