الحوار السوري… مع المعارضين أم مع روسيا؟

Posted: يونيو 2, 2011 in سياسة
مؤتمر أنطاليا ومجلس الأمن

فوجئنا في هذا الأسبوع بكم من الخطوات “الانفتاحية” على المعارضة من النظام السوري كإعلان العفو العام وتشكيل لجنة للحوار والإعلان عن قرب تشكيل لجنة لإعداد قانون الأحزاب إلخ.

لماذا جاءت الإصلاحات في هذا الوقت؟

حسب فهمي لخطة النظام السوري في التعامل مع الأحداث فإنني كنت أتوقع أن تأتي هذه الخطوات بعد انتهاء العمليات العسكرية الكبرى كليا، وهذا ما لم يحدث حتى الآن حيث أنه ما تزال هناك عمليات عسكرية كبيرة جارية في محافظة حمص (وهي ربما تكون الأكبر منذ بدء الأحداث). وبالتالي فإن هذه الخطوات الانفتاحية جاءت سابقة لأوانها وكان المفترض أن تأتي في الأسبوع القادم أو الأسبوع التالي له بعد أن تكون العمليات في محافظة حمص قد انتهت كليا.

الكثيرون ربطوا بين هذه الإصلاحات وبين مؤتمر أنطاليا، ولكن اعتقادي الشخصي هو أن هذه الإصلاحات لا علاقة لها بمؤتمر أنطاليا وإنما هي مرتبطة بالمعركة المصيرية الجارية حاليا في مجلس الأمن.

الدول الغربية تسعى جاهدة لاستصدار قرار من مجلس الأمن ضد سورية تمهيدا لإحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية واستصدار عقوبات دولية ضد سورية. جيفري فيلتمان تحدث في لبنان صراحة عن نية أميركا فرض حصار اقتصادي دولي على سورية.

الأوربيون يحاربون منذ أسبوع في مجلس الأمن لتمرير قرار ضد سورية، ولكنهم اصطدموا بجدار روسي-صيني معارض للقرار. الصين تعارض القرار ولكنها لن تستخدم حق الفيتو ضده لأنه ليس من مصلحتها أن تعاكس الإجماع الغربي القوي خاصة وأن المسألة متعلقة “بحقوق الإنسان والديمقراطية” وهي أمور يتهم الغرب الصين بأنها  تنتهكها. أما روسيا فهي من الممكن أن تستخدم الفيتو ولكن هذا سيكون محرجا لها وهي بحاجة لتخفيف الحرج عن نفسها بأن تستمر الصين في معارضة القرار إلى جانبها (وهو ما سعت سورية إلى تأكيده بتكثيف اتصالاتها مع الصين) وأيضا روسيا بحاجة إلى تغطية إعلامية من النظام السوري تثبت أن الموقف الروسي صحيح، ولهذا أنا شخصيا أعتقد أن الإصلاحات التي جرت في هذا الأسبوع هي نتيجة طلب روسي أو “صفقة” جرت بين روسيا وسورية تقضي بأن تجهض روسيا قرار مجلس الأمن مقابل أن تعلن سورية عن الإجراءات الإصلاحية فورا وبدون تأخير. تصريحات وزير الخارجية الروسي الأخيرة تؤكد وجهة نظري حيث من الواضح أنه استند في تصريحاته إلى الإجراءات السورية الأخيرة وهو اعتمد عليها بشكل كبير في بناء موقفه المعارض للموقف الغربي. أيضا تصريحات هيلاري كلينتون العنيفة ضد الرئيس السوري بالأمس تبين أن أميركا غير راضية عن سير الأمور في مجلس الأمن وأن الإجراءات السورية كانت مزعجة بالنسبة لأميركا لأن روسيا استندت إليها في تعطيل قرار مجلس الأمن.

هذا في تقديري هو سبب الانفتاح السوري المفاجئ على المعارضين. مؤتمر أنطاليا هو مجرد حدث إعلامي لن يقدم أو يؤخر، ولكن قرارا من مجلس الأمن هو أمر خطير وسيفتح أبوابا للعقوبات والتدخلات الغربية ضد سورية. معركة مجلس الأمن ستحسم في الأسبوع القادم، وحتى ذلك الوقت فإن سورية ستستمر في إجراءاتها الانفتاحية والخطوة التالية المتوقعة هي الإعلان عن إنشاء لجنة لوضع قانون للأحزاب. الإصلاحات السورية التي تجري حاليا كانت كلها مبرمجة سلفا ولكن النظام كان يؤخرها إلى حين انتهاء العمليات العسكرية وسحب الجيش من الشوارع كليا. إن إقدام النظام على استعجال الإصلاحات في هذا الأسبوع وعدم الانتظار للأسبوع القادم أو الذي بعده هو خطوة حصيفة من النظام أربكت الحسابات الأميركية في مجلس الأمن وأعطت روسيا والصين قوة دافعة للثبات على موقفيهما. الغرب أراد من طرح القرار في مجلس الأمن في هذا الوقت بالذات استباق انتصار الجيش السوري على المتمردين وإعلان الإصلاحات، ولكن الأسد (بالتعاون مع روسيا ربما) نجح في إفشال هذا المخطط حيث أنه فاجئ أميركا بالبدء في إصلاحاته في هذا الوقت وأربك حساباتها التي كانت لا تتوقع الإصلاحات قبل الأسبوع القادم أو الذي بعده.

نفس الموقف يجري في وكالة الطاقة الذرية. الغرب كان يريد إحالة “ملف سورية النووي” إلى مجلس الأمن في الأسبوع القادم، ولكن سورية فاجئت الغرب في الأسبوع الماضي بأن أرسلت رسالة إلى وكالة الطاقة الذرية تعلن فيها رغبتها في التعاون الكامل مع الوكالة. هذه الرسالة أربكت حسابات الغرب حيث أنها جاءت في الوقت الحرج قبل فترة قصيرة من التصويت في الوكالة على إحالة الملف السوري إلى مجلس الأمن، وبالتالي فإن نتيجة التصويت لم تعد مضمونة للغربيين. الغربيون ما زالوا مصرين على إحالة الملف السوري إلى مجلس الأمن ويقولون أن الرسالة جاءت في الوقت الضائع، ولكن الدول غير الغربية سيكون لها موقف مختلف على الأرجح لأن حساباتها السياسية تختلف عن حسابات الغربيين.

رغم أن سورية نجحت في إرباك الخطط الغربية في مجلس الأمن وفي وكالة الطاقة الذرية إلا أن هذا لا يعني أن المعركة قد حسمت. المعركة ما زالت جارية ولا شيء قد حسم بعد. هناك احتمال لأن تنجح الدول الغربية في تمرير قرارات من مجلس الأمن ضد سورية بالفعل (واحد متعلق بانتهاك حقوق الإنسان والآخر متعلق بعدم التعاون مع وكالة الطاقة الذرية). نتيجة الصراع ستظهر في الأسبوع المقبل.

اجتياز سورية لامتحان مجلس الأمن لن يعني أن كل شيء انتهى. الدول الغربية ما زالت مستنفرة ضد سورية والصراع سيتسمر لفترة طويلة ولن يكون صراعا سهلا.

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s