النظام السوري ينتقل من مرحلة الدفاع إلى الهجوم… والضغط عليه متواصل

Posted: يونيو 25, 2011 in سياسة

كما توقعت في تدوينتي السابقة فإن خطاب الرئيس بشار الأسد الأخير كان إيذانا بانطلاق مرحلة جديدة من المواجهة مع تركيا ومن وراءها.

النظام السوري انتقل من الدفاع إلى الهجوم على ثلاثة مستويات:

-على المستوى الدبلوماسي كان المؤتمر الصحفي لوزير الخارجية وليد المعلم علامة فارقة حيث أنه أحدث إرباكا واضحا تجلى في تغير اللغة التركية كليا وعودتها إلى التحفظ والهدوء.

-على المستوى الشعبي كان للحشود الضخمة في يوم الثلاثاء دور كبير في إرباك القوى الإقليمية والدولية، وهذه الحشود هي ما أعطى القوة الدافعة لوليد المعلم في مؤتمره الصحفي.

-ولكن الهجوم السوري الأبرز كان على المستوى العسكري. التعبئة الشعبية والدبلوماسية كانت تهدف على ما أعتقد إلى تهيئة الأجواء للهجوم العسكري والذي تم بنجاح كبير، حيث أن المدرعات السورية انتشرت في المناطق الحدودية التي كان يتم الحديث عن غزوها من قبل تركيا وحلف الأطلسي لإقامة “منطقة عازلة” تكون قاعدة ومنصة للمتمردين للانطلاق نحو الداخل السوري.

إن إقدام القوات السورية على احتلال الشريط الحدودي ونشرها لمنصات صواريخ مضادة للطائرات فيه هو هجوم استباقي من قبل الأسد يهدف لقطع الطريق على مشروع “المنطقة العازلة.” تركيا ردت بتصعيد عسكري من ناحيتها وحشد للقوات، ولكنها لم تقم بالتصعيد الكلامي بنفسها وتركت الأمر للولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين (عبر إعلامهم). تركيا وأميركا تنسقان تحركاتهما بشكل كامل، ولذلك فإن توزيع الأدوار بينهما أمر غير مستغرب.

حاليا هناك حشود تركية وأميركية يتم تحريكها حول سورية، والولايات المتحدة قامت بتوجيه تهديد صريح إلى سورية على لسان هيلاري كلينتون. أيضا هناك أنباء عن مصالحة إسرائيلية تركية تتم برعاية أميركية، ولا يعرف ما هو الهدف من هذه المصالحة بالضبط ولكن يعتقد أنها تأتي في إطار تكليف تركيا بإدارة سورية في المرحلة المقبلة. إن الدولة التي “تدير سورية” عليها أن تحظى بعلاقة طيبة مع إسرائيل حتى تتم المرحلة الانتقالية في سورية بهدوء وسلام على إسرائيل وبما يتوافق مع مصالحها، وهذا طبعا حسب المنظور الأميركي.

في المقابل فإن إيران وحزب الله دخلوا على الخط بتأكيد دعمهم الكامل لسورية في أي نزاع مع المحور الأميركي، وهذا ما يظهر ثبات محور الممانعة وتماسكه، باستثناء حركة حماس التي تركت محور الممانعة ودخلت في المشروع الأميركي كونها جزءا من حركة الإخوان المسلمين. إن الطلاق بين الإخوان المسلمين ومحور الممانعة أصبح طلاقا بائنا على ما يبدو، وهذا غير مستغرب حيث أن أميركا تريد أن تسلم المنطقة للإخوان المسلمين (لإعتقادها بأنهم الأقدر على التصدي “للمد الإيراني” وبأنهم أكثر اعتدالا وقابلية للترويض من الوهابيين) ولذلك لا يستغرب أن يسير الإخوان في المشروع الأميركي. أميركا تعتقد أن الإخوان سيكونون تحت نفوذ تركيا وأن تركيا ستقنعهم بالاعتراف بإسرائيل (وهو ما حدث بالفعل حيث أن حركتي الإخوان المصرية والسورية كلتاهما أعلنتا استعدادهما للاعتراف بإسرائيل). أما الإخوان في فلسطين (حماس) فهم انقسموا فيما بينهم حول مسألة الاعتراف بإسرائيل، ففي حين أعلن خالد مشعل اعترافه بحدود 67 (وهو زعيم الحركة) برزت اعتراضات على موقفه هذا من محمود الزهار، ولكن المرجح أن حماس ستعترف بإسرائيل في النهاية خاصة مع ما يدور حاليا من مفاوضات بين حماس وفتح برعاية تركية، ومن المعروف أن تركيا تضغط على حماس منذ سنوات للاعتراف بإسرائيل وقد أعلن الرئيس التركي هذا الأمر للإعلام (انظر الخبر).

