على عكس المتوقع، نجحت الولايات المتحدة في إدخال سورية إلى نفق التدويل من الباب النووي وليس من باب قمع المتظاهرات.
أميركا قامت بتوزيع أدوار بينها وبين الاتحاد الأوروبي، حيث أوعزت لحلفائها الأوربيين بطرح مشروع قرار قمع المظاهرات على مجلس الأمن بينما قامت هي بنفسها بتبني الملف النووي. لا أعلم إن كانت الولايات المتحدة تعمدت إخراج نفسها من قرار قمع المظاهرات بسبب صفقة ما جرت بينها وبين روسيا (ليبيا مقابل سورية) أو أنها كانت لا تريد تبني قرار تعلم أنه لن يمر.
القرار الأوروبي في مجلس الأمن تعثر، وهذا ما لم نكن نتوقعه بعد البجاحة الكبيرة التي أظهرها وزير الخارجية الفرنسي عندما تحدث عن طرح القرار. لقد بدا آلان جوبيه واثقا من نفسه ولكن ما جرى بعد ذلك في مجلس الأمن أظهر أنه كان منفوشا على الفاضي وأنه لن يستطيع إمرار القرار.
لم نكن نتوقع أن يتم إحالة ملف سورية النووي على مجلس الأمن لأن الملف هزيل وكثير من الدول لن تقبل بإحالته، ولكن الولايات المتحدة اتخذت قرارا جريئا عندما طرحت قرار الإحالة على مجلس الأمن للتصويت في وكالة الطاقة الذرية رغم علمها بأن كثيرا من الدول لن تؤيده. الدول التي أيدت القرار هي 17 دولة فقط من أصل 35، وهناك 6 دول صوتت ضد القرار من بينها روسيا والصين، وحسب معايير وكالة الطاقة الذرية فإن هذا يعتبر تأييدا هزيلا للقرار.
بما أن روسيا صوتت ضد إحالة الملف السوري إلى مجلس الأمن وأعلنت رفضها للفكرة فإن كثيرا من الدبلوماسيين يتوقعون أن تأخذ روسيا موقفا متصلبا في مجلس الأمن عند مناقشة ملف سورية النووي. روسيا على الأرجح لن تسمح بفرض عقوبات دولية على سورية بسبب ملفها النووي، ولكن هذا لن يغير من حقيقة أن الملف النووي السوري وصل إلى مجلس الأمن وبالتالي دخل نفق التدويل الذي يصعب جدا الخروج منه.
خروج الملف النووي السوري من مجلس الأمن أمر شبه مستحيل حسب ما أعلم. كلنا نتذكر التجربة العراقية وما انتهت إليه. صدام تعاون كليا مع لجان التفتيش التي ذرعت العراق جيئة وذهابا وفتشت كل شبر فيه بما ذلك غرف نوم صدام في قصوره الرئاسية، ولكن الملف العراقي مع ذلك لم يغلق وظلت اللجان تأتي وتذهب دون أن يتم التوصل إلى حل للقضية، وفي النهاية تم غزو العراق وتدميره تحت ذريعة أنه يخفي أسلحة دمار شامل.
لم يعد سرا الآن أن لجان التفتيش التي فتشت العراق بحثا عن أسلحة الدمار الشامل كانت مخترقة كليا من أجهزة الاستخبارات الغربية، وكثيرون من منتسبي هذه اللجان اعترفوا فيما بعد بعمالتهم لأجهزة المخابرات. لجان التفتيش لم تكن تبحث عن أسلحة الدمار الشامل فقط وإنما كانت تتجسس على أسرار العراق العسكرية، ناهيك عن أن هذه اللجان كانت بمثابة ذريعة سياسية سمحت بحصار العراق وتدمير اقتصاده قبل أن يتم غزوه في النهاية.
سورية هي بلد مغلق بالنسبة للعالم الغربي. الغرب لا يعرف الكثير عن القدرات العسكرية السورية غير التقليدية (القدرات الصاروخية، الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، إلخ). إن دخول لجان تفتيش دولية إلى سورية سيكون بمثابة فرصة ذهبية لأجهزة المخابرات الغربية لكي تتعرف على أوجه التصنيع العكسري السورية والمشاريع السرية التي تربط سورية بإيران وكوريا الشمالية ناهيك عن التعاون مع حزب الله الذي يشكل معضلة كبيرة بالنسبة للغرب وإسرائيل.
سورية كانت ترفض السماح للمفتشين بدخول المواقع العسكرية غير النووية لأن اتفاقية حظر الانتشار النووي التي وقعت عليها سورية لا تلزمها بفتح مواقعها العسكرية غير النووية للمفتشين. بعد أن تم إحالة ملف سورية النووي إلى مجلس الأمن فإن سورية ستصبح مجبرة على “التعاون الكامل” مع وكالة الطاقة الذرية، وهو ما يعني أن المفتشين سيحق لهم دخول أي موقع عسكري في سورية سواء كانت له علاقة بالمفاعل النووي المزعوم أم لم تكن له علاقة، وهذا يعني أن المواقع العسكرية السورية ستصبح مفتوحة بالكامل أمام أجهزة المخابرات الغربية.
الغرب سيستفيد من لجان التفتيش لتحسين معلوماته الاستخباراتية عن سورية (والتي تصل أوتوماتيكا إلى إسرائيل)، وهو سيستفيد منها لتلويث سمعة سورية عالميا وبالتالي مزيد من الضرر الاقتصادي، ناهيك عن أن هذه اللجان ربما تفتح الباب لإثارة قضايا أخرى كقضية الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والصواريخ. على الأرجح أنه سيتم فرض عقوبات دولية على سورية لاحقا بحجة أنها لم تتعاون بشكل كامل (وهو ما حصل سابقا مع العراق وكوريا وإيران). الخلاصة هي أن هذه اللجان هي حسب رأيي دوامة لا يمكن الخروج منها وهي ستؤدي إلى خسائر اقتصادية وعسكرية وسياسية جسيمة لسورية.
عندما زار الرئيس الروسي ميدفيدف سورية قبل عامين عرضت عليه سورية مشروع بناء محطة نووية لتوليد الكهرباء في سورية (وهو مشروع مهم سيدخل إلى سورية تقنيات جديدة ومزايا اقتصادية)، والملفت في الأمر أن الرئيس الروسي تجاوب مع الطلب وبدأت بالفعل مباحثات أولية بين سورية وروسيا حول المشروع، وهذا ما أثار حفيظة الغرب. سورية كانت تتحدث عن بناء أول محطة نووية في سورية بحلول عام 2020، ولكن طبعا هذا المشروع أصبح الآن في مهب الريح.
إذن الولايات المتحدة نجحت بالفعل في توجيه ضربة استراتيجية قاصمة إلى سورية عندما أحالت ملفها النووي إلى مجلس الأمن. أنا لا أعلم إن كانت روسيا تستطيع إخراج هذا الملف من هناك، ولكنني لا أظن أن هناك إمكانية لإخراجه من دون أن تعلن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن الملف النووي السوري قد أغلق (وهو ما لن يحدث أبدا).
بعد هذا النجاح الأميركي فإن الفشل في تمرير القرار المتعلق بقمع المتظاهرين لم يعد مهما. ما يهم أميركا هو إيصال سورية إلى مجلس الأمن بأي وسيلة كانت (سواء بذريعة قمع المتظاهرين أو الملف النووي أو قتل الحريري). لكي تنجو سورية من المخطط الأميركي فهي كانت بحاجة لتجنب الوصول إلى مجلس الأمن بأي من هذه الطرق الثلاثة، وطالما أن أميركا قد نجحت في إيصال سورية إلى مجلس الأمن بالفعل فإن سورية تعتبر قد هزمت.
بالنسبة للقرار المتعلق بقمع المتظاهرين فهو حاليا يسير في طريق مسدود بسبب الموقف الروسي الرافض، وهذا هو ما دفع تركيا والجامعة العربية للدخول على الخط بهدف التأثير على الموقف الروسي.
الموقف التركي الحاد الذي استجد تجاه سورية له عدة أسباب، ولكن أحد أهم أسبابه هو رغبة أميركا في الضغط على روسيا لتغيير موقفها. عندما ترى روسيا أن جيران سورية وحلفاءها (كتركيا وجامعة الدول العربية) يطالبون مجلس الأمن بالتدخل فإنها ستصبح في موضع حرج عندما تعارض قرار مجلس الأمن. أميركا أيضا أوعزت إلى جامعة الدول العربية بالتحرك لاتخاذ موقف ضد سورية، وهذا ما دفع عمرو موسى إلى طرح مشروع لتعليق عضوية سورية في جامعة الدول العربية أسوة بليبيا.
الموقف التركي سيؤثر بلا شك على الموقف الروسي كون تركيا من الدول ذات الصلات الوثيقة بسورية، ولكن الأهم من الموقف التركي هو الموقف العربي. هناك عدة دول عربية ستعارض اتخاذ قرار عربي ضد سورية (لبنان، العراق، الجزائر، السودان، وربما الأردن) وبالتالي صدور قرار عربي ضد سورية هو أمر صعب. حتى الموقف التركي المتشنج هو مرشح للتغير لأن إيران لن تسكت وستقوم بتهديد تركيا بقطع العلاقات معها إن استمر الضغط التركي على سورية. تركيا ستخسر الكثير إن تدهورت علاقاتها مع إيران وسورية وبالتالي هناك احتمال كبير لتغير الموقف التركي قريبا خاصة وأن الانتخابات التركية قد انتهت.
الموقف الروسي يبدو صامدا حتى الآن ولكن احتمال تغير هذا الموقف هو احتمال قائم إن استمرت الأحداث في سورية لفترة طويلة.
الضلع الثالث في مثلث الاستهداف الأميركي لسورية هو محكمة الحريري. قرأنا مؤخرا عن اقتراب موعد بدء عمل هذه المحكمة، وربما يكون هذا هو سبب تشكيل الحكومة اللبنانية بالأمس بعد طول انتظار.
ملحق:


