رغم أنه من المستحيل معرفة حقيقة ما يحدث على الأرض بالفعل في سورية لتضارب الأنباء، إلا أن الجو العام يوحي بأن التمرد أو “الثورة” قد دخلت في مرحلة انحسار، وهذا ما استوحيته من أجواء الثوار أنفسهم. أحد “المعارضين” قال لوكالة أنباء عالمية بالأمس أن عدد التظاهرات التي خرجت في يوم الجمعة الماضي انخفض من 200 إلى 100، ولكنه قال أن العدد الإجمالي للمتظاهرين ازداد (ربما بسبب مظاهرة حماة التي شارك فيها نصف مليون كما يزعم الثوار).
لقد قلت في تدوينة سابقة بأني أتوقع أن تتمكن السلطات السورية في النهاية من إخماد التمرد أو “الثورة” بسبب استعانتها بالخبرة الإيرانية، ويبدو أن نتائج الخبرة الإيرانية قد بدأت تظهر أخيرا وتؤتي أكلها.
العقيدة الأمنية التقليدية للنظام السوري لا تقوم على القمع (بخلاف ما يظن الكثيرون) وإنما هي تقوم في الأساس على مبدأ الردع والتخويف. النظام السوري لا يملك وسائل فعالة لقمع تمرد شعبي واسع النطاق لأن عقيدته الأمنية تقضي بمنع اندلاع هكذا تمرد من الأساس تجنبا لمواجهته.
العقلية التي تحكم النظام الأمني السوري هي عقلية أقلوية شبيهة بالعقلية التي تحكم إسرائيل في علاقتها مع محيطها العربي (وأنا بهذا التشبيه لا أقصد الإساءة للنظام وإنما هو مجرد تشبيه تقني بحت). العقيدة الأمنية الإسرائيلية تقوم على مبدأ أساسي هو تجنب الدخول في حرب طويلة الأمد مع العرب لأن هكذا حرب ستؤدي لاستنزاف إسرائيل بسرعة نظرا للفارق الكبير في عدد السكان، ولذلك طبقت إسرائيل طوال تاريخها أسلوب الحروب السريعة الخاطفة التي تنتهي خلال أيام وتترك أثرا نفسيا رادعا لدى العرب حتى لا يتجرؤوا على المحاولة من جديد.
العقيدة الأمنية للنظام السوري شبيهة بهذه العقيدة. النظام السوري لا يرغب أبدا في خوض مواجهة داخلية طويلة الأمد لأنه يعتقد أن هكذا حرب ستؤدي لاستنزافه ولن تكون في مصلحته، ولذلك سعى النظام طوال تاريخه إلى إقامة جدار كبير من الخوف والإرهاب يمنع المعارضين من تحدي سلطته. النظام السوري كان يبطش بالمعارضين بقسوة شديدة ليس حبا بالبطش ولكن لأنه كان يريد أن يجعل منهم عبرة للآخرين وبذلك يتجنب الدخول في مواجهات كبيرة مع المعارضة.
هذه العقيدة انهارت بعد بداية الأحداث الأخيرة. النظام السوري كان يتوقع أنه سيخمد الاحتجاجات في بدايتها بالاستخدام المفرط للقوة (وهو أسلوب يمتلك النظام خبرة كبيرة فيه)، ولكن الدعم الخارجي الكبير الذي تتلقاه المعارضة أفشل هذا الأسلوب. لقد وجد النظام بعد مرور أسابيع على بداية الاحتجاجات أنه يخوض حربا كونية لا مجال فيها لإرهاب الطرف الآخر الذي يستند إلى دعم خارجي هائل.
النظام المصري كان يملك جيشا هائلا (قدره بعضهم بمليوني عنصر) من رجال الأمن المدربين على مكافحة الشغب، وبالإضافة لهؤلاء فهو كان يملك ميليشيات من “البلطجية”. النظام السوري على النقيض من ذلك لا يملك قوات أمن معدة لمكافحة شغب واسع النطاق، ولذلك فهو بعد أن عجز عن إرهاب المتمردين بالأساليب التقليدية لجأ سريعا إلى إنزال الجيش لفرض النظام. الاحتجاجات السورية كانت في بدايتها هزيلة مقارنة بما شهدته مصر والدول الأخرى، ولو أن النظام السوري كان يمتلك قوات أمن مؤهلة لمواجهة شغب واسع النطاق لكان تمكن من قمعها بسهولة وقبل أن تتطور.
