هل يمكن أن تستقر سورية قبل حسم صراع المحاور في المنطقة؟

Posted: مايو 25, 2011 in مجتمع, تاريخ, سياسة
حرق علم حزب الله في حمص

إن ما يحدث في سورية حاليا هو في حقيقته لا يعدو كونه جولة جديدة من جولات الصراع بين المحور الأميركي ومحور الممانعة، ولكن هذه المرة على الأرض السورية. ليس هناك شك بأن لأحداث البحرين وسقوط مبارك دورا كبيرا في إشعال هذه الحرب في سورية، فالسعودية أرادت الانتقام لهزيمتها في مصر وتخفيف الضغط عن النظام الموالي لها في البحرين بأن فتحت جبهة جديدة في سورية بهدف استنزاف النظام السوري الذي هو حسب الأدبيات السعودية-الأميركية-الإسرائيلية حجر الرحى في المحور الإيراني في المنطقة.

إن تفجر الصراع بين المحور الأميركي ومحور الممانعة على الأرض السورية رغما عن إرادة الدولة السورية هو مؤشر خطير ويدل على أن سورية قد عادت مجددا لتكون ساحة لتصفية الحسابات والصراعات الإقليمية بعد أن كانت قد تجاوزت هذه المرحلة منذ عام 1982. إن ما تعيشه سورية حاليا هو شبيه بما يجري في لبنان، فكلا البلدين معلقان في الفراغ ويتعرضان للاستنزاف الاقتصادي والسياسي إلى حين حسم الصراع الإقليمي الجاري على أراضيهما.

لماذا وصلت سورية إلى هذه الحالة المأساوية التي صار فيها وضعنا أسوأ من وضع جارنا لبنان الذي كان دائما الساحة العربية الأضعف وكانت الصراعات الإقليمية تتفجر فيه قبل غيره؟ على الأقل لبنان ليس فيه صراع دموي حاليا بخلاف سورية.

ما يفتح المجال لتفجر الصراعات الإقليمية على أرضنا هو غياب الحس الوطني وتقديم العصبيات الطائفية والإثنية والمناطقية على المصلحة الوطنية. في فترة الأربعينات (الفترة التي يسميها سنة سورية بالفترة الديمقراطية، وهي لم يكن لها علاقة بالديمقراطية) كانت البلاد ممزقة وملعبا لقوى خارجية عديدة متصارعة (كما هو الحال في لبنان حتى الآن). في تلك الفترة كان الحلبيون محسوبين على العرش الهاشمي في العراق، وكان الدمشقيون محسوبين على المملكة السعودية ومصر، وكان العلويون محسوبين على فرنسا، والدروز على بريطانيا إلخ.. كانت كل طائفة أو منطقة أو جماعة تبحث لها عن حليف خارجي يساعدها ضد المجموعات الأخرى، وكانت القوى الخارجية تستغل هذا التشرذم لتحقيق مصالحها التي كثيرا ما كانت مناقضة للمصلحة السورية (على سبيل المثال، تدخلت السعودية ومصر في الأربعينات مرارا لمنع قيام الوحدة بين سورية والعراق، وهو ما دفع كلا البلدين ثمنه لاحقا وأدى إلى إجهاض فكرة الوحدة العربية. أيضا تدخلت الولايات المتحدة في عام 1949 ودعمت انقلاب حسني الزعيم ضد الحكم “الدستوري” الذي كان قائما حينها وذلك لتمرير مشروع خط التابلاين وتمرير اتفاقية وقف إطلاق النار بين سورية وإسرائيل).

بسبب هذا التشرذم وانعدام الحس الوطني في المجتمع السوري كانت سورية بعد الاستقلال تعيش في دوامة متواصلة من الانقلابات وعدم الاستقرار السياسي الذي أعاق تطور البلد سياسيا واقتصاديا وأدى إلى كوارث استراتيجية (كفشل الوحدة مع العراق في الأربعينات وفشل الوحدة مع مصر في الستينات وهزيمة 1967 وغيرها من الكوارث والمصائب التي ما زلنا ندفع أثمانها حتى الآن). كان الكثير من المراقبين الخارجيين في الخمسينات والستينات يتوقعون انحلال الكيان السوري في يوم من الأيام لكونه كيانا غير مستقر ولا يقوم على أسس وطنية ثابتة، ووصل الأمر في فترة من الفترات إلى أن قام السفير الأميركي في دمشق بإطلاق تصريحات علنية يتنبأ فيها بتفكك سورية قريبا وتقسيمها إلى دويلات، وكان ذلك في الستينات في خضم الصراعات الداخلية والخارجية الطاحنة التي كانت تعيشها سورية.

