الغرب يرمي سلاحه الأخير… والضغط الدولي على سورية إلى انحسار

Posted: يوليو 1, 2011 in سياسة
مع انحسار التهديدات الخارجية تبرز الشعبوية كخطر داخلي داهم يترصد الاقتصاد السوري ويهدد بانهياره بأسرع مما يحلم به الغرب

مع صدور القرار الاتهامي في قضية اغتيال الحريري يكون الغرب قد ألقى عمليا آخر ما في جعبته من أسلحة ضد سورية، وبما أن هذا هو السلاح الأخير الذي يملكه الغرب فبإمكاننا أن نقول أن الاستهداف الدولي لسورية قد وصل إلى ذروته القصوى ولن يكون هناك بعد اليوم أي وضع أسوأ من الوضع الحالي بالنسبة لسورية، وذلك ليس لأن الغرب قد كل أو مل من استهداف سورية ولكن لأنهم لم يعودوا يملكون أية وسيلة أخرى من وسائل الاستهداف، ولذلك نتوقع انحسارا للضغط الدولي في المرحلة المقبلة على قاعدة المثل الذي يقول أنك عندما تصل عاليا جدا فلن يبقى هناك مكان تذهب إليه إلا الأسفل.

القرار الاتهامي في اغتيال الحريري لم يطلب توقيف شخصيات سورية، ولكن على الأغلب فإنه سيتم طلب توقيف شخصيات سورية في مرحلة لاحقة، وقد تحدثت عن هذا الموضوع في تدوينات سابقة.

بصدور القرار الاتهامي في قضية اغتيال الحريري تكون أضلاع مثلث الاستهداف الدبلوماسي قد اكتملت، وبإمكاننا أن نلخص نتائجها على النحو التالي:

  • في موضوع قمع التظاهرات فإن الغرب فشل في استصدار قرار من مجلس الأمن يدين سورية وذلك بسبب ثبات الموقف الروسي (وهذا الثبات كان له أثمان دفعتها سورية منها موافقة الرئيس السوري على الشروع في الإصلاحات فورا وعدم انتظار انتهاء التمرد كما كانت الخطة الأصلية).
  • في الموضوع النووي تمكنت الولايات المتحدة من إيصال الملف السوري إلى مجلس الأمن، وهي ضربة موجعة لسورية ستدفع أثمانها لاحقا والتي قد تكون أثمانا باهظة.
  • في موضوع اغتيال الحريري فإن سورية كانت قد استبقت صدور القرار الاتهامي بدعم تشكيل حكومة موالية لها في لبنان (كما ذكرت في تدوينة سابقة)، ولا أدري بالضبط ما هي خطة الحكومة الجديدة في التعامل مع المحكمة الدولية ولكن المنطق الأسلم يقول أن الحكومة ستطلب من مجلس الأمن إلغاء المحكمة أو تعديل إجراءاتها، وهو ما من شأنه تعطيل عمل المحكمة وخلق جدل حولها يؤدي إلى امتناع روسيا والصين عن التجديد لها عندما تنتهي ولايتها في مطلع العام القادم.

بالنسبة لخطة التدخل التركي في سورية فإن هذه الخطة قد فشلت فشلا ذريعا والفضل في ذلك يعود لإيران وحزب الله وتهديدهما بالتدخل عسكريا لنصرة سورية؛ وأما موضوع الحظر النفطي فهو أيضا قد فشل على ما يبدو والدليل على ذلك هو إعلان العراق عزمه ضخ كميات “كبيرة” من النفط إلى سورية بأسعار مخفضة وإعلان سورية عزمها تقليل صادراتها من الخام الثقيل بنسبة 37% (وهو الخام الذي كان يدور الحديث عن استهدافه غربيا). على ما يبدو فإن إيران قد قامت بإجراء ترتيبات مع العراق بهدف التعويض على سورية عن أية خسائر متوقعة بسبب الحظر النفظي الغربي، وبهذا تكون إيران قد خدمت سورية مجددا وأفشلت المخططات الغربية لتجفيف موارد الحكومة السورية المالية وضرب الليرة السورية.

أما موضوع الحظر التجاري على الشركات السورية (والذي شمل 4 شركات حتى الآن) فهو إجراء يصيب الشعب السوري بشكل مباشر وسافر ولذلك فإن الغرب سيتروى فيه حتى لا يظهر بمظهر من يستهدف الشعب السوري، والوزير المعلم كان صارما في مؤتمره الصحفي عندما قال بأن الحظر التجاري هو ممائل لإعلان الحرب، وبالتالي فإن الغرب سيكون حذرا في المضي قدما في هذا الخيار تجنبا لاندلاع حرب إقليمية تشارك فيها إيران.

خلاصة ما سبق هي أنه لا يوجد حاليا تهديد مباشر لسورية قد يقودها للانهيار قريبا، ولكن التهديدات متوسطة الأجل تبقى حاضرة وبقوة.

أبرز التحديات التي يمكن أن تقود إلى انهيار الاقتصاد السوري في الأجل المتوسط هي غياب عائدات السياحة والاستثمارات الأجنبية بسبب الحملة الإعلامية الخارجية المكثفة ضد سورية. والنظام السوري يراهن لتخطي هذه المعضلة على إطلاق عملية سياسية جديدة تهمش المتمردين إعلاميا وتحسن صورة سورية في وسائل إعلام الدول غير الموالية للغرب (روسيا ودول آسيا).

من التحديات الخطيرة التي تواجه سورية أيضا والتي لا تقل خطرا عن التهديدات الخارجية (بل في الواقع تفوقها) هو سيطرة الشعبوية على السياسة الاقتصادية السورية في المرحلة المقبلة. هناك صعود لتيار شعبوي متخلف في الدولة السورية ينادي بالرجوع عن سياسة الإصلاح الاقتصادي وتبني أفكار اقتصادية بالية ثبت فشلها محليا وعالميا، وهذا التيار الممثل بالشيوعيين والاشتراكيين ومتشددي حزب البعث هو خطر داهم يهدد الاقتصاد السوري لا يقل خطورة عن الاستهداف الخارجي. الرئيس الأسد حينما دعا إلى إيجاد نموذج اقتصادي جديد في سورية فهو حتما لم يكن يقصد الرجوع إلى أخطاء الماضي وإعادة تطبيقها الآن، وإنما كان يقصد تلافي الأخطاء التي شهدتها السنوات الخمس السابقة (وهي أخطاء جرى تضخيمها جدا بواسطة التيار الشعبوي المتخلف الذي ما يزال يهمين على الإعلام والجامعات في سورية).

بعد انحسار التهديدات الخارجية المباشرة يبقى على النظام إذن مهمة صعبة جدا وهي السيطرة على عملية الانفتاح السياسي الداخلي في المرحلة القادمة بحيث لا يقود هذا الانفتاح سورية إلى مسارات تدميرية سواء على الصعيد الاقتصادي أو السياسي.

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s