الخطوة الأولى في الإصلاح السياسي هي أن يقتنع حزب البعث بأنه… سيخسر

Posted: مايو 31, 2011 in قانون, سياسة
هل سنرى حزب البعث… في المعارضة؟

وأخيرا تحدث النظام السوري عن خطته للإصلاح السياسي، واختار النظام أن يأتي الحديث في هذا الموضوع على لسان الأمين القطري المساعد لحزب البعث محمد سعيد بخيتان، وهي خطوة قد تكون ذات دلالات إيجابية.

في الفترة الماضية كانت هناك الكثير من التسريبات الصحفية والإشاعات حول الإصلاح السياسي المرتقب، وكان بعض هذه التسريات سلبيا ويوحي بأن النظام لن يسمح بوجود منافسة حزبية حقيقية. ولكن تصريحات السيد بخيتان اليوم أظهرت عدم صحة هذه التسريبات وأن حزب البعث يتجه –لأول مرة منذ عقود- للقبول بمبدأ المنافسة الحزبية وتداول السلطة والتخلي عن مبدأ الاستئثار والاستفراد.

صحيح أن وسائل الإعلام صورت تصريحات بخيتان بمظهر سلبي، ولكنها في الواقع لم تكن كذلك بل كانت تصريحات إيجابية.

أهم ما ورد في كلام بخيتان هو قبوله بمبدأ المنافسة الحزبية وتداول السلطة حينما قال:

http://www.alwatan.sy/dindex.php?idn=102247

هناك صندوق اقتراع وعندما يفوز الآخرون بالأكثرية يشكلون الحكومة ونكون نحن في الطرف الآخر وهذا هو تداول السلطة.

هذا الكلام من بخيتان مهم للغاية وهو يبشر بنية في إصلاح حقيقي. أما بالنسبة للمادة الثامنة من الدستور فكان تعليق بخيتان حولها هو:

إلغاء هذه المادة ليس مطلبا كبيرا، وقلنا للمعارضين إن هناك صندوق اقتراع وإذا وصلتم للحكم وأصبحنا نحن في المعارضة فألغوا المادة، ولكن اليوم هناك أولويات أخرى غير إلغاء هذه المادة… تعديل مواد الدستور يحتاج اقتراحاً من ثلثي أعضاء مجلس الشعب ثم يعرض التعديل على الاستفتاء العام في سورية… بعد انتخابات مجلس الشعب المقبلة يحق للمجلس (الجديد) النظر في الاقتراح بموافقة ثلثي أعضائه.

هذا الكلام هو كلام إيجابي بخلاف ما صورته وسائل الإعلام (وخاصة المغرضة منها كقناة الجزيرة التي حرفت مقال جريدة الوطن بشكل سافر). السيد بخيتان يقول أن إلغاء هذه المادة ليس بالأمر الكبير (أي أنه ليس بالأمر المهم) حاليا طالما أن حزب البعث قد وافق على مبدأ تداول السلطة وفتح الباب للأحزاب الأخرى لكي تستلم الحكم، وهو يقول أن المعارضة بإمكانها أن تغير هذه المادة إن نجحت بالفوز بأغلبية المجلس النيابي. أي أنه لا يقفل الباب أمام تعديل هذه المادة بل على العكس هو يفتح الباب لذلك (وهو أمر يحصل لأول مرة) ولكنه يقول أن حزب البعث لا يريد أن يعدل هو المادة.

على ما يبدو أن النظام السوري لا يريد فتح باب التعديلات الدستورية في هذه المرحلة نظرا لأن هذا موضوع كبير والساحة السورية لا تحتمله. النظام يفضل البدأ بخطوات تدريجية كالانتخابات البلدية والتشريعية وبعد ذلك ربما يتم البحث في الأمور الأكبر كتعديل الدستور وآلية انتخاب رئيس الجمهورية.

هذا الكلام كله هو تطور واضح في السياسة السورية. إن قبول حزب البعث بمبدأ تداول السلطة واحتمال أن يكون حزب البعث في المعارضة هو أمر إيجابي. ولكن طبعا يبقى كل هذا الكلام في الإطار النظري. ما يحتاجه السوريون في هذه المرحلة هو ضمانات عملية حول نزاهة الانتخابات المقبلة.

الحكومة السورية أعدت قانونا جديدا للانتخابات وطرحته للنقاش، وهو أمر جيد، ولكن ما الذي يضمن للسوريين أن الانتخابات القادمة لن تجري على طريقة الانتخابات السابقة؟ في الانتخابات السابقة كانت الدولة تفرض على المواطنين نوابا من منتسبي أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، وكانت هذه الجبهة تنال غالبية مقاعد المجلس بشكل أوتوماتيكي. صحيح أن الدولة ستفتح الآن باب المنافسة الحزبية كما تقول، ولكن ما الذي يضمن لنا أن الدولة لن تنحاز لصالح مرشحي حزب البعث أو لصالح مرشحي الجبهة الوطنية التقدمية في حال استمرار هذه الجبهة؟

إن إجراء انتخابات تشريعية نزيهة في سورية هو محل شك لدى معظم السوريين. نحن بحاجة لضمانات حول نزاهة الانتخابات المقبلة، وأول هذه الضمانات يجب أن يكون السماح لمراقبين دوليين بمراقبة الانتخابات. يجب أيضا على الدولة أن تفتح المناخ الإعلامي للمعارضة. لا يمكن أن تكون الانتخابات نزيهة إذا لم يفتح المجال للمعارضة لانتقاد حزب البعث بحرية.

لإجراء انتخابات صحيحة ونزيهة في سورية يجب توفر هذين الشرطين (الرقابة الدولية والحرية الإعلامية)؛ وطبعا يجب أيضا إصدار قانون الأحزاب. هل ما زال هناك وقت لإصدار قانون الأحزاب وفتح المناخ الإعلامي قبل موعد الانتخابات؟ في رأيي أن هذا شبه مستحيل، خاصة وأن التمرد العرعوري ما زال مستمرا في سورية. من المستحيل الشروع في عملية سياسية جديدة طالما أن هناك فريقا من المواطنين يرفضها ويطالب باجتثاث الدولة من جذورها. إن شروع الدولة في منح حرية التعبير والعمل السياسي في هذه المرحلة سيقوي التمرد ويضعف الدولة، ولذلك أنا لا أظن أن الانتخابات القادمة ستكون نزيهة بل هي ستكون تكرارا للانتخابات السابقة مع بعض التغييرات الديكورية؛ اللهم إلا إذا تمكنت الدولة من احتواء التمرد وإجراء الإصلاحات بسرعة قياسية.

الأهم من كل شيء يبقى وجود النية الجدية لدى النظام في الإصلاح. لكي يجري النظام السوري انتخابات نزيهة عليه أن يقبل فكرة أن حزب البعث سيخسر الانتخابات. حزب البعث يحكم سورية بشكل متواصل منذ نصف قرن، ومن المستبعد أن يفوز حزب البعث بأي انتخابات نيابية نزيهة في سورية بل على العكس هو سيمنى بهزيمة كاسحة. الناس في سورية تتوق للتغيير بشدة، واحتفاظ حزب البعث بغالبية البرلمان هو أمر مستحيل إذا كانت الانتخابات نزيهة. هل حزب البعث مستعد لتقبل فكرة أنه سيخسر الانتخابات؟

كلام السيد بخيتان عن وصول المعارضة للسلطة وتحول حزب البعث إلى معارضة ربما يكون مؤشرا إيجابيا في هذا الاتجاه (وربما أيضا يكون العكس). أيضا، إن توكيل السيد بخيتان بالحديث في هذا الموضوع بدلا من الرئيس بشار الأسد ربما يكون مؤشرا إيجابيا. في حال كانت لدى النظام النية في إجراء انتخابات نزيهة فإن من مصلحة النظام أن يكون هناك تمايز وفصل بين موقع الرئيس الأسد وبين حزب البعث، وذلك لكي لا تحسب هزيمة حزب البعث هزيمة للرئيس الأسد. إن نأي الرئيس الأسد بنفسه عن حزب البعث في فترة الانتخابات هو مؤشر إيجابي وربما يدل على نية النظام في إجراء انتخابات نزيهة (وربما يكون لأسباب أخرى معاكسة).

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s