لقد ذكرت في تدويناتي السابقة بأن خطة تسليم المنطقة للإخوان وتركيا هي خطة مرحلية وليست الخطة الأميركية النهائية. المصلحة الأميركية الاستراتيجية تتناقض كليا مع إعادة إحياء الإمبراطورية الإسلامية. المشروع الأميركي الحقيقي هو المشروع الوهابي (الصدام بين السنة والشيعة وتفتيت المنطقة طائفيا)، ولكن الأميركان يريدون إيصال الإخوان للحكم كمرحلة انتقالية في سبيل الوصول إلى ذلك الهدف. إن أميركا ستسعى لخلق صراع بين الإخوان وإيران تمهيدا لتحقيق المشروع الوهابي، وبوادر هذا الصراع قد بدأت بالفعل حيث يلاحظ أن هناك توترا تركيا-إيرانيا وتوترا إخوانيا-إيرانيا في المرحلة الحالية، وهو أمر لم يكن موجودا سابقا ولكن أميركا عملت على إيجاده من خلال خلق تناقضات سياسية بين إيران من جهة وتركيا والإخوان من جهة أخرى. لقد كنا نقرأ عن هذا المشروع الأميركي لخلق صدام بين إيران والإسلاميين السنة منذ سنوات في الصحف الغربية ووثائق ويكي ليكس، ومن المدهش أنه قد أصبح أمرا واقعا في زمن قياسي، مما يظهر القدرة الكبيرة للآلة الإعلامية والسياسية الأميركية في هذه المنطقة. أميركا تستطيع التحكم بهذه المنطقة وإعادة تشكيل وعيها وسياستها بسهولة بالغة، وهو أمر غير مستغرب طالما أن أميركا تسيطر على منابع المال النفطي في الخليج، والآلة الإعلامية الخليجية هي ما يشكل وعي المنطقة حاليا وليس الآلة الإعلامية القومية كما كان الحال في الخمسينات والستينات.

هناك ملامح صراع سني-شيعي كبير ترتسم في المنطقة، وفي مثل هذا الجو فإن ما يقوله النظام السوري عن بناء نموذج ديمقراطي قومي عربي هو أمر غير منطقي. لا يمكن لسورية أن تتحول إلى ديمقراطية علمانية في ظل صراع ديني طاحن كالصراع الذي يسعى الغرب لإيجاده في المنطقة. لا أدري كيف يمكن لديمقراطية وطنية أن تنجح في مدينة كمدينة حمص التي وصل فيها الهياج الطائفي حد الجنون الذي لا يصدق.

النظام السوري يريد أن يعيد تشكيل نفسه بحيث يتحول إلى نظام تعددي يسمح بتداول السلطة ولكن في إطار قبضة أمنية قوية تحافظ على الطابع القومي للعملية السياسية. أي باختصار هو يريد أن يعيد تطبيق النموذج الأتاتوركي في سورية، حيث أنه ستكون هناك انتخابات وسيكون هناك تداول للسلطة، ولكن النخبة الأمنية الحاكمة ستظل موجودة وسترسم هي حدود اللعبة السياسية بحيث لا يكون هناك انحراف نحو أي منحى طائفي أو ديني.

سيتم التضحية بحزب البعث، وربما يتم أيضا التضحية بالرئيس بشار الأسد في مرحلة لاحقة (بعد عشر سنوات مثلا)، ولكن النخبة الأمنية التي تسيطر على الجيش ستبقى موجودة لحراسة العلمانية والطابع القومي للنظام. سيتم على الأرجح تقليص القبضة الأمنية على المجتمع وسيتم إعادة هيكلة هذه القبضة وكيفية تعاملها مع المواطنين (سيصبح هناك دور أكبر للقانون والنظام في إدارة عمل الأجهزة الأمنية وسيتم التقليل من احتكاكها المباشر مع المواطنين). هذا النموذج نموذج ممتاز وهو ما كانت المعارضة السورية القومية واليسارية تدعو له منذ سنوات طويلة، ولكن المشكلة فيه أنه أتى في وقت متأخر جدا. هذا النموذج كان ينبغي تطبيقه منذ عام 1970 أو عام 1982 وليس الآن. في المرحلة الحالية سيكون من الصعب جدا على هذا النظام أن يصمد في ظل الصراع الطائفي الكبير الذي يتم التحضير له في المنطقة.

إن نجح النظام السوري في تحويل نفسه إلى النموذج الأتاتوركي فهو سيواجه باعتراضات قوية جدا:

1-الإسلاميون سيرفضونه، وهذا ما بدا واضحا من الموقف التركي مثلا الذي اعتبر خطاب الرئيس الأسد “غير كافي.”

2-الغربيون والليبراليون الموالون للغرب سيرفضونه، وهذا ما بدا واضحا في المواقف الغربية وفي كلام عزمي بشارة (الذي يوصف بأنه مفكر قومي ولكن أفكاره ليبرالية غربية) حيث أنه رفض النموذج الانتقالي في سورية وطالب بديمقراطية كاملة على الطريقة العراقية. الليبراليون الموالون للغرب يفهمون الديمقراطية على أنها الفوضى الخلاقة التي تم تطبيقها في العراق والتي تسمح لأي كان بإنشاء حزب سياسي وأن يقول ما يشاء. هذا النموذج من الديمقراطية الكاملة ينجح في المجتمعات الغربية التي وصلت إلى مرحلة المواطنة التامة منذ زمن بعيد، ولكن تطبيق هذا النموذج في مجتمعات تعيش مرحلة ما قبل المواطنة كمجتمعات المشرق العربي هو وصفة لتدميرها وتمزيقها إلى كيانات طائفية، وكون عزمي بشارة لا يدرك هذه الحقيقة رغم أنه اطلع على العراق وما حل به ورغم أنه اطلع على لبنان وتاريخه يدل على أن عزمي بشارة لا يفقه من الفكر القومي شيئا، وبالتالي أنا أتساءل عمن منحه لقب المفكر القومي؟

إذن النظام السوري حتى لو تحول إلى نظام أتاتوركي فإنه لن يصمد لأنه أضعف من أن يقاوم المد الإسلامي والمد الغربي الذي يجتاح المنطقة بقوة كاسحة. هذا الأمر يدركه الجميع ولذلك يتحدثون عن أن عمر النظام السوري بات مسألة أشهر أو سنوات قليلة، والغربيون لا يريدون الانتظار حتى لأشهر ويريدون تسريع انهيار النظام عن طريق تجفيف موارده المالية، ولقد تحدثت عن هذا في تدوينات سابقة. الصراع مع إيران وصل إلى مرحلة لا تحتمل الانتظار والمصلحة الغربية والوهابية تقضي بإسقاط النظام السوري بأسرع ما يمكن، وهذا هو سر التكالب والضغط الهائل عليه.

ما زلت عند رأيي (الجريء) الذي طرحته في تدوينة سابقة والذي يقول بأن الأمل الأخير لإنقاذ المشروع القومي العربي ربما يكون إعادة إحياء فكرة الوحدة بين سورية والعراق. القوى التي تحكم العراق حاليا هي قوى إسلامية شيعية محسوبة على إيران، والقوى التي ستحكم معظم سورية مستقبلا هي قوى إسلامية سنية ووهابية محسوبة على تركيا وأميركا على التوالي. إن طرح فكرة الوحدة على أساس قومي علماني بين العراق (الشيعي) وسورية (السنية) سيكون في حال نجاحه ضربة قاصمة للمشروع الأميركي الوهابي وللمشروع التركي وللمشروع الإيراني في آن واحد. صحيح أن إنجاز هذا المشروع سيكون صعبا جدا لأن كل قوى المنطقة ستقاومه بشراسة، ولكني أعتقد أنه ما زال هناك في سورية والعراق بقايا من فكر وطني يمكن المراهنة عليها لانتشال البلدين من مصير أسود ينتظرهما في المرحلة المقبلة. المرحلة المقبلة ستكون عودة لحرب صفين إن لم تتخذ القوى الوطنية التي تحكم سورية والتي ما زالت تتمتع بنفوذ في العراق قرارا جريئا بإعادة إحياء المشروع القومي العربي. العراق وسورية يمتلكان ثروات كبيرة وموقعا حيويا وهما يمكنهما أن يصبحا القوة الأولى في المنطقة رغما عن أنف الجميع، ولكن ما ينقص هذين البلدين هو الوعي والإرادة السياسية الوطنية لدى القيادات.

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s