هل من سينقذ سورية هو إسرائيل… أم العراق؟

Posted: يونيو 11, 2011 in سياسة

المرحلة التي نعيشها الآن تبدو شبيهة جدا بمرحلة اتفاق سايكس-بيكو، حيث تتحرك جموع من المتمردين على الأرض بدعم غربي لتنفيذ أجندة غربية تقسيمية تحت شعار الحرية. ربما كان الذي ثاروا في الثورة العربية الكبرى في عام 1918 معذورين لعدم علمهم بحقيقة النوايا الغربية، ولكن من يثورون اليوم هم غير معذورين لأنهم مدركون وواعون لما يجري في المنطقة وهم موافقون عليه.  إن تهجم  المتمردين السوريين المستمر على حزب الله وإيران وتبرير ذلك بأعذار طائفية وهابية يعني أن هذه ثورة طائفية ذات أهداف أميركية بامتياز، ومن يتابع أدبيات المتمردين السرية يجد أنهم لا يجدون غضاضة في تقسيم المنطقة على أسس طائفية بل يشجعون ذلك ويرغبون به.

المعارضة الوهابية-الإخوانية (وهي عصب التمرد السوري) لا تمانع تقسيم سورية إلى دويلات طائفية. أما المعارضة الليبرالية الموالية للغرب فهي تبدي موقفا متمسكا في الظاهر بوحدة البلاد ولكن أطروحاتها السياسية هي مطابقة لأطروحات المعارضة العراقية السابقة ضد صدام وهي ستقود إلى تفتيت الدولة السورية على أسس طائفية وإثنية، وكثير من هؤلاء الليبراليين الموالين للولايات المتحدة أعلنوا بصراحة أنهم يريدون تطبيق النموذج اللبناني في سورية ومنهم من قال ذلك على قناة بردى كنجيب الغضبان وعبد الرزاق عيد.

إن هذه المعارضة (سواء بشقها الإسلامي أو الليبرالي الأميركي) ستقود البلاد إلى التقسيم الحتمي، وتقسيم سورية سيشجع تقسيم العراق (الذي هو مقسم فعليا حيث اكتملت كل عناصر التقسيم على أرض الواقع ولم يبق إلا إعلانه رسميا).

ما لدينا في منطقة الهلال الخصيب حاليا هو فدراليات طائفية ممثلة بالعراق ولبنان، حيث أن كلا من هاتين الدولتين هي دول وهمية فاشلة موجودة فقط على الورق، وكلاهما تعيشان حالة شلل سياسي واضطراب أمني يمكن أن يقود إلى إعلان التقسيم رسميا في أي وقت.

إسرائيل هي نموذج آخر شاذ حيث تقوم طائفة باستعباد طائفة أخرى والسبب الذي يبقي هذه الدولة العنصرية على قيد الحياة هو حاجة الولايات المتحدة لها.

إن سورية تسير على نفس الطريق العراقي، والنتيجة في سورية ستكون تقسيما أسرع بكثير مما حدث في العراق. هناك عدة سيناريوهات. السنياريو الأول هو قيام حكومة مهيمن عليها من الإسلاميين ومدعومة من تركيا، ولكن هذه الحكومة ستفشل في السيطرة على معظم مناطق البلاد. إن التنافس التقليدي بين الحلبيين والشاميين لم يختف كما يظن بعض الناس ولكنه في الواقع ازداد وتسعر وإن كان مخفيا الآن تحت الرماد (حاله كحال بقية النزعات الطائفية)، ولذلك أنا لا أتوقع أن الإسلاميين سينجحون في توحيد أجنحتهم بل أتوقع أن يظهر انقسام حلبي شامي فور انهيار الدولة الحالية. الإسلاميون الحلبيون والشاميون لم يتوحدوا في في وقت الشدة في عام 1982، فلا أظن أنهم سيتوحدون في وقت الرخاء وحينما يبدأ تفاسم السلطة.

تركيا وأميركا ستدخلان على الخط وستستغلان الانقسام. تركيا سوف تتبنى الحلبيين وأميركا سوف تتبنى الشاميين (من خلال السعودية). وبما أننا نعلم أن الأجندة التركية في المنطقة متناقضة مع الأجندة الأميركية فإننا نتوقع ظهور خلاف مستحكم بين حلب ودمشق شبيه بالخلاف الذي كان قائما في الأربعينات حينما كان الحلبيون محسوبين على عرش العراق الهاشمي والشاميون محسوبين على السعودية ومصر.