كان ذروة الاقتتال والتفكك الداخلي في سورية في أوائل الثمانينات من القرن الماضي، حيث بلغ الصراع بين جماعة الإخوان المسلمين وبين حزب البعث في تلك الفترة حدا دمويا خطيرا أنذر بدخول البلاد في حرب أهلية شاملة (وهو ما كانت تسعى له القوى الخارجية التي كانت تدعم الإخوان)، ولكن حافظ الأسد نجح (بالاستخدام المفرط للقوة) في حسم الصراع وإنهاء الحرب الأهلية في بدايتها وقبل أن تكبر وتتمدد. وهكذا نجت البلاد من التفكك ودخلت في فترة مديدة من الاستقرار، وإن كان ذلك على حساب تطور النظام السياسي والاقتصادي في البلاد بسبب حالة الركود والجمود الطويلة التي تلت زوال الصراع السياسي.

تهدف عقيدة حزب البعث إلى بناء نظام سياسي وطني خال من تأثير النزعات الطائفية والإثنية والمناطقية، فهل نجح الحزب في هذا الأمر؟

لا شك أن حزب البعث أحدث تغييرا في المناخ السياسي السوري. في ظل حزب البعث لم يعد السوريون يسمعون المصطلحات الطائفية في الخطاب السياسي، وهو تطور هام. آخر من كان يستخدم اللغة الطائفية في الخطاب السياسي هو جماعة الإخوان المسلمين التي كانت تنادي بإسقاط النظام الطائفي النصيري الباطني الكافر إلخ. ولكن بعد إزالة جماعة الإخوان من سورية فإن الخطاب الطائفي العلني اختفى من البلاد وانحصر الخطاب الطائفي في بعض الأوساط الإسلامية التي ما زالت تتداوله بشكل سري. (أما في خارج البلاد فما زال المنفيون السياسيون السوريون محتفظين بخطابهم الطائفي القديم كما هو، والمؤسف أن هؤلاء بدؤوا ببث خطابهم الطائفي نحو الداخل السوري مجددا عبر القنوات الفضائية كقناة بردى (الممولة من الحكومة الأميركية) وقناة وصال الوهابية وغيرها.)

الطائفية خفتت بشكل ملحوظ في ظل نظام البعث، ولكنها لم تختف من المجتمع. ما فعله نظام البعث هو أنه أزال مصادر التحريض الطائفي، ولكنه فشل في بناء ثقافة مواطنة قوية. بناء ثقافة المواطنة هو مسألة صعبة وتتطلب قبل كل شيء نظاما تعليميا قويا يزرع في الطلاب التفكير العلمي التحليلي، أما النظام التعليمي السوري فهو نظام دوغمائي إلى حد كبير ويزرع في الطلاب روح التعصب الأعمى التي تتناقض جذريا مع ثقافة المواطنة. أيضا من المشاكل التي أعاقت بناء ثقافة المواطنة في سورية ضعف ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة التي يتفشى فيها الفساد والمحسوبية.

إذن نظام البعث حقق تقدما متواضعا في مجال مكافحة الطائفية، ولكنه ما زال بعيدا عن بناء ثقافة المواطنة الحقيقية. لقد قرأت مقابلة الرئيس الأسد مع صحيفة وول ستريت جورنال قبل بضعة أشهر، وأعجبني الكلام الذي قاله الرئيس الأسد في تلك المقابلة لأنه نم عن فهم عميق لواقع المجتمع السوري. الرئيس الأسد قال أن إصلاح التعليم وإصلاح المؤسسات هي خطوات ضرورية قبل الانفتاح السياسي، وكلامه صحيح تماما. الانفتاح السياسي الكامل في هذه المرحلة سيقود سورية إلى أحد سيناريوهين:

  • السيناريو الوردي هو أن تتحول سورية إلى عراق أو لبنان جديد، أي دولة ديمقراطية وهمية ممزقة اجتماعيا وغير مستقرة سياسيا وملعبا لصراع القوى الإقليمية (كما كانت سورية قبل حزب البعث).
  • السيناريو القاتم (وهو الأرجح في الحالة السورية لخصوصيتها) هو سيناريو الحرب الأهلية الدموية والمذابح على الطريقة اليوغوسلافية.

كلا السيناريوهين معناه رجوع سورية عقودا أو قرونا إلى الوراء، والسيناريو القاتم قد يؤدي حتى إلى اختفاء الكيان السوري من الوجود، وهو احتمال قوي في ظل الأوضاع الإقليمية الحالية والصراع المحتدم بين أميركا والسعودية من جهة وإيران من جهة أخرى.

الملفت فيما نعيشه هذه الأيام هو أن البلاد قد تدهورت مجددا إلى مستنقع النزاع الأهلي كما كان الحال في السبعينات والثمانينات، فما هو سبب هذه المأساة التي أعادتنا إلى مرحلة كنا نظن أننا قد تجاوزناها؟

لا شك أن ما يحدث اليوم ليس وليد اللحظة، وهو ليس وليد “الربيع العربي” كما يزعم الإعلام الغربي. ما يحدث اليوم هو نتيجة طبيعية لتصاعد المد الطائفي في المجتمع السوري خلال العقد الماضي والذي حذر منه عشرات المفكرين والكتاب والمحللين السوريين الذين كانوا يتوقعون أننا سنصل إلى هذه المرحلة، وأذكر منهم الكاتب نبيل فياض مثلا الذي كتب كثيرا في التحذير من المد الطائفي وتعرض لعدة محاولات اغتيال بسبب ذلك.

فترة حكم الرئيس بشار الأسد شهدت تصاعدا كبيرا للطائفية في المجتمع السوري وتراجعا واضحا للثقافة الوطنية، وأهم أسباب ذلك هو المشروع الأميركي الجديد في المنطقة بعد أحداث أيلول 2001، وهذا المشروع يركز بوضوح على فكرة “الفوضى الخلاقة” التي تعني فيما تعنيه الصراع الطائفي والإثني والمناطقي، والولايات المتحدة تركز بوضوح على إثارة النعرات الطائفية في المنطقة لهدفين: الهدف الأول هو “تجفيف منابع الإرهاب” لاعتقاد الولايات المتحدة بأن الصراع الداخلي في دول المنطقة سيلهي الإرهابيين عن استهداف أميركا والغرب، وهو ما حدث بالفعل حيث أن كثيرا من الإرهابيين نسوا الولايات المتحدة وصار همهم هو استهداف الشيعة والنصارى وغيرهم. أما الهدف الثاني من الفوضى الخلاقة فهو احتواء ما يسمى بالمد الإيراني وحماية إسرائيل، وهذا الهدف مذكور بصراحة في برقيات ويكي ليكس الصادرة عن السفارة الأميركية في دمشق والتي دعت لدعم المد الوهابي في سورية لإضعاف الحلف بينها وبين إيران.

كيف تصرفت الحكومة السورية لمواجهة مشروع الفوضى الخلاقة والمد الوهابي؟ الحقيقة هي أن الحكومة السورية فشلت فشلا ذريعا في التصدي لهذه المشاريع. الحكومة السورية تساهلت في العقد الماضي مع الحركات والجمعيات والتيارات “الإسلامية” غير الوطنية التي نمت وتكاثرت في المجتمع السوري تكاثر الفطر، وكثير منها هو امتداد لتيارات خارجية وهابية ومنها حتى ما هو ممول خارجيا. والحكومة فشلت أيضا في التصدي للإعلام الفضائي الأميركي (قناة بردى مثلا) والإعلام الفضائي الوهابي الذي اخترق البيوت السورية وغسل عقول كثير من الناس، وخاصة الشباب. إن من ينزلون اليوم للشوارع في سورية يرددون إما ما تقوله قناة بردى أو ما تقوله القنوات الوهابية (ومن المضحك المبكي أن الشعارات التي يرددونها هي شعارات أميركية سعودية بحتة لا علاقة لها بالواقع السوري، كالهتافات ضد إيران وحزب الله مثلا.)

لا شك أن إمكانات الحكومة السورية المتواضعة لا تساوي شيئا أمام مشروع هائل ممول من الولايات المتحدة ومن دول الخليج النفطية، ولكن مع هذا الفارق الكبير في الإمكانات فإن تقصير الحكومة السورية هو أمر واضح ولا يمكن إخفاؤه.

الحكومة السورية قصرت أولا حينما تباطأت في إصلاح تعليمها ومؤسساتها، وقصرت ثانيا حينما لم تتصد للمد الأميركي-الوهابي بشكل جيد وفعال.

الآن وقد وقعت الواقعة واندلعت الحرب الطائفية الإقليمية على أرضنا، فما هو الحل؟

الحل صعب جدا للأسف. ما يحدث في سورية هو صراع إقليمي دولي كبير لا تستطيع الدولة السورية بمفردها وبإمكاناتها المتواضعة أن توقفه. لقد سقطنا في نفس الفخ الذي سقط فيه قبلنا لبنان والعراق وليبيا. الدولة السورية لا تستطيع أن تفعل شيئا عندما تكون قوى كبرى كالسعودية وتركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تتدخل في تفاصيل اللعبة الداخلية السورية وتقوم بدعم فريق ضد آخر. لكي تسيطر الدولة السورية على الوضع لا بد من توقف التدخلات الخارجية، وهو أمر غير وارد حاليا، بل على العكس هناك نية لدى الأتراك للتصعيد واستضافة مؤتمر لإعلان دمشق والإخوان المسلمين على أراضيها وطرح هؤلاء كبديل للنظام السوري، وقد جرى التنسيق لهذا المؤتمر بين رئيسي الاستخبارات التركية والأميركية خلال زيارة الأخير لتركيا مؤخرا. الدولة السورية ربما تتمكن من قمع الاحتجاجات كليا كما فعلت إيران قبل سنتين، ولكن المشكلة في سورية لم تكن يوما الاحتجاجات (التي هي في معظمها احتجاجات هزيلة وعديمة التأثير بعكس ما تظهره وسائل الإعلام). المشكلة التي تعاني منها سورية الآن هي الضغط الاقتصادي الشديد الذي قد يؤدي لانهيار الدولة في النهاية على النمط الصومالي. سورية ليست إيران وليست العراق وليست ليبيا؛ سورية لا تملك النفط، والضغط الاقتصادي الكبير الذي تتعرض له سورية سيؤدي في النهاية إلى مجاعات وانحلال لبنية الدولة.

سورية لا زالت تمتلك بعض الأوراق الإقليمية الهامة، وأهم نقاط قوتها هو حلفها المتين مع إيران. هل تستطيع سورية أن توقف التدخلات الخارجية بالاعتماد على أوراقها الإقليمية؟ حتى الآن لا يبدو أن هذا الأمر ناجح، ولكن ربما يتغير الوضع لاحقا.

من الأمور التي يمكن التعويل عليها أيضا الموقف التركي. تركيا –بخلاف السعودية والولايات المتحدة- هي بحاجة لعلاقات جيدة مع سورية وإيران لحماية مصالحها الاقتصادية في المنطقة، وبالتالي فمن المستبعد أن تلجئ تركيا إلى قطيعة طويلة الأمد مع سورية. إن الموقف التركي هو جوهري في هذا الصراع. تركيا –بخلاف السعودية والولايات المتحدة- ليست في حالة صراع جيوسياسي مع إيران وسورية، بل على العكس هي كانت في حالة تعاون معهما. تركيا لا تملك سببا وجيها لموقفها الحالي سوى طموحها لإشراك جماعة الإخوان المسلمين في الحكم في سورية (لأن ذلك سيزيد من نفوذها على سورية بشكل كبير)، ولكن عندما تقتنع تركيا بأنه لا أمل لها في تحقيق هذا الهدف فإنها ستغير سياستها.

تغير الموقف التركي سيعزز بالتأكيد من وضع الدولة السورية، ولكن ستبقى سورية محاصرة ومقاطعة من الغرب طالما أن أساس الصراع في المنطقة لم يحل. إن ضعف نمو الاقتصاد السوري لن يساعد الدولة السورية كثيرا في تنفيذ برامجها الإصلاحية، وبالتالي فأنا لا أرى انفتاحا سياسيا جديا في سورية في الفترة المقبلة ولا أظن أن التوتر الطائفي سيزول بل هو مرشح إلى التصاعد. إن الحصار الأوروبي (الذي جاء تحت شعار دعم الإصلاح) هو في الحقيقة سوف يؤخر الإصلاح في سورية عقودا من الزمن وسوف يزيد من التخلف والتأخر الذي يعاني منه هذا البلد.

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s