من الواضح أن سورية تسير الآن في منحدر ربما يؤدي إلى نهايتها، ونهاية سورية سيكون معناها نهاية المشروع القومي العربي الذي بدأ في عام 1918 بدولة الملك فيصل في دمشق وانتشر بعد ذلك في مناطق مختلفة من العالم العربي قبل أن يتلاشى ويضمحل تدريجيا تحت وطأة الضربات الأميركية المتتالية التي نجحت فعليا في تدميره. حاليا لم يبق أي شيء من هذا المشروع سوى الدولة السورية التي هي في حالة احتضار.
نهاية الدولة السورية ستؤدي إلى ظهور فراغ جيوسياسي عميق بحاجة إلى من يملأه، والسؤال المهم هو من سيملأ هذا الفراغ؟
هناك ثلاث قوى جيوسياسية رئيسية في المنطقة ستسعي لملأ الفراغ السوري. أول هذه القوى وأقلها حظا هي إيران. إيران حاليا تعتبر الحليف الأقرب إلى سورية لكون مشروعها السياسي هو المشروع الأقرب إلى المشروع القومي العربي الذي تتبناه سورية. بعد انهيار الدولة السورية يصعب علي أن أتصور أن إيران ستحافظ على نفوذها في سورية لأن الرابط الوحيد تقريبا الذي يجمعها بسورية هو توجهها السياسي المتقارب مع التوجه القومي العربي، وسقوط القومية العربية سيكون معناه نهاية الدور الإيراني في سورية.
القوة الثانية التي تسعى بقوة وبشكل محموم لكي تملأ الفراغ السوري هي تركيا. من يراقب سياسة أردوغان ووزير خارجيته يجد أنهما لا يسعيان لتهدئة الأمور في سورية بل هما يسعيان بقوة لتأجيج الاضطراب وإضعاف الدولة السورية. حكام تركيا لديهم مطامع أكبر بكثير من مجرد التعاون والتحالف مع سورية. إنهم يتحدثون علنا وبشكل سافر عن أن الأزمة السورية هي بالنسبة لهم “شأن داخلي.” من الواضح أن الأتراك يطمحون لإلغاء الدولة العربية القومية في سورية وإبدالها بدولة إسلامية خاضعة لنفوذهم، ولهذا السبب هم يضغطون بشكل هائل على النظام السوري لكي يشرك الإخوان المسلمين في العملية السياسية. إن الأتراك يطمحون لإعادة العصر العثماني في سورية وهذا أمر لم يعد مخفيا.
الأتراك نسقوا مع الأميركان في كيفية التعامل مع الأزمة السورية، ورئيس الاستخبارات الأميركية زار تركيا قبيل مؤتمر أنطاليا وتم تنسيق المواقف بين الجانبين. يبدو أن الولايات المتحدة فوضت تركيا لكي تدير الأزمة السورية وتملأ الفراغ الذي سينشأ عن انهيار الدولة السورية المرتقب.
إذن الأتراك يعتقدون أن لديهم تفويضا أمريكيا لإدارة سورية، ولكن هل هذا التفويض معناه أن أميركا تريد حقا تسليم سورية إلى تركيا؟
أنا لا أصدق هذا على الإطلاق. المصلحة الأميركية الاستراتيجية تتعارض كليا مع إعادة إحياء الدولة العثمانية. أميركا تعتمد على تركيا كحل مؤقت ليس إلا. السبب الذي يدفع أميركا للتنسيق مع تركيا حاليا هو تجنب نشوء فوضى في سورية تؤذي المصالح الأميركية (إسرائيل والأردن والسعودية)، ولكن أميركا لا تنوي أبدا ولن تقبل بمد النفوذ التركي في العالم العربي وإحياء الإمبراطورية العثمانية لأن هذا يتناقض جذريا مع المصلحة الأميركية والغربية الاستراتيجية.
المشروع الأميركي الحقيقي هو المشروع الوهابي. الحل الدائم للمنطقة حسب المنظور الأميركي الاستراتيجي هو الفوضى الخلاقة وتقسيم المنطقة إلى دويلات طائفية صغيرة، ولقد قام الأميركان برسم خرائط بالفعل تبين أهدافهم ونشروها قبل بضع سنوات.
الحل النموذجي للمنطقة حسب الفكر الأميركي والفكر الغربي عموما هو التقسيم. عندما جاءت فرنسا إلى سورية في عام 1919 كان من الواضح أن سياسة التقسيم هي السياسة الاستراتيجية المعتمدة لدى الساسة الفرنسيين. ولقد قامت فرنسا بالفعل بتقسيم سورية إلى عدة دويلات، وما أعاد توحيد هذه الدويلات لم يكن النضال القومي ضد الاستعمار كما تقول الثقافة الشعبية السورية وإنما كان الصدفة التاريخية البحتة. إن ما وحد سورية بعد تقسيمها هو نشوء تناقض جيوسياسي بين القوى الاستعمارية (فرنسا وبريطانيا) بعد غزو النازيين لفرنسا. بعد أن احتل النازيون باريس صارت فرنسا في موقع العداء لبريطانيا، ولذلك سعت بريطانيا لإخراج فرنسا من سورية ولبنان وتبنت المشروع القومي العربي كذريعة لتحقيق هذا الهدف. لولا احتلال هتلر لباريس لما كانت سورية توحدت مجددا ولكانت ظلت مقسمة حتى الآن.
هذا الكيان الذي نشأ “بالصدفة” فشل في تثبيت وجوده بشكل حقيقي، ولذلك نجد أنه حاليا في طريقه إلى الزوال. ربما تتمكن تركيا من مد نفوذها على المنطقة السورية في البداية، ولكن الولايات المتحدة وأتباعها (إسرائيل والأردن والسعودية) سيسعون بشكل محموم لخلخلة الدولة السورية-التركية الجديدة وتقسيمها (كما فعلوا بالعراق بعد أن هيمنت عليه القوى الشيعية الصديقة لإيران).
في رأيي أن ما سيحدث في سورية هو سيناريو شبيه جدا بالسيناريو العراقي. بعد سقوط النظام السوري ستقوم حكومة جديدة ذات طابع إسلامي ومدعومة من تركيا، ولكن هذه الحكومة لن يسمح لها أن تسيطر على سورية بشكل حقيقي وستسعى دول الجوار غير التركي إلى خلخلتها وإضعافها بكل ما لديهم من وسائل. على الأغلب أنه ستنشأ في سورية “منطقة خضراء” تقيم فيها الحكومة الجديدة على غرار المنطقة الخضراء التي تقيم فيها الحكومة العراقية، والحكومة السورية الجديدة لن تستطيع بسط سيطرتها خارج نطاق المنطقة الخضراء.
التقسيم هو قدر شبه محتوم لسورية والعراق، وهذا أمر ليس بغريب لأن أميركا والغرب يريدون التقسيم ويسعون لتحقيقه بكل قوة، وطالما أنه لا يوجد أحد يقاوم هذا المشروع بشكل فعلي فإنه سيتحقق. القومية العربية حاولت أن تصنع أمة ولكنها فشلت في ذلك. العرب هم مقسمون فعليا ومن قبل أن تقرر أميركا تقسيمهم (معظم العرب ينظرون إلى أنفسهم كطوائف وقبائل وليس كشعب موحد). المشروع الأميركي لا يقسم العرب بقدر ما أنه يرسخ التقسيم ويحوله إلى واقع جيوسياسي جديد يخدم المصلحة الاستراتيجية الأميركية في السيطرة على العالم.


