الأزمة في سورية وراءنا… أم أمامنا؟

Posted: مايو 29, 2011 in اقتصاد, سياسة
الاقتصاد السوري نحو الانهيار

نطالع في الإعلام السوري باستمرار مقولة أن “الأزمة صارت وراءنا”. هذه المقولة مبنية على ما يبدو على النجاحات التي حققتها الأجهزة الأمنية في الأسابيع الماضية ضد المسلحين المتمردين في عدة مناطق.

المتمردون في سورية كانوا يحاولون منذ الأسابيع الأولى تكرار النموذج الليبي في سورية. في الأسبوع الأول من الأزمة قام الرئيس الأسد بتلبية جميع مطالب وجهاء درعا بما في ذلك سحب الأجهزة الأمنية من المدينة وتغيير عدد من القوانين وتغيير عدد من المسؤولين البارزين في درعا، بل وقام الرئيس الأسد حتى برفع حالة الطوارئ في البلاد، وهو المطلب المزمن الذي لم يكن أحد يتوقع الاستجابة له بهذه السرعة وهذه الكيفية. هذه الاستجابة السريعة والمفاجئة للرئيس الأسد تم تفسيرها لدى المتمردين على نحو خاطئ، فكان ردهم هو التصعيد والمطالبة “بإسقاط النظام” مع رفع العلم السوري الذي يعود إلى ما قبل آذار 1963 في استلهام واضح للتجربة الليبية. وعلى قناة بردى تم إعلان درعا مدينة “محررة” من النظام السوري، وعلى قناة الجزيرة بدأت استقالات المسؤوليين الدرعاويين بالتتابع، وبدأ المتمردون في درعا في التسلح وتنظيم أنفسهم للقتال وبناء التحصينات والمشافي الميدانية استعداد للمواجهة مع الجيش السوري المحتشد حول المدينة.

هذه الظواهر “الليبية” لدى المتمردين والمصحوبة بتحركات إقليمية ودولية مريبة هي ما دفع النظام السوري إلى اتخاذ قرار الحسم العسكري في محاولة لإجهاض السيناريو الليبي في مهده وقبل أن يتطور.

الدولة السورية نجحت في إجهاض السيناريو الليبي كليا في سورية، وهو ما دفع الغربيين للتصعيد وفرض العقوبات. المتمردون ومن يقف وراءهم كانوا يبنون الكثير من الأوهام على القضية الطائفية في الجيش السوري والدولة السورية. هناك أفكار نمطية راسخة للغاية لدى الغربيين ولدى الإسلاميين السوريين حول الموضوع الطائفي في سورية، وهذه الأفكار النمطية (البلهاء) كانت في أساس مخططاتهم، ولهذا انتهت مخططاتهم للفشل الذريع، حيث أن رهانهم على انقسام الجيش وتفتت الدولة لم يتحقق، مما جعل المتمردين في مأزق حرج ووضع لا يحسدون عليه في مواجهة الجيش السوري والأجهزة الأمنية.

السيناريو الليبي صار وراءنا، وما يجري في سورية حاليا هو سيناريو “إيراني” شبيه “بالثورة الإيرانية الخضراء،” وهذا هو ما يقصده الإعلام السوري على ما يبدو حينما يتحدث عن أن الأزمة صارت وراءنا.

هل يمكن لثورة على نمط الثورة الإيرانية الخضراء أن تسقط النظام السوري؟ الجواب هو لا. النظام السوري نجح في إنهاء كل البؤر “الليبية” في سورية (درعا، بانياس، تل كلخ، إلخ)، وما بقي الآن هو مجرد تجمعات بشرية محدودة تخرج في أوقات وأماكن متفرقة، وهكذا تجمعات أو تظاهرات لا تقوى على “تحرير” شارع واحد في سورية ناهيك عن أن تحرر بلدات ومدن.

النظام السوري يحارب الآن هذه التجمعات المتفرقة بهدوء وبالاستعانة بالخبرة الإيرانية كما تذكر الصحف الأميركية، وبما أن الإيرانيين لديهم تاريخ ناجح في قمع هكذا تحركات فيمكننا أن نفترض أن النظام السوري سينجح في النهاية في قمعها أيضا. عاصم قانصوه قال لجريدة الأنباء الكويتية بالأمس أن الأحداث في سورية ستنتهي كليا خلال أسبوعين كحد أقصى.

إذن يمكننا أن نقول أن الأحداث الأمنية في سورية قد أصبحت بالفعل وراءنا، أو على الأقل الجزء الخطير منها. ولكن هل الأحداث الأمنية هي “الأزمة” التي تواجهها سورية حاليا؟

الأزمة أكبر من ذلك بكثير. هناك جانبان دبلوماسي واقتصادي للأزمة، والجانب الاقتصادي بالذات لا يقل خطورة عن الجانب الأمني بل وربما يفوقه.

الغربيون استنفذوا كليا الخيارات الدبلوماسية مع النظام السوري بإصدارهم العقوبات ضد الرئيس الأسد. حاليا لم يعد للغربيين شيء يفعلوه سوى مطالبة الرئيس بالأسد بالرحيل، وهي مجرد خطوة إعلامية لن تقدم أو تؤخر. السبب الوحيد الذي منع الغربيين من مطالبة الرئيس الأسد بالرحيل هو إدراكهم بأن التمرد فشل في الداخل السوري وبأن حكم الرئيس السوري ليس مهددا في الوقت الراهن، وبالتالي فلا حكمة من قطع خط الرجعة معه.

الغربيون يحاولون جاهدين استصدار قرار من مجلس الأمن ضد سورية تمهيدا لتحويل القضية السورية للمحكمة الجنائية الدولية، ولكن هذه القرار لن يمر قريبا على ما يبدو بسبب الموقف الروسي. من الملفت الحملة المكثفة التي شنتها قناتا الجزيرة والعربية بالتنسيق مع “المعارضة السورية” في الأيام الأخيرة في محاولة واضحة للتأثير على مداولات مجلس الأمن.

أما المحكمة الدولية في قضية الحريري، والتي تمت إعادة تحويل وجهتها مؤخرا لتستهدف النظام السوري من جديد، فهي ستواجه عقبات كثيرة ليس أقلها غياب حكومة في لبنان قادرة أو تقبل التعاطي معها. وهناك أيضا شك كبير حول ما إذا كانت روسيا ستقبل التمديد لهذه المحكمة التي ينتهي تفويضها الحالي في آذار القادم.

الملف النووي السوري متهافت جدا وسيكون من الصعب على الدول الغربية إيصاله إلى مجلس الأمن لأسباب عدة تتعلق بعمل وكالة الطاقة الذرية والملف النووي الإيراني الذي ما زال عالقا. وحتى لو وصل هذا الملف إلى مجلس الأمن فإنه سيواجه عقبة روسيا التي لن تقبل تمرير قرار ضد سورية بناء على ملف متهافت.

في المحصلة لا يوجد خطر دبلوماسي مصيري يتهدد سورية حاليا؛ ولكن هذا الوضع يمكن أن يتغير إذا استمرت الأحداث الأمنية في سورية لفترة طويلة وفشلت الدولة في قمعها أو تنظيمها ضمن إطار قانون التظاهر.

الخطر الحقيقي الذي يتهدد سورية الآن هو الخطر الاقتصادي، وهذا هو ما يراهن عليه منظموا التمرد في هذه المرحلة بعد أن فشلت الخيارات الأخرى. نظرية المتمردين هي أن تدهور الوضع الاقتصادي في سورية سوف يؤدي إلى تلاشي دعم التجار ورجال الأعمال للنظام، كما أنه سوف يؤدي إلى تحلل مؤسسات الدولة وتلاشيها على نحو شبيه بالنمط الصومالي.

الخطر الاقتصادي هو خطر حقيقي وهو ربما يقود بالفعل لانهيار الدولة السورية. الفترة الماضية شهدت ضربات وخسائر كارثية للاقتصاد السوري الذي هو أصلا اقتصاد ضعيف وهش. النمو الذي كان متوقعا للاقتصاد السوري في هذا العام حسب صندوق النقد الدولي هو 5.5% (وهو رقم ممتاز)، ولكن صندوق النقد الدولي خفض توقعاته بعد اندلاع الأزمة إلى 3.5%، وهناك تقارير من مصادر أخرى تتحدث عن نمو أقل من ذلك بكثير وربما حتى انكماش.

ضياع النمو في هذا العام معناه ضياع الكثير من الوظائف الجديدة التي تحتاجها سورية حاجة ماسة. الاقتصاد السوري مقبل قريبا على زيادة كبيرة في العمالة المعروضة بسبب دخول موجة كبيرة من الشباب إلى سوق العمل، وهذا الأمر سيكون معناه ارتفاعا كبيرا في نسبة البطالة، مما يعني أن احتمال اندلاع ثورة (حقيقية هذه المرة) في السنوات القادمة هو احتمال كبير.

سورية بحاجة ماسة لزيادة النمو لتوفير أكبر قدر ممكن من فرص العمل. الحكومة السابقة بقيادة عبد الله الدردري نجحت في زيادة النمو بصورة واضحة، ولكن الحظ خانها بسبب الجفاف وانهيار القطاع الزراعي بالإضافة إلى عوامل قدرية أخرى أضاعت أثر النمو الاقتصادي فلم يحس به الناس. رغم ذلك فإن الحكومة السابقة قامت بإصلاح هامة ونجحت في بناء أسس لاقتصاد جديد قادر على استقطاب المزيد من الاستثمارات الخارجية وزيادة النمو وفرص العمل.

الخطة الخمسية التي وضعها الأستاذ عبد الله الدردري كانت ترتكز على استقطاب 10 مليارات دولار من الاستثمارات الخارجية المباشرة في هذا العام، وهو رقم طموح جدا كان الدردري سيعتمد لتحقيقه على استقطاب الاستثمارات الغربية. أيضا كانت الخطة تعتمد على الزيادة الكبيرة المتوقعة في عائدات السياحة.

الأحداث التي وقعت مؤخرا قضت على هذه الخطة ودمرتها من أساساتها. ما حدث مؤخرا قضى على القطاع السياحي في سورية وحرم البلاد من عائداته الهامة جدا. بالإضافة إلى ذلك فإن حملة التشويه الهائلة التي طالت سورية في الإعلام الغربي ستترك أثرها على السياحة الغربية إلى سورية والذي لن يمحى قبل مرور فترة طويلة (إن محي)، ومن المؤكد أن الخطط التي وضعها الدردري لجذب المزيد من الاستثمارات الغربية صارت في مهب الريح بعد كل هذا التشويه وبعد كل هذه العقوبات التي فرضت على سورية.

المستثمرون يهربون من الاضطرابات السياسية، ومن الدول التي عليها عقوبات، ومن الدول التي لا تسير في اتجاه الإصلاح الاقتصادي. من أخطر الضربات التي تلقاها الاقتصاد السوري مؤخرا (في الواقع هي أخطر الضربات على الإطلاق) أن الحكومة السورية تراجعت عن تهج الإصلاح وتخلت عن الدردري وخططه. الحكومة السورية قررت مؤخرا مجموعة من الإجراءات السلبية التي ستؤدي إلى هدر كبير في مالية الدولة. من هذه الإجراءات الزيادات الكبيرة في الرواتب والمنح، زيادة أعداد موظفي القطاع العام، تخفيض سعر المازوت، وتخفيض الكثير من الرسوم والضرائب الحكومية. هذه الإجراءات وأمثالها هي إجراءات مناقضة كليا للإصلاح الاقتصادي وهي ستؤدي إلى مفاقمة عجز الميزانية الذي يبدو أن الدولة ستلجأ لتمويله بالدين كما قال الرئيس الأسد. تقاقم العجز المالي للدولة وزيادة الدين هي أمور طاردة للمستثمرين، كما أن إهدار المال العام بهذا الشكل سيعيق خطط الدولة للاستثمار في البنية التحتية وقطاع التعليم، مما يعني مزيدا من تخلف بيئة الاستثمار ومزيدا من طرد المستثمرين، والأخطر من كل شيء هو أن نكوص الدولة عن الإصلاح الاقتصادي واتخاذ إجراءات سلبية مناقضة للإصلاح سيضرب مصداقية الدولة في مجال الإصلاح أمام العالم الخارجي (والداخلي) ولن يثق بها أي مستثمر بعد الآن. (عموما هذه الإجراءات يمكن تفهمها إذا كانت مؤقتة ولظروف طارئة، ولكني لا أفهم لماذا يصر مسؤولوا ووزراء الحكومة على الترويج لهذه الإجراءات ومدحها وكأنها إصلاحات عظيمة بدلا من أن يوضحوا للناس أنها مؤقتة ولا تمثل تراجعا عن نهج الإصلاح الاقتصادي! إنهم على ما يبدو يسعون عمدا لتدمير سمعة الاقتصاد السوري.)

بالنسبة للعقوبات الاقتصادية، فالأوروبيون قد فرضوا بالفعل عقوبات اقتصادية مؤثرة على سورية في مجال الاستثمار وبرامج الدعم والتنمية. هذه العقوبات ستوثر على قطاع البنية التحتية في سورية بشكل كبير (على سبيل المثال، تم مؤخرا إلغاء خطط شركات أوروبية لبناء محطتي توليد كهرباء في سورية). هذه ضربات موجعة لسورية التي هي في حاجة ماسة لاستثمارات في مجال البنية التحتية. هذه العقوبات اللئيمة هي أول الغيث فقط وهناك خطط لمزيد من التصعيد قد يصل إلى حد الحظر التجاري كما ألمح كل من جيفري فيلتمان والوزير المعلم في مقابلته مع التلفزيون السوري. بخلاف العقوبات الأميركية فإن العقوبات الاقتصادية الأوروبية مهما كان نوعها هي مؤثرة جدا على الاقتصاد السوري وهي ربما تكون من الأسباب المعجلة بانهياره وانهيار الدولة السورية.

إذن الاقتصاد السوري هو على محك حقيقي، وما يقال عن دعم إيراني لن يجدي شيئا. إيران في هذه الفترة تعاني من عقوبات خانقة ولن تستطيع تقديم دعم مجد لسورية.

كيف يمكن للدولة السورية أن تتجاوز المأزق الاقتصادي؟ في الحقيقة لا يوجد أي حل ظاهر بالنسبة لي. ما حدث في الفترة السابقة هو عملية “شيطنة” لسورية شبيهة بما حدث مع كورية الشمالية والعراق في عهد صدام، ومن الصعب على الدولة السورية أن تخرج من هذه الحالة مستقبلا إلا بشروط قاسية جدا وشبه مستحيلة. المطلوب من سورية هو توقيع اتفاقية سلام مذلة مع إسرائيل أسوأ من اتفاقية كامب دافيد التي وقعها السادات في السبعينات. أميركا تريد أن تعيد لسورية الجولان بدون شاطئ بحيرة طبرية ومع شروط قاسية جدا تنتقص من سيادة سورية على الجولان بشكل كبير (كمنع الجيش السوري من التواجد في الجولان، والسماح للإسرائيليين بدخولها بدون فيزا، وإنشاء قواعد إنذار مبكر أميركية في الجولان، وربما أيضا شروط أخرى كشرط الانسحاب على مراحل يفصل بينها عشرات السنين، وشرط إبقاء بعض المستوطنات الإسرائيلية في الجولان تحت مسمى “حدائق السلام الدولية”، وغير ذلك من الشروط المذلة). أيضا أميركا تريد أن تفرض على سورية تحالفات واصطفافات إقليمية مذلة تؤدي إلى تجريدها من نفوذها ودورها الإقليمي وتحويلها إلى مجرد تابع يدور في فلك أميركا كما كان حال مصر في عهد مبارك.

إن لم تلتزم سورية بهذه الشروط الأميركية فأنا لا أظن أنه سيكون هناك مخرج لها من العزلة الخانقة التي ستفرض عليها غربيا (وربما عربيا). وأما ما يحكى عن إصلاحات داخلية مطلوبة من الرئيس الأسد فهذه مسخرة. العزلة والحصار لن ترفع عن سورية مهما أصلح الرئيس الأسد. الإصلاحات الوحيدة التي ستقنع الغرب هي الإصلاحات التي ستؤدي لقبول سورية بالشروط سابقة الذكر (أي الإصلاحات التي ستؤدي إلى سقوط نظام الرئيس الأسد ومجيء نظام آخر يقبل بهذه الشروط. الغرب الآن يحضر بديلا للنظام السوري في مؤتمر أنطاليا في تركيا، وغني عن الذكر أن هذا البديل جاهز لقبول الشروط الأميركية وهو قدم التعهدات بذلك.)

ما هو مدى قدرة سورية على احتمال العزلة الاقتصادية الغربية؟ سؤال صعب وجوابه يعتمد على عوامل عديدة، ولكن العزلة إن استمرت بشكل خانق فإن سورية على الأرجح ستنزلق إلى وضع مأساوي في وقت قصير جدا.

كيف سيتصرف النظام السوري للخروج من العزلة؟ النظام السوري لديه تجربة سابقة في الخروج من العزلة في عام 2008، ولا أعلم إن كان تكرار هذه التجربة ممكنا أم لا. إذا وصل النظام السوري إلى طريق مسدود في أزمته الاقتصادية فإنه سيتجه إلى الحرب مع إسرائيل كخيار أخير، وإرهاصات هذا التوجه بادية منذ الآن. هل إسرائيل والولايات المتحدة جاهزتان لحرب إقليمية مع سورية وحزب الله وربما إيران؟ لا أعلم…

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s