هل توشك تركيا على أن تغزو سورية؟

Posted: يونيو 18, 2011 in سياسة

رغم التواصل الدبلوماسي العلني بين سورية وتركيا مؤخرا إلا أن الصحافة التركية والغربية والإسرائيلية وحتى بعض العربية ما زالت تعج بسيناريوهات للتدخل العسكري التركي في سورية، وبعض هذه السيناريوهات يتحدث عن غزو تركي للاراضي السورية بدءا من الأسبوع القادم.

الغزو التركي لسورية ليس فكرة جديدة بل هو سيناريو سمعناه كثيرا في القرن الماضي. بالنسبة للعقل السياسي التركي فإن سورية ليست بلدا حقيقيا بقدر ما أنها أراضي تركية احتلها الحلفاء في الحرب العالمية الأولى وفصلوها عن تركيا. الأتراك لم ولن يبلعوا هزيمتهم في تلك الحرب وهم ما زالوا ينظرون للأراضي السورية كأراضي سليبة ويحلمون بإعادتها.

أول من حاول “استعادة” سورية كان كمال أتاتورك الذي شن في عام 1920 حملات عسكرية متتالية ضد القوات الفرنسية في سورية ونجح في ضم أجزاء واسعة من الشمال السوري إلى تركيا. الاتفاقية الأولى التي رسمت حدود الكيان السوري الوليد كانت اتفاقية سيفر (1920) والتي جعلت الحد الفاصل بين سورية وتركيا خطا يبدأ من غرب مدينة جيحان (“جيهان” كما تسمى في القنوات الفضائية العربية) ويمتد شرقا على مسار خط السكة الحديد التي كانت تمر إلى الشمال من عنتاب وأورفة وماردين وصولا إلى نهر دجلة. هذا الخط تغير في اتفاقية لوزان (1923) والتي جاءت بعد الغزوات الناجحة التي شنها أتاتورك ضد القوات الفرنسية في سورية ونجح فيها في ضم عنتاب وأورفة وماردين وأراضي أخرى شاسعة كانت كلها من ضمن الأراضي السورية حسب اتفاقية سيفر.

مما ساعد أتاتورك على احتلال كل تلك الأراضي أن سكانها كانوا في حالة ثورة ضد الفرنسيين. العرب والأكراد والأتراك جميعهم ثاروا ضد الفرنسيين وتلقوا الدعم بالمال والسلاح من أتاتورك، ولم يقف أحد إلى جانب الفرنسيين إلا الأرمن. زعيم العرب في تلك الثورة كان إبراهيم هنانو الذي يعتبر من الأبطال في التاريخ السوري، وهو كان على علاقة وثيقة بكمال أتاتورك وكان يتلقى منه المال والسلاح والتعليمات وكان ينسق ثورته بناء على التوجيهات التي كانت تصله من أتاتورك. ولكن ثورة هنانو لم تفد سورية ولا العرب بشيء، بل على العكس هي كانت كارثة عليهم حيث أنها ساعدت أتاتورك على احتلال معظم الشمال السوري وفتحت له الطريق لاحتلال لواء الإسكندرون فيما بعد، وفي المقابل فإن هذه الثورة لم تخرج الفرنسيين من سورية. إبراهيم هنانو يعتبر لدى الناس ثائرا وبطلا قوميا ولكن من الناحية التحليلية البحتة فإن ما قام به يعتبر خيانة وخدمة مجانية لكمال أتاتورك لم تفد سورية بشيء.

لو أن العرب والأكراد تفاهموا مع الفرنسيين كما فعل الأرمن فإن احتلال الأتراك لشمال سورية وللمناطق الكردية كان سيصبح صعبا، واحتلال لواء إسكندرون ربما ما كان ليتم أبدا.

لم تشبع تلك الفتوحات شهية الأتراك الذين ظلوا يهددون باستمرار بغزو سورية والعراق تحت ذرائع مختلفة. في العراق كان الأتراك يصرون على أن منطقة الموصل تابعة لهم وفق القانون الدولي، وفي سورية كانوا يطالبون بلواء إسكندرون لزعمهم بأنه منطقة ذات غالبية تركية وأن الأتراك مضطهدون فيه. ولكن السوريين كانوا قد تعلموا الدرس هذه المرة ولذلك دعموا فرنسا وضغطوا عليها لكي لا تتنازل عن لواء الإسكندرون لتركيا. ولكن في النهاية وعندما اقتربت الحرب العالمية الثانية وجدت فرنسا نفسها مضطرة لكسب ود الأتراك بأي ثمن فتنازلت لهم عن لواء الإسكندرون رغما عن أنف القانون الدولي ورغم معارضة السوريين الشديدة.