النظام السوري يريد الآن بناء جهاز كبير من قوات مكافحة الشغب شبيه بالجهاز الذي امتلكه النظام المصري، وحتى يكتمل بناء ذلك الجهاز فهو سيعتمد على استراتيجية جديدة هي استراتيجية التعبئة الشعبية، والتي تمتلك فيها إيران خبرة طويلة وعريقة بخلاف النظامين السوري والمصري.
النظام السوري هو نظام بعثي، وحزب البعث تاريخيا كان حزبا نخبويا ولم يكن له رصيد شعبي واسع في سورية (اللهم إلا في بعض الأرياف). لهذا السبب فإن الحزب استند دائما إلى عقيدة الانقلاب كوسيلة لخطف السلطة، وبعد وصوله للحكم فإنه ظل محكوما بعقلية أقلوية نابعة من تاريخه القديم ولم يهتم ببناء تراث شعبي حقيقي، ولهذا السبب فإن مسألة التعبئة الشعبية (الصادقة وليس المفتعلة) هي بالنسبة لحزب البعث أمر جديد وغير مألوف.
على النقيض من ذلك، فإن النظام الإيراني (الذي أتى بثورة شعبية كبيرة) هو نظام ذو تاريخ عريق في التعبئة الشعبية والجماهيرية. ومن المعروف أن الخميني نجح في إفشال الغزو العراقي بالاستعانة بأسلوب التعبئة الشعبية، حيث أنه كان يجند المدنيين المتحمسين في ميليشيات مدنية تسمى “البسيج” (“التعبئة”) وكان يرسلها لمواجهة القوات العراقية بصدور شبه عارية، وقد نجح هذا الأسلوب في استنزاف القوات العراقية وهزيمتها رغم كلفته البشرية الباهظة على إيران (عدد ضحايا إيران في الحرب كان ضعف عدد ضحايا العراق).
البسيج كانت العامل الأساسي الذي مكن إيران من قمع “الثورة الخضراء” التي اندلعت في إيران قبل عامين والتي كانت شبيهة “بالثورة السورية” في تمتعها بدعم خارجي هائل.
النظام السوري بدأ مؤخرا في إنزال مظاهرات يومية لمؤيديه إلى الشوارع (بعد أن كان يمنع مؤيديه من التظاهر في الفترة السابقة). إن نزول هذه المظاهرات أصاب المتمردين على ما يبدو بالارتباك لأنها أمر جديد عليهم كما هي جديدة على النظام. المتمردون كانوا يتوقعون أن النظام سيواجههم بعنف ولكنهم لم يكونوا يتوقعون أن يقوم النظام بتعبئة جماهيره وإنزالها للتظاهر في نفس الشوارع التي يتظاهرون فيها (هم أصلا ينكرون أن يكون للنظام أي جماهير). بالإضافة إلى ذلك فإن التعبئة الإعلامية التي يقوم بها النظام والتي تتحدث عن الإصلاح والحوار ومؤتمرات المعارضة قد أربكت أيضا المتمردين على ما يبدو لأنها سحبت منهم الشعارات التي كانوا ينادون بها أو على الأقل شوشت عليها.
العامل الجديد هنا هو أن النظام بدأ في تعبئة جماهيرية صادقة وراءه، وبدأ في السماح لمعارضين حقيقيين بأن يجتمعوا ويصدروا بيانات. هذه التعبئة الشعبية سببت على ما يبدو إرباكا لدى المتمردين وأدت إلى تراجع زخم حركتهم المبنية على منطق إلغائي استئصالي صارم للغاية ينكر وجود الآخر من الأساس.
مع بدء “الحوار الوطني” في العاشر من تموز وما قد يتلوه من إعلانات واتفاقات واهتمام إعلامي فربما نرى مزيدا من الارتباك والتراجع في حركة المتمردين، وهناك احتمال لأن تنزوي حركتهم كليا قبل نهاية الشهر الحالي خاصة مع اشتداد القمع الأمني… وحتى إن لم يحدث هذا فالتمرد على الأغلب سيضعف حتى ينزوي كليا في غضون الأشهر القادمة تحت وطأة ضربات أجهزة الأمن والتهميش الإعلامي والسياسي المتزايد…



عذراً أخي العزيز يعني لم أعد أتحمل كذبك
“النظام السوري هو نظام بعثي، وحزب البعث تاريخيا كان حزبا نخبويا ولم يكن له رصيد شعبي واسع في سورية (اللهم إلا في بعض الأرياف). لهذا السبب فإن الحزب استند دائما إلى عقيدة الانقلاب كوسيلة لخطف السلطة،”
هذا أكبر دليل على أن النظام غير صالح لاتقولي أخوان وسلفية وما بعرف شوا لا أمريكا ولا فرنسا ولا تركيا هي اللي بلشت الأحتجاجات عاطف نجيب اللي بلشها .
يعني النظام متعامل مع أمريكا وأسرئيل وهذا أكبر دليل على بقائه يعني ما تعد تضحك علي
ما شفت نظام بالعالم مهما كانت خلفيته شن هجوم على الشعب بحجة الأسلام كنظام رئيسك
هلى تعلم أن حزب التحرير وهو من أخطر الأحزاب الأسلامية موجود بما يسمى أسرائيل ومع هيك ما في عمليات
وبقولك أخيراً :
وبدنا نشيلوا للبشار وبهمتنا القوية
ولح نأسس دولة بمعنى الكلمة محاربة لأسرائيل دول التعامل فيه على أساس العمل لا الطوائف دولة تعيد للجامعة سوريا مجدها بعد أن دمرها آل الأسد
بالنهاية أتحداك تحط التعليق مع أنوا ما فيه كلمة شتم عكس تعليقات جماعة منحبك
على فكرة من أسبوعين قرآت تقريباً كل تدوبناتك بتمنى منك تعيد النظر
وكمان عدد المتظاهرين الأسبوع الماضي مو200-400
عددهم 4000000
أخي أنت حر في التعليق كما تشاء على ما أكتبه وتعليقاتك كلها ستظهر.. ما أطلبه من المعلقين فقط هو تجنب الشتائم والكلام النابي…
بالنسبة للنظام أنا لم أقل أنه صالح أو طالح… أنا أعتبر نفسي مراقبا محايدا وتقييمي للأمور يأتي من خلفية قومية عربية كما هو واضح… كون النظام سيئا لا يعني أن نذهب إلى ما هو أسوأ منه ونخرب البلد على رؤوسنا جميعا… أنا لست ضد التغيير ولكني أيضا لست مع ما يحدث حاليا من فوضى تحت عنوان الثورة… الفوضى لا تبني أوطانا…
بالنسبة لعدد 200 فهذا ليس عدد المتظاهرين وإنما عدد المظاهرات كما ورد في وكالات الأنباء حينها…
طبعاً لهجة كلامك المؤدبة والمحترمة عجبتني كتير ولوا كل الناس بتحكي بهالطريقة كان الوضع بسوريا بخير من زمان
“أنا لست ضد التغيير ولكني أيضا لست مع ما يحدث حاليا من فوضى تحت عنوان الثورة… الفوضى لا تبني أوطانا…”
بالبداية كلمة فوضى أنا أتحفظ عليها يعني كلنا بيعرف المشكلة التي أدت إلى الثورة يعني لو النظام قومي عربي ممانع كان من البداية
خمد الثورة بإصلاحات جذرية وليست ترقيعية تدمر الأقتصاد وتسكت بعض الفئات .يعني بالنهاية النظام وصلنا للي نحنا فيها
والله يحفظ سوريا