الخلاصة هي أن الشمال السوري سيصبح منطقة نفوذ تركية والجنوب سيصبح منطقة نفوذ وهابية-أميركية شبيهة بالوضع القائم في لبنان حاليا. حتى لو لم يتم تنصيب رئيس “إسلامي” صريح في دمشق فإن الرئيس القادم في دمشق لن يكون بعيدا عن الوهابية بل هو على الأرجح سيكون على شاكلة سعد الحريري. وأما الزعيم الحلبي القادم فهو إن لم يكن “إسلاميا” صريحا كأربكان فسيكون على شاكلة أردوغان.

أما المنطقة الساحلية فهي ستتحول إلى دويلة أقليات شبيهة بلبنان، وسيتم على الأرجح طرد معظم الإسلاميين (أي معظم السنة) من تلك المنطقة وإحلال مسيحيين مهاجرين من المناطق الداخلية محلهم، ولا يوجد أي سيناريو أستطيع أن أتخيل فيه سيطرة الإسلاميين السنة على تلك المنطقة في الأمد القصير.

القطيعة بين الساحل والداخل ستدمر اقتصاد حلب ودمشق وستجبر هاتين المنطقتين على الاعتماد التام على تركيا والأردن-السعودية في التجارة، مما يعني ترسيخ التقسيم.

هذا السيناريو واضح للغاية، وللأسف ما يحدث الآن في سورية لا يوحي بأننا سنتجنبه. سورية لديها احتمالان كمنا ذكرنا سابقا، الاحتمال الأول هو الانهيار السريع (وهو مستبعد إن لم يحدث تدخل عسكري خارجي) والاحتمال الثاني والأرجح هو الانهيار البطيء بفعل الضغوطات الاقتصادية. لا يوجد سيناريو وردي في ظل المعطيات الراهنة، وإن كان هناك سيناريو وردي فأتمنى أن يخبرني أحد به.

هل هناك شيء يمكن فعله لتجنب هذا القدر المحتوم؟

القومية العربية قامت على فكرتين أساسيتين هما الوحدة العربية والصراع مع إسرائيل، وبما أن العرب فشلوا في كلا هذين الهدفين فإن الشعور الوطني مات لدى الناس وحلت محله النزعات والعصبيات الضيقة والشعور بحتمية التبعية للغرب.

يكثر الحديث في هذه الأيام عن الحرب مع إسرائيل على أنها الحل الأخير لإنقاذ الدولة السورية. البعض يظنون أن اشتعال الحرب ضد إسرائيل سيشعل المشاعر الوطنية مجددا وسيؤدي لتخفيف الهياج الطائفي الذي نراه حاليا في الشارع السوري. (هذا الأمر حدث سابقا في عام 1973 حيث أن حرب تشرين خففت من الشحن الطائفي ضد حافظ الأسد وحزب البعث في ذلك الوقت).

الحرب مع إسرائيل هي سيف ذو حدين. صحيح أن الحرب ستكون شاملة وستلهب مشاعر الناس وتؤدي لتغييرات ضخمة في المنطقة (الحرب إن وقعت ستطيح باتفاقية كامب دافيد في مصر وتهز العرش الهاشمي الأردني هزة قوية جدا ربما تسقطه، وهي أمور إن حدثت ستكون ضربات قاصمة لأميركا) ولكن يجب أن نتذكر أن الحرب ستؤدي لدمار هائل في سورية ولبنان، وهذا الدمار سيزيد بؤس وشقاء الناس وقد يعطي ردات فعل عكسية.

الحروب مع إسرائيل تشحن الشعور القومي لدى الناس ولكن الدمار الناتج عنها يعطي مفعولا عكسيا، ولبنان هو أبرز مثال على ذلك. الحرب مع إسرائيل إن وقعت ستؤذي أميركا ولكنها لن تنقذ سورية، بل هي ربما حتى تسرع نهايتها. الأميركان والأتراك سيستغلون إحباط الناس في سورية بعد الحرب لزيادة الهياج الطائفي لديهم.

بما أننا لا نستطيع أن نربح الحرب بدون خسائر جسيمة، فالحرب لن يمكنها إنقاذ الدولة السورية. ولكن هل هذا يعني أنه لا يوجد أي خيار آخر؟

هناك خيار آخر ولكنه طي النسيان حاليا. الزهو القومي يأتي كما ذكرنا من مصدرين: الانتصار على إسرائيل أو الوحدة العربية. بما أن الانتصار على إسرائيل غير ممكن حاليا، فلماذا لا يتم إحياء خيار الوحدة مع العراق؟

الوحدة بين سورية والعراق مشروع قديم عانى من إحباطات كثيرة، وهو يعتبر بمثابة خط أحمر وتابو في المنطقة لأنه إن تم فسيقلب كل الموازين. بالنسبة لي فإن إحياء هذا المشروع حاليا يعد بمثابة وصفة سحرية لإنقاذ المشروع القومي العربي.

الوحدة بين سورية والعراق ستنتج زهوا قوميا كبيرا في البلدين المهددين بالتقسيم مما سيؤدي إلى تراجع النزعات الطائفية بشكل كبير، ناهيك عن أن فوائدها الاقتصادية ستكون كبيرة على الجانبين.

الدولة الناتجة ستحتوي أعدادا متماثلة تقريبا من السنة والشيعة، وهذا سيريح الأقليات والعلمانيين ويمنع نشوء نظام ديني متسلط.

نطريا لا يوجد شيء يعوق هذه الوحدة، ولكن عمليا هي للأسف شبه مستحيلة لأنها تمثل تناقضا جيوسياسيا هائلا مع كل المشاريع التي تعمل حاليا في المنطقة. لا أميركا ولا إيران ولا تركيا يمكن أن تسمح بهذه الوحدة، وهذه القوى تستطيع إحباطها بسهولة للأسف.

رغم أن المشروع صعب جدا وشبه مستحيل، إلا أنه في رأيي أجدر بالتجريب من فكرة الحرب الشاملة ضد إسرائيل. إن أحس حزب البعث في سورية بأنه قطع نقطة اللاعودة وأن الدولة على وشك الانهيار فإنه مطالب بطرح الوحدة مع العراق جديا وإلا فإن التاريخ سسيحاسبه على أنه تسبب بتقسيم بلدين عربيين بدلا من أن يوحدهما.

الأكراد في العراق لن يوافقوا على الأرجح على هكذا مشروع لأن أميركا سترفضه، والشيعة سيتوجسون منه بشدة لأن إيران ستخيفهم من خسارة نفوذهم السياسي وعودة حكم البعث، والسنة ربما يرفضونه أيضا لأن السعودية ستحرضهم ضده.

رغم ذلك فإن الأمر يستحق المحاولة والمراهنة على ما تبقى من شعور وطني لدى الشعبين العراقي والسوري، وإن تم طرح موضوع الوحدة الفدرالية في استفتاء شعبي في البلدين فأنا أظن أنه سيمر. السير في طريق الوحدة بين البلدين ونجاحه سينعش المشاعر القومية الميتة لدى الناس وسيكون بمثابة ضربة قاصمة للمشروع الوهابي-الأميركي والمشروع التركي (وأيضا المشروع الإيراني) وسيكون بمثابة انبعاث جديد للمشروع العربي في المنطقة. قد يقول قائل أن هذه أحلام، ولكن حزب البعث مطالب بأن يأخذ المبادرة ويحاول تحقيق هذا الأمر (الذي يدخل في صلب عقيدته) إن تبين له أن الحكم الحالي في سورية غير قابل للاستمرار.

تعليقات
  1. عصام المروح يقول :

    لاشك أخي من أن الوحدة العربية بين سوريا والعراق ستعيد لأزهان معظم الشعبين ( العراقي والسوري ) الصور الخالدة التي كانت .. من رخاء في المعيشة وتنقل حر بين العربيتين وزيادة أواصر المحبة والود بينهما .. هذا من وجهة نظر شعبية ..
    من الناحية السياسية .. لابد وسيكون هنالك إنزلاقات خطيرة .. بين من يحكم من ومن سيترأس من خاصة في هذه الآونة حيث الإنفلاتات الأمنية على أشدها ..
    من الناحية الجغرافية .. هل ستبقى أيادي أميركا وإسرائيل مكتوفة الأيدي ؟؟ خاصة بأنها ستعلم آنذاك بأن من مضار هذه الوحدة هو تجميع شمل العرب .. ولو بالحنين لإنتصارات تشرين .. وقد تكون بداية نهاية دولة إسرائيل وزوال العنصر القوي والفعال بالنسبة للقيادة الأميركية ..
    لآنها وبكل الأوقات تدعم هذا الوتد المغروز في كبد الأمة العربية .. فلسطين
    لكن مهما كانت النتائج السلبية مدمرة على الصعيد المادي لكلاً من سوريا والعراق كما هو على الصعيد الأمني .. بل وربما يودي لحروب لها بداية لكن بلا نهاية ..
    أما على صعيد النتائج الإيجابية .. فبلا شك ستصحوا الشعوب العربية وسيفيق المارد العربي من كبوته ليعيد الأمل بنفسه من جديد بالوصول لأقاصي الدنيا كما وصل إلى الصين

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s