لم تكن تلك نهاية الفتوحات التركية في سورية. في الخمسينات عاد الأتراك مجددا للتهديد بغزو سورية، وحشدوا جيوشهم على الحدود وكانوا على وشك غزو سورية بالفعل. هذه الأحداث دفعت الضباط السوريين للسفر إلى مصر وطلب الوحدة مع عبد الناصر. إن الخوف من الغزو التركي كان عاملا أساسيا في دفع السوريين لطلب الوحدة مع مصر وما تلا تلك الوحدة من كوارث على سورية ليس أقلها ضياع الجولان في عام 1967.

في التسعينات عاد الأتراك للتهديد بغزو سورية، فحشدوا قواتهم على الحدود وصرحوا بأنهم سيدمرون سورية ويجعلونها ركاما. ونشأ عن هذا التهديد والوعيد أن قامت سورية بتوقيع اتفاقية أضنة الأمنية والتي تنازلت فيها سورية عن حقها في المطالبة بلواء إسكندرون مع مجموعة من التنازلات الأمنية والسياسية الأخرى.

من هذا الاستعراض الوجيز لتاريخ العلاقات السورية-التركية نجد أنه في كل مرة عزمت فيها تركيا على غزو سورية كانت تقع كارثة في سورية. في عام 1920 خسرنا أراضي شمالية شاسعة، وفي عام 1939 خسرنا لواء الإسكندرون، وفي عام 1958 اضطررنا للوحدة مع مصر والتي أدت فيما أدت إليه إلى ضياع الجولان في عام 1967، وفي عام 1998 خسرنا حقنا بالمطالبة بلواء الإسكندرون. فيا ترى ما الذي سنخسره في هذه المرة؟

كما أجبرتنا تركيا في عام 1998 على أن ننسى لواء الإسكندرون وأن نتخلى عن نفوذنا لدى أكراد تركيا فإن التدخل التركي سيجبرنا هذه المرة على أن ننسى الجولان و أن نتخلى عن كل نفوذنا الإقليمي.

دفتر الشروط المطلوب من بشار الأسد يشمل التخلي عن كثير من الحقوق في الجولان وعن شاطئ بحيرة طبرية، وهو يشمل أيضا التخلي عن النفوذ السوري في لبنان. المطلوب هو ترك الحلف مع إيران وأن تتحول سورية إلى مجرد تابع صغير يدور في الأفلاك التركية والأميركية. باختصار المراد هو العودة بسورية إلى زمن الأربعنيات والخمسينات عندما كانت سورية مجرد ملعب إقليمي للقوى الأخرى لكي تلعب به وتنتهك حقوقه ومصالحه.

ما سيجري هو تقاسم للنفوذ في سورية. لا أظن أن تركيا بمفردها ستستولي على سورية بالكامل. ما سيحدث هو تقاسم للنفوذ كما حدث في العراق، وقد تحدثت عن هذا في تدوينات سابقة.

تركيا الآن أمام فرصة ذهبية لكي توسع نفوذها في المنطقة. ما يحدث الآن في سورية هو شبيه بثورة هنانو في عام 1920 والتي سمحت لكمال أتاتورك باحتلال معظم الشمال السوري وضمه إلى تركيا. تركيا الآن ستسعى لخلق نفوذ قوي لها في سورية، ولكن أميركا والسعودية وإسرائيل لن يسمحوا لها بأن تستأثر بالكعكة كاملة لنفسها، ولذلك ربما ينحصر النفوذ التركي القوي مستقبلا في منطقة حلب، بينما ستكون دمشق تابعة للسعوديين الوهابيين وأميركا.

لهذه الأسباب فإن احتمال التدخل العسكري في تركيا هو وارد جدا. ما يجري الآن في سورية هو فرصة ذهبية لتركيا لن تتكرر مستقبلا. تركيا الآن لديها الفرصة لتستعيد أجزاء إضافية من الأراضي التي فقدتها في الحرب العالمية الثانية وهي لن تفوت هذه الفرصة أبدا.

قرأنا كثيرا عن سيناريوهات التدخل التركي في سورية. أول من أثار هذا الاحتمال هو عبد الحليم خدام الذي تحدث عنه لجريدة الشرق الأوسط قبل أسابيع، مما يدل على وجود تنسيق قديم بين المعارضة السورية وبين تركيا للتدخل في سورية (أي وجود مؤامرة). السيناريوهات تظهر أن ذريعة التدخل ستكون “اللاجئين السوريين في تركيا” (تركيا استقبلت بعد غزو العراق مئات آلاف اللاجئين العراقيين ولكنها هذه المرة ستغزو سورية بسبب 10 آلاف لاجئ فقط).

مصادر سورية ولبنانية أكدت أن إيران هددت تركيا بالتدخل عسكريا في حال دخول القوات التركية لسورية. بعد ذلك بقليل بدأنا نقرأ عن تحركات للأساطيل الأميركية قبالة السواحل السورية والإيرانية والتركية. موقع دبكا فايل الصهيوني يقول أن تحركات السفن الأميركية جاءت بتنسيق مع تركيا وأن الهدف منها هو اعتراض الصواريخ السورية والإيرانية التي قد تتساقط على تركيا وإسرائيل في حالة نشوب نزاع.

من المفاجئ في الآونة الأخيرة أننا عدنا لنسمع الحديث عن ضرب إيران عسكريا لإنهاء برنامجها النووي بعد أن كان هذا الحديث طي النسيان. فجأة وبدون سابق إنذار بدأت تظهر التقارير الاميركية التي تتحدث عن قرب امتلاك إيران للسلاح النووي، وفجاة وبدون سابق إنذار عاد الحديث عن ضرب إيران عسكريا في إسرائيل والغرب.

ما يجري في المنطقة مريب جدا. أنا شخصيا أعلم أن الثورة في سورية لها أسباب داخلية، ولكن التوقيت والكيفية التي اندلعت بها الثورة وتطور الأحداث بعد ذلك يدفعني للشك بوجود مؤامرة بالفعل كما تتحدث الصحافة الروسية وكما قال الرئيس الأسد في خطابه. حسب الصحف فإن روسيا كانت من الدول التي حذرت الأسد من وجود نية لتدخل عسكري غربي في سورية بقيادة تركية، وعلى ما يبدو فإن التصلب الروسي في مجلس الأمن يعود إلى علم روسيا المسبق بهذا المخطط.

ما يدور في المنطقة يوحي بوجود مؤامرة لضرب سورية وإيران. المؤامرات في هكذا ظروف ليست مستبعدة بل هي متوقعة. إيران تشكل معضلة للغرب منذ سنوات وبالتالي فإن المتوقع هو أن يتآمر عليها الغرب وغير المتوقع هو ألا تكون هناك مؤامرة. من يقرأ الصحف الغربية يعلم أن الغرب يخطط منذ سنوات لإقامة ثورة ضد النظام في إيران وهم يعولون على هذه الثورة أكثر من تعويلهم على الضربة العسكرية. وثائق ويكي ليكس كشفت بوضوح عن وجود اتصالات بين المعارضة السورية وبين المخابرات الأميركية تصل إلى حد قيام المخابرات الأميركية بتمويل المعارضة السورية. وبالتالي من يشكك في وجود مؤامرة خلف الأحداث الجارية حاليا في سورية هو ببساطة ممن لا يقرؤون شيئا ولا يعرفون شيئا.

سياسة “تثوير الشعوب” (تثوير من “ثورة” وليس من “ثور”) ضد حكوماتها هي سياسة أميركية كلاسيكية تم تطبيقها في كثير من البلدان، وأبرز مثال هو الاتحاد السوفيتي السابق ودول أوروبا الشرقية. سورية ليست في مأمن من هكذا مخططات، ومن يتابع أحداث “الثورة السورية” منذ بدايتها يلاحظ تقدما وتطورا مشبوها في التقنيات والوسائل التي يستخدمها “الثوار”. أنا شخصيا أتابع أخبار المعارضة السورية منذ سنوات ولقد فاجئني مدى التطور والتقدم المفاجئ الذي حققته هذه المعارضة على صعيد تقنيات الاتصال والإنترنت. هل هي الأموال الأميركية السخية التي تنفق لدعم “الديمقراطية”؟

يدور الحديث الآن عن أن الغرب سيفرض حظرا نفطيا على سورية، وهناك ضغوطات مورست بالفعل على الشركات النفطية الغربية لكي تغادر سورية. الحظر النفطي على بلد كسورية هو إجراء وحشي وهو إن تم سيؤدي لمجاعة حقيقية (نصف موارد الدولة السورية المالية على الأقل تأتي من النفط). هل يعقل أن أميركا حريصة على الديمقراطية في سورية إلى درجة أنها ستتخذ ضدها مثل هذا الإجراء التدميري؟

الحظر النفطي على سورية هو أسوأ من إلقاء قنبلة نووية عليها، والسعي لهذا الأمر يدل على عدائية شديدة للغاية تجاه هذا البلد لا تتفق مع حجمه الصغير وإمكاناته المتواضعة. من الواضح أن الغرب قد قرر التخلص من سورية نهائيا هذه المرة، ومثل هذا القرار الوحشي لا يمكن فهمه إلا بأخذ الصورة الشاملة في المنطقة والنزاع مع إيران في الحسبان. إن التصاقنا بإيران (الذي كنا نهدف منه لتحسين وضعنا الإقليمي) سيؤدي إلى أننا “سنروح دعوسة بين الإجرين”، وهذه العبارة تنطبق علينا حرفيا لأننا –بخلاف إيران- بلد ضعيف ولا نقوى على مواجهة الغرب عندما يتوحش ويعلن الحرب الشاملة.

كنا نتحدث قبل فترة قصيرة عن عقوبات وحصار دولي سيؤدي إلى انهيار سورية بعد سنوات قليلة، ولكن ما نسمعه الآن من كلام عن غزو تركي وحظر نفطي يعني أن سورية لن تصمد لسنوات وإنما هي ستنهار في غضون أشهر قليلة.